لم تنفجر الأزمات الاقتصادية في العراق فجأة، بل هي نتاج عقود من الإهمال، والعشوائية، وغياب التخطيط العلمي. وهي ثمرة فوضى عارمة ضربت المشهد العراقي برمته دون أن تقتصر على قطاع دون آخر؛ ومع ذلك، يبقى قطاع الاقتصاد -الذي يمثل عصب الدولة والمؤشر الأبرز لنجاح سياساتها أو فشلها- مهيمنًا على النقاش العام، وصاحب القدح المعلّى في التعاطي مع مختلف الملفات السياسية والأمنية الأخرى.
ولا يمكن وصف الاقتصاد العراقي بأنه اقتصاد سوق “رأسمالي” بالكامل، ولا هو يقابل في محدداته المفهوم التقليدي للاقتصاد الاشتراكي، بل هو ليس حتى خليطًا متوازنًا بين هذا وذاك، كما هو الحال في الاقتصاد الصيني أو بعض اقتصادات الدول الصاعدة التي نفضت عن كاهلها إرث العقود الاشتراكية.
إن الاقتصاد العراقي هو حالة نادرة واستثنائية لا تشبه غيرها في المنطقة أو العالم؛ إذ غابت مسطرة التخطيط عنه لعقود طويلة. فمنذ أن دخل العراق حربه الطويلة مع إيران عام 1980، جرى استنزاف قدراته الاقتصادية وتسخير مختلف موارد البلاد لتمويل المجهود الحربي وصمود الجبهات، تلا ذلك غزو الكويت وما أعقبه من حصار دولي جائر شلّ أركان الدولة العراقية كافة، ولم يقتصر على تدمير بنية اقتصادها فحسب.
وإذا ما جاءت سنة الغزو الأمريكي 2003، كان الاقتصاد العراقي يلفظ أنفاسه الأخيرة، لتبدأ مرحلة أخرى من غياب التخطيط وعشوائية الفعل وصولًا إلى تحول البلاد التي تنام على حقول من النفط، إلى واحدة من بين البلاد التي يمكن وصفها بالفقيرة قياسًا بمستوى دخل الفرد العراقي الذي وصل إلى 5409 دولار أمريكي سنويًا بحسب مؤشرات مجموعة البنك الدولي، وهو رقم متدن قياسًا بما ينتجه العراق من نفط يصل إلى 4 مليون برميل يوميًا.
في غمرة هذا المشهد الذي تطغى عليه السوداوية، جاءت حكومة علي الزيدي بعد مخاض أعقب انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني 2025، لتجد نفسها محاصرة بكم كبير من تلك المشكلات التي يبدو أنها ستشكل العقبة الأبرز، فإما أن ينجح رجل الأعمال في تذليل جزء منها أو أنها قد تؤدي إلى كتابة نهاية غير سعيدة لحكومة مازال الكثير من العراقيين يرون فيها بأنها حكومة “الأمل الأخير”.
النفط مأزق الإنتاج.. ومأزق التصدير
يعتمد العراق على النفط بشكل كبير، تشير بعض التقديرات أن نحو 90% من إيرادات البلاد تأتي من النفط، بواقع تصدير يبلغ نحو 4 مليون برميل يوميًا، الأمر الذي جعل من اقتصاد البلاد كله رهينة بتقلبات أحوال وأسعار النفط، في منطقة تعيش على سطح صفيح ساخن منذ عقود، فهي ما بين حرب وحرب تتلظى في حالة من عدم الاستقرار، ما دفع العديد من الدول المنتجة للنفط والتي قامت اقتصاداتها عليه إلى محاولة الخروج من عنق الزجاجة وتنويع مصادرها المالية وهو ما لم يتح للعراق حتى الآن الخارج من أتون معاركه التي لا تنتهي.
كشفت أزمة إغلاق مضيق هرمز عن وضع كارثي أصاب الاقتصاد العراقي الذي يعتمد بنسبة كبيرة على تصدير أهم سلعه: النفط، عبر المضيق، حيث يصدر العراق نحو 85% من نفطه عبر هرمز الأمر الذي انعكس على واقع الاقتصاد العراقي بشكل عام بالتزامن مع إغلاق إيران للمضيق بعد اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية عليها نهاية شهر فبراير/شباط الماضي.
