قبيل تمام عام على توقيع مجموعة “سي أم أي” و”سي جي أم” الفرنسية عقدًا مع الحكومة السورية لتطوير وتشغيل ميناء اللاذقية باستثمار بلغ 230 مليون يورو، قررت المجموعة ضخ 200 مليون يورو إضافية لرفع الطاقة الاستيعابية للميناء، بحسب ما كشفه الرئيس السوري، أحمد الشرع، خلال اللقاء الذي جمعه بنظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون في دمشق، يوم 7 يوليو/تموز الجاري.
يعيد هذا الاستثمار تسليط الضوء على الميناء الذي شكّل، على مدى عقود، المنفذ البحري الرئيسي لسوريا، وارتبطت مسيرته بتحولات الدولة والاقتصاد، من مشاريع التوسعة إلى سنوات الحرب، وصولًا إلى رهانات إعادة الإعمار.
كما يطرح تساؤلات حول الأسباب التي تجعل المرفأ أحد أهم الأصول الاستراتيجية في سوريا، وهو ما يستدعي العودة إلى تاريخه لفهم كيف تشكلت قيمته الاقتصادية عبر أكثر من سبعة عقود.
بوابة سوريا إلى المتوسط
يقع مرفأ اللاذقية على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط في مدينة اللاذقية، ويُعد الميناء البحري الرئيسي في سوريا منذ تأسيسه بصورته الحديثة في خمسينيات القرن الماضي.
ففي 12 فبراير/شباط 1950، تأسست “الشركة العامة لمرفأ اللاذقية” كقطاع مشترك يتبع وزارة الاقتصاد، وأُوكل إليها إنشاء واستثمار المرفأ، وفي عام 1974، أُلحقت بوزارة النقل، قبل أن تتحول عام 1982، إلى شركة عامة (قطاع عام).
ونُفذ إنشاء المرفأ على مرحلتين: الأولى بين عامي 1954 و1958، والثانية بين 1974 و1985، وصولًا إلى بنيته الحالية.
فيما تشير “الموسوعة العربية العالمية” إلى أن المرفأ الحديث أُنشئ عام 1956 وضم أرصفة وصوامع للغلال شكلت حينها أكبر منشأة بحرية في سوريا، وكان يستقبل سنويًا بين 1200 و1500 سفينة، وظل الاستيراد أكثر وزنًا وقيمة من الصادرات خاصة بعد توقف تصدير الحبوب في منتصف الستينات من القرن العشرين.
المرفأ أولوية وطنية
صُمم المرفأ منذ البداية ليكون متصلًا بشبكة السكك الحديدية، بما يربط الساحل بالمناطق الداخلية ويعزز دوره كبوابة للتجارة السورية، ومنذ سنواته الأولى، كان يُنظر إليه باعتباره أحد الركائز الأساسية لمشاريع التنمية الاقتصادية في البلاد.
ففي تقرير أعده البنك الدولي خلال خمسينيات القرن الماضي، بالتزامن مع دراسة طلب الحكومة السورية تمويل تطوير المرفأ، اعتُبر المشروع أولوية وطنية نظرًا لدوره بوصفه الشريان البحري لسوريا، والبوابة الأساسية للواردات، ونقطة انطلاق الصادرات، كما جرى التعامل معه باعتباره جزءًا من منظومة النقل الوطنية التي تضم السكك الحديدية والطرق والنقل البري ومرافق التخزين.
ومع تزايد حركة التجارة الخارجية خلال العقود اللاحقة، بدأت الطاقة الاستيعابية للمرفأ تتراجع أمام تزايد حجم البضائع، ما أدى إلى ازدحام الأرصفة، وطول فترات انتظار السفن، وبطء عمليات التحميل والتفريغ، إلى جانب محدودية أعماق بعض الأرصفة ونقص المعدات، الأمر الذي رفع تكاليف الشحن وخفّض كفاءة المناولة.
ومع استمرار نمو التجارة الخارجية، أظهرت تقديرات البنك الدولي في سبعينيات القرن الماضي أن المرفأ يعمل قريبًا من طاقته القصوى، إذ بلغت حركة المناولة نحو 1.3 مليون طن سنويًا مقابل طاقة استيعابية تقارب 1.5 مليون طن.
