• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

المناهج العربية بين IMPACT-se الإسرائيلية والأمم المتحدة

سجود عوايص٩ يوليو ٢٠٢٦

حصة دراسية في مدرسة للبنات تديرها وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، في مخيم قلنديا قرب رام الله في الضفة الغربية، بتاريخ 14 نوفمبر/تشرين الثاني. تصوير: عفيف ح. عميرة لصالح NPR

“إنَّ معهد (IMPACT-se) لمراقبة السلام والتسامح الثقافي في التعليم المدرسي هو منظَّمةٌ دوليَّة للأبحاث والسّياسات، تقوم بمراقبة وتحليل التَّعليم في أنحاء العالم. وإنَّنا نستخدم المعايير الدَّوليَّة للسَّلام والتَّسامح ونبذ العنف، على النحو المستمدّ من إعلانات وقرارات اليونسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية) لتحديد مدى الامتثال لها، والدَّعوة إلى التَّغيير عند الضَّرورة.”

ضمن صفحة “من نحن” على موقع impact-se.org تُدرج المنظمة دورها وأدواتها وأهدافها، التي تبدو عالمية للوهلة الأولى، لكن نظرة معمقة لها تكشف إطارًا آخر، من نزع الشرعية عن الهويات الوطنية وتبويب لأشكال المعرفة والتعليم، بما يُناسب مسارًا أيديولوجيًا محددًا، وضعته المنظمة مقياسًا لتقييمها للمناهج الدراسية حول العالم.

ورغم وضوح المقياس وصلافته في التدخل بالهويات الوطنية، إلا أنه تمدد في المحافل الدولية والعالمية، خاصة تلك التي تضع معادلة التمويل مقابل التغريب، وحظيت تقاريره باهتمامٍ وتأثيرٍ، خاصة على الصعيد العربي والفلسطيني، منذ إطلاق المؤسسة وصولًا للسابع من أكتوبر وما بعده.

فكيف انطلقت IMPACT-SE، وبأي عينٍ تفحص وتُقييم، وكيف استطاعت أن “تُعلن نفسها كخبيرة في المناهج ليصدقها العالم”، وما طبيعة المناهج التي تتوخى من خلالها تغيير العقول والمجتمعات، ولماذا يكتسب المنهاج الإماراتي أهمية خاصة في تقاريرها، وهل حقًا استطاعت الإمارات نيل الرضا التام بمناهجها ومساراتها التربوية والتعليمية؟

“من منحها هذا الحق؟”

مطلع يونيو/حزيران المنصرم انطلقت كل من فاطمة ورنا الدجاني، وهما باحثتان تربويتان في بحثٍ مكثف عن منظمات تقييم المناهج الدراسية، لتُصادفا موقع منظمة IMPACT-SE، الذي بدا شرعيًا للوهلة الأولى، منفصمًا عن أي روابط تمويل أو انخراط في المنظمات الأممية الإنسانية أو التعليمية.

لكن بحثًا معمقًا لاحقًا، كشف عن منظمة تُراجع المناهج الدراسية في أكثر من ثلاثين دولة حول العالم، من بينها باكستان والأردن والعراق والسعودية ونيجيريا والسويد والمجر وفرنسا وإيرلندا واليونان واليمن وقطر والإمارات، وذلك من خلال منهجية متأنية يُشرف عليها خبراء ولغويون مُدَربين.

وفقًا لهذه المنهجية، بتحديد دولة المنهج، تقوم المنظمة بتحليل عددٍ كبيرٍ من الكتب الدراسية، وأدلة المعلمين، للمراحل العمرية من الصف الأول حتى الثاني عشر، باستخدام المعايير الدولية المستندة إلى إعلانات اليونسكو والأمم المتحدة، بالإضافة إلى التوصيات والوثائق الدولية الأخرى المتعلقة بتعليم السلام والتسامح، والمرتبطة بمواضيع مثل التاريخ والدين والتربية المدنية، ثم تُختار أمثلة فردية بناءً على مدى صلتها بالبحث، فتُحلل كما هي، دون تفسير أو إعادة صياغة، من حيث محتواها وأهميتها التعليمية، لتعميم النتيجة التي قد تكون “مدى التزام المنهج (أو عدم التزامه) بالمعايير الدولية لتعليم السلام والتسامح”.

عُمومية الفئات المستهدفة،  ومعايير اليونسكو المستمدة من السلام والتسامح واللاعنف والاحترام المتبادل بين الشعوب، لم تكن إلا تشتيتًا للهدف الرئيسي من إنشاء المنظمة، التي تأسست عام 1998 تحت اسم “مركز رصد أثر السلام CMIP”، متتبعة ظلال أوسلو في المناهج الفلسطينية الجديدة، وإذا ما كان “السلام بين إسرائيل والسلطة قد انعكس إيجابيًا في تعليم الأطفال الفلسطينيين”.

يوهنان مانور

أطلق المنظمة حينها، يوهنان مانور، اليهودي الفرنسي، المحاضر في قسم العلوم السياسية بالجامعة العبرية، والمُؤسس عام 1984 لحملة “إلغاء قرار الجمعية العامية الذي يساوي بين الصهيونية والعنصرية”، والتي أثمرت بعد أقل من أربعة أعوام، تراجعًا أمميًا عن القرار لصالح استرضاء “إسرائيل” لحضور جولات مدريد للسلام مع الدول العربية.