هذا الوضع الكارثي الناجم عن إغلاق المضيق دفع بالعراق إلى التفكير بالبدائل والبحث عن منافذ أخرى لتصدير نفطه، خطوة تأخرت كثيرًا في ظل مناكفات سياسية داخلية منعت اللجوء لهذا الخيار منذ سنوات، فلقد عطلت مشروعًا عراقيًا لمد أنبوب نفطي من البصرة إلى ميناء العقبة الأردني، كما منعت الخلافات التي طغت على العلاقة بين العراق وسوريا عقب سقوط نظام بشار الأسد من تفعيل خط أنابيب النفط العراقي عبر بانياس السورية، في حين كان خط أنابيب جيهان من شمال العراق إلى تركيا عرضة للخلافات المستمرة بين بغداد وأربيل بشأن حصص الإقليم من الموازنة الاتحادية ومساعي بغداد لوضع يدها على أموال النفط الذي يصدره الإقليم دون أن يدخل في خزينة الدولة العراقية.
الواقع المرير المتعلق بتدفق النفط عبر هرمز والذي لا يبدو أنه يمكن أن يحل قريبًا، دفع الحكومة العراقية إلى وضع أولى لبنات “تغيير مسار ” تصدير النفط عبر منافذ أخرى، وهو ما أعلنه بيان حكومي مطلع يونيو/حزيران الماضي في محاولة لسد النقص الهائل الإيرادات المالية بسبب إغلاق هرمز، بحثًا عن الوصول إلى أكثر من مليون برميل تصدير يومي عبر خطوط الأنابيب.
وحتى ذلك الحين، صارت الشحنات النفطية العراقية المنقولة برًا، تمر عبر سوريا وصولًا إلى ميناء طرطوس كحل وقتي يمكن أن يساهم في تخفيف شدة الخناق الذي بات يضرب القطاع الاقتصادي العراقي، الذي تشير بعض التقديرات إلى أنه خسر نحو 37 مليار دولار جراء إغلاق مضيق هرمز.
البحث في الدفاتر القديمة، دفع بحكومة علي الزيدي أيضًا إلى البحث عن منافذ أخرى تكون أكثر قدرة على استيعاب المرحلة الراهنة والقادمة، خاصة في ظل تحديات باتت تضغط على يوميات المواطن العراقي، فكان لا بد من التفكير بخط أنابيب النفط العراقي السعودي الذي يمتد من مدينة الزبير جنوبي العراق إلى ميناء ينبع غربي السعودية على البحر الأحمر، والذي توقف العمل به منذ عام 1990، بطول يصل لنحو 1568 كيلومترًا وتبلغ طاقته التشغيلية نحو 1.6 مليون برميل يوميًا.
كل هذه الخيارات ستبقى خيارات طارئة إن لم ترافقها خطة حكومية واضحة المعالم قادرة على التعامل مع الاقتصاد بطريقة الفعل ورد الفعل، كما جرى مع حكومة محمد شياع السوداني التي أنهت فترتها بمحاولة زيادة الإيرادات عبر تعظيم موارد الدولة مستخدمة الضرائب وزيادة التعرفة الجمركية وسيلة للوصول إلى ذلك.
التعرفة الجمركية.. هل تستمر؟
اعتبارًا من مطلع يناير/كانون الثاني الماضي 2026، قررت الحكومة السابقة برئاسة محمد شياع السوداني، تطبيق التعرفة الجمركية الجديدة بنسبة 15% الأمر الذي دفع بالعديد من التجار ورجال الأعمال إلى التحذير من تداعيات هذا القرار على حياة المواطن العادي، رغم أن الحكومة أكدت أن قراراها بزيادة التعرفة الجمركية لن يشمل السلع الضرورية التي تمس حياة المواطن.
ورغم أن هذا الإجراء كان يحمل دافعًا تنظيميًا واقتصاديًا نظريًا، إلا أن تطبيقه في بلد يستورد أكثر من 85% من احتياجاته الاستهلاكية والغذائية أحدث صدمة تضخمية في السوق المحلية.
تسببت الرسوم الجمركية المرتفعة، بالتوازي مع الفساد المستشري في بعض المنافذ والبيروقراطية الإدارية، في قفزات حادة بأسعار المواد الغذائية، والأدوية، والمواد الإنشائية.
هذا الارتفاع دفع بالفئات الهشة ومتوسطة الدخل إلى حافة الضيق المعيشي، مما أثار موجة استياء واسعة ضد السياسات المالية الحكومية، وجعل مهمة حكومة الزيدي الحالية ترتكز على محاولة موازنة هذه الرسوم وتخفيف الأعباء المعيشية دون التضحية بخطط الإصلاح الضريبي.
