Also available in English
لم تعد قضية تورط الإمارات في حرب السودان موضوعًا خلافيًا يتنازعه الاتهام والنفي في الغرف المغلقة، بل تحولت خلال الأسابيع الأخيرة إلى ملف مفتوح على مصراعيه أمام البرلمانات الغربية والمحاكم الدولية وآليات الأمم المتحدة. فما كان يجري احتواؤه بالضغط الدبلوماسي وحملات العلاقات العامة بات اليوم مادة لقرارات برلمانية وشهادات موثقة وتحقيقات جنائية، في مؤشر واضح على أن كلفة الرهان الإماراتي على مليشيا الدعم السريع دخلت مرحلة التراكم المتسارع، وأن هامش الإنكار الذي راهنت عليه أبوظبي لأكثر من ثلاث سنوات آخذ في التلاشي.
في تحول غير مسبوق، أقر البرلمان الأوروبي في 9 يوليو/تموز الجاري قرارًا يسمي الإمارات صراحة، وللمرة الأولى طرفًا متورطًا في حرب السودان ومغذيًا لها، داعيًا إلى إجراءات ملموسة لإنهاء هذا الدعم.
تكمن أهمية القرار في أنه كسر قاعدة صمت التزم بها الدبلوماسيون وصناع القرار الأوروبيون منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، إذ ظل ذكر الإمارات بالاسم خطًا أحمر تحرص العواصم الأوروبية على عدم تجاوزه حفاظًا على شراكاتها الاقتصادية والاستراتيجية مع أبوظبي.
وذهب القرار الذي يحمل الاسم 2026/2799 (RSP) إلى أبعد من التسمية، فقد جاء مقترنًا بدعوات صريحة إلى فرض عقوبات على شركة مجموعة خدمات الأمن العالمية “جي إس إس جي” ومقرها أبوظبي ورئيسها التنفيذي محمد حمدان الزعابي – المقرب من مسؤول كبير في ديوان الرئاسة في أبوظبي – بسبب دور الشركة المثبت في تجنيد مرتزقة كولومبيين جرى نقلهم عبر قواعد عسكرية إماراتية قبل نشرهم في السودان لصالح الدعم السريع، وفق ما وثقته منظمة هيومن رايتس ووتش التي أكدت حضور مقاتلين كولومبيين لحظة سقوط الفاشر.
وفي البعد الأكثر حساسية، دعا القرار الدول الأعضاء إلى تفعيل إجراءات لتقييم إدراج مليشيا الدعم السريع على قائمة الاتحاد الأوروبي للمنظمات الإرهابية، وهي خطوة إذا اكتملت فستحول أي دعم للمليشيا، ماليًا كان أم عسكريًا، إلى تعامل مباشر مع كيان إرهابي بكل ما يترتب على ذلك من تبعات قانونية على داعميها وعلى رأسهم أبوظبي.
حظي القرار بتأييد 476 صوتًا مقابل معارضة 28 صوتًا، ورغم قوة الصيغة المعتمدة، فإن كتلًا سياسية داخل البرلمان (مثل كتلة الاشتراكيين والديمقراطيين) كانت قد طالبت بإجراءات أكثر صرامة، مثل تعليق مفاوضات التجارة الجارية بين الاتحاد الأوروبي والإمارات، إلا أن هذا المقترح أسقطته تحالفات حزبية أخرى للحفاظ على التوازن الإستراتيجي والاقتصادي مع الإمارات.
والأبلغ دلالة، أن القرار صدر رغمًا عن حملة ضغط إماراتية مكثفة سبقت التصويت وهدفت إلى إخراج اسم البلاد من النص النهائي وإبقاء الإدانة بصيغة عامة تدين التدخلات الخارجية دون تسمية. فبحسب تقرير نشره موقع “دارك بوكس”، عقد دبلوماسيون إماراتيون اجتماعات مع نواب ومستشارين سياسيين عبر مختلف الكتل البرلمانية، قدموا خلالها بلادهم دولة ملتزمة بالسلام والمساعدات الإنسانية والوساطة الدبلوماسية لا طرفًا متهمًا بإطالة أمد الحرب، انطلاقًا من إدراك أبوظبي أن الإدانة العامة يمكن إدارتها دبلوماسيًا، بينما التسمية الصريحة في سجل برلماني أوروبي رسمي قد تتحول إلى أساس لعقوبات وتحقيقات وتدقيق مستقبلي في الشركات والشبكات المالية واللوجستية المرتبطة بالنزاع.