ما إن كتب مانور تقريره الأول عام 1998 عن المناهج الفلسطينية للسلطة الفلسطينية، حتى حظي باهتمامٍ سياسي “إسرائيلي” ما أدى لإنشاء لجنة ثلاثية مكونة من أعضاء أمريكيين و”إسرائيليين” وفلسطينيين، لمكافحة التحريض، أُقرت أعمالها في اتفاقية واي بلانتيشن نهاية عام 1998.

وفقًا لأرشيفات المنظمة، فخلال عقدٍ واحد أصبحت المنظمة فاعلًا حاضرًا بتقاريرها في الكنيست “الإسرائيلي” والكونغرس الأمريكي والبرلمان الأوروبي، نتيجة التوائم بينها وبين الحقل السياسي “الإسرائيلي”، إذ انتقلت رؤيتها في وقتٍ قصير إلى  ايتمار ماركوس، عضو اللجنة الثلاثية المُعين مباشرة من الحكومة “الإسرائيلية”، والمقيم في مستوطنة أفرات في الضفة الغربية.

خلال عامين استطاع ماركوس استهداف الجمهور السياسي الأمريكي، بتقديمه التقرير الأول لأعضاء الكونغرس وإدارة كلينتون، قبل أن ينسحب من المنظمة ويؤسس منظمته الخاصة المتخصصة بمراقبة الإعلام الفلسطيني (Palestinian Media Watch).

في تلك المرحلة، كان فريق المنظمة – CMIP حتى ذلك الوقت- قد اكتمل، من المدير التنفيذي شيف ماركوس، الرائد في جيش الاحتلال، والمجند في وحدة المتحدة في جيش الدفاع، والمحرر في صحيفة “جيروزاليم بوست” والمدير التنفيذي لمشروع “إسرائيل، ثم أريك أغاسي، الرئيس التنفيذي للعمليات ورئيس الشراكات العالمية، الذي شغل سابقًا منصب رئيس الشؤون الخارجية والعمليات في مكتب “إسرائيل” التابع لمشروع “إسرائيل”، وهو خريج درجة الماجستير في دراسات الشرق الأوسط المعاصرة من قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة تل أبيب.

ومدير الأبحاث، إلداد باردو، المتخصص في الدراسات الدينية الإيرانية والعربية، والباحث في معهد ترومان، وهو -إلى كونه يهوديًا-، ينتمي إلى الطريقة الإبراهيمية الصوفية الإسلامية اليهودية، وقد مُنح لقب شيخ من الطريقة القادرية، في القائمة نفسها، مديرة السياسات فيليسيتي جينسبيرغ، وتحمل شهادة في اللغة العربية من جامعة أكسفورد كما عملت كمسؤولة أولى للشؤون الخارجية في مكتب الحاخام الأكبر في بريطانيا.

ومن أصل 17 عضوًا في الفريق، جميعهم منخرطون في حقول الدراسات الإسلامية أو الدينية أو العربية أو الشرق أوسطية، هناك عضوُ عربي واحد، آلاء الشمري، الممثل الإقليمي للمنظمة في الإمارات، والمرتبطة بمكاتب إدارة الثروات العائلية في دولة الإمارات، ومكتب المشاريع الوطنية التابع لديوان رئاسة أبوظبي.

وهناك أيضًا، 14 خريجًا أو محاضرًا أو باحثًا مرتبطًا بالجامعات “الإسرائيلية”، تل أبيب والجامعة العبرية وبار إيلان ورايخمان، وجميع الأغضاء لهم ارتباطات بجامعات ومراكز بحثية غربية (أوروبية وأمريكية)، وهو ما أهلهم، لإنجاز أول تقرير أكاديمي ممنهج عام 2000 بالتعاون مع معهد ترومان للبحوث التابع للجامعة العبرية بالقدس، لتغدو الشراكة غطاءً أكاديميًا للترويج لنتائجه كمصدرٍ موثوق.

ترافق ذلك مع غطاءٍ آخر، هو تحليل الكتب المدرسية “الإسرائيلية“، خلص إلى نتيجة مفادها أنه قائم على “إعداد أجيال من الشباب المسالم المتسامح الداعم للتعايش والاحترام المتبادل”، كما أنه ” يُشجع على التأمل الذاتي في الصدمات التاريخية وأوجه عدم المساواة المتعلقة بالفلسطينيين”، ورغم المنهجية الانتقائية مقارنة بالمنهجية الشاملة الصارمة بحق الكتب الفلسطينية إلا أن التقرير استطاع جذب اهتمام المجتمع الدولي.

بدأ ذلك من إيطاليا، التي تراجعت عام 2000 عن تمويل تطوير المنهج الفلسطيني الجديد، بناءً على تقرير CMIP، قبل أن يُبلغ البنك الدولي وزارة التربية والتعليم الفلسطينية بأن الأموال المخصصة لتدريب المعلمين ستُحول لمشاريع أخرى، بعدها بثلاث أعوام انطلق للمركز للمرة الأولى خارج نطاق فلسطين، مستهدفًا المناهج السعودية.

إذ أصدر عام 2003، تقريرها الأول في 115 صفحة، فحصت فيه 93 كتابًا دراسيًا، مستهدفة مواضيع خاصة بـ “المسيحيين واليهود والغرب، ووضع المرأة، ووضع الطفل”، لتخلص إلى مجموعة نتائج من أبرزها أن الدراسات الإسلامية تشكل جزءًا كبيرًا من المناهج الدراسية، حتى أن كتب العلوم تتطرق إليه.