ولذلك طُرحت خطط لتوسعة المرفأ ورفع قدرته إلى نحو 3 ملايين طن سنويًا، تمهيدًا لاستيعاب الزيادة المتوقعة في الواردات والصادرات.
وفي عام 1988، شهد المرفأ أكبر عملية توسعة في تاريخه الحديث، شملت إنشاء أرصفة جديدة، وتعميق الأحواض الملاحية لاستقبال سفن أكبر، وتوسيع ساحات التخزين، وتطوير محطة الحاويات، وتزويده برافعات ومعدات مناولة حديثة، في خطوة هدفت إلى رفع طاقته الاستيعابية ومواكبة النمو المتوقع في حركة التجارة الخارجية، وترسيخ مكانته بوصفه الشريان البحري الأهم للاقتصاد السوري.
كما شهد عام 2009 محطة مفصلية أخرى في مسيرة المرفأ، مع تولي مجموعة “سي أم أي” و”سي جي أم” الفرنسية إدارة وتشغيل محطة الحاويات، بموجب عقد وُقّع مع الحكومة السورية حينها وجُدّد أكثر من مرة، واستمرت الشركة في تشغيل المحطة حتى التوصل إلى العقد الجديد الخاص بتطوير وتشغيل المرفأ، الذي وسّع نطاق استثماراتها.
بوابة تجارية وسياحية
وتأتي أهمية مرفأ اللاذقية من كون معظم التجارة البحرية في سوريا تجري عبره، حيث تأتيه 70٪ من مجموعة زيارات السفن، و83٪ من مجموع الحمولة الوزنية القائمة بالطن، بحسب تقرير بعنوان “سوريا عند مفترق طرق.. نحو انتقال مستمر” صادر عن “اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا” التابعة للأمم المتحدة (الإسكوا) في يناير/كانون الثاني 2025.
فيما تشير بيانات التجارة البحرية إلى تضاؤل دور سوريا في التجارة الإقليمية، فلم تسجل في عام 2023، سوى 251 زيارة إلى الموانئ السورية مقابل 2974 زيارة إلى موانئ لبنان المجاور، مع أن عدد سكان لبنان أقل من ربع عدد سكان سوريا.
أما من حيث الحمولة الوزنية القائمة بالطن، فقد بلغت في الموانئ السورية 4 ملايين طن فقط، مقابل 70 مليون طن في لبنان.
وتعتمد التجارة البحرية في سوريا على البلدان المجاورة مباشرة، على سبيل المثال، انطلقت نسبة 59٪ من السفن التي أبلغت عن دخولها إلى الموانئ السورية في عام 2023 من تركيا أو لبنان، وسافرت نسبة 69٪ من السفن المغادرة من الموانئ السورية إلى هذين البلدين.
كما شكّل المرفأ، خلال الفترة الممتدة بين عامي 2000 و2010، محطة مهمة للسياحة البحرية، حيث استقبل عددًا من سفن الرحلات السياحية (الكروز) التي ربطته بموانئ في اليونان وقبرص وتركيا ومصر، بحسب موقع “Bahhar Shipping”، وهي شركة شحن ووكالة بحرية سورية خاصة، وتعد أقدم وكالة شحن لاتزال تعمل في سوريا.
ويخدم المرفأ قطاعات اقتصادية متعددة، بحسب الموقع، إذ يستقبل سفن الحاويات وناقلات المفط وسفن “الرورو” (Ro-Ro) والبضائع العامة والبضائع السائبة.
عقدة تهريب لوجستية
ولم تقتصر التحولات التي شهدها مرفأ اللاذقية خلال العقد الماضي على تراجع دوره التجاري، إذ امتدت إلى طبيعة الأنشطة التي مرّت عبره، وتحوله خلال سنوات الحرب إلى عقدة تهريب لوجستية عابرة للحدود.
وكانت تجارة الكبتاغون أبرز الملفات التي ارتبطت باسم مرفأ اللاذقية خلال تلك السنوات، فبحسب تحقيق أجرته صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية استند إلى مقابلات مع مسؤولين أمنيين وخبراء في مكافحة المخدرات، غادرت نسبة كبيرة من شحنات الكبتاغون التي ضُبطت لاحقًا في أوروبا والخليج عبر المرفأ، بينما كانت شحنات أخرى تسلك طرقًا برية عبر لبنان أو الأردن قبل إعادة تصديرها.
