• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

رحيل الأمير الوالد.. ربان النهضة الذي وضع قطر على خريطة العالم

فريق التحرير١٢ يوليو ٢٠٢٦

نعى الديوان الأميري القطري، في بيان صدر صباح الأحد 12 يوليو/تموز 2026، الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي توفي عن عمر ناهز 74 عامًا، بعد مسيرة سياسية وتنموية امتدت لعقود، قاد خلالها تحولًا جذريًا نقل قطر من دولة خليجية محدودة الحضور والتأثير إلى لاعب إقليمي بارز يتمتع بثقل سياسي واقتصادي وإعلامي واسع.

ويُنظر إلى الشيخ حمد بن خليفة، الذي يطلق عليه قطريون لقب «دفّان الفقر»، باعتباره المهندس الأول لبناء الدولة القطرية الحديثة، وصاحب المشروع الذي أرسى قواعد نهضتها الاقتصادية والتنموية،  وخلال سنوات حكمه الثماني عشرة، وضع اللبنات الأساسية لمسار الازدهار الذي مكّن قطر، في أقل من عقدين، من التحول إلى مركز مؤثر في الدبلوماسية الإقليمية، ومنصة رئيسية للإعلام العربي، وقوة اقتصادية ذات حضور متنامٍ في المنطقة والعالم.

ولم يقتصر دور الأمير الوالد على إدارة الشأن الداخلي أو قيادة مشروع التحديث الوطني، بل امتد حضوره إلى عدد من أبرز ملفات المنطقة وأكثرها تعقيدًا فقد تبنت قطر خلال عهده مواقف داعمة للمقاومة العربية في فلسطين ولبنان في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، كما برزت بوصفها إحدى أبرز القوى الداعمة للحركات الشعبية التي اجتاحت عددًا من الدول العربية خلال موجة الربيع العربي، ليترك بذلك إرثًا سياسيًا مثيرًا للجدل والتأثير في آن واحد، وبصمة واضحة في مسار بلاده وفي خريطة التوازنات الإقليمية، باعتباره أحد أبرز القادة الذين أسهموا في إعادة صياغة دور دول الخليج في السياسة العربية والشرق أوسطية.

محطات في حياته

وُلد الشيخ حمد في الدوحة في الأول من يناير/كانون الثاني 1952، وتلقى تعليمه الابتدائي والإعدادي والثانوي في مدارس قطر، قبل أن يلتحق بأكاديمية ساندهيرست العسكرية الملكية في المملكة المتحدة، التي تخرج فيها في يوليو/تموز 1971، وعقب عودته إلى بلاده، انضم إلى القوات المسلحة القطرية، وتدرج في مناصبها ورتبها العسكرية، إلى أن تولى منصب القائد العام للقوات المسلحة برتبة لواء، ليصبح أحد أبرز المسؤولين عن تطوير المؤسسة العسكرية القطرية وتعزيز قدراتها.

وفي عام 1977، عُيّن وليًا للعهد ووزيرًا للدفاع، كما تولى رئاسة المجلس الأعلى للتخطيط، الذي مثّل آنذاك أحد المرتكزات الأساسية لصياغة السياسات التنموية والاقتصادية للدولة، وشغل كذلك منصب رئيس المجلس الأعلى لرعاية الشباب منذ تأسيسه عام 1979 وحتى عام 1991، في إطار اهتمامه بتطوير المؤسسات المعنية بالشباب والرياضة، وفي 27 يونيو/حزيران 1995، تولى حكم البلاد.

وخلال مسيرته، حصل الشيخ حمد على عدد كبير من الأوسمة والتكريمات العربية والدولية، تقديرًا لإسهاماته في تعزيز العلاقات الثنائية وتطوير مجالات التعاون بين قطر ومختلف دول العالم، من أبرزها وسام الملك عبد العزيز من المملكة العربية السعودية عام 1976، ووشاح الفارس من وسام القديس ميخائيل والقديس جورج من المملكة المتحدة عام 1979، ووسام «الضابط الأكبر من جوقة الشرف» من فرنسا عام 1980.

مهندس النهضة القطرية

منذ توليه مقاليد الحكم في 27 يونيو/حزيران 1995، دخلت قطر مرحلة جديدة اتسمت بإطلاق مشروع واسع للإصلاح والتحديث الشامل، حيث تبنى الأمير الوالد رؤية تنموية متكاملة قامت على ثلاثة مرتكزات رئيسية، الاقتصاد، والإعلام، والسياسة، ضمن مسار هدف إلى إعادة بناء الدولة وتعزيز مكانتها إقليميًا ودوليًا.