وأن المناهج تُصور الإسلام على أنه دين الحق الوحيد، وأتباعه متفوقون على جميع الأديان الأخرى في الدنيا والآخرة، كما ركز التقرير على حرمة موالاة اليهود والمسيحين، و”تشنيع الغرب”، والحروب الصليبية، ورفض الممارسات والعادات للديمقراطية الغربية من قبيل شرب الكحوليات، والموسيقى والأزياء، وتسليطه الضوء على الزنا واللواط وغياب الروحانية وارتفاع معدلات الانتحار في المجتمعات الغربية، إضافة لإشارته لليهود بصفتهم “مخادعين” تعاونوا مع أعداء الإسلام، واحتلوا فلسطين، بعد المؤتمر الصهيوني الأولى، كما ويذكر أحد الكتب المدرسية أن الهلاك هو المصير المنشود لليهود.

أثار التقرير رد فعلٍ رسمي من هيئة المناهج السعودية، رفض نتائج التقرير وأشار في الوقت ذاته إلى أن الكتب تخضع للتنقيح بالفعل، وهو ما حدث فعلًا بعد سنواتٍ قليلة، لتُصدر المنظمة تقريرها الثاني عام 2009، نفت فيه تعهد الحكومة السعودية بإزالة نصوص التعصب والتطرف من مناهجها، وأكدت أن المناهج “لم تُحرز تقدمًا يُذكر” بل ما زالت تروج للكراهية والعنف!.

اتصل ذلك بتقارير عن المناهج السورية والأردنية والمصرية، ركزت على موقفها من اليهود، وتطرقها لقصص الدين الإسلامي عنهم، والأدوار الجندرية للمرأة، والنظرة العدائية للغرب، والصورة النمطية للأوروبية الحديثة، قبل أن يتعزز نفوذها، بإعلان تحولها من “مركز رصد” إلى منظمة تقيير بمعايير أممية متمثلة بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948)، إعلان اليونسكو بشأن مبادئ التسامح (1995)، إعلان الأمم المتحدة حول تعزيز مُثُل السلام بين الشباب (1965)، والإطار المتكامل للعمل من أجل التربية على السلام وحقوق الإنسان والديمقراطية (يونسكو، 1995).

في عام 2007، أعاد مركز رصد أثر السلام (CMIP) تسمية نفسه ليصبح معهد رصد السلام والتسامح الثقافي في التعليم المدرسي (IMPACT-se)، ما وفر لها غطاءً من “التسامح والسلام” باسم باليونسكو، لتتحول منهجيتها إلى قراءة شاملة للكتب المدرسية، وتعميم الأمثلة ضمن سردية عامة، تقوم على النظرة للأقليات (اليهودية والمسيحية خاصةً)، والفئات الضعيفة (المرأة والطفل والشواذ)، وقضايا الحوكمة (الديمقراطية، التعددية، الحرية السياسية والدينية، القبول بالآخر (غربي/إسرائيلي).

التدثر بغطاء اليونسكو أفسح المجال أمام المنظمة للانتقال من التركيز على المناهج العربية ضمن خطاب السلام والتسامح، إلى التحول للمناهج الإقليمية والقُطرية، ثم تركيزها على التسامح الثقافي في المناهج الدراسية في جميع أنحاء العالم، مع الحفاظ على مقرها في القدس ووضعها كمنظمة غير ربحية.

بحلول أوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، وسعت منظمة IMPACT-se نطاق أبحاثها لتشمل مراجعات للكتب المدرسية من المملكة العربية السعودية (بدءًا بتقارير في عام 2011 أشارت إلى استمرار التعصب على الرغم من الإصلاحات)، وإيران، وتركيا، وباكستان، إلى جانب التدقيق المستمر في مواد السلطة الفلسطينية ووكالة الأونروا.

ثم في أغسطس 2012، أطلقت أول دراسة لها عن الكتب المدرسية الأمريكية للمدارس الإسلامية، حيث فحصت أكثر من 80 كتابًا بحثًا عن رسائل حول التسامح تجاه غير المسلمين والقيم الديمقراطية، ووجدت نتائج متباينة بما في ذلك بعض الترويج للجهاد ومعاداة السامية.

من التغيرات التي طرأت على المنهاج الدراسي السعودي – مسبار

ومع منتصف العقد، قام المعهد بتحليل المناهج الدراسية من دول خليجية، فانطلق في تقييم مناهج قطر عام 2016، ثم مناهج الإمارات عام 2018، والمنهاج السوري في مناطق سيطرة نظام الأسد، والمنهاج العراقي في العام نفسه، ووصفت بعض المناهج بـ “القصور رغم التقدم” مثل مناهج الأردن ومصر، وأخرى بأنها “معادية صريحة” مثل سوريا والعراق، أو “متطرفة عدائية” مثل فلسطين، وأخرى بأنها “إشكالية ومعادية للسامية” مثل قطر، أو بأنها “تخوض تحولًا جذريًا” مثل السعودية والمغرب، وغيرها بأنها “رائدة” مثل الإمارات، دون أن يعني ذلك ثباتًا في التقييم، إذ حصدت معظم الدول العربية تقدمًا متذبذبًا -باستثناء فلسطين- في بعض السنوات، نتيجة تخفيف “المحتوى الديني والجهادي”.

يُفسر أريك غاسي في برنامج “بودكاست” دور المنظمة، وتركيزها على المناهج العربية، بوصفها “مناهج سلطوية في العالم العربي تحظى بقوة لا توجد في وسائل التعليم الأخرى، وغالبًا ما تحمل ختم الدولة، لذا فهي أداة تواصل أساسية، يمكن أن تشكل إما “حاجزًا أمام التطرف” أو “مخططًا للتطرف” للأجيال القادمة، خاصة في مجتمعات تحضر فيها المناهج في حياة الطفل قبل الأجهزة اللوحية”.

