أعادت تركيا خلال العقد الذي أعقب محاولة انقلاب 15 يوليو/تموز 2016 تنظيم القوات المسلحة على مستويات القيادة والإدارة والتعليم والصحة والقضاء والترقيات.
انتقلت هيئة الأركان العامة وقيادات القوات إلى تبعية مباشرة لوزير الدفاع، وأصبح رئيس الجمهورية في قمة السلسلة الدستورية والتنفيذية، بينما انتقلت مؤسسات أمنية وصحية من البنية العسكرية إلى وزارتي الداخلية والصحة.
وأُغلقت المدارس والأكاديميات العسكرية القديمة، وأُنشئت جامعة دفاع وطنية موحدة، كما تغيرت تركيبة مجلس الشورى العسكري وآليات بقاء كبار القادة في الخدمة وإحالتهم إلى التقاعد.
جرت هذه التحولات على مراحل بدأت بمراسيم الطوارئ الصادرة في يوليو/تموز 2016، ثم تثبيت أحكامها الأساسية بقوانين دائمة، وإقرار التعديل الدستوري عام 2017، وصولًا إلى إلغاء رئاسة الوزراء ودخول النظام الرئاسي حيز التنفيذ في يوليو/تموز 2018.
واستمرت عملية المواءمة حتى 2025 عبر تعديلات قانونية ومقترحات جديدة طالت هرم القيادة والترقيات وتمديد خدمة كبار الضباط، ليستقر الهيكل الحالي تدريجيًا خلال عشر سنوات.
هرم قيادة جديد للقوات المسلحة
كان دستور عام 1982، قبل تعديله في 2017، يجعل مجلس الوزراء مسؤولًا أمام البرلمان عن الأمن القومي وإعداد القوات المسلحة. وكان رئيس الجمهورية يعيّن رئيس الأركان بناء على اقتراح مجلس الوزراء، فيما يتحمل رئيس الأركان مسؤولية ممارسة صلاحياته أمام رئيس الوزراء.
وتركت المادة 117 تنظيم علاقة رئاسة الأركان وقيادات القوات بوزارة الدفاع للقانون، في بنية منحت القيادة العسكرية العليا موقعًا مؤسسيًا أكثر استقلالًا عن الوزارة مقارنة بالهيكل الحالي.
وانعكس هذا الموقع على مجلس الأمن القومي، الذي كان يضم رئيس الوزراء ورئيس الأركان وقادة القوات وقائد الدرك إلى جانب الأعضاء المدنيين.
وبعد الانتقال إلى النظام الرئاسي، خرج رئيس الوزراء وقائد الدرك من تشكيلته، ودخل نواب رئيس الجمهورية، وأصبح المجلس يرفع توصياته إلى الرئيس.
بدأ التحول الأول في 31 يوليو/تموز 2016 مع المرسوم بقوة القانون رقم 669، ثم ثُبتت أحكامه الرئيسية في القانون رقم 6756 الذي أقرته الجمعية الوطنية الكبرى التركية (البرلمان)، في 9 نوفمبر/تشرين الثاني 2016.
نص القانون على تبعية قيادات القوات البرية والبحرية والجوية لوزير الدفاع، فأصبحت لكل قيادة صلة وزارية مباشرة إلى جانب علاقتها العسكرية برئاسة الأركان. وكانت الفترة الممتدة بين 2016 و2018 مرحلة انتقالية، إذ بدأت البنية الجديدة تعمل في ظل نصوص دستورية قديمة بقيت نافذة حتى اكتمال الانتقال إلى النظام الرئاسي.
أُقر التعديل الدستوري رقم 6771 في استفتاء 16 أبريل/نيسان 2017، على أن تدخل أحكامه التنفيذية الأساسية حيز التطبيق بعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التالية.
وبعد انتخابات 24 يونيو/حزيران 2018، أدى رئيس الجمهورية اليمين في 9 يوليو/تموز، فدخل النظام الرئاسي حيز التنفيذ وانتهى منصب رئيس الوزراء ومجلس الوزراء، وانتقلت السلطة التنفيذية إلى رئيس الجمهورية. وأصبح الرئيس مسؤولًا أمام البرلمان عن الأمن القومي وإعداد القوات المسلحة، وصاحب قرار تعيين رئيس الأركان.
وفي هذه المرحلة، ألغى المرسوم بقوة القانون رقم 703 التشريعات القديمة التي كانت تنظم رئاسة الأركان ومجلس الشورى العسكري، ثم صدرت المراسيم الرئاسية التي حددت موقع المؤسستين داخل الجهاز التنفيذي الجديد.
تحدد المادة 338 من المرسوم الرئاسي رقم 1، الصادر في 10 يوليو/تموز 2018، شكل القيادة المعمول به حتى 2026، إذ تتبع هيئة الأركان العامة وقيادات القوات البرية والبحرية والجوية وزير الدفاع الوطني، ويكون رئيس الأركان وقادة القوات مسؤولين أمام الوزير كل على حدة.
