• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

جسور نيوز: تسريبات تربط المنصة بشبكات إسرائيلية وحملات لتوجيه الرأي العام العربي

يوسي بارتال١٥ يوليو ٢٠٢٦

ترجمة وتحرير: نون بوست

بحلول مايو/ أيار 2024، كان الهجوم الإسرائيلي على غزة قد تسبب في أزمة جوع حادة. ففي جنوب القطاع، أغلق الجيش الإسرائيلي طرق وصول المساعدات الحيوية، بينما كان 30 بالمئة من الرضع في الشمال يعانون من سوء تغذية حاد، وهي نسبة تضاعفت خلال أسابيع قليلة.

ومع نزوح مئات الآلاف من الفلسطينيين، حذّر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة من أنّ مخزون الغذاء والوقود في غزة سينفد خلال أيام، مؤكدًا: “لم يسبق أن كان خطر المجاعة في غزة أكبر ممّا هو عليه الآن”.

وفي الشهر نفسه، تواصل أحد كبار محرري منصة “جسور نيوز” الناطقة باللغة العربية مع ناشط مناهض لحركة حماس من غزة، طالبًا منه لقطات فيديو لمشاهد محددة من الشوارع.

أرادت المنصة الإعلامية لقطات من “أسواق غزة” تُظهر “الفواكه والخضروات والأطعمة الأخرى”، إضافة إلى “أمهات مع أطفال رضع يشترين الحليب أو أغذية الأطفال”، وكذلك مشاهد لأشخاص  “يطبخون” و”يأكلون” و”يملؤون دلاء المياه” و”أطفال يلعبون بالماء”، وفق رسائل اطلعت عليها مجلة +972.

ورغم تصاعد القلق الدولي بشأن الوضع الإنساني المتدهور في غزة، بدا أن منصة “جسور” تسعى إلى تصوير مشاهد معاكسة تمامًا، يمكن استخدامها لدحض مزاعم المجاعة الوشيكة. (لم يزوّد المصدر “جسور” بالمواد المطلوبة، ولم تجد المجلة أي مقاطع مشابهة على قنوات المنصة في تلك الفترة).

الفلسطينيون يصطفون للحصول على مياه صالحة للشرب في دير البلح وسط القطاع، في 20 مايو/ أيار 2024.

تصف “جسور” نفسها على موقعها الإلكتروني بأنّها “منصة إعلامية مستقلة” “غير تابعة لأي كيان سياسي”، وتسعى إلى تغطية القصص التي “تعكس نبض جميع المجتمعات والشعوب” في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ويتكون الإنتاج الرئيسي للمنصة من مقاطع فيديو قصيرة يتم تداولها بشكل كبير عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وقد نما جمهورها بسرعة، إذ تجاوز عدد متابعيها على “فيسبوك” وحده مؤخرًا المليون متابع.

لكن المنصة ليست كما تبدو للوهلة الأولى، إذ تكشف مراسلات مسربة مؤخرًا من مركز أمني إسرائيلي عن ارتباط المنصة بأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية. كما أنّ دراسة للمنظمة والأفراد الذين يقفون وراءها تشير إلى دور “جسور” في عملية سرية واسعة النطاق وطويلة الأمد تهدف إلى هندسة الرأي العام العربي لصالح إسرائيل وحلفائها.

صوت من؟

انطلقت منصة “جسور” في مارس/ آذار 2024، وتغطي أخبارًا من مختلف أنحاء العالم العربي، حيث تركز على السياسة والقضايا الاجتماعية والثقافة والرياضة. وشمل محتواها في البداية مواضيع متنوعة، بدءًا من دورات الدفاع عن النفس للنساء في مصر، مرورًا بتجنيد الأطفال من قبل الحوثيين في اليمن، وصولًا إلى الصعوبات التي يواجهها اللاجئون السوريون في لبنان. في غضون ما يزيد قليلًا عن عامين، نشرت القناة ما يقارب 6,000 مقطع فيديو على يوتيوب، وحققت أكثر من 80 مليون مشاهدة و150 ألف مشترك على المنصة.

في مقابلة حديثة مع صحيفة “هآرتس”، نسب رئيس تحرير “جسور” نجاح المنصة إلى تركيزها على “صوت الشارع”، قائلًا: “إنّ مقطع فيديو لامرأة شابة تتحدث في شارع عربي يحظى أحيانًا بمشاهدات أكبر من برنامج سياسي يُنتج في أرقى الاستوديوهات”. وبالفعل، فإنّ العديد من مقاطع فيديو “جسور” تعرض آراء أشخاص عاديين في مدن عربية، يعبر بعضهم عن دعمهم للمفاوضات مع إسرائيل أو عن إحباطهم من أطراف معادية لها، مثل حماس أو حزب الله.