غير أن سجلات التصويت الرسمية كشفت فشل الحملة على نحو مدوٍ، فقد خضعت عبارة (بما في ذلك الإمارات العربية المتحدة) لتصويت منفصل، وكذلك الإشارة إلى شركة “جي إس إس جي” في سياق انتهاكات حظر السلاح الأممي، وكان بوسع البرلمان تمرير الإدانة العامة مع حذف الإشارتين، إلا أن أغلبية النواب اختارت التمسك بهما معًا.
ويخلص تقرير “دارك بوكس” إلى أن هذه النتيجة تمثل انتكاسة سياسية لأبوظبي داخل المؤسسات الأوروبية تتجاوز الخسارة التكتيكية في ستراسبورغ، إذ تشير إلى تآكل تدريجي في قدرة جهود الضغط الإماراتية على احتواء الانتقادات المرتبطة بالسودان عبر الانخراط الدبلوماسي وحده، وإلى تحول النقاش داخل المؤسسات الأوروبية من سؤال الشراكة الاستراتيجية مع الإمارات إلى سؤال الاستجابة السياسية والقانونية لتقارير دورها في الحرب.
انهيار جدار الحماية الدبلوماسية
تتضح دلالة هذا التحول بمقارنته بما جرى قبل أشهر قليلة، ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، نجحت الإمارات في إفراغ قرار مماثل للبرلمان الأوروبي من أي إشارة إليها، بعد حملة ضغط مكثفة قادتها وزيرة الدولة لانا نسيبة التي انتقلت شخصيًا إلى ستراسبورغ برفقة فريق من الدبلوماسيين، والتقت رئيسة البرلمان الأوروبي روبرتا ميتسولا ونوابا من مختلف الكتل خلال الجلسة العامة، وأسفرت تلك الجهود، التي وصفتها صحيفة “بوليتيكو” بحملة الضغط الخاطفة، عن إسقاط جميع التعديلات التي تقدمت بها كتل اليسار لتسمية الإمارات ووقف مفاوضات التجارة الحرة معها، بأصوات حزب الشعب الأوروبي وكتل اليمين، وحتى العقوبات التي أقرها مجلس الاتحاد الأوروبي في ذلك الشهر اقتصرت على اسم واحد هو عبدالرحيم دقلو، نائب قائد المليشيا، فيما ظل كل مسؤول أو كيان إماراتي خارج دائرة الاستهداف.
غير أن ما صمد في نوفمبر لم يصمد في يوليو، فالفارق بين القرارين لا يفسره تغير في موازين الكتل البرلمانية بقدر ما يفسره تراكم الأدلة والفظائع: مجزرة الفاشر التي لم تعد قابلة للإنكار رغم محاولة قناة سكاي نيوز الإماراتية طمسها، وسيناريو الأبيض الذي يعيد إنتاج ما حدث في شمال دارفور أمام أعين العالم بضربات مسيرات يومية تستهدف الماء والوقود والكهرباء، وسيل من التقارير الأممية والحقوقية التي ضيقت الخناق على رواية الإنكار الإماراتية، وهكذا تحول ما كان استثناء محظورًا في الخطاب الأوروبي إلى نص مكتوب في وثيقة رسمية للبرلمان الأوروبي.
شهادة محقق جرائم حرب تهز وستمنستر
فضائح التورط الإماراتي لم تقتصر على ستراسبورغ وحدها، في لندن كان ملف تورط أبوظبي يدخل مرحلة أشد إحراجًا الشهر الماضي، إذ أدلى ناثانيال ريموند وهو محقق في جرائم الحرب والمدير التنفيذي لمختبر البحوث الإنسانية في جامعة ييل، بشهادة أمام لجنة التنمية الدولية في مجلس العموم البريطاني ضمن تحقيق برلماني حول استجابة المملكة المتحدة لمنع الفظائع الجماعية.