الدينار والدولار.. البقاء للأنفع
لا مجال للحديث عن أزمات مرجلة أو متراكمة في العراق دون المرور على ثنائية الدينار والدولار، ففي بلد خرج من أتون حروب وحصار ليدخل في ثقب الفساد الأسود، لا مجال للحديث عن ترف سعر الصرف، فعلى الرغم من أن الحكومة قررت تسعير صرف الدولار وحددته بـ 130 دينار عراقي، إلا أنك لن تحصل على هذا السعر إلا في المنافذ الرسمية، شريطة أن يكون لذلك سبب، وهو السفر حيث يحق لكل مواطن أن يشتري الدولار بالسعر الرسمي شريطة ألا يتجاوز قيمة مشترياته 2000 دولار، كمحاولة للحد من عمليات تهريب الدولار للخارج.
لكن، خارج المؤسسات المصرفية الرسمية فإن سعر الدولار لا يقل عن 150 دينار عراقي، هامش رقمي تحرك فيه الكثير من المستفيدين، وشركات السفر ومهربي العملة الصعبة.
يقف علي الزيدي أمام مفترق طرق، فهو مطالب “أمريكيًا” أن يضع حدًا لتهريب الدولار، وتحديدًا إلى إيران، بالمقابل هو لا يملك القدرة المؤسسية التي تمنحه قدرة التعامل مع “حيتان” الفساد التي تمتلك الكثير من المصارف والشركات ومتغلغلة في كل مفاصل الدولة ولديها من النفوذ السياسي والمالي وحتى العسكري ما يعيق أي تحرك جدي لمواجهتها فضلًا عن هشاشة الوضع الاقتصادي العراقي وشح الدولار المرتبط أصلًا بما يحوله الفيدرالي الأمريكي من كميات شهرية من أموال صادرات النفط العراقي التي تذهب أولًا إلى الخزائن الأمريكية.
الزيدي القادم من خلفية اقتصادية بصفته رجل أعمال، يحاول أتمتة النظام المصرفي وتحويل التجارة العراقية عبر القنوات المصرفية المعتمدة والمعترف بها أمريكيًا، مع انفتاح على وزارة الخزانة الأمريكية وإثبات جدية في التعامل مع قضايا الفساد وخاصة تلك المتعلقة بتهريب الدولار، كما جرى في عملية اعتقال العشرات من السياسيين ورجال الأعمال في نهاية يونيو/حزيران الماضي في العملية التي باتت تعرف بـ “صولة الفجر”.
إجراءات وإن بدت ضرورية إلا أنها لن ترد مباشرة إلى جيب المواطن العراقي، فالدولار وثبات سعر صرف الدينار أمامه بحاجة إلى إجراءات لتعزيز الثقة بخطوات الحكومة قبل كل شيء، هذه الخطوات التي مازال ينظر إليها بعين الشك والريبة خاصة وأنها لم تطل حتى الساعة العديد من كبار المتحكمين بالسوق عبر منافذ الفساد التي لا يمكن حصرها.
اقتصاد الميلشيات.. طريق محفوف بالألغام
ظل اقتصاد الميلشيات أحد أبرز المشاكل التي عانت منها حكومات عراقية سابقة، فهي تدرك جيدًا أن هذا الملف أعقد من أن يتم تناوله أو الحديث عنه، فأنت هنا تتحدث عن ميلشيات تمتلك زمام السياسة وتأتي برئيس الحكومة وتوافق على تشكيلة حكومته عبر أذرعها السياسية، وفي الوقت ذاته هي أحد أذرع الفساد المستشري في البلد.
يدرك علي الزيدي أن التعامل مع ملف اقتصاد الميلشيات معقد، لكنه هذه المرة مطالب بفعل ما عجز عنه الآخرون أو غضوا الطرف عنه، لأن خلاف ذلك سيعني مزيدًا من العزلة السياسية والاقتصادية للعراق، عزلة يدرك الزيدي وفريقه الحكومي أنه ستكون رصاصة الرحمة ليس على رأس حكومته وإنما على كامل العملية السياسية التي بدأت عقب الغزو الأمريكي للعراق عام 2003.
مشكلة الميلشيات ليس في سلاحها الذي يهدد وجود الدولة في ظل ولاء خارجي لا يعترف بمشروعية السيادة الوطنية وإنما في تلك القوى الاقتصادية الهائلة التي باتت تمثلها، يكفي أن نشير هنا أن غالبية المشروعات التي تنفذ في العراق عائديتها تكون للميلشيات المسلحة عبر تقاسم للنفوذ المالي شبيه إلى حد كبير بتقاسم النفوذ العسكري.