كان أحد الأسباب الرئيسية لانتشار “جسور” السريع في بداياتها هو تغطيتها للأحداث في سوريا أثناء وبعد سقوط نظام بشار الأسد؛ فقد تمكنت المنصة من إجراء مقابلات ليس فقط مع مشاهير سوريين بارزين، بل أيضًا مع وزراء ومحافظين معينين حديثًا وشخصيات سياسية بارزة أخرى، بالإضافة إلى معتقلين أُطلق سراحهم من سجون الأسد سيئة السمعة. كما قدمت تقاريرها من مناطق في جميع أنحاء البلاد – سواء تلك الخاضعة لسيطرة الهيكل السياسي الناشئ في دمشق، أو للميليشيات الكردية أو الدرزية في جنوب وشرق البلاد. (يبدو أنّ هذه المنصة لا علاقة لها بعدة منظمات غير حكومية أخرى في سوريا، بما في ذلك موقع إخباري آخر، يستخدم نفس الاسم).

لكن جزءًا كبيرًا من ازدياد انتشار “جسور” جاء في أواخر عام 2025، عندما بدأت تنقل بانتظام تقارير من داخل أجزاء من غزة أفرغها الجيش الإسرائيلي من سكانها الفلسطينيين، باستثناء الميليشيات المناهضة لحماس التي يزودها بالسلاح ويدعمها.

من المُستغرب أن يُسمح لشبكة إعلامية عربية بالعمل بحرية في منطقة تخضع للسيطرة الكاملة للجيش الإسرائيلي، وهي منطقة محظورة على وسائل الإعلام الفلسطينية والدولية، بل وحتى على معظم وسائل الإعلام الإسرائيلية. ومع ذلك، فقد دأبت المنصة خلال العام الماضي على بث لقطات حصرية بانتظام من منطقة باتت تُعرف بـ”رفح الشرقية”، موطن ميليشيا “القوات الشعبية” (التي يُشار إليها عادةً باسم “مجموعة أبو شباب“، نسبة لزعيمها الذي قُتل العام الماضي). ويُظهر الفيديو الأكثر مشاهدة لقناة المنصة على “يوتيوب” جولة قام بها الزعيم الحالي للمجموعة، غسان الدهيني، في المنطقة في ديسمبر/ كانون الأول الماضي.

نشرت “جسور” أيضًا تقريرًا مصورًا العام الماضي يقارن مباشرة بين ممارسات الاحتجاز والتعذيب في السجون التي تديرها حماس في غزة وتلك الموجودة في سوريا بعهد الأسد. وتضمن التقرير شهادات لثلاثة نشطاء مناهضين لحماس تحت عنوان “لا تختلف عن صيدنايا“، في إشارة إلى سجن الأسد الذي وصفته منظمة العفو الدولية ذات مرة بأنّه “مسلخ بشري”.

ولم يسبق لهذا المنفذ الإعلامي أن أورد أي تقارير عن التعذيب والانتهاكات المنتشرة التي يواجهها الفلسطينيون والسوريون على حد سواء في السجون الإسرائيلية ومراكز الاحتجاز العسكرية. وهذا أيضًا ليس من قبيل الصدفة.

شراكات مطلوبة ومكتسبة

على مدار العامين الماضيين، سرّب قراصنة يُعتقد أنّهم على صلة بأجهزة الاستخبارات الإيرانية ملايين الملفات والمراسلات علنًا من صناديق البريد الإلكتروني لسياسيين إسرائيليين ووزارات ومؤسسات ومنظمات بارزة أخرى.

واستهدفت إحدى عمليات الاختراق الأخيرة، التي أُتيحت للصحفيين عبر مجموعة “ديستريبيوتد دينايل أوف سيكريتس” غير الربحية التي تعمل على كشف الفساد، أهم مركز أبحاث أمني في إسرائيل، وهو “معهد دراسات الأمن القومي”، الذي يتعاون بشكل وثيق مع أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، التي تضم الموساد والشاباك والاستخبارات العسكرية، وغالبًا ما يأتي العاملون فيه مباشرة من صفوف هذه الأجهزة.

يدير المعهد برنامجًا بحثيًّا حول ما يصفه بـ”المحور الشيعي”، الذي يشمل إيران وحلفاءها، بما في ذلك حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، ونظام الأسد في سوريا قبل انهياره. ومن بين آلاف الملفات والرسائل المسربة من هذا البرنامج، ظهرت أدلة بشأن من يقف فعليًّا وراء منصة “جسور” وما هي مهمته الحقيقية.

ديفيد بارنيا، رئيس الموساد آنذاك، يحضر مؤتمرًا لمعهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب، في 25 فبراير/ شباط 2025.