أكد ريموند في ال23 من يونيو/حزيران أمام اللجنة أن الطائرات المسيرة المتطورة والمدفعية وأنظمة القيادة والسيطرة وقدرات الحرب الإلكترونية والمرتزقة التي مكنت مليشيا الدعم السريع من إطباق السيطرة على الفاشر جاءت مباشرة من الإمارات، وأن الحكومة البريطانية تلقت من فريقه على مدى أكثر من عامين معلومات استخباراتية وصورًا فضائية وتحليلات دقيقة تحذر من أن حصار المدينة سينتهي بمجاعة وقتل جماعي، لكنها الحكومة البريطانية قدمت علاقاتها الاقتصادية والأمنية والدبلوماسية مع أبوظبي على واجب منع الإبادة.
وكشفت الشهادة تفاصيل صادمة عن حجم الانكشاف الإماراتي، من بينها أن الهجوم على الفاشر توقف مؤقتًا عقب صدور قرار مجلس الأمن 2736، خشية أن يحمل تبعات سياسية على أبوظبي، قبل أن تستأنف المليشيا عملياتها فور اتضاح أن المجتمع الدولي لن يفرض عقوبات، وأن مسؤولين بريطانيين طلبوا من مختبر ييل نشر بيانات تتبع حساسة تربط منشآت داخل الإمارات بالمليشيا لأن الحكومة البريطانية لم تكن قادرة على مواجهة أبوظبي مباشرة.
أحدثت الشهادة هزة حقيقية في المشهد البريطاني، إذ وصفت رئيسة لجنة التنمية الدولية سارة تشامبيون الأدلة بأنها صادمة للغاية، ووجهت خطابًا رسميًا إلى وزيرة الدولة للتنمية الدولية وأفريقيا البارونة تشابمان تطالب فيه وزارة الخارجية بتوضيح تفصيلي لما فعلته بعد تلقيها تلك التحذيرات، ونشرت اللجنة الخطاب علنًا محددة مهلة للرد، بما ينقل الملف من دائرة الاتهامات إلى دائرة المساءلة البرلمانية المباشرة.
ولم تتوقف الارتدادات عند وزارة الخارجية، فقد تصاعدت داخل البرلمان مطالب بمراجعة صادرات السلاح البريطانية إلى الإمارات وإعادة تقييم العلاقات السياسية والاقتصادية وحتى الرياضية معها، وبدأت الأسئلة تمتد إلى مساحات ظلت طويلا بمنأى عن الجدل، وفي مقدمتها علاقة نائب رئيس الإمارات منصور بن زايد بنادي مانشستر سيتي والنفوذ الإماراتي المتغلغل في الرياضة البريطانية.
وقد لخص ريموند نفسه هذا البعد بقوله أمام اللجنة إن أعظم صور المحاسبة للإمارات ستكون مقاطعة شعبية، وإنه لو أحرق الناس في مانشستر قمصان طيران الإمارات لكان الحديث اليوم مختلفًا تمامًا، في إشارة إلى أن الحصانة التي توفرها القوة الناعمة الإماراتية في بريطانيا لم تعد مسلمة.
اختراق قضائي في لاهاي
على المسار القانوني، جاء تطور خطير آخر من المحكمة الجنائية الدولية، أعلنت نائبة المدعي العام نازهات شميم خان، عقب زيارة لمخيمات اللاجئين في شرق تشاد، أن المحكمة حققت اختراقًا في تحقيقاتها المتعلقة بجرائم دارفور، بحصولها على أدلة قوية وملموسة تربط الجرائم المرتكبة على الأرض، عبر ما يعرف بأدلة الربط، بأشخاص محددين في مواقع القيادة، وذلك في التحقيقات الجارية حول مجزرتي الفاشر والجنينة اللتين وصفت الأمم المتحدة ما جرى فيهما بأنه يحمل سمات الإبادة الجماعية.
وينعكس هذا التطور مباشرة على أبوظبي بوصفها الراعي الرئيس للمليشيا، فأي مسار قضائي يصل إلى قيادة الدعم السريع يضع سلسلة الإمداد والتمويل والتسليح التي مكنت تلك القيادة تحت المجهر القانوني ذاته، لا سيما أن ملفات خبراء قدمت إلى المحكمة حددت الإمارات داعما للمليشيا، وأن أوساطًا حقوقية وقانونية أحالت بالفعل مسؤولين إماراتيين وإقليميين كبارًا إلى المحكمة بشأن دورهم في فظائع السودان، وحتى مع إقرار المدعية بأن اختصاص المحكمة ينصرف إلى الأفراد المساهمين في الجرائم لا إلى الدول، فإن مجرد اقتراب التحقيقات من مستوى القيادة يعني أن الغطاء القانوني الذي عملت تحته شبكة الدعم الإماراتية بات أرق من أي وقت مضى، وأن أسماء بعينها في تلك الشبكة قد تجد نفسها ضمن دوائر الملاحقة.