وشكّل البعد الاقتصادي حجر الزاوية في مشروعه، حتى بات يُنظر إليه باعتباره مهندس النهضة الاقتصادية القطرية، فقد ركزت الدولة خلال عهده على تطوير البنية التحتية لقطاع الغاز الطبيعي، وتوسيع عمليات الاستكشاف والإنتاج والتصدير، بما أسهم في ترسيخ مكانة قطر كإحدى القوى الكبرى في سوق الغاز العالمي، كما أُسس جهاز قطر للاستثمار ليصبح أحد أبرز الصناديق السيادية في العالم، وتوسعت الدولة في تنفيذ مشروعات البنية التحتية والمرافق والخدمات، الأمر الذي عزز جاذبيتها للاستثمارات الأجنبية، ومكّنها من استضافة كبرى الفعاليات الرياضية والاقتصادية والسياسية على المستويين الإقليمي والدولي.

وبالتوازي مع المسار الاقتصادي، أولى الشيخ حمد اهتمامًا واسعًا بالتعليم والبحث العلمي، فكانت المدينة التعليمية إحدى أبرز ثمار هذا التوجه، إذ استقطبت فروعًا لجامعات ومؤسسات أكاديمية دولية مرموقة، وأسهم ذلك في تحويل قطر إلى مركز تعليمي وبحثي إقليمي، ووجهة تستقطب الطلاب والباحثين من جنسيات متعددة.

أما في المجال الإعلامي، فقد نجح في وضع قطر على خريطة الإعلام العربي والدولي من خلال إطلاق شبكة الجزيرة عام 1996، وخلال سنوات قليلة، تحولت الشبكة إلى واحدة من أبرز المؤسسات الإعلامية العالمية، وأصبحت لاعبًا رئيسيًا في نقل الخبر وصناعته والتأثير في اتجاهات الرأي العام، مستقطبة ملايين المتابعين داخل العالم العربي وخارجه.

وعلى المستوى السياسي الداخلي، شهدت قطر خلال عهده مجموعة من الإصلاحات المؤسسية، بدأت بإجراء انتخابات المجلس البلدي المركزي عام 1999، وتُوجت بإقرار الدستور الدائم للبلاد عام 2004، كما جرى تعزيز مؤسسات الدولة، وترسيخ سيادة القانون، وتطوير منظومة الإدارة والعدالة، بما أسهم في تعزيز الاستقرار الداخلي وجذب المقيمين والزائرين من مختلف أنحاء العالم.

وفي السياسة الخارجية، لعبت الدولة الخليجية الصغيرة جغرافيًا تحت قيادته دورًا متناميًا في ملفات الإقليم، واتجهت إلى تبني سياسة دبلوماسية نشطة قائمة على الوساطة والانفتاح على الأطراف المتباينة، كما شاركت الدوحة في جهود تسوية عدد من النزاعات في فلسطين ولبنان والسودان وأفغانستان، ما عزز حضورها كوسيط قادر على التواصل مع أطراف متعارضة، ورسّخ مكانتها بوصفها دولة مؤثرة في معادلات المنطقة.

حضور لافت في فلسطين ولبنان

شهدت قطر في عهد الأمير الوالد حضورًا لافتًا في عدد من القضايا العربية المصيرية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية ومواجهة الاحتلال الإسرائيلي، فقد حرصت الدوحة على أن تكون فاعلًا سياسيًا واقتصاديًا وإنسانيًا في الملفين الفلسطيني واللبناني، ولا سيما خلال موجات التصعيد الإسرائيلي التي شهدها العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

ولا يزال حاضرًا في الذاكرة العربية موقفه خلال القمة العربية الطارئة التي دعت إليها الدوحة في يناير/كانون الثاني 2009 لبحث العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، والتي تعذر انعقادها رسميًا بسبب عدم اكتمال النصاب القانوني، حينها وجّه انتقادات حادة إلى حالة الانقسام العربي، وإلى غياب عدد من الدول عن الاجتماع، مؤكدًا أن حجم الانتهاكات التي يتعرض لها القطاع يستوجب موقفًا عربيًا موحدًا وقمة مخصصة لمناقشة العدوان، بدلًا من إدراج القضية ضمن جداول أعمال مطولة لا تتناسب مع خطورة الحدث وإلحاحه.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2012، أجرى الشيخ حمد زيارة تاريخية إلى قطاع غزة، ليكون أول زعيم عربي يزور القطاع منذ فرض الحصار عليه، وجاءت الزيارة لمتابعة المشروعات والمساعدات الإنسانية والطبية التي قدمتها قطر إلى الفلسطينيين، إلى جانب الإعلان عن منح لتمويل مشروعات البنية التحتية وإعادة الإعمار، شملت إنشاء مدارس ومستشفيات وطرق ومرافق خدمية.