وأوضح التقرير أن المرفأ هو الحلقة الأخيرة في سلسلة لوجستية متكاملة تبدأ بمختبرات الإنتاج في مناطق مختلفة من سوريا، مرورًا بمراكز التغليف والإخفاء والنقل البري، لتنتهي بشحن الحاويات عبر الميناء إلى وجهات خارجية.
كما توصل تحقيق منفصل نشره “مشروع التقارير حول الجريمة المنظمة والفساد” (OCCRP) إلى نتائج مماثلة، موضحًا أن الشبكات اعتمدت على منظومة معقدة لإخفاء هوية المتورطين، شملت استخدام شركات واجهة، وشركات مسجلة في دول مختلفة، ووثائق شحن بأسماء يصعب التحقق منها، إلى جانب ملاك سفن ووكلاء شحن وشركات تخليص، كما كانت الشحنات تُخفى داخل بضائع مشروعة، ما جعل اكتشافها أكثر صعوبة.
ويشير التحقيق إلى أن عددًا متزايدًا من شحنات الكبتاغون المرتبطة باللاذقية ضُبط في موانئ إيطاليا واليونان ورومانيا وليبيا، وكان أبرزها ضبط أكثر من 14 طنًا من الكبتاغون في ميناء ساليرنو الإيطالي في يونيو/حزيران 2020، في واحدة من أكبر الضبطيات العالمية حينها، وقدرت السلطات الإيطالية قيمتها بنحو مليار يورو.
وكانت حكومة النظام السوري تعلن بين الحين والآخر والآخر عن إحباط محاولات لتهريب شحنات مخدرات عبر المرفأ، في مفارقة لافتة مع التحقيقات الدولية التي تتهم شخصيات وشبكات مرتبطة بالنظام المخلوع بلعب دور محوري في إنتاج الكبتاغون وتصديره.
ولم تقتصر أنشطة التهريب المرتبطة بالمرفأ على المخدرات، فقد تحدثت تقارير صحفية أخرى عن تصاعد عمليات تهريب مواد استهلاكية وغذائية ومواد بناء من سوريا إلى لبنان عبر الخط البحري بين اللاذقية وبيروت، بعيدًا عن القنوات الجمركية الرسمية.
ومع تغير المشهد السياسي في سوريا، لم يختفِ البعد الأمني المرتبط بالمرفأ، فمنذ تولي الإدارة الجديدة، أعلنت وزارة الداخلية عن ضبط شحنات مخدرات داخله، من بينها شحنة قادمة من البرازيل، كما أعلنت السلطات السورية والتركية تنفيذ عملية مشتركة أسفرت عن ضبط سفينة تحمل مواد مخدرة قادمة من جنوب شرقي آسيا.
وتظهر هذه الوقائع أن الموقع الاستراتيجي لمرفأ اللاذقية، الذي جعله لعقود بوابة التجارة السورية، يجعله في الوقت نفسه نقطة جذب دائمة لشبكات التهريب والجريمة المنظمة، وهو ما يفرض تحديًا مزدوجًا أمام أي جهود لإعادة تأهيله واستعادة دوره الاقتصادي.
منفذ دمشق إلى الخليج
ولا تنبع أهمية مرفأ اللاذقية من موقعه على البحر الأبيض المتوسط فقط، وإنما من وقوعه عند نقطة التقاء البحر بالممرات البرية المؤدية إلى دمشق، ومنها إلى الأردن والأسواق الخليجية.
وتفسر دراسات متخصصة هذه الأهمية بما يُعرف اقتصاديًا بـ”الظهير” أي المنطقة الداخلية التي يخدمها الميناء عبر الطرق والسكك الحديدية وسلاسل الإمداد، إذ ترتبط قيمة الموانئ بقدرتها على خدمة هذا المجال الاقتصادي، وليس بحجم أرصفتها أو طاقتها الاستيعابية وحدهما.