وتزامن الاختراق القضائي للمحكمة الجنائية الدولية مع ضربة موازية أصدرتها بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة بشأن السودان التي خلصت في تقرير جديد إلى أن مليشيا الدعم السريع ارتكبت في الفاشر عمليات قتل جماعي وحشية واختطافًا ممنهجًا للنساء والفتيات واغتصابا جماعيا واسع النطاق وتجويعًا متعمدًا، وأن هذه الفظائع تشكل مؤشرات مميزة على جرائم ذات طابع إبادي، بناء على تقريرها السابق المعنون بصمات الإبادة الجماعية في الفاشر.
وثق التقرير شهادات ناجيات تحدثن عن اغتصابهن في غرف كانت جثث ذويهن لا تزال ملقاة على أرضها، كما وثق أنماط احتجاز وتعذيب وطلب فدية واختفاء قسري طالت آلاف المدنيين، وحذرت البعثة من أن أنماط الفاشر ذاتها، من تطويق المدينة واستهداف البنية التحتية وخنق المسارات الإنسانية، تتكرر اليوم في الأبيض، معلنة فتح تحقيق عاجل في الانتهاكات هناك بتكليف من مجلس حقوق الإنسان، ومشددة على أن المسؤولية لا تقع على أطراف القتال وحدها، بل على من يمكنهم بالسلاح والمسيرات وأشكال الدعم الأخرى.
بيان السيناتور بيرني ساندرز
في ذات التاريخ الذي صدر فيه قرار البرلمان الأوروبي، أي التاسع من يوليو/تموز، أصدر السيناتور الأمريكي البارز بيرني ساندرز بيانًا وصف فيه ما يجري في السودان بالإبادة الجماعية، محملًا الإمارات مسؤولية مباشرة بقوله إن حليفة ترامب الوثيقة، دكتاتورية الإمارات التي تحكمها واحدة من أثرى العائلات في العالم، مولت هذه الإبادة ومكنتها لسنوات، وإن مليارات الدولارات من الذهب السوداني المنهوب تتدفق مباشرة إلى جيوب النخب الإماراتية، مؤكدًا أن هذا التورط موثق لدى الأمم المتحدة والصحافة الاستقصائية والمنظمات الحقوقية الدولية.
كما طالب ساندرز الكونغرس بأن يفرض على الإمارات وقف دعمها العسكري للمليشيا، في امتداد لمسار بدأه مع مجموعة من أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين سعوا خلال الأشهر الماضية إلى تعطيل صفقات السلاح الأمريكية لأبوظبي على خلفية الملف السوداني، وبصرف النظر عن حظوظ هذه المساعي التشريعية في مجلس يهيمن عليه الجمهوريون، فإن دخول اسم بوزن السيناتور البارز ساندرز على خط الاتهام العلني يعمق تحول الملف في واشنطن من قضية هامشية إلى ورقة حاضرة في الجدل حول العلاقة الأمريكية الإماراتية برمتها ويضاعف الكلفة السياسية للتورط الإماراتي.
من هيومن رايتس ووتش إلى نيويورك تايمز
في اليوم التالي، نشرت منظمة “هيومن رايتس ووتش” مقالًا للباحث محمد عثمان، اعتبر فيه القرار خطوة سياسية فارقة لكونه أول نص برلماني أوروبي يذكر الإمارات بالاسم طرفًا مشاركًا في الحرب ومؤججا لها، بعد أن ظل الدبلوماسيون وصناع القرار يعارضون هذه الخطوة بثبات منذ اندلاع النزاع، وهو تأخير حرم البرلمان الأوروبي طويلًا من إدانة الدعم الإماراتي للمليشيا.
