• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

تحريض إسرائيلي ضد أنقرة لاستضافتها قمة الناتو.. ما الذي تخشاه تل أبيب؟

عماد عنان٧ يوليو ٢٠٢٦

يبدو أن استضافة أنقرة لقمة حلف شمال الأطلسي، وما تعكسه من تصاعد في الحضور التركي داخل المنظومة الأطلسية، قد أثارت انزعاجًا واضحًا في تل أبيب وداخل حكومة بنيامين نتنياهو، فالمواقف والتصريحات الإسرائيلية الأخيرة تكشف حالة ارتباك سياسي لافتة، خصوصًا في ظل الخطاب الدبلوماسي الودي الذي يتبناه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخرًا تجاه نظيره التركي رجب طيب أردوغان.

وقبيل ساعات من انطلاق القمة، التي تستضيفها تركيا يومي 7 و8 يوليو/تموز الجاري، خرج رئيس حكومة الاحتلال عبر شبكة “فوكس نيوز” متبنيًا خطابًا تحريضيًا ضد أنقرة ورئيسها، وموجهًا مناشدة صريحة إلى الرئيس الأمريكي لإعادة النظر في أي خطوات قد تسهم في تعزيز القوة الإقليمية لتركيا، في مقدمتها احتمالية فتح الباب مجددًا أمام الجمهورية التركية للحصول على مقاتلات “إف-35” الشبحية.

ولم يكن التحفظ الإسرائيلي على تعاظم الدور التركي داخل الناتو أمرًا جديدًا، غير أن اللافت هذه المرة هو انتقاله إلى مستوى غير مسبوق من العلنية والحدة، بعيدًا عن الحسابات الدبلوماسية التقليدية،  كما أن صعود النفوذ التركي داخل هذا التحالف الكبير لم يكن مفاجئًا لتل أبيب، لكنه بات اليوم أكثر إزعاجًا في ضوء التحولات الإقليمية والدولية الأخيرة.. فما الدوافع الحقيقية وراء هذا الموقف الإسرائيلي المتشدد في هذا التوقيت تحديدًا؟

ليست حدثًا بروتوكوليًا.. هكذا ترى تل أبيب القمة

لم تنظر إسرائيل إلى استضافة أنقرة لقمة حلف شمال الأطلسي باعتبارها حدثًا عابرًا أو إجراءً بروتوكوليًا يندرج ضمن اللوائح التنظيمية للحلف، بل قرأتها من زاوية سياسية مختلفة، وفي توقيت بالغ الحساسية بالنسبة لتل أبيب، فقد اعتبرت أن هذه الاستضافة تمثل لحظة كاشفة لصعود الدور التركي داخل المنظومة الأطلسية، ورسالة تؤكد قدرة أنقرة على تثبيت حضورها كلاعب مؤثر داخل أحد أهم التحالفات العسكرية في العالم.

وبحسب الرؤية الإسرائيلية، فإن احتضان تركيا لهذه القمة يمنحها، بوصفها الدولة المضيفة، مساحة رمزية وسياسية واسعة لاستعراض نفوذها وموقعها داخل التحالف، فضلًا عن توظيف الحدث لإبراز قدرتها على التحرك بثقة داخل المعسكر الغربي، وهو ما قد ينعكس، من وجهة النظر الإسرائيلية، على تعزيز مكانة أنقرة وتأثيرها في دوائر القرار الغربية، ليس فقط داخل الناتو، بل في الملفات الإقليمية المتشابكة مع مصالح الحلف والولايات المتحدة.

كما شكّل توقيت القمة عاملًا مهمًا في تشكيل القراءة الإسرائيلية لهذا الحدث، إذ جاءت في ظل تصاعد الخطاب العدائي بين أنقرة وتل أبيب، واتساع السجال السياسي والإعلامي بين الجانبين، إلى جانب التحركات الدبلوماسية والعسكرية التي تقوم بها تركيا في المنطقة خلال الفترة الأخيرة، والتي تنظر إليها تل أبيب بعين القلق والترقب، معتبرة أنها تستهدف تطويق نفوذها الإقليمي، والحد من قدرتها على تمرير أجندتها في الشرق الأوسط، خصوصًا في ملفات سوريا وشرق المتوسط وتوازنات القوة داخل الإقليم.

خطاب تحريضي بامتياز

استبقت تل أبيب انعقاد قمة الناتو في أنقرة بخطاب سياسي وإعلامي تحريضي واضح، ارتكز في جوهره على التحذير من توظيف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لهذا الحدث لتكريس صورة جديدة لتركيا داخل الحلف، بوصفها شريكًا لا يمكن تجاوزه في منظومة الأمن الأوروبي وتوازنات المنطقة، وبذلك تسعى أنقرة، من وجهة النظر الإسرائيلية، إلى تجاوز الصورة التي جرى ترويجها لسنوات باعتبارها “العضو المشاغب” داخل التحالف الأطلسي، والانتقال إلى موقع الدولة المحورية القادرة على التأثير في حسابات الغرب الأمنية والسياسية.