ومن هذا المنطلق، يشكل مرفأ اللاذقية المنفذ البحري الطبيعي لدمشق وحمص وحماة وحلب، مع إمكانية امتداد مجاله الحيوي إلى الأردن والعراق إذا استكملت مشاريع الربط الإقليمي، إلى جانب دوره في خدمة الساحل السوري.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن هذا الموقع يمنح سوريا ميزة لوجستية مهمة، إذ لا تتجاوز المسافة بين موانئها والعمق الأردني والعراقي، في بعض المقاطع، نحو 500 كيلومتر، وهو ما يختصر زمن وكلفة نقل البضائع مقارنة ببعض المسارات البحرية الأطول.
وبناء على ذلك، لا يُنظر إلى سوريا بوصفها سوقًا نهائية للبضائع فحسب، وإنما باعتبارها جسرًا بريًا وممرًا للعبور يربط شرق المتوسط بالأسواق العربية، بما يعزز فرص تحولها إلى مركز لوجستي إقليمي.
وتعزز التطورات الأخيرة هذا التصور، مع استئناف حركة شاحنات الترانزيت عبر الأراضي السورية باتجاه الأردن، وعبور قوافل تجارية تركية نحو الدول العربية، فضلًا عن استخدام الأراضي السورية لنقل النفط العراقي إلى موانئ البحر المتوسط.
وتشير هذه المؤشرات إلى أن الظهير الاقتصادي لمرفأ اللاذقية قد لا يقتصر مستقبلًا على المدن السورية، بل يمكن أن يمتد إلى العراق والأردن، وربما إلى الأسواق الخليجية إذا اكتملت مشاريع الربط الإقليمي.
وتدعم هذه الرؤية دراسة أعدتها “الوكالة اليابانية للتعاون الدولي” (JICA)، خلصت إلى أن تطوير مرفأ اللاذقية لا يرتبط بتوسعة الأرصفة وزيادة الطاقة الاستيعابية فحسب، وإنما بتكامله مع شبكة النقل البري والسكك الحديدية، وتحسين إدارة حركة الشاحنات والبضائع، بما يحوله إلى مركز لوجستي متكامل يخدم حركة الترانزيت الإقليمية.
وترى الدراسة أن موقع المرفأ يؤهله لأداء دور أكبر في خدمة التجارة مع دول الجوار، ولا سيما العراق، في ظل توقعات بارتفاع حركة البضائع المرتبطة بإعادة الإعمار.
كما تتوافق هذه الرؤية مع ما خلص إليه المنتدى الاقتصادي العالمي في تقريره بعنوان “لماذا تكتسب إعادة دمج سوريا اقتصاديًا أهمية بالنسبة للشرق الأوسط؟”، الذي يرى أن إعادة تأهيل مرفأ اللاذقية وربطه بالموانئ الجافة وشبكات السكك الحديدية والمناطق الصناعية يمكن أن يعيد لسوريا دورها كحلقة وصل بين الخليج وبلاد الشام وتركيا والبحر المتوسط.
وبحسب التقرير، يكتسب هذا الدور أهمية إضافية في ظل بحث المنطقة عن بدائل للممرات التجارية المعرضة للاضطرابات، مثل البحر الأحمر ومضيق هرمز، ما يعزز الرهان على موقع سوريا بوصفها معبرًا بريًا يربط الخليج بالبحر المتوسط.
مرسين واللاذقية.. موانئ شقيقة
وفي موازاة الحديث عن دور المرفأ في خدمة الأسواق الخليجية، برزت قبل سنوات الحرب رؤية أخرى تقوم على ربطه بشبكات النقل الأوروبية عبر تركيا.
ولم تكن هذه الرؤية وليدة المرحلة الحالية، إذ شهدت السنوات التي سبقت عام 2011 إطلاق مشاريع مشتركة بين أنقرة ودمشق جعلت من مرسين واللاذقية حلقتين في شبكة لوجستية واحدة.
لطالما أولت تركيا أهمية لميناء اللاذقية، باعتباره أحد الموانئ الرئيسية على الساحل الشرقي للبحر المتوسط، إلا أن اندلاع الثورة السورية، وما تبعه من تدهور العلاقة بين الحكومة التركية والنظام السابق الذي كان يسيطر على الموانئ البحرية، حالا دون استكمال مشاريع التعاون التي بدأ البلدان العمل عليها قبل عام 2011، وأوقفا مسارًا كان يستهدف دمج سوريا في شبكة النقل والتجارة الإقليمية.