وبالتوازي مع حصادها لاهتمامٍ غربي سريعٍ وفاعل، أصبحت حجر الزاوية في الرواية الغربية عن المناهج الفلسطينية، ساعدها في ذلك شبكة علاقات فريقها والقائمين عليها، الإعلامية والسياسية والأكاديمية منها، إضافة لكونها المصدر الوحيد باللغة الإنجليزية للمناهج العربية والفلسطينية، كما أنها الأكثر اقتباسًا عنها.

كتاب مدرسي سعودي لم يعد يعترف بتورّط إسرائيل في حريق المسجد الأقصى عام 1969، إذ ألغى عبارة تقول إنّ منظمة التعاون الإسلامي قد تأسست إثر “الحريق الإجرامي الذي ارتُكب على يد عناصر صهيونية في مدينة القدس المحتلة”، واكتفى بتاريخ تأسيس المنظمة وأهدافها.

لكن شرعيتها، التي استمدتها من الاهتمام الغربي ما زالت مشوهة، إذ إن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أو معايير اليونسكو لا تعني تجاهل الهوية الوطنية والدينية للمجتمعات، فوصف المنظمة للكتب المدرسية الباكستانية بأنها “ذات محتوى إسلامي لا يرقى لمستوى معايير اليونسكو” يجعل من المعايير الغربية الغلبة على المعايير التي تستمد منها المجتمعات عاداتها وبنائها ودساتيرها.

كما أن رؤيتها لـ “النكبة” التي تصفها المنظمة بأنها “تحريض”، في مقابل نصوص “الأرض الإسرائيلية” في الكتب المدرسية “الإسرائيلية” ووصف المنظمة لها بأنها “تصورات عرقية تتمركز حول الذات”، يمثل ازدواجًا في المعايير، تحرم المجتمعات المتضررة بناءً على معاييرها من الطعن في تقاريرها.

هذه المعايير لفتت نظر البروفيسور ناثان براون من جامعة جورج واشنطن، ومعهد جورج إيكرت، اللذان توصلا إلى استنتاجات مختلفة حول عددٍ من المناهج التعليمية التي قيّمتها المنظمة، إلى حد وصف البروفيسور براون لدورها بأنها “جماعة ضغط تحريضية” تشبه منهجيتها منهجية المدعي العام الذي حسم أمره مسبقًا”.

‪صفحة قديمة لمنهج الصف الثاني الإعدادي تتضمن عبارات عن إسرائيل حذفت في المنهج المصري المحدّث 2016‬ (ناشطون)

من ناحية أخرى، فإن منهجية المنظمة نفسها، التي تُركز على “التسامح، نبذ العنف، الاعتراف بالآخر، تمثيل الأقليات، وقبول التسويات السياسية وفق ما تعتبره مستندًا إلى معايير اليونسكو للتعليم من أجل السلام، يستبعد معايير أخرى بنفس الأهمية، مثل التاريخ الاستعماري للشعوب، والعنف السياسي والاقتصادي بحقها، وحقوق أفرادها في تقرير مصيرهم واستعادة حقوقهم، أو دعم المقهورين في بلدانٍ أخرى والتعاطف معهم في مواجهة الهيمنة الاقتصادية والثقافية والسياسية الغربية.

يشي هذا النمط من التقييم، -رغم أهمية التسامح والاعتراف بالآخر وتمثيل الأقليات- بأن المعايير استخدمت لتحقيق الهيمنة وليس لتعزيز المبادئ الإنسانية نفسها، أي أن المؤشر وُضع لقياس انحناء وتماهي المناهج التعليمية مع شروط المستعمر ورغبات المحتل، وحاجته في أن يرى نفسه في موقع القوي والمهيمن، لكن الإنساني اللطيف في الوقت نفسه.

وهو ما يُشير له غاسي في مقابلته على البودكاست، بالقول: “إن تطوير وإحراز تقدمٍ في المناهج استبق في كثيرٍ من الأحيان اتفاقيات التطبيع نفسها، ودعمها لاحقًا”، بالنسبة لغاسي وفريقه، فإن التطبيع هو الاقتراب من “الإسرائيلي” أكثر، والابتعاد عن الإسلام وخصوصية المنطقة العربية وعاداتها وتقاليدها، ورفضها للكحوليات والزنا والشذوذ، وكتم سخطها من المستعمر الغربي وهيمنته المتواصلة.

وبعيدًا عن التطبيع، الذي يُعد أحد مكتسبات تغيير المناهج، وإلى دورها كأداة ضغطٍ في دوائر التمويل والسياسات العامة الغربية، فقد نجحت المنظمة في تعزيز مكانتها عبر عدة خطوات، منها حضور تقاريرها في جلسات برلمانية أوروبية، وفي مذكرات استجواب ومناقشات مرتبطة بالمساعدات التعليمية، خصوصًا فيما يتعلق بالمناهج الفلسطينية.

ومنها اعتماد مؤشراتها ومعاييرها في  الدراسة الأوروبية عن الكتب الفلسطينية عام 2021، التي خلصت إلى جملة من مطالب تربط التمويل بإصلاح المحتوى التعليمي، وتقر آلية احتجاز جزء من مخصصات التعليم (20 مليون يورو ضمن النقاشات البرلمانية المتعلقة بالمساعدات) إلى حين إجراء تعديلات على الكتب، مع طرح تحويل الأموال لاحقًا إلى برامج بديلة إذا لم تُنفذ الإصلاحات المطلوبة، وصولًا لإقرار  لجنة الرقابة على الميزانية في البرلمان الأوروبي، عام 2022، تشديد الرقابة على المناهج الفلسطينية وربط استمرار بعض أوجه الدعم بإصلاح المناهج.