في أكتوبر/ تشرين الأول 2024، دعت رسالة بريد إلكتروني أُرسلت إلى فريق البرنامج الأعضاء إلى حضور اجتماع عبر “زوم” مع جوزيف براود. وتقدم الرسالة براود باعتباره مؤسس “مركز اتصالات السلام”، الذي يهدف عمله، حسبما ورد في الرسالة، إلى “مكافحة السرديات المتطرفة في الشرق الأوسط”.

ولتحقيق ذلك، تذكر الرسالة أنّ المركز “يستخدم منصات إعلامية لتحدي هذه السرديات، ويدير محطات بث في مناطق حساسة مثل سوريا، بهدف التأثير على السكان المحليين”، مضيفة أنّ براود “يسعى إلى إقامة شراكات مع كيانات أمنية وسياسية في إسرائيل لدعم أنشطة المركز”. وذكرت رسالة مسربة أخرى أن المنظمة تهدف إلى “إدارة حملات توعية إبداعية ضد أعداء إسرائيل، مع التركيز مؤخرًا على حماس وحزب الله”.

ورغم عدم ظهور أي محضر للاجتماع ضمن التسريبات، فإنّ وثيقة منفصلة تستعرض أنشطة البرنامج تصف النتيجة على النحو التالي: “يجب ربط جوزيف براود بالمصادر ذات الصلة في المؤسسة الاستخباراتية” من أجل دعم عمل “مركز اتصالات السلام” “لتعزيز الفكر المؤيد للغرب والمؤيد لإسرائيل في دول المحور الشيعي”.

ولم تُذكر أسماء المنصات التي يستخدمها “مركز اتصالات السلام” لترويج “الفكر المؤيد لإسرائيل”. ومع ذلك، تشير وثيقة أخرى مسربة إلى أن منصة “جسور” هي الأداة الرئيسية لهذا المشروع.

اجتماع سري

في سبتمبر/ أيلول 2025، عُقد اجتماع سري في قبرص ضم أحد الباحثين في “معهد دراسات الأمن القومي” وعددًا من الصحفيين والباحثين والشخصيات المؤثرة من إسرائيل والأردن. كما حضر الاجتماع نائب السفير الإسرائيلي لدى الأردن.

ووفقًا لملخص الاجتماع الذي جرى تسريبه، والذي أعده أحد أعضاء “معهد دراسات الأمن القومي”، ركز الاجتماع على “الإجراءات المطلوبة في وسائل الإعلام لتحسين العلاقات بين إسرائيل والأردن”. ويذكر الموجز أيضًا أن ورشة العمل “نظمها “مركز اتصالات السلام” وقناة جسور، بقيادة جوزيف براود وفريقه”.

ويضيف الملخص أنّ غالبية المشاركين الأردنيين “ينخرطون علنًا أو سرًا في أنشطة منصة جسور”، وأنّ المجموعة اتفقت على تشكيل فرق لمشاريع مستقبلية، وتحديدًا لدعم “مقاطع الفيديو التي سينتجها مركز اتصالات السلام” وتُعرض على منصة جسور”، والتي من شأنها “دحض نظريات المؤامرة المعادية لإسرائيل” أو استضافة متحدثين إسرائيليين “يعبرون عن تقديرهم للأسرة المالكة الأردنية”.

صورة توضيحية تُظهر رئيس حزب أزرق أبيض، بيني غانتس، في المؤتمر الدولي السنوي لمعهد دراسات الأمن القومي، في تل أبيب، 28 يناير/ كانون الثاني 2020.

وفي نفس تلك الفترة، بدأت منصة “جسور” بنشر مقاطع فيديو تظهر الميليشيات الموالية لإسرائيل داخل المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية في قطاع غزة. وبعدها بوقت قصير، نشر الصحفيون الإسرائيليون الذين شاركوا في اجتماع قبرص تقارير على قنواتهم الإخبارية يثنون فيها على عمل منصة “جسور” ويدافعون عنها في مواجهة الهجمات.

في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، أجرى ليور بن أري، مراسل الشؤون العربية في موقع “واي نت”، مقابلة مع رئيسة تحرير منصة “جسور”، هديل عويس، في إطار تقرير تناول تهديدات حماس لصحفيي “جسور” في غزة. وقالت عويس: “في كل مرة يرون شخصًا يُجري مقابلة لصالح شبكة “جسور” ضد حماس، يلاحقونه ويرسلون كتائب القسام ليسألوا من أجرى معه المقابلة”. وأضافت: “بعض مراسلينا يختبئون ويتنقلون من خيمة إلى أخرى”.

وبعد أن حظرت الحكومة السورية شبكة “جسور” مؤقتًا في مارس/ آذار من هذا العام (بحجة عملها دون ترخيص رسمي)، قدّم روي كايس، مراسل الشؤون العربية في هيئة البث الإسرائيلية العامة “كان”، تقريرًا دافع فيه عن الشبكة، واصفًا إياها بأنّها “منصة إعلامية مقرها الأساسي في واشنطن، لكن هدفها محاربة جميع مظاهر التطرف في المنطقة، مثل محور إيران، ومحور جماعة الإخوان المسلمين… كما تحاول الترويج للميليشيات التي تواجه حماس”.

