ترجمة وتحرير: نون بوست
حددت إسرائيل نحو 1000 هدف محتمل يوميًا خلال العامين الأولين من حربي غزة ولبنان باستخدام نظام القيادة والتحكم الخاص بها، وذلك وفقًا لعرض تقديمي قدمته شركة “إلبيت سيستمز”، أكبر مزود للأسلحة في البلاد.
وأوضحت الشركة، خلال مؤتمر عسكري عُقد في لندن، أنّ برنامج الجيش الرقمي الإسرائيلي “صياد” رصد ما مجموعه 850 ألف هدف في الوقت الفعلي عبر كافة جبهات القتال العسكرية، في الفترة ما بين 7 أكتوبر/ تشرين الأول ونهاية عام 2025.
ويشير هذا الرقم إلى أعداد الأشخاص، والمركبات، والعناصر الأخرى التي رُصدت لحظيًا تحسبًا لاحتمالية شنّ هجمات لاحقة عليها برًا أو بحرًا أو جوًا، وهو ما يعكس الكثافة العالية للحروب الدامية التي خاضتها إسرائيل على مدار السنوات الثلاث الماضية.
وقد عُرض إجمالي الأهداف البالغ 850 ألفًا خلال مؤتمر للحرب البرية نظمه “المعهد الملكي للخدمات المتحدة” الأسبوع الماضي، وقدمه ميكي إدلشتاين، وهو جنرال احتياط في الجيش الإسرائيلي يشغل منصب نائب الرئيس التنفيذي في شركة “إلبيت”.
وكان جوني سترينجر، المارشال الجوي البريطاني وثاني أرفع قائد عسكري في حلف شمال الأطلسي “الناتو”، يجلس إلى جانبه في جلسة نقاشية خلال الفعالية. أمّا المتحدث الثالث في الجلسة فكان ضابطًا برتبة عميد من الجيش البريطاني.
وعلى الرغم من الإعلان المسبق عن حضور الضابطين البريطانيين الرفيعين في جدول الأعمال، أُدرج اسم إدلشتاين ببساطة كـ “متحدث يُعلن عنه لاحقًا” حتى بدء الجلسة التي حملت عنوان “دمج القدرات المستحدثة مع القدرات الأساسية”.
وتضمنت إحدى الشرائح التوضيحية التي عرضها إدلشتاين أمام جمهور يتألف في الغالب من عسكريين، سطرًا يصف “العمليات ذات الوتيرة العالية” التي يديرها الجيش الإسرائيلي، وأشارت إلى أكثر من 20 ألف خطة معركة إسرائيلية و850 ألف “هدف استخباراتي في الوقت الفعلي”.
ووصف إدلشتاين هذه الأهداف بأنّها “عدو لم نكن على دراية بوجوده من قبل”، “يظهر فجأة” من تحت الأرض أو عبر المناورات، مضيفًا: “ونحن نريد ضربه بدقة” ولكن “ليس لدينا ما يكفي من الذخيرة” للقيام بذلك على الفور.
من جانبه، قال ويس براينت، المستشار السابق رفيع المستوى لشؤون تحديد الأهداف والمحلل السياسي في البنتاغون الأمريكي والمتخصص في تقييم الأضرار التي تلحق بالمدنيين، إنّه يرى أنّ رقم الـ850 ألفًا يثير قلقًا بالغًا.
وأشار براينت إلى أنّه كان هناك 2.2 مليون نسمة و300 ألف مبنى في غزة قبل أكتوبر/تشرين الأول 2023 – والتي مثّلت مسرح الحرب الرئيسي خلال العامين التاليين – ملمحًا إلى أنّ الجيش الإسرائيلي قد استهدف في مرحلة ما “ما يصل إلى نصف إجمالي السكان والبنية التحتية للقطاع أو ربما أكثر من ذلك”.
وتُزود شركة “إلبيت” الجيش الإسرائيلي ببرنامج الجيش الرقمي “صياد”، وهو نظام قيادة يحدد ويرسم خرائط لمواقع الوحدات الصديقة وتلك المصنفة على أنّها معادية. وفي وقت سابق من هذا العام، فازت الشركة بعقد لتطوير نظام “صياد” بشكل أكبر، باستخدام الذكاء الاصطناعي لدعم اتخاذ القرارات التكتيكية.
عندما تواصلت صحيفة “الغارديان” مع متحدث باسم شركة “إلبيت”، نفى أن يكون رقم الـ 850 ألفًا الذي ذكره إدلشتاين يشير إلى أهداف، رغم أنّ الشريحة التوضيحية حددت ذلك بوضوح، قائلًا إنّ الرقم يعكس “نشاط النظام التراكمي والبيانات العملياتية الناتجة عن برنامج الجيش الرقمي التابع للجيش الإسرائيلي عبر جميع مسارح العمليات منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023”.
وأضاف المتحدث أنّ هذا الرقم يوضح حجم المعلومات التي يتعامل معها الجيش الإسرائيلي، قائلًا: “تمثل الأرقام نشاط النظام والبيانات العملياتية، وليس عدد أهداف العدو أو الضربات الفعلية”.
من جانبه، قال براينت إنّه من المستحيل على الجنود في أي جيش تقييم كل معلومة بشكل كافٍ لتقرير ما إذا كان التهديد حقيقيًا والاستهداف قانونيًا بالنظر إلى هذه المعدلات والأرقام الضخمة المذكورة.