بهذا، فإن المنظمة تحولت، إلى جانب الحكومة “الإسرائيلية” وجيشها، إلى أداة حصار تعليمي وتربوي للأجيال الفلسطينية، وغدت أداة فرضٍ قسري لمزاجها ومصالحها وتوجهاتها وأمنها، تربط التطويع بالتمويل، والقبول الدولي بالتفكك الوطني والديني والمجتمعي، ليس للفلسطينيين فقط، بل للدول العربية، ولدولٌ أخرى في العالم، وُجدت على خارطة المعهد كختمٍ على كفاءته في الملاحقة والتقييد، ليس إلا.

القليل من الأرض والدين، والكثير من التعايش

في الميدان، وخلال الفترة الفاصلة ما بين 2016 وحتى 2024، أخضعت المنظمة للفحص والمراجعة ما يزيد على 238 كتابًا تعليميًا في قطر، و 294  كتابًا في الأردن، و271 كتابًا في مصر، و371 كتابًا في السعودية، و21 كتابًا في العراق، و18 كتابًا في سوريا، و 220  كتابًا من الإمارات، و222 كتابًا من فلسطين قبل 2019، و270 كتابًا منهجيًا بعده، بالإضافة إلى 71 دليلًا للمعلم، بما فيها كُتب الضفة الغربية والقدس الشرقية ومناهج الأونروا والمدارس الخاصة.

لا يقتصر ذلك على المناهج الصادرة، بل إن بعضًا من تقارير المنظمة تناول مناهج قيد الإعداد، كان آخرها تقرير خاص بسوريا بعد التحرير تتوقع فيه التوجهات التعليمية لـ “جبهة تحرير الشام” في مناهجها القادمة، وذلك بعد أقل من شهرين على سقوط النظام السوري السابق!.

في تتبعها لجميع هذه المناهج، تجاهلت IMPACT-se التفرقة بين الأحكام الفقهية الإسلامية، والقيم المدنية في مناهج التربية الوطنية، والخطاب التحريضي التعبوي الموجه لحشد الطلبة نحو عنفٍ أو عداء محدد، إذ اعتمدت جميع تقاريرها على قراءة المستويين الأول والثاني بعدسة الثالث فقط.

ففيما يخص مفهوم الجهاد مثلًا، وثقت المنظمة في تقريرها الأخير عن الأردن، لمناهج 2023-2025، أن كتاب التربية الإسلامية للصف العاشر يُدرّس الجهاد، ويقدم الشهادة كمثال ديني أعلى، ويطرحه كمفهوم “عسكري تعبوي”، علمًا أن الكتاب يؤكد على “أهمية قتال الأعداء والدفاع عن الوطن والاستماتة في سبيل حمايته”، وهي في ذلك تناقض تقريرها نفسه الذي أشارت فيه إلى أن المنهج الأردني “يدعو إلى مفاهيم الاعتدال الديني والتسامح والسعي للسلام” بشكلٍ عام.

بل إن تقديم التقرير للإعلام، تجاهل المؤشر العام لصالح الاتجاه الذي رعته المنظمة، فقد صرح الرئيس التنفيذي ماركوس شيف إبان صدور التقرير بالقول: “من المؤسف والمقلق بشكل خاص أن يتضمن المنهج الأردني بعضًا من أقدم الصور النمطية المعادية للسامية، ويمجّد الاستشهاد”، وهو التصريح الذي غطى على التقرير بأكمله، واعتُمد غربيًا.

تكرر الأمر مع المناهج المصرية، التي وصفها تقرير “إصلاح المناهج في الشرق الأوسط” بأنها “نجحت في محاذاة منهجها مع المعايير الدولية، لكنها لا تزال تعاني بعض القصور في مناقشة اليهود والاستشهاد، والذي لا يزال باقيًا في الصفوف الأعلى غير المنقّحة”.

تم حذف هذه النصوص من المناهج الدراسية المصرية لانتقادها اليهود وصفاتهم السيئة

هنا أيضًا يُجمَع “الاستشهاد” وهو مفهوم ديني تاريخي راسخ، مرتبط بالهوية الوطنية العربية والإسلامية، مع “معاداة السامية” ويوصف المنهج بأنه قاصر، لأن طرح “الدفاع عن الوطن” لا يستهويه، رغم أنه الطرح الغربي و”الإسرائيلي” الذي يعزز القومية وسلطة الدولة وحمايتها كأولوية بقاء.

يمتد ذلك لمفاهيم “الدية وأهل الكتاب وأهل الذمة وشجر الغرقد وغيرها” التي تُظهر المنظمة حساسية شديدة من التطرق إليها في المناهج، ولكن بشكلٍ أخف من “الجهاد والشهادة”، إذ تحضر قصص اليهود مع الرسول محمد (ص)، وعلاقته بيهود المدينة (بني النضير وبني قينقاع وبني قريظة) باعتبارها صورًا نمطية لليهود، معادية للسامية، تحصرهم كغادرين وكتهديدٍ للمسلمين، ما يؤكد أن المنظمة تتعامل مع الحوادث التاريخية في المناهج الدينية كدليل تحريض، وترغب في إخفاء وقائع تاريخية موثقة في المصادر الإسلامية ومُجمع عليها، أو بإعادة تفسيرها بحيث لا تكون “معادية للسامية”.