وكانت الرؤية التركية حينها، تقوم على ربط سوريا بشبكات النقل التركية والأوروبية عبر ولاية مرسين، والتي كانت تُطرح بوصفها البوابة اللوجستية للصادرات السورية نحو أوروبا، فيما كانت الموانئ السورية، وفي مقدمتها اللاذقية، تُنظر إليها باعتبارها جزءًا من منظومة نقل متكاملة تربط شرق المتوسط بالأسواق الإقليمية والدولية.
ويعكس هذا التوجه ما أعلنه وزير الدولة التركي للتجارة الخارجية آنذاك، كورشاد توزمن، الذي قال إن أنقرة تستهدف رفع حجم التبادل التجاري مع سوريا من نحو ملياري دولار إلى 10 مليارات دولار، بحسب ما نقلته وسائل إعلام تركية في مارس/آذار 2009.
وجاءت تصريحاته بالتزامن مع وصول أول قطار شحن قادم من محافظة حلب إلى مرسين، في خطوة اعتُبرت جزءًا من مشروع أوسع لتطوير الممرات التجارية بين البلدين.
وفي المناسبة نفسها، أعلن توزمن عزم تركيا إطلاق رحلات نقل بحري من نوع “الرورو” بين ميناء مرسين وميناء ترييستي الإيطالي، فيما كشف رئيس المؤسسة العامة للسكك الحديدية التركية (TCDD) عن خطط لتشغيل خط سكك حديدية جديد بين حلب وغازي عنتاب.
وبذلك، كانت أنقرة تعمل على إنشاء سلسلة لوجستية متكاملة تبدأ من حلب، مرورًا بمرسين عبر السكك الحديدية، ثم إلى أوروبا عبر خطوط “الرورو” البحرية، في رؤية كانت تجعل من مرسين مركز الربط مع الأسواق الأوروبية، بينما تؤدي الموانئ السورية، وفي مقدمتها اللاذقية، دورًا مكملًا ضمن شبكة التجارة والنقل في شرق البحر المتوسط.
تكامل لوجستي.. لا منافسة
ولم تبدأ العلاقات الاقتصادية بين مرسين واللاذقية مع مرحلة ما بعد الثورة، إذ كان الربط البحري بين المدينتين قائمًا قبل عام 2011، حين كانت تُسيّر رحلتا عبّارات أسبوعيًا بين عامي 2006 و2010، كما شهد عام 2010 تنظيم فعالية “يوم مرسين” في دمشق بمشاركة وزراء من البلدين، إلى جانب فعاليات اقتصادية مشتركة وتعاون بين مجتمعي الأعمال، في إطار مساعٍ لتعزيز التكامل التجاري واللوجستي بين الجانبين.
ورغم العلاقة المتوترة بين أنقرة والنظام السوري السابق، أصدر مجلس التنسيق الإقليمي في مرسين التابع لغرفة المهندسين والمعماريين الأتراك (TMMOB) بيانًا اعتبر فيه أن موانئ مرسين والإسكندرون واللاذقية تمثل أبرز المراكز ذات الإمكانات المينائية في شرق البحر المتوسط، داعيًا إلى تبني تخطيط إقليمي يوزع الأدوار بين الموانئ وفق مزايا كل منها، بدل إنشاء موانئ متنافسة داخل تركيا.
ويكتسب هذا البيان أهمية خاصة لأنه يعكس حضور اللاذقية في التصور التركي لمنظومة موانئ شرق المتوسط رغم استمرار الحرب والعقوبات على سوريا، وحتى قبل أن يعود ملف إعادة الإعمار إلى الواجهة مع التحرير.
وبعد سقوط النظام السابق، تُرجمت الرؤية التركية إلى خطوات عملية مع استئناف الحركة البحرية المباشرة بين تركيا وسوريا، عبر انطلاق أولى رحلات سفينة “الرورو” (Lady Roz) التابعة لشركة الشحن التركية “Legend Line” من ميناء مرسين إلى ميناء اللاذقية، في خطوة اعتُبرت مؤشرًا على إعادة دمج المرفأ السوري في شبكات التجارة الإقليمية بعد سنوات من التوقف، وتمثل نقطة تحول جديدة في جهود إنعاش التجارة السورية وإعادة تنشيط الحركة التجارية في البلاد.