وتمنح المادة رئيس الجمهورية حق الحصول مباشرة على المعلومات من رئيس الأركان وقادة القوات، وإصدار أوامر مباشرة إليهم تُنفذ فورًا من دون انتظار موافقة جهة أخرى.
بقيت هيئة الأركان مركز القيادة العسكرية المتخصصة، إذ يتولى رئيس الأركان، باسم رئيس الجمهورية، القيادة العليا للقوات المسلحة في زمن الحرب، ويعد المبادئ والبرامج الأساسية الخاصة بالاستعداد للحرب والاستخبارات والعمليات والتنظيم والتدريب، ثم يرفعها إلى وزير الدفاع لاعتمادها.
وتتولى الوزارة تنفيذ ملفات الخدمات اللوجستية والتوريد والتعليم العسكري، بعد تلقي المبادئ والأولويات المهنية من رئاسة الأركان.
استقر هرم القيادة بذلك على رئيس الجمهورية في قمة السلطة الدستورية والتنفيذية ووزير الدفاع في الإدارة الوزارية المباشرة ورئاسة الأركان في التخطيط العسكري والقيادة العملياتية. وتظهر هيئة الأركان وقيادات القوات البرية والبحرية والجوية وجامعة الدفاع الوطني اليوم داخل المخطط التنظيمي لوزارة الدفاع.
إعادة تنظيم مؤسسات الجيش
شملت إعادة الهيكلة المؤسسات التي تحيط بالعمل القتالي للجيش، من الأمن الداخلي والرعاية الصحية والقضاء إلى تعليم الضباط وصف الضباط. وانتقلت بعض هذه المؤسسات إلى وزارات أخرى، وأُلغيت مؤسسات قائمة، بينما أُعيد بناء التعليم العسكري ضمن جامعات وأكاديميات موزعة بين وزارتي الدفاع والداخلية.
انتقلت قيادة الدرك العامة وقيادة خفر السواحل إلى وزارة الداخلية بعد أن كان الجهازان قبل 2016 يجمعان بين مهمات الأمن الداخلي وصلات تنظيمية وعسكرية بالقوات المسلحة، قبل أن تثبت التشريعات الجديدة تبعيتهما للداخلية.
وتضعهما الخريطة التنظيمية الحالية للوزارة ضمن الهيئات التابعة لها، فيما انتقل إعداد كوادرهما إلى أكاديمية مستقلة تتبع الوزارة نفسها.
وامتد التغيير إلى منظومة الطب العسكري ففي بيان صدر في 26 أغسطس/آب 2016، أعلنت وزارة الصحة انتقال 32 مستشفى عسكريًا ومركزًا واحدًا لإعادة التأهيل إلى إدارتها.
وشمل التحول أكاديمية غولهانه الطبية العسكرية، فتولت وزارة الصحة إدارة مستشفياتها، بينما انتقلت الوحدات الأكاديمية التابعة لها إلى جامعة العلوم الصحية الحكومية المتخصصة في التعليم الصحي.
وكان القضاء العسكري قبل تعديل 2017 فرعًا مستقلًا يضم المحاكم العسكرية والمحكمة العسكرية العليا والمحكمة الإدارية العسكرية العليا.
وألغى التعديل هذه المؤسسات، وقصر الدستور إنشاء المحاكم العسكرية على محاكم الانضباط، مع استثناء يسمح بها في زمن الحرب لبعض الجرائم المرتبطة بواجبات العسكريين.
وانتقلت الملفات القائمة إلى جهات القضاء العدلي والإداري المختصة بحسب نوع القضية ومرحلتها، لينتهي بذلك وجود فرع قضائي عسكري مستقل.
وبدوره، كان التعليم العسكري قبل 2016 يبدأ من الثانويات العسكرية ومدارس إعداد صف الضباط، ثم يمتد إلى الكليات العسكرية وأكاديميات الحرب والأركان التابعة للقوات المختلفة.
وأغلق المرسوم رقم 669 الثانويات ومدارس الإعداد والأكاديميات القديمة، وأنشأ جامعة الدفاع الوطني، التي جمعت الكليات الحربية ومعاهد الحرب والمعاهد المهنية لصف الضباط ضمن بنية جامعية موحدة تتبع وزارة الدفاع.
ويمر المتقدم للكليات الحربية والمعاهد المهنية لصف الضباط في 2026 بامتحان القبول لجامعة الدفاع الوطني، الذي ينظمه مركز القياس والاختيار والتنسيب، وهو الجهاز الحكومي المسؤول عن الامتحانات المركزية وتنسيب الطلاب إلى مؤسسات التعليم العالي.