من هنا، جاء الخطاب الإسرائيلي محذرًا قادة الناتو والمعسكر الغربي عمومًا من تداعيات تنامي النفوذ التركي، ليس فقط على مستقبل الأمن الأوروبي، بل أيضًا على موقع إسرائيل ومصالح الغرب في الشرق الأوسط، فتل أبيب تنظر إلى التحركات التركية باعتبارها محاولة لتوسيع دائرة النفوذ داخل الإقليم، بما قد يحد من هامش الحركة الإسرائيلي ويهدد معادلة التفوق التي حرصت إسرائيل طويلًا على ترسيخها عسكريًا وسياسيًا.

وفي هذا السياق جاءت تحركات بنيامين نتنياهو، الذي طالب الرئيس الأمريكي بالامتناع عن بيع أنظمة تسليح متقدمة لأنقرة، أو اتخاذ أي خطوات قد تساعد تركيا على تحديث قواتها الجوية، كما حذر من تزويدها بمقاتلات “إف-35” أو محركات متطورة لطائراتها، معتبرًا أن مثل هذه الخطوات قد تؤثر على التفوق الجوي الإسرائيلي وتخل بتوازنات القوة في المنطقة.

الخطاب التحريضي ذاته تبناه وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، الذي حاول نقل الخلاف مع أنقرة من كونه توترًا ثنائيًا إلى قضية تهم دول الناتو نفسها، فقد ركز على تصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان ضد إسرائيل، واصفًا إياها بأنها “تحريض على الإبادة”، وداعيًا حلفاء تركيا داخل الحلف إلى إدانتها، في محاولة واضحة لإحراج أنقرة أمام شركائها الأطلسيين قبيل انعقاد القمة.

أما على المستوى الإعلامي، فلم يختلف المسار كثيرًا، وإن بدا أكثر صراحة في التعبير عن القلق الإسرائيلي من استضافة تركيا للقمة، فقد صوّر الإعلام العبري الحدث باعتباره استعراضًا للقوة التركية، ومحاولة من أردوغان للخروج منه بصورة “المنتصر الاستراتيجي”، فيما ذهبت تغطيات أخرى إلى أن أنقرة تسعى إلى إعادة تعريف موقعها داخل الناتو، من عضو مثير للجدل إلى شريك ضروري لا يمكن الاستغناء عنه في الحسابات الأمنية والعسكرية الغربية.

ما الذي يقلق الكيان؟

يمثل هذا التنامي التركي داخل المعادلة الغربية أحد أكثر مصادر القلق لدى الكيان الإسرائيلي، خشية أن تتحول أنقرة إلى شريك أمني مفضل لدى واشنطن في عدد من الملفات الإقليمية، خاصة في ظل العلاقة القوية التي تجمع الرئيس الأمريكي بنظيره التركي، والذي وصفه ترامب في أكثر من مناسبة بأنه “صديق” و”رئيس قوي”.

وتتزايد المخاوف الإسرائيلية من أن تدفع هذه العلاقة الإيجابية بين واشنطن وأنقرة الرئيس الأمريكي إلى إبداء مرونة أكبر في إعادة فتح الطريق أمام تركيا للعودة إلى برنامج مقاتلات “F-35″، رغم استبعادها منه عام 2019 عقب شرائها منظومة الدفاع الصاروخي الروسية “S-400” ، وترى تل أبيب أن أي اختراق في هذا الملف سيعزز القدرات العسكرية التركية، خصوصًا الجوية، بما ينعكس على توازنات القوة في المنطقة.

ومن هذا المنطلق، تنظر إسرائيل إلى صعود تركيا داخل الناتو، في ظل ما يعاني منه الحلف من هشاشة مؤخرًا،  باعتباره تطورًا قد يمنح أنقرة مكانة أكبر ومساحة أوسع لمخاطبة الغرب من موقع قوة، وفرض مقارباتها في عدد من الملفات الإقليمية، بما في ذلك الملفات التي تتقاطع مباشرة مع المصالح والحسابات الإسرائيلية، وهو ما قد يؤدي، وفق القراءة الإسرائيلية، إلى تقليص هامش الحركة الذي اعتادت تل أبيب التحرك من خلاله في المنطقة.

وفي السياق ذاته، فإن تعاظم الحضور التركي داخل الحلف الأطلسي قد يحد من قدرة إسرائيل على تسويق سرديتها داخل المعسكر الغربي، ويفتح المجال أمام رواية سياسية مغايرة تناقض الطرح الإسرائيلي في قضايا المنطقة، ومن شأن ذلك أن يترك أثرًا واضحًا على شبكة حلفاء تل أبيب، في وقت تتصاعد فيه هواجس العزلة السياسية والدبلوماسية التي تخيم عليها منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023.