وتُعد رحلات “الرورو” عنصرًا أساسيًا في سلاسل الإمداد الإقليمية، إذ تربط بين شبكات النقل البري والنقل البحري، وهي مخصصة لنقل الشاحنات والمقطورات والمركبات التجارية دون الحاجة إلى تفريغ حمولتها وإعادة تحميلها.
وفي حالة خط مرسين- اللاذقية، يتمثل الهدف الأساسي منها في تسهيل حركة البضائع بين تركيا وسوريا، عبر صعود الشاحنات أو المقطورات المحملة بالبضائع مباشرة إلى السفينة في ميناء مرسين، ثم عبورها البحر إلى ميناء اللاذقية، حيث تواصل رحلتها برًا داخل سوريا أو إلى وجهات أخرى.
وبعد أشهر، وقّعت غرفتا تجارة مرسين واللاذقية بروتوكول تعاون رسمي، أعلن على إثره رئيس غرفة تجارة وصناعة مرسين، هاكان سفا تشاكير، السعي إلى تحويل مرسين واللاذقية إلى “موانئ شقيقة” ضمن رؤية تقوم على التكامل اللوجستي ودعم إعادة إعمار سوريا، بحسب بيان صحفي، صادر عن غرفة تجارة وصناعة مرسين في 5 أغسطس/آب 2025.
اللاذقية بوابة للممرات الإقليمية
وتكرّسَ هذا التوجه في مايو/أيار 2026، عندما زار وفد من غرفة تجارة وصناعة مرسين اللاذقية، حيث أكد الجانبان رغبتهما في إعادة بناء شبكة تجارية بين المدينتين كما كانت قبل الحرب، بينما وصف الوفد التركي مرسين واللاذقية بأنهما “ميناءان يكمّل أحدهما الآخر”.
وكان ميناء اللاذقية المحطة الرئيسية في الزيارة، إذ اطلع الوفد على مرافقه واستمع إلى عرض قدمه المسؤولون السوريون حول إمكانات تنشيط التجارة البحرية والخطوط اللوجستية بين البلدين، بما يشمل حركة السفن، والإجراءات الجمركية، وآفاق تطوير النقل البحري، في مؤشر على أن الاهتمام لم يعد يقتصر على تنشيط التبادل التجاري، بل يمتد إلى مستقبل الميناء ودوره ضمن شبكة النقل الإقليمية.
وعقب عودة الوفد، استعرض مجلس غرفة تجارة وصناعة مرسين نتائج الزيارة، معتبرًا أن إعادة الانفتاح على سوريا تفتح فرصًا واسعة أمام الشركات التركية، وربط رئيس الغرفة هاكان سفا تشاكير هذه الفرص برؤية أوسع تقوم على تحويل الممر الذي يربط العراق وسوريا وتركيا إلى أحد أهم الممرات اللوجستية المؤدية إلى دول الخليج، بما يمنح مرسين واللاذقية دورًا متكاملًا في حركة التجارة الإقليمية.
ويكتسب مشروع تطوير مرفأ اللاذقية بعدًا إضافيًا في ظل استمرار استثمارات مجموعة “سي أم أي” و”سي جي أم” الفرنسية، خاصة أن المجموعة التركية “Yıldırım Holding” تمتلك 24٪ من أسهم الشركة.
وتعود استثمارات الشركة التركية في “سي أم أي” و”سي جي أم” إلى نحو 14 عامًا، عندما استثمر رئيسها التنفيذي، روبرت يوكسل يلدريم، 500 مليون دولار في الشركة خلال أزمة مالية واجهتها بسبب ديون تجاوزت خمسة مليارات دولار، مقابل سندات قابلة للتحويل إلى 20% من أسهمها، وفي عام 2013، ضخت الشركة التركية 100 مليون دولار إضافية، لترتفع حصتها إلى 24%، وهي النسبة التي ما تزال تحتفظ بها حتى اليوم.
ورغم أن هذه الملكية لا تعني وجود دور تشغيلي أو إداري تركي مباشر في مرفأ اللاذقية، فإنها تعكس تشابكًا في المصالح التركية والأوروبية حول مستقبل الميناء، الذي بات يُنظر إليه كحلقة محتملة في شبكة النقل والتجارة بشرق البحر المتوسط.