وامتد هذا الحضور إلى لبنان، حيث كان من أوائل الزعماء العرب الذين زاروا الجنوب اللبناني عقب الحرب الإسرائيلية عام 2006، وأسهمت قطر في تمويل جهود إعادة الإعمار، وترميم القرى والمنشآت المتضررة، وبناء المستشفيات والمدارس، ودعم عدد من المشروعات التعليمية والتنموية الموجهة إلى الأطفال والنساء، كما أجرى لقاءات مع المسؤولين اللبنانيين بهدف تنسيق جهود الإغاثة وإعادة البناء، في تأكيد على توجه قطري سعى إلى الجمع بين الموقف السياسي والتحرك الإنساني الميداني، وترسيخ حضور الدوحة في دعم الشعوب العربية التي تعرضت للحروب والاعتداءات.

دعم الإرادة الشعبية العربية

برزت قطر، تحت قيادة الشيخ حمد ، بوصفها إحدى أكثر الدول العربية دعمًا للإرادة الشعبية خلال موجة الربيع العربي التي اندلعت عام 2011، فقد تبنت الدوحة موقفًا منحازًا إلى الحركات الاحتجاجية في مواجهة الأنظمة السلطوية، وقدمت لها دعمًا سياسيًا وإعلاميًا واسعًا، رغم ما ترتب على هذا التوجه لاحقًا من كلفة باهظة.

وفي مصر، كانت قطر من أبرز الدول الداعمة للتحولات التي أعقبت ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 وسقوط نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، ولم يقتصر هذا الدعم على التغطية الإعلامية والمساندة السياسية، بل امتد إلى تقديم مساعدات واستثمارات هدفت إلى دعم الاقتصاد المصري خلال المرحلة الانتقالية المضطربة التي شهدتها البلاد بين عامي 2011 و2013.

وفي ليبيا، انحازت الدوحة إلى الانتفاضة الشعبية ضد نظام العقيد معمر القذافي، وسعت إلى حشد موقف عربي وإقليمي ودولي مساند لها، كما كانت من أوائل الدول العربية التي اعترفت بالمجلس الوطني الانتقالي ممثلًا شرعيًا للشعب الليبي، وقدمت مساعدات إنسانية وطبية إلى المناطق المتضررة من المعارك، في إطار دور سياسي وإنساني داعم لمسار التغيير.

أما في سوريا، فقد كان الشيخ حمد من أوائل القادة العرب الذين دعوا إلى اتخاذ موقف عربي حازم تجاه تعامل نظام بشار الأسد مع الاحتجاجات التي اندلعت في مارس/آذار 2011، وقادت الدوحة تحركًا دبلوماسيًا داخل جامعة الدول العربية أسهم في تعليق عضوية سوريا في نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، باعتبار ذلك أحد أشكال الضغط السياسي ودعم مطالب المحتجين في مواجهة نظام اتُهم باستخدام العنف الواسع لقمع الحراك الشعبي.

وبذلك، ارتبطت السياسة القطرية في تلك المرحلة برؤية إقليمية تقوم على مساندة موجات التغيير الشعبي وإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة، وهي سياسة منحت الدوحة حضورًا عربيًا واسعًا. وهكذا رحل الأمير الوالد، تاركًا خلفه إرثًا سياسيًا وتنمويًا حافلًا بالإنجازات والتحولات الكبرى، بعدما نجح في نقل قطر من دولة محدودة الحضور والتأثير إلى لاعب إقليمي محوري يتمتع بمكانة بارزة على الساحة الدولية.

مواضيعالاقتصاد القطري ، السياسة القطرية ، الشأن القطري

قد يعجبك ايضا

سياسة

لماذا لا نتحدث عن الدولة التي تمول القتل الجماعي في السودان؟

نيكولاس كريستوف١٢ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

من ماردين إلى طرابلس.. الروابط القديمة وحسابات تركيا الجديدة في لبنان

رغد الشماط١١ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

الديمقراطيون وإسرائيل.. نهاية الإجماع القديم بعد حرب غزة

زاك بيتشام١١ يوليو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