• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

إثيوبيا وعسكرة البحر الأحمر.. كيف تقرأ القاهرة رسائل برهانو جولا؟

عماد عنان٦ يوليو ٢٠٢٦

في خطاب حمل أبعادًا سياسية وعسكرية لافتة، قال رئيس أركان الجيش الإثيوبي، برهانو جولا، خلال حفل تخريج دفعة من كلية الدفاع الوطني في أديس أبابا، إن القوات المسلحة الإثيوبية شهدت توسعًا في هيكلها التنظيمي ضمن مسار الإصلاحات الجارية، وحافظت على مستوى متقدم من الجاهزية، مدعومة بأحدث المعدات والتقنيات العسكرية.

وربط جولا هذه الجاهزية بما وصفه بسعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري، معتبرًا أن تدهور الأوضاع الأمنية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي يفرض على بلاده الحفاظ على استعداد عسكري عالٍ، متجاوزًا تلك النقطة إلى ماهو أبعد من ذلك، إذ وجه تحذيرًا مباشرًا إلى ما سماه “جهات خارجية” و“جماعات مسلحة محلية” قال إنها تعمل بتنسيق مشترك لتقويض أمن إثيوبيا ومنعها من أداء دورها في تحقيق الاستقرار الإقليمي والتحول إلى دولة محورية في المنطقة.

وتعكس مثل هذه التصريحات، التي تأتي بعد الفوز الكاسح لحزب الازدهار الحاكم في الانتخابات الأخيرة، تحولًا نوعيًا في الخطاب الإثيوبي بشأن ملف الوصول إلى البحر، إذ انتقلت أديس أبابا من الحديث عن الحاجة الاقتصادية والتجارية إلى ربط الملف صراحة بالجاهزية العسكرية والأمن القومي.

وتواصل إثيوبيا التأكيد على ما تعتبره حقًا استراتيجيًا في امتلاك منفذ على البحر الأحمر، بعد أن أصبحت دولة حبيسة منذ استقلال إريتريا عام 1993، ما جعلها تعتمد بصورة رئيسية على موانئ دول الجوار، وفي مقدمتها ميناء جيبوتي، وهو ما تقول إنه يفرض عليها كلفة اقتصادية باهظة في تجارتها الخارجية.

وفي المقابل، تنظر مصر وإريتريا بقلق إلى أي محاولة إثيوبية للحصول على موطئ قدم على البحر الأحمر، باعتبار أن إثيوبيا ليست دولة مشاطئة، ومع إصرار رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد على تحقيق هذا الهدف، ورفض القاهرة وأسمرة لأي وجود إثيوبي منفرد أو ذي طابع عسكري على البحر، تبدو العلاقات بين القاهرة وأديس أبابا أمام مرحلة أكثر تعقيدًا.. فكيف تقرأ القاهرة تصريحات رئيس أركان الجيش الإثيوبي؟

عسكرة ملف البحر الأحمر

لا يمكن قراءة تصريحات رئيس أركان الجيش الإثيوبي باعتبارها مجرد موقف عابر أو خطاب داخلي محدود، فهي تكشف عن تحول لافت في مقاربة أديس أبابا لملف الحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر، فبعدما ظل هذا الملف يُطرح لعقود بوصفه قضية اقتصادية وتجارية قابلة للمعالجة عبر المسارات الدبلوماسية واتفاقات استخدام الموانئ، جاء الخطاب الأخير ليمنحه بعدًا عسكريًا واضحًا، مستخدمًا لغة تهديد مبطنة تجاه كل من قد يعوق ما تعتبره إثيوبيا حقًا استراتيجيًا وحلمًا وطنيًا.

وحين يربط رئيس الأركان بين السعي إلى منفذ بحري وبين رفع جاهزية القوات المسلحة، في وقت تؤكد فيه أديس أبابا أن الوصول إلى البحر يمثل أولوية استراتيجية، وأن تدريباتها العسكرية باتت تشمل المجال البحري، فإن ذلك يعني أن الملف تجاوز إطاره التقليدي، وانتقل من مساحة المطالب الاقتصادية إلى مربع الأمن القومي والتعبئة العسكرية.

ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن إثيوبيا تدفع بملف البحر الأحمر نحو مرحلة أكثر حساسية، عنوانها توسيع أدوات الضغط وربط الطموح البحري بالقوة العسكرية، وهي رسالة لن تمر دون صدى لدى الدول الرافضة لهذا التوجه، وفي مقدمتها مصر وإريتريا والصومال، التي ترى في أي وجود إثيوبي ذي طابع سيادي أو عسكري على البحر الأحمر تهديدًا مباشرًا لتوازنات الأمن الإقليمي في القرن الأفريقي وممرات الملاحة الحيوية.

أديس أبابا واستراتيجية الضغط المتعدد

تنظر القاهرة إلى التحركات الإثيوبية الأخيرة باعتبارها جزءًا من استراتيجية ضاغطة باتت مألوفة في سلوك أديس أبابا، تقوم على فتح أكثر من مسار للأزمة في وقت واحد، بهدف توسيع هامش المناورة وفرض معادلات جديدة على خصومها الإقليميين، فقد بدأ هذا النهج بملف سد النهضة، ثم امتد إلى المطالبة بمنفذ بحري على البحر الأحمر، قبل أن يتقاطع لاحقًا مع ملف أرض الصومال وتعزيز التقارب مع إسرائيل.

ومن هذا المنظور، تقرأ القاهرة الرسائل الإثيوبية مبكرًا بوصفها محاولة لفرض أمر واقع استراتيجي، وممارسة أقصى درجات الضغط لدفع الجانب المصري إلى التراجع أو إبداء قدر أكبر من المرونة في المسارات التفاوضية، فالرؤية الإثيوبية، كما تفهمها القاهرة، تقوم على أن مصر تسعى إلى انتزاع أكبر قدر من المكاسب عبر التفاوض، الحد من تشدد أديس أبابا في ملف السد، ومنع منح إثيوبيا منفذ بحري، ورفض أي ترتيبات تمس وحدة الصومال، والقلق من تمدد التقارب الإثيوبي الإسرائيلي في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

في المقابل، تحاول أديس أبابا توظيف أكثر من ورقة استراتيجية للضغط على القاهرة، وفق منطق المقايضة السياسية والأمنية، فملف المنفذ البحري قد يُطرح ضمنيًا كورقة تفاوضية في مواجهة التشدد المصري في ملف سد النهضة، بينما يجري استخدام التقارب مع إسرائيل، والانفتاح على ترتيبات في أرض الصومال، كأدوات لإعادة تشكيل ميزان الضغط في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

وبذلك، لا تتعامل القاهرة مع التحركات الإثيوبية باعتبارها ملفات منفصلة، بل كحزمة واحدة تستهدف إعادة ترتيب قواعد الاشتباك الإقليمي، فالمسألة لم تعد مقتصرة على خلاف مائي حول سد النهضة، وإنما باتت تمتد إلى توازنات البحر الأحمر، ووحدة الصومال، وأمن الملاحة، وحدود النفوذ الإسرائيلي في المجال الحيوي المصري.

ثلاثة قراءات

يمكن قراءة تصريحات رئيس أركان الجيش الإثيوبي من خلال ثلاثة سيناريوهات رئيسية، الأول كونها خطابًا تعبويًا ذا طابع داخلي، يستهدف دغدغة المشاعر القومية للإثيوبيين، خاصة بعد الفوز الكبير للحزب الحاكم في الانتخابات، وفي ظل اعتماده المتزايد على توظيف المشروعات القومية الكبرى لتعزيز شرعيته وشعبيته في الداخل، وعليه قد تُقرأ هذه التصريحات باعتبارها امتدادًا لهذا الخطاب القومي الذي يقدم المنفذ البحري كحلم وطني جامع.

أما السيناريو الثاني، فيتعلق بمحاولة توجيه رسائل ضغط وإنذار مبطنة إلى القاهرة وأسمرة، عبر التلويح بإمكانية عسكرة ملف المنفذ البحري بعد أن ظل يُطرح لفترة طويلة باعتباره ملفًا اقتصاديًا وسياسيًا، وتستند أديس أبابا في هذا المسار إلى إدراكها لحساسية الموقف المصري من أي تغيير في توازنات القرن الأفريقي والبحر الأحمر، لا سيما مع دخول إسرائيل على خط التفاعلات الإقليمية، وسعيها إلى توسيع حضورها في منطقة ذات أهمية لوجستية واستراتيجية بالغة.