ثم ضمن قيد الأسرة والفرد والحريات، فجأة تتحول المنهجية من “الالتزام بمعايير اليونسكو” إلى “الالتزام بالقيم الغربية”، فتُنتقد مناهج الأردن والسعودية والعراق ومصر وفلسطين، لأنها تصف “المثلية الجنسية بأنها تهديد لبقاء الإنسانية، في إهمال لقيم الأسرة الواحدة.

وإذا ما نظرنا إلى منهجية المنظمة في التعامل مع فلسطين، تزداد المفارقة حضورًا، والإزدواجية تأكيدًا، ففي تقرير 2019 المتعلق بالمنهج الفلسطيني، وثقت المنظمة 1.509  (93.5%) إشارة إلى “إسرائيل” يُعبر عنها من خلال مصطلحات “الاحتلال” “الكيان”، فيما لا يظهر اسم “إسرائيل” المباشر إلى في 6.5% من الحالات، ما اعتبرته “إلغاءً وعدم اعترافٍ بالأخر”.

فيما اعتبرت المنظمة ذاتها، أن تسمية المناهج “الإسرائيلية” للأراضي الفلسطينية بوصفها “يهودا والسامرة” طبيعيًا، بل واحتفت ببحثٍ تاريخي من كتابٍ لمدرسة “هار براخا الدينية الاستيطانية” في الضفة الغربية_يهودا والسامرة وفق التقرير- باعتباره يعترف عمومًا بالسلطة الفلسطينية ككيانٍ سياسي شرعي، لأنه وصف المناطق المحيطة بالمدرسة بأنها “داخل منطقة ب التي تقع تحت  يُديرها الفلسطينيون”.

وهو محوٌ من الخريطة، لا تُعيبه المنظمة، رغم أنها تُعيب على المناهج العربية والفلسطينية، الإشارة إلى حدود فلسطين خلال الانتداب البريطاني (وهي حقائق تاريخية) معتبرة إياه محوًا لـ”إسرائيل” رغم أنها لم تكن قائمة بعد، كما يحضر معيار الهجوم على عبارة “من النهر إلى البحر” في المناهج الفلسطينية، التي تظهر أحيانًا في الأدبيات والخطاب الرسمي “الإسرائيلي” دون أن تحظى بنفس درجة التدقيق من قبلها.

يتسع التدقيق ليشمل الأونروا نفسها، التي صرحت مرارًا أنها تستخدم مناهج الدول المضيفة (بما فيها منهج السلطة الفلسطينية) كممارسة معيارية معتمدة أمميًا في كل حالات اللجوء حول العالم، مع تعديلات تشرف عليها اليونسكو لإزالة أي مضمون “لا يتوافق مع قيم الأمم المتحدة”، وأن لديها “مجموعة استشارية للخبراء التربويين” تضم ممثلين عن مؤسسات معترف بها عالميًا كاليونسكو والبنك الدولي.

حيث توصف مناهجها بأنها “إشكالية” -رغم اعتراف المنظمة بأن الأونروا لا تملك منهجًا خاصًا بها-فتصيبها جملة من درس للصف الرابع يعلن أن اللاجئين الفلسطينيين “سيعودون إلى يافا حتمًا، مهما طال الزمن”، وهو مضمون يتطابق مع حق العودة كما نصّ عليه قرار الجمعية العامة رقم 194، لكن المنظمة تصفه بـ “المتطرف، غير المتسامح، الذي لا يقبل الآخر”، ويعتبر مديرها التنفيذي أنه تمثيل”1.3 مليون طفل فلسطيني يتعرضون للتطرف يوميًا”!

مثال من كتاب التربية الإسلامية للصف السادس في المنهاج الفلسطيني

وهي بذلك تقيس أي تمسك فلسطيني بقرارات أممية سابقة بوصفه رفضًا للسلام بدل كونه التزامًا بالشرعية الدولية، ما يمكن اعتباره آلية انتقائية، لمعايير اليونسكو والأمم المتحدة كغطاءٍ شرعي للمنظمة، مع تجاهلٍ للقرارات الأممية، خاصة تلك المتعلقة بالقضية الفلسطينية.

وفقًا لما سبق، يظهر استخدام المنظمة لقيم “التعايش والتسامح” بشكلٍ مجتزأ، تُستدعى حين تخدم إدانة المنهج، يمتد ذلك لمعاملتها للمضامين الفقهية والتاريخية والتراثية، كمعادلٍ وظيفي للتحريض السياسي المباشر، وهو تعامل يُضع كل مادة دينية إسلامية في إطار “إشكالي” بغض النظر عن سياقها، يظهر ذلك بشكلٍ واضح في المناهج السعودية التي تشتكي المنظمة من كثرة النصوص الدينية الإسلامية، وتوزعها الكبير في مختلف الكتب الدراسية.

في المقابل، تغيب هذه المعايير وصرامتها في أمام المنهج “الإسرائيلي” (تسمية الضفة الغربية بأسماء توراتية، عدم الاعتراف بحق تقرير المصير الفلسطيني في أدبيات تربوية إسرائيلية رسمية، تجاهل الوجود الفلسطيني على الأرض)، ما يحوّل “معايير التسامح العالمية” من ميزان مزدوج الكفة إلى أداة أحادية الاتجاه تقيس التزام الطرف الفلسطيني -والعربي عمومًا- بمعايير لا يُطلب من الطرف “الإسرائيلي” الالتزام بها.