أمام ثنائية المال والسلاح التي تتحكم بها الميلشيات المسلحة، يجد الزيدي نفسه محاصرًا، بالتالي فإنه يحاول تفكيك المشهد المعقد، فالمنفذ الذي يمكن أن يقود إلى تفكيك سلاح الميلشيات وحصره بيد الدولة يبدأ من المال ومحاصرة اقتصاديات تلك الفصائل التي وإن بدت في كثير من الأحيان أنها منسجمة مع خطة حصر السلاح إلا أنها في الوقت ذاته تدرك أن خسارة السلاح يمكن أن يكون بداية لخسارة المال، لذلك فإنها تتعامل بتحفظ واضح مع أي طرح يتعلق بحصر السلاح وإن عبرت عن مواقف مؤيدة، غالبيتها وليست كلها، لتبقى مهمة الزيدي محفوفة بمخاطر الانزلاق نحو مواجهة لا يريدها مع تلك الميلشيات، خاصة إذا ما وصلت يده إلى مكامن قوة الميلشيات، المال.
الوظيفة.. البطالة برداء حكومي
تشير بعض التقديرات أن عدد موظفي القطاع الحكومي في العراق قبل 2003 لم تصل إلى 800 ألف موظف حكومي، ما عدا القطاعات العسكرية والمسلحة، لكن ومع نهاية عام 2025، تحدثت بعض التقديرات إلى أن عدد موظفي القطاع الحكومي بلغ 5 مليون موظف وعدد من يتقاضى الرواتب يصل إلى 9 مليون مواطن بعد شمول أعداد المتقاعدين والمشمولين بالرعاية الاجتماعية، وهو ما يعني أن 60% من ميزانية العراق تذهب كأجور لموظفي القطاع الحكومي وهي في تصاعد.
مشكلة التوظيف في العراق تمثل تحديًا آخر أمام حكومة علي الزيدي، فليس المطلوب أيقاف التوظيف في القطاع الحكومي لما يسببه من ترهل وبطالة مقنعة فقط، وإنما أيضًا معالجة الأعداد الموجودة حاليًا في القطاع الحكومي والتي تشكل عبئًا كبيرًا على موارد الدولة الاقتصادية، فضلًا عن سعي الحكومة إلى فتح منافذ جديدة للشباب العراقي للعمل بعيدًا عن قطاع الحكومة من خلال تنشيط القطاع الخاص الذي ما زال يعاني من عقدة القوانين والثقة التي تدفع المستثمرين للدخول إلى السوق العراقية.
الحل في “الحل”
يواجه علي الزيدي واقعًا اقتصاديًا معقدًا ومتراكمًا، لا يمكن حله بإجراءات جزئية أو حلول طارئة.
فالأزمة ليست في النفط وحده، ولا في سعر الصرف، ولا في التعرفة الجمركية، بل في بنية اقتصادية مشوهة تجمع بين الاعتماد المفرط على مورد واحد، ونفوذ اقتصادي موازٍ خارج سيطرة الدولة، وقطاع عام متضخم يعوق الإصلاح.
إن نجاح حكومة الزيدي مرهون بقدرتها على التعامل مع “اقتصاد الميليشيات” كمدخل أساسي لأي إصلاح حقيقي، لأن هذا الاقتصاد الموازي يشكل العائق الأكبر أمام حصر السلاح وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
كما أن أي محاولة لتنويع مصادر الدخل أو تنشيط القطاع الخاص ستبقى محدودة التأثير ما لم تُرفق بإجراءات جريئة لمكافحة الفساد المالي والمصرفي.
يملك الزيدي خلفية اقتصادية قد تساعده في فهم تعقيدات الملفات، لكنه يفتقر إلى الغطاء السياسي الكافي والأدوات المؤسسية اللازمة لمواجهة شبكات المصالح المتجذرة.
وبينما ينظر كثير من العراقيين إلى حكومته باعتبارها “الأمل الأخير”، فإن استمرار الوضع على ما هو عليه دون إصلاحات هيكلية عميقة قد يحول هذا الأمل إلى خيبة جديدة، ويؤكد مرة أخرى أن الأزمات الاقتصادية في العراق لا تنتظر “عصا سحرية”، بل تحتاج إلى إرادة سياسية قوية وقرارات مؤلمة لم تتوفر بعد.