ويسجل الناجحون بعد ذلك تفضيلاتهم عبر بوابة استقطاب الأفراد التابعة لوزارة الدفاع، قبل الاختبارات البدنية والصحية والمقابلات والتقييمات التخصصية. وحل هذا المسار الوطني محل التنشئة المبكرة عبر المدارس العسكرية المغلقة.
وبالتوازي، أُنشئت أكاديمية الدرك وخفر السواحل خلفًا لقيادة مدارس الدرك القديمة، وتولت إعداد ضباط وصف ضباط الجهازين وبرامج التعليم الجامعي والدراسات العليا.
واستقرت منظومة التعليم بذلك على مسارين، تدير جامعة الدفاع الوطني أولهما لكوادر القوات التابعة لوزارة الدفاع، وتتولى الأكاديمية ثانيهما لكوادر الدرك وخفر السواحل التابعين لوزارة الداخلية.
مجلس الشورى وترقيات القادة
يتولى مجلس الشورى العسكري الأعلى النظر في ترقية كبار الضباط وتمديد خدمتهم وإحالتهم إلى التقاعد. وكان المجلس قبل إعادة الهيكلة ينعقد برئاسة رئيس الوزراء، وتضم تركيبته رئيس الأركان وقادة القوات والجيوش وقائد الدرك وكبار الجنرالات والأميرالات، إلى جانب وزير الدفاع وأعضاء حكوميين مرتبطين بالملف الأمني.
بدأت تركيبة المجلس تتغير بعد 2016، فأعلنت وزارة الدفاع الوطني خلال اجتماع عام 2017 مشاركة وزيري العدل والداخلية للمرة الأولى، في خطوة وسعت حضور الحكومة داخل المؤسسة المسؤولة عن الترقيات العسكرية. ثم أعاد المرسوم الرئاسي رقم 8، الصادر في 15 يوليو/تموز 2018، كتابة تشكيل المجلس ضمن النظام الرئاسي.
أصبح رئيس الجمهورية رئيسًا للمجلس، وتضم عضويته نواب رئيس الجمهورية ووزراء العدل والخارجية والداخلية والخزانة والمالية والتعليم الوطني والدفاع، إضافة إلى رئيس هيئة الأركان وقادة القوات البرية والبحرية والجوية.
وأدت هذه التركيبة إلى ارتفاع عدد المسؤولين الحكوميين داخل المجلس مقارنة بالقيادات العسكرية، وربطت اجتماعاته مباشرة برئاسة الجمهورية.
توضح بيانات وزارة الدفاع عن اجتماعي مجلس الشورى في 2024 و2025 أن المجلس ينظر في ترقيات كبار الضباط وتمديد خدمتهم وإحالتهم إلى التقاعد بسبب عدم توافر الشواغر، ثم تصبح قراراته نافذة بعد موافقة رئيس الجمهورية.
وفي 30 يونيو/حزيران 2025، قُدم إلى البرلمان مقترح قانون يرفع عدد الجنرالات والأميرالات الذين يمكن تمديد خدمتهم من 36 إلى 60، ويتيح رفعه إلى 75 في الحالات الضرورية.
ونص المقترح على رفع سن قادة القوات إلى 67 عامًا، ومنح رئيس الجمهورية صلاحية تمديده سنويًا حتى 72 عامًا. كما أبقى رأي رئاسة الأركان واقتراح وزير الدفاع وقرار مجلس الشورى ضمن مسار بعض حالات التمديد.
وتؤثر هذه القواعد في تركيبة القمة العسكرية ومدة بقاء أفرادها، فقد أصبح وزير الدفاع صاحب دور أكبر في اقتراح بعض الترقيات والتمديدات، ويتولى مجلس الشورى مراجعتها ضمن تركيبته الرئاسية الحكومية، ثم تعتمدها رئاسة الجمهورية. وتعمل هذه الآلية إلى جانب سلطة الرئيس في تعيين رئيس الأركان وإصدار الأوامر المباشرة إلى القيادة العسكرية.
وفي المحصلة فإنه بعد عشر سنوات، استقرت القوات المسلحة التركية داخل هيكل تنفيذي تتصدره رئاسة الجمهورية، وتتولى وزارة الدفاع إدارته الوزارية، مع احتفاظ هيئة الأركان بالتخطيط العسكري والقيادة العملياتية.
وانتقل الدرك وخفر السواحل إلى وزارة الداخلية، والمستشفيات العسكرية إلى وزارة الصحة، وأُلغي القضاء العسكري المستقل، فيما أُعيد بناء التعليم العسكري واتسعت مشاركة الحكومة في مجلس الشورى ومسار الترقيات.
انتقل الجيش بذلك من بنية تتمتع فيها رئاسة الأركان باستقلال مؤسسي واسع نسبيًا، إلى هيكل رئاسي ووزاري يوزع القيادة والإدارة والتعليم والخدمات بين رئاسة الجمهورية ووزارة الدفاع ومؤسسات الدولة الأخرى.