ما يعني، أن المعايير والمنهجية تحولت، غربيًا وبفضل المنظمة، إلى أدوات تُقاس بها درجة قبول كل دولة عربية بالرواية والسيادة “الإسرائيلية” على الأرض والتاريخ والذاكرة، بدل أن تُقاس بها درجة التزامها الفعلي بحقوق الإنسان الشاملة كما تنص عليها المواثيق الأممية ذاتها حين تُطبَّق بالتساوي على كل الأطراف.

الإمارات.. بوصلة

دخلت الإمارات قوائم التقييم في وقتٍ متأخرٍ نسبيًا، كانت قد استبقته بأشواطٍ من تغيير المناهج والأساليب التربوية أطلقتها منذ 2014، تحت عنوان “محاربة التطرف الديني وتعزيز التسامح والتعايش”، لذا جاء التقييم “الإسرائيلي” عام 2018، مادة “التربية الأخلاقية” التي صدرت عام 2017.

هذا التزامن بين إصدار المادة التي أُدخلت إلى كل مدارس الدولة الحكومية والخاصة من الصف الأول وحتى الثاني عشر، جعل من المنهج الإماراتي نموذج “تعليمٍ إيجابي”، إذ وُصف المنهج الإماراتي بعدها، الصادر عام 2016، في تقرير 2022، بأنه “عندما يذهب السلام إلى المدرسة“.

لا يقتصر ذلك على المناهج، بل على مشاركة حثيثة من الإمارات في عمل المنظمة، عبر الممثلة الإقليمية، آلاء الشمري، وعبر أبرز شخصيات مجلسه الاستشاري، بدءًا من كمال عبد الملك، رئيس تحرير مجلة الأدب العربي والعالمي وأستاذ الأدب العربي في الجامعة الأمريكية في دبي، ومحمد الحسيني، باحث ومحاضر إماراتي في الدراسات الإسلامية، في مركز أكسفورد للدين والحياة العامة، وزميل أول في الدراسات الإسلامية في معهد وستمنستر، والدكتور علي راشد النعيمي، أول رئيس لمركز هداية للتميز في مكافحة التطرف العنيف، والمشارك في تأسيس مركز صواب، ومؤسس ورئيس المجلس العالمي للجاليات الإسلامية.

هذه المشاركة الإماراتية الفاعلة، دفعت ماركوس شيف للقول بأن “الإمارات ومناهجها إعدادٌ فعلي لعصر جديد من السلام والتسامح”، وأن المنهاج الجديد الذي وُلد من رؤية الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم كجزء من أجندة “رؤية الإمارات 2021” الوطنية، ثم أصبح لاحقًا ضمن أولويات “رؤية 2030” الرامية لبناء قوى عاملة عالية المهارة وعالية الإنتاجية، استثنائي في إيجابيته تجاه اليهودية والأديان الأخرى.

لا يتأتى ذلك من فراغ، وإنما محصلةً لشبكة موازية خارج الإطار التدريسي، رافقت هذه التحولات، إذ وفقًا لوزارة الخارجية الأمريكية، ومجلس العلاقات الأمريكية اليهودية AJC، فقد أسهمت استراتيجية تدريب الدعاة والأئمة، واعتماد هيئة الأوقاف والشؤون الإسلامية نصًا أسبوعيًا موحدًا لخطبة الجمعة يوزَّع على الأئمة، وما رافقها من إطلاق الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف “البرنامج الوطني للاعتدال الديني” لتعزيز التفسيرات المعتدلة للإسلام عبر برامج تدريبية للأئمة والدعاة تحديدًا، وذلك في يونيو 2023.

ثم ما تلاها، من تأسيس مركز هداية لمكافحة التطرف عام 2012، وتخريجه من 1,500 إمام و600 داعية دينية من النساء على تعزيز الإسلام المعتدل، والتعايش مع الأديان الأخرى، يُضاف لهذه الشبكة مركز صواب لمواجهة المحتوى “المتطرف” على الانترنت.

ما منح المنهاج الإماراتي، قيمة مميزة في تقارير المنظمة، بوصفه “إنجازًا فريدًا وتفوقًا أخلاقيًا”، لأن دروسه “تمتدح الحب والمودة والروابط العائلية مع غير المسلمين؛ وتتحدث بإيجابية عن العلاقات بين الأديان، خصوصًا مع المسيحية؛ وتُدرِّس التسامح وقبول اليهودية”، كما أشادت تقاريرها بـ “التعددية الدينية المؤسسية” التي تجسدت في بيت العائلة الإبراهيمية في وهو مجمع يضم مسجدًا (باسم الإمام الطيب) وكنيسة (باسم القديس فرنسيس) وكنيسًا يهوديًا (باسم موسى بن ميمون) بتصميم واحد متساوي الارتفاع “لمحو أي تراتبية هرمية بين الأديان”، وبخصوصية مختلفة أساسها بناء أول كنيس في شبه الجزيرة العربية منذ ما يقارب قرنًا من الزمن.

اللافت، أن الاحتفاء “الإسرائيلي” بالمنهاج الإماراتي لم يكن كاملًا، إذ سجلت التقارير الإعلامية (تايمز أوف إسرائيل) بأن “الأدوار الجندرية” بحاجة إلى مزيدٍ من المعالجة، كما أن “إسرائيل” غير موجودة خرائط الكتب المدرسية، بينما تضعها خرائط أخرى في الفضاء السلبي حول حدود كيان فلسطيني، أو تظهر حدودها بدون اسم.