سوريا والطاقة والمتوسط.. ساحات الاشتباك الأبرز

يأتي هذا الانزعاج الإسرائيلي مدفوعًا بعدد من الملفات التي تمثل ساحات الاشتباك الأبرز بين أنقرة وتل أبيب خلال الآونة الأخيرة، وفي مقدمتها الملفان السوري واللبناني،  فقد أثارت التحذيرات التركية المتكررة من العمليات الإسرائيلية في سوريا ولبنان قلقًا واضحًا داخل الدوائر الإسرائيلية، خاصة بعدما اعتبرت أنقرة أن هذه العمليات باتت تمس أمنها القومي بصورة مباشرة، بما يضع تركيا في موقع أكثر تصادمًا مع الحسابات الإسرائيلية في الإقليم.

كما أثار الانخراط التركي المتزايد في المشهد السوري حفيظة إسرائيلية واسعة، لا سيما في ظل تطور العلاقات بين أنقرة ودمشق، وما أتاحه ذلك لتركيا من تعزيز حضورها في ملفات شديدة الحساسية بالنسبة لتل أبيب، مثل إعادة بناء الجيش السوري، وترسيخ وجود عسكري تركي شبه دائم داخل البلاد، ومن هنا، تذهب بعض التقديرات الإسرائيلية إلى أن سوريا باتت تمثل اختبارًا حساسًا لنفوذ تركيا في الشرق الأوسط، وساحة مباشرة لقياس حدود قدرتها على إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.

ويفرض ملف الطاقة نفسه هو الآخر على طاولة القلق الإسرائيلي من تنامي النفوذ التركي داخل الناتو، إذ يمنح هذا الحضور أنقرة شرعية غربية أوسع في شرق المتوسط والشرق الأوسط عمومًا، بما قد يتعارض مع الأجندة الإسرائيلية الرامية إلى تعزيز نفوذها في معادلات الطاقة والتحالفات البحرية، فإسرائيل تنظر إلى شبكة التعاون التي تجمعها باليونان وقبرص باعتبارها أحد أدوات موازنة النفوذ التركي، بينما ترى في صعود أنقرة داخل الحلف الأطلسي عاملًا قد يعيد خلط أوراق المنافسة في هذه المنطقة الاستراتيجية.

كما ألقت الحرب الأمريكية ضد إيران بظلالها على المشهد، بما فرضته من تحديات خطيرة واستحقاقات جديدة في ضوء التحولات الجيوسياسية التي أحدثتها على الخريطة الإقليمية والدولية، وفي هذا السياق، تسعى أنقرة إلى إعادة تموضع يعزز نفوذها الإقليمي عبر تحالفات وشراكات وتفاهمات مع قوى مؤثرة مثل مصر والسعودية، في مقابل عزلة إسرائيلية متزايدة ومكشوفة، وهو ما يضاعف مخاوف تل أبيب من أن يؤدي التمدد التركي، المدعوم بحضور أطلسي متصاعد، إلى الإخلال بتوازنات المنطقة وسحب جزء من هامش التأثير الذي اعتادت إسرائيل التحرك من خلاله.

في المحصلة، لا يمكن قراءة الخطاب التحريضي الإسرائيلي إزاء تركيا باعتباره مجرد تحفظ على استضافة أنقرة لقمة الناتو، بل بوصفه انعكاسًا لتنامي القلق الإسرائيلي من تصاعد النفوذ التركي واتساع هامش الحركة أمام أنقرة إقليميًا ودوليًا، ويزداد هذا القلق في ظل مساعي الأتراك إلى تثبيت أنفسهم كقوة أطلسية فاعلة، وشريك لا يمكن تجاوزه في ملفات الأمن والطاقة والتوازنات الإقليمية.

وتنظر تل أبيب إلى هذا الطموح التركي باعتباره تهديدًا مزدوجًا؛ فمن ناحية، قد يعزز نفوذ أنقرة داخل المعسكر الغربي، ومن ناحية أخرى، يحد من قدرة إسرائيل على التحرك بأريحية في عدد من الساحات الإقليمية الحساسة، ومن هنا، يبدو أن القلق الإسرائيلي مرشح لمزيد من التصاعد خلال الفترة المقبلة، خاصة إذا نجحت الجمهورية التركية في تحويل حضورها داخل الناتو من مجرد عضوية تقليدية إلى رقم صعب داخل الحلف، بما ستكون له انعكاسات مباشرة على موازين القوى في الشرق الأوسط.

مواضيعالعلاقات التركية الإسرائيلية ، حلف الناتو ، قمة الناتو في تركيا

قد يعجبك ايضا

سياسة

الإمارات تبني قاعدة عسكرية في أرض الصومال لخدمة الولايات المتحدة وإسرائيل 

فرانشيسكا فاتوري٧ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

حل اللجنة الحكومية في غزة: إعادة ترتيب جدول التفاوض واستباق سيناريو التقسيم

أحمد الطناني٧ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

من المضائق إلى غزة.. هل تغيّر الشرق الأوسط في عقيدة الناتو؟

مصطفى الخضري٧ يوليو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