واستعرض عثمان خلاصات أبحاث منظمته التي وثقت عبور متعاقدين عسكريين كولومبيين، جندتهم شركة مقرها الإمارات، عبر قواعد عسكرية إماراتية قبل نشرهم في السودان، وحضورهم لحظة سيطرة المليشيا على الفاشر، إضافة إلى تزويد المليشيا بأسلحة وذخائر بعضها أوروبي الصنع في انتهاك لحظر السلاح الأممي على دارفور، معتبرًا ذلك دليلًا إضافيًا على أن الإمارات تساعد المليشيا وتسهم جوهريا في قدرتها على ارتكاب جرائم الحرب. وطالب عثمان الاتحاد الأوروبي بألا يكتفي بالقرار، بل يترجمه إلى عقوبات موجهة تشمل شركة جي إس إس جي ورئيسها التنفيذي محمد حمدان الزعابي، وشركات الطيران ومشغلي المطارات المنخرطين في الجسر الجوي الإماراتي إلى الدعم السريع.
وبعد يوم واحد فقط، انتقلت الموجة إلى أوسع منابر الصحافة الأمريكية، فقد خصص الكاتب المرموق نيكولاس كريستوف عموده في صحيفة نيويورك تايمز للملف تحت عنوان “لنسم الدولة التي تمول القتل الجماعي”، مشيرًا إلى أن خبراء حقوق الإنسان حذروا لشهور طويلة من أن مليشيا الدعم السريع توشك على اجتياح الفاشر وذبح سكانها، فيما اكتفى الرئيس ترامب وسائر قادة العالم بهز الأكتاف، لتمضي المليشيا في اجتياح المدينة وقتل نحو ستين ألف إنسان في أسابيع قليلة، محذرًا من أن السيناريو ذاته يتكرر اليوم في الأبيض التي يقطنها نصف مليون نسمة أو يزيد.
واستدعى كريستوف شهادات جمعها بنفسه من الناجين على الحدود التشادية السودانية عن قتل المليشيا الممنهج للرجال والفتيان فوق سن العاشرة والاغتصاب الجماعي للنساء والفتيات على أساس عرقي. أما جوهر حجته فيتمثل في أن منع المذبحة المقبلة لا يتطلب عملًا عسكريًا ولا حتى أموالًا، بل قد يكفي أن يرفع القادة أصواتهم ويسموا الأشياء بأسمائها، وفي مقدمتها اسم الدولة التي تمول آلة القتل، في إحالة مباشرة إلى الإمارات التي حملها العنوان، ويعكس صدور هذا المقال في أعرق منابر الرأي الأمريكية، وبهذه الصراحة إلى اتساع دائرة التسمية العلنية من قاعات البرلمانات إلى الرأي العام الغربي الواسع، وهو النطاق الذي لطالما استثمرت فيه أبوظبي لصناعة صورتها.
تعدد الجبهات يفشل دبلوماسية الاحتواء الإماراتية
تكشف قراءة هذه التطورات مجتمعة عن تحول نوعي في طبيعة الضغط المسلط على أبوظبي، فحتى وقت قريب، كانت الإمارات تدير الملف بمعادلة مجربة تتمثل في نفي رسمي قاطع، وضغط دبلوماسي استباقي على مراكز القرار، وتوظيف كثيف للاستثمارات والشراكات الاقتصادية لرفع كلفة أي مساءلة، وقد أثبتت هذه المعادلة نجاعتها في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 حين أفرغت قرار البرلمان الأوروبي من مضمونه.
غير أن ما جرى منذ ذلك الحين يشير إلى أن المعادلة بلغت حدودها القصوى، فالضغط لم يعد قادرًا على ملاحقة جبهات تتكاثر بوتيرة أسرع من قدرة الدبلوماسية الإماراتية على الاحتواء، برلمان أوروبي يسمي ويطالب بالعقوبات، ولجنة برلمانية بريطانية تحقق وتستجوب الحكومة، ومحكمة جنائية دولية تقترب من مستوى القيادة، وبعثة أممية توثق بصمات الإبادة، وأصوات في الكونغرس ترفع السقف، وكتاب مرموقون يدعمون إلى تسمية الإمارات علنًا كمؤجج ومغذٍ رئيسي للحرب وللفظائع في السودان.
والأهم من تعدد الجبهات هو تغير طبيعتها، فالإدانة لم تعد صادرة عن خصوم أبوظبي التقليديين أو عن منابر يسهل التشكيك فيها، بل عن مؤسسات غربية راسخة تشكل صميم البيئة التي بنت فيها الإمارات صورتها ونفوذها مثل البرلمانات الأوروبية والبريطانية، والقضاء الدولي، وآليات الأمم المتحدة، وأروقة الكونغرس.