وفقًا لـ “لازارا بيرمان” فإن دروس التاريخ حول الحروب العربية “الإسرائيلية”، تُظهر “إسرائيل” بين علامتي اقتباس، في إشارة إلى أنها ليست دولة حقيقية، كما تُصور “الصهيونية بشكلٍ سلبي” في كتاب تاريخ الصف الحادي عشر عند القول: “فلسطين التي كانت مثقلة بنير إنشاء وطن قومي جديد لليهود على أراضيها”، و “شهدت مقاومة عربية قوية للطموحات الصهيونية الطامعة منذ لحظة تأسيسها”.

يعترض الصحفي أيضًا على عدم وجود تعليمٍ عن تاريخ اليهود في المنطقة العربية، وغياب ذكرٍ للمحرقة في مقابل دروسٍ مستفيضة في الأدب والتاريخ الفلسطيني”، لكنه يتجاهل الإشارة الإماراتية إلى إيران كعدو محتل، وإلى الأتراك كـ “غزاة ومستعمرين احتلوا البلدان العربية، ليس أقل من المستعمرين الفرنسيين والبريطانيين، واستغلوا ثروات العرب وتركوهم ضعفاء ومتخلفين”.

رغم ذلك يُخالف الرئيس التنفيذي للمنظمة أحاسيس الصحفي، بالقول: “حتى مع وجود هذه الدروس، فإن الاتجاه إيجابي للغاية، الفقرات التي شيطنت “إسرائيل” حُذفت، وفقرات إلقاء اللوم على العدو الصهيوني في السعي لإبادة الشعب الفلسطيني أزيلت، وتظهر اتفاقيات إبراهيم في ثلاثة كتب مدرسية منفصلة ويتم تعليم الأطفال أن المعاهدة تحظى بموافقة علماء إسلاميين، هذا وحده كافٍ لتعزيز التطبيع بين الناس”.

وهكذا، يحضُر النموذج الإماراتي في تقارير IMPACT-se كـ”بوصلة” ونموذج معياري يُقاس به أداء بقية الدول العربية، فقد أعطى مؤلف التقرير الخاص بالمنهج الدراسي الإماراتي، إلداد ج. باردو “درجات عالية في سعيه لتحقيق السلام والتسامح”، عادًّا رسالته “أفضل أداة لمكافحة التطرف والعنف مع بناء مستقبل قابل للحياة للإمارات”.

من المهم الإشارة هُنا، إلى أن اعتراضات الصحفي “ألإسرائيلي” لن تكون قائمة خلال السنوات القادمة، بل إن دور المنظمة في تصميم المناهج الإماراتية سيكون واضحًا، إذ وفقًا للسفارة الإماراتية في الولايات المتحدة، فإن الإمارات تخطط لإدراج تعليم الهولوكوست في المناهج الدراسية للمدارس الابتدائية والثانوية.

وفقًا للتقرير، فإن الإمارات ستعمل من IMPACT-se (منظمة مراقبة السلام والتسامح الثقافي في التعليم المدرسي بفرعيها في القدس ولندن) ومع مؤسسة “ياد فاشيم” التذكارية للهولوكوست في القدس، للمساعدة في وضع منهج جديد، لتٌصبح أول دولة عربية تخوض هذا المسار.

ختامًا، لا يُمكن النظر لـ IMPACT-se من زاوية تقييمها لفقرة عن الجهاد أو خريطة لفلسطين، بل بقدرتها على إخضاع الكتب المدرسية العربية والإسلامية لمعاييرها ومنهجيتها، ونجاحها في إقناع العالم بأنها المرجع الذي يُحدد كيف ينبغي للأجيال القادمة أن ترى “إسرائيل” وتقرأ عنها.

هنا، لا تعود المعركة على صفحة كتاب التاريخ أو التربية الإسلامية، بل على التعليم نفسه كأداة لإعادة هندسة المستقبل وتشكيل الإنسان بما ينسجم مع الغرب، وقيمه، وموقع “إسرائيل” فيه، ولا يعود الهدف من التقييم مراجعة المناهج، بقدر ما يكمن في الدفع بإنتاج منهجٍ جديد، يُهمش فيه الدين، وتتراجع فيه مفردات الهوية الوطنية والحرية، وتغدو توصيفات الآخر، بأنه “آخر” لأنه فعلًا آخر، إنكارًا له وتطرفًا ومعاداة لوجوده، وفق ميزان لا يخضع بالضرورة لمعايير الحقوق والعدالة، وإنما للقرب والتماس مع الرواية المهيمنة والتكيّف معها.

علاماتاستعمار ثقافي ، الاحتلال الإسرائيلي ، التربية والتعليم ، التطبيع ، التطبيع الثقافي
مواضيعالأمم المتحدة ، الاحتلال الإسرائيلي ، التطبيع ، التطبيع العربي ، التعليم

قد يعجبك ايضا

تعليم

أزمة التعليم في فلسطين تتفاقم بسبب الاحتلال وتقاعس السلطة والأزمة المالية

عزيزة نوفل١٧ فبراير ٢٠٢٦
تعليم

جيل يحاول النجاة مرتين.. أطفال غزة بين العمل والواجبات المدرسية

فاطمة زكي أبو حية١٧ فبراير ٢٠٢٦
تعليم

سوريا: قرارات العودة إلى التعليم الجامعي تصطدم بإرث إداري وقانوني ثقيل

فتون استانبولي١٠ فبراير ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