وصرح الضابط العسكري الأمريكي السابق قائلًا: “أقول وبشكل قاطع، إنّه لا توجد طريقة تضمن تقييم وتوصيف كل هدف من الأهداف الألف اليومية – ناهيك عن الـ 850 ألف هدف إجمالًا – بدقة وفعالية من حيث تحليل الأضرار الجانبية وتقييم المخاطر على السكان المدنيين. فحتى توصيف 50 هدفًا في اليوم يعد أمرًا بالغ الصعوبة (وإن كان ممكنًا)”.
ويرى القادة العسكريون في دول حلف الناتو أنّ الحروب بين الدول أو ضد خصوم شبه حكوميين باتت تُدار بوتيرة أسرع بكثير من حملات مكافحة التمرد السابقة في أفغانستان والعراق وأماكن أخرى، حيث كان هناك متسع أكبر من الوقت لدراسة مدى قانونية قرارات الاستهداف.
وقد انخرطت إسرائيل في سلسلة من الحروب بعد أن شنّت حركة حماس هجومها المفاجئ في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، والذي أسفر عن مقتل 1200 شخص، وتواجه إسرائيل انتقادات متكررة لقتلها عشرات الآلاف من المدنيين في هجمات عالية الكثافة على غزة ولبنان.
وخلص تحقيق أجرته الأمم المتحدة إلى أنّ إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة، وهو ادعاء ترفضه إسرائيل وتحاربه أمام المحاكم الدولية.
ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، قُتل 71,269 فلسطينيًا في غزة حتى نهاية العام الماضي، والتي مثلت مسرح العمليات الرئيسي للجيش الإسرائيلي خلال الفترة التي أشار إليها إدلشتاين. وكان ما يزيد قليلًا عن نصف الضحايا من الأطفال والنساء وكبار السن.
وقُتل ما مجموعه 3,961 شخصًا في لبنان خلال الحرب في خريف عام 2024، وفقًا لوزارة الصحة العامة في البلاد، وكان نحو ربعهم من النساء والأطفال. وتجدر الإشارة إلى أنّ الحرب الأخيرة التي اندلعت في عام 2026 تقع خارج الفترة الزمنية المذكورة.
وقال إدلشتاين إنّ برنامج الجيش الرقمي الذي تديره شركة “إلبيت” أسهم في تسريع وتيرة الدعم الناري الخارجي – أي الهجمات الإضافية على أهداف يؤكدها الجيش الإسرائيلي وتشنّها المدفعية أو السفن الحربية أو الطائرات المقاتلة – ليتقلص زمن الاستجابة من “40 إلى 50 دقيقة، إلى ما بين دقيقة واحدة وسبع دقائق فقط”.
وتشير عبارة وردت لاحقًا في الشريحة التوضيحية التي عرضتها “إلبيت”، لم يتطرق إليها المتحدث مباشرة، إلى تنفيذ أكثر من 46,000 “ضربة مشتركة ونيران قتالية بناءً على معلومات استخباراتية في الوقت الفعلي”، أي ما يعادل أكثر بقليل من 50 ضربة يوميًا. وأوضح إدلشتاين أن وجود “العنصر البشري في حلقة القرار” هو ما يحسم تنفيذ مهام الدعم الناري من عدمه، مؤكدًا أنّ هذا النهج هو “الإجراء الصحيح والواجب اتخاذه”.
وقالت صوفيا غودفريند، وهي باحثة في جامعة كامبريدج متخصصة في دراسة تأثير الذكاء الاصطناعي على الحروب، إنّ التدقيق الشامل في 1000 هدف يوميًا سيكون أمرًا بالغ الصعوبة بالنسبة لوحدات الاستخبارات والقوات الجوية، من دون الاستعانة بدعم الذكاء الاصطناعي.
وأضافت الباحثة: “سيواجه أي جيش صعوبة بالغة في القيام بذلك دون إسناد مهمة التحقق والتدقيق إلى أنظمة آلية أخرى، وهو ما يثير تساؤلات قانونية وأخلاقية حول تحديد المسؤولية، ويبعث على القلق بشأن تقلص مساحة الإشراف البشري”.
وفي حين يرصد نظام “صياد” أنشطة العدو المحتملة في ساحة المعركة، يستخدم الجيش الإسرائيلي أيضًا قاعدتي بيانات أخريين تعملان بالذكاء الاصطناعي، وهما “لافندر” و”هبسورا”، لزيادة وتيرة استهدافه للأشخاص والمباني، بعد أن نفدت أهدافه سابقًا خلال حربي عامي 2014 و2021.
وقد حدد برنامج “لافندر” في إحدى المراحل 37,000 شخص كأهداف محتملة بناءً على تقييمه لصلاتهم المفترضة بحركة حماس. في حين كان برنامج “هبسورا” يوصي بالمباني المراد استهدافها، وكان قادرًا على توليد 100 هدف يوميًا، وفقًا لتقارير نُشرت عام 2023.
وكشف أحد ضباط الاستخبارات الإسرائيليين أنّ الأهداف التي يحددها نظام “لافندر” كان يراجعها عنصر بشري لـ “20 ثانية فقط في كل مرة” نظرًا للعدد الهائل من الأهداف التي يولدها النظام. في حين ذكر ضابطا استخبارات أنّه كان يُسمح بقتل ما بين 15 إلى 20 مدنيًا خلال الغارات الجوية التي تستهدف مسلحين ذوي رتب منخفضة في المراحل الأولى من حرب غزة.
المصدر: الغارديان