كما أن الاتهامات انتقلت من التلميح إلى التوثيق، ومن العموميات إلى التفاصيل التقنية القابلة للتقاضي: أسماء شركات وأفراد، ومسارات طائرات وشحنات، وبيانات اتصالات تربط منشآت إماراتية بمليشيا الدعم السريع، وأدلة ربط تصل إلى القيادة، وهذا النوع من التراكم لا تغسله حملات العلاقات العامة، لأنه يتحول إلى سجل مؤسسي دائم يستدعى في كل استحقاق قادم، من مفاوضات التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي إلى صفقات السلاح الأمريكية إلى ملفات الاستثمار الرياضي في بريطانيا.
واستشرافا، نرجح أن يواصل الزخم المناهض للإمارات تصاعده على ثلاث مسارات متوازية: الأول برلماني تشريعي، إذ ستشكل سابقة التسمية الأوروبية أرضية لقرارات ومساءلات لاحقة، فيما سيبقي ملف مدينة الأبيض، إذا تكرر فيه سيناريو الفاشر، الضغط في ذروته ويحرج كل عاصمة التزمت الصمت.
والثاني قضائي، حيث ستحدد الأشهر المقبلة ما إذا كان اختراق لاهاي سيترجم إلى طلبات اعتقال تطال قيادة المليشيا، وهو تطور سيضع داعميها أمام معضلة قانونية وسياسية غير مسبوقة، خصوصا إذا اقترن باكتمال مسار الإدراج الأوروبي للمليشيا على قوائم الإرهاب. بينما الثالث شعبي وسمعي، وهو الأخطر استراتيجيًا على المدى البعيد، إذ إن امتداد الأسئلة إلى مانشستر سيتي والنفوذ الرياضي يستهدف رأس المال الرمزي الذي أنفقت أبوظبي عقودًا ومليارات في بنائه.
وفي المقابل، ستراهن الإمارات على عوامل الصمود المعتادة، كمصالح الحكومات الغربية الاقتصادية، وعلاقتها الوثيقة بإدارة ترامب، لكن الفارق الجوهري أن هذه الأوراق باتت تشترى بكلفة متراكمة ومتصاعدة، وأن كل يوم من الحرب يضيف إلى السجل ما يجعل الدفاع عن الشراكة مع أبوظبي أثقل على حلفائها أنفسهم، فالسؤال لم يعد ما إذا كانت الإمارات ستدفع ثمن تورطها في السودان، بل حجم هذا الثمن وسرعة استحقاقه.
أخيرًا، تبقى في المشهد مفارقة تستحق التوقف عندها، فبينما تتحرك ضمائر حية لسياسيين وبرلمانيين وكتاب غربيين، من نواب ستراسبورغ إلى لجان وستمنستر إلى أعمدة نيويورك تايمز لتسمية الإمارات ومساءلتها عن دورها في نزيف السودان، يقدم سياسيون سودانيون أنفسهم دعاة لوقف الحرب وممثلين للشعب السوداني، وفي مقدمتهم رئيس الوزراء الأسبق عبدالله حمدوك وزملاؤه في قيادة تحالف صمود، بينما يكشف سلوكهم السياسي الفعلي عن جهد دؤوب على تبرئة الإمارات وتمييع الانتقادات الموجهة إليها وصرف الأنظار عن دورها، فلا تكاد تجد في خطابهم تسمية صريحة لأبوظبي أو مطالبة بمساءلتها، في الوقت الذي يسمي فيه البرلمان الأوروبي والكونغرس والصحافة الغربية الأشياء بمسمياتها.
يزداد هذا الموقف غرابة وفداحة أمام ثقل الأدلة المتراكمة على التورط الإماراتي، وكلها توثق شبكة إماراتية واسعة من معسكرات التدريب وخطوط الإمداد وتهريب الأسلحة والمرتزقة إلى السودان، فحين يصبح الأجنبي أكثر جرأة في تسمية جلاد السودانيين من بعض ساستهم، فإن السؤال المطروح لم يعد عن مصداقية الأدلة، بل عن مصداقية من يدعي تمثيل الضحايا وهو يجتهد في حجب اسم من سلح قاتليهم.