أما السيناريو الثالث، فينطوي على احتمال الانتقال إلى تصعيد عسكري مباشر بالتوازي مع التصعيد السياسي، وهو السيناريو الأضعف في المرحلة الراهنة، فإثيوبيا تدرك كلفة هذا الخيار في ظل ما تواجهه من اضطرابات أمنية داخلية، وتوترات حدودية، وتعقيدات إقليمية قد تجعل أي مغامرة عسكرية عبئًا إضافيًا على الدولة، بدل أن تكون أداة لتعزيز نفوذها أو تحقيق طموحها في الوصول إلى البحر الأحمر.

كيف تتحرك القاهرة؟

بصرف النظر عما إذا كانت تصريحات رئيس أركان الجيش الإثيوبي تندرج ضمن خطاب تعبوي داخلي، أو تعكس تصعيدًا محسوبًا وتكثيفًا لأوراق الضغط التي توظفها أديس أبابا، فإن القاهرة لا تستطيع التعامل معها باعتبارها مجرد موقف عابر، فحتى لو بقيت التصريحات في إطار التلويح والتهديد، فإن مجرد نقل ملف المنفذ البحري من المسار السياسي والدبلوماسي إلى حيز الخطاب العسكري يفتح الباب أمام منحى أكثر خطورة في التفاعلات الإقليمية.

ووفقًا للعقيدة السياسية المصرية الراهنة، يبدو خيار الرد العسكري مستبعدًا إلى حد كبير، وهو ما ظهر بوضوح منذ بداية أزمة سد النهضة، حيث فضّلت القاهرة إدارة الخلاف عبر المسارات السياسية والدبلوماسية والقانونية، رغم تعثرها المتكرر، وعليه، يبقى التحرك السياسي والدبلوماسي هو الخيار الأكثر ترجيحًا في التعامل مع التصعيد الإثيوبي الجديد، سواء عبر دعم وحدة الصومال في المحافل العربية والأفريقية والدولية، أو تعزيز التقارب مع إريتريا، أو بناء تفاهمات إقليمية أوسع مع قوى مؤثرة مثل السعودية وتركيا لمواجهة محاولات إعادة تشكيل التوازنات في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، فضلًا عن الرهان على واشنطن وإدارة دونالد ترامب لدعم الموقف المصري في هذا المسار.

غير أن الإشكالية الأساسية تكمن في أن الحراك الدبلوماسي المصري، رغم أهميته، لم ينجح حتى الآن في ردع أديس أبابا عن اتباع سياسة الأمر الواقع، فقد تعاملت إثيوبيا مع القاهرة خلال أكثر من ثلاثة عشر عامًا بمنطق “الخطوة تلو الأخرى”، بدأت بسد النهضة حتى اكتمل بناؤه، ثم انتقلت إلى المطالبة بمنفذ بحري، ووقّعت مذكرة تفاهم مع أرض الصومال، بالتوازي مع تعزيز تقاربها مع إسرائيل وتوسيع هامش حركتها في القرن الأفريقي.

ومن هنا، تخشى القاهرة أن يتكرر السيناريو ذاته في البحر الأحمر؛ أي أن تستمر إثيوبيا في التدرج الهادئ والمحسوب، إلى أن تجد المنطقة نفسها أمام حضور بحري إثيوبي فعلي، مدعوم إسرائيليًا وربما أمريكيًا، تحت ذرائع الحق التاريخي أو الضرورة الاقتصادية أو ضمانات شكلية لتبديد المخاوف المصرية والإقليمية، عند هذه النقطة يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: ماذا ستفعل القاهرة إذا تحوّل الطموح الإثيوبي إلى واقع بحري قائم بالفعل؟ وهل سيكون التحرك حينها قادرًا على تغيير المعادلة، أم أن الوقت سيكون قد مضى كما حدث في ملف سد النهضة؟

علاماتالبحر الأحمر ، حكومة السيسي
مواضيعالبحر الأحمر ، الشأن الإثيوبي ، الشأن المصري ، العلاقات الإسرائيلية الإفريقية ، القرن الأفريقي

قد يعجبك ايضا

سياسة

تلال علي الطاهر.. مفتاح السيطرة وبوابة التفاوض بين لبنان و”إسرائيل”

نون إنسايت٦ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

“الأوكتاجون” المصري.. هاجس يناير الذي لم يفارق نظام السيسي

فريق التحرير٥ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

من حارس حدود إلى صانع نفوذ.. لماذا لا يملك الناتو رفاهية تجاوز تركيا؟

نون إنسايت٥ يوليو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