لم يرد أي من معهد دراسات الأمن القومي، أو بن أري، أو كايس على طلبات مجلة +972 للتعليق.

اليد غير الخفية

وفقًا للوثائق الضريبية الأمريكية، يعد مركز اتصالات السلام منظمة صغيرة نسبيًا تتخذ من منطقة لونغ آيلاند بولاية نيويورك مقرًا لها، وتبلغ ميزانيتها السنوية الرسمية حوالي 1.5 مليون دولار. وتدعم جميع الجهات المانحة المسجلة لديها المبادرات اليهودية والمؤيدة لإسرائيل.

تأسست المنظمة في عام 2019، ويقودها براود، وهو باحث وكاتب متخصص في شؤون الشرق الأوسط من أصول يهودية عراقية. ويصف براود نفسه بأنّه “عمل في مجال تعزيز العلاقات [بين إسرائيل والعالم العربي] على مدار 30 عامًا”. كان براود يخطط لبناء مسيرة مهنية في البنتاغون قبل أن تتم إدانته في عام 2004 بتهمة سرقة الآثار العراقية. وعمل لاحقًا في عدد من مراكز الأبحاث، مثل “معهد أبحاث السياسة الخارجية” المحسوب على تيار المحافظين الجدد، ومركز “المسبار” للدراسات والبحوث الإماراتي، كما تعاون بشكل وثيق مع “معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى” التابع لمنظمة “أيباك”.

في عام 2019، نشر براود كتابًا بالتعاون مع معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى بعنوان “الاسترداد: سياسة ثقافية للشراكة العربية الإسرائيلية”، والذي وُصف على غلافه الخلفي بأنّه “الخطوة الأولى في تأسيس مركز اتصالات السلام”. ويقترح فيه “حملة مستدامة لاستعادة الفضاء الثقافي في المنطقة لصالح داعمي الشراكة العربية الإسرائيلية” من خلال “مؤسسة عمل”.

وعلى امتداد 160 صفحة، يطرح الكتاب خطة لحملة دعائية واسعة النطاق، مستوحاة من وكالة الإعلام الأمريكية “المنحلة حاليًا”، ليتم تنفيذها بالتعاون مع الأنظمة الاستبدادية وأجهزتها الأمنية. ويقترح براود أن بإمكان الحكومتين الأمريكية والإسرائيلية اتباع هذه الاستراتيجية بشكل منهجي، مع القيام في الوقت ذاته بـ “مساعدة وربط الجهات الفاعلة غير الحكومية التي تعمل في هذا المجال بالفعل”.

في عام 2023، بدأ “مركز اتصالات السلام” التعاون مع صحيفة “ذا فري برس”، وهي وسيلة إعلام يمينية أمريكية يُنظر إليها على أنّها متعاطفة مع الرئيس دونالد ترامب. ومنذ ذلك الحين، شارك المركز في إنتاج عشرات المقالات للصحيفة حول غزة وسوريا ولبنان، بما في ذلك مقطع فيديو تعريفي متعاطف إلى حد كبير مع ياسر أبو شباب، القائد آنذاك لميليشيا “القوات الشعبية” الموالية لإسرائيل في غزة، وذلك قبل ما يزيد قليلًا عن عام.

في ذلك الفيديو، الذي لعب دورًا يتأرجح بين الخبير والمتحدث باسم أبو شباب، يوضح براود نفسه كيف أنّ “وجود ميليشيا مناهضة لحماس بشكل صريح داخل غزة يمثل تهديدًا مباشرًا لادعاء حماس بأنّها السلطة الحاكمة الوحيدة في القطاع”، ويقدم المجموعة على أنها “تجربة سياسية جادة في الحكم الذاتي لغزة في مرحلة ما بعد حماس”.

حتى أنّ المركز حاول – وإن لم ينجح في ذلك – إقامة اتصال بين أبو شباب وبرلمانيين ألمان في العام الماضي، ممّا يسلط الضوء على دور برودي كوكيل علاقات عامة غير رسمي للميليشيا. وفي حين يعمل براود والمركز على تلميع صورة الميليشيات الموالية لإسرائيل والمناهضة لحماس في غزة لدى الغرب، كانت منصة “جسور” تقوم بجهود علاقات عامة مماثلة في العالم العربي.

خلال الأشهر الأخيرة، نشرت المنصة مقابلات حصرية ولقطات فيديو تظهر قادة ميليشيات آخرين في غزة تتلقى عصاباتهم مساعدات ودعمًا عسكريًا من إسرائيل، ومن بينهم شوقي أبو نصيرة وحسام الأسطل. (وقد وصفت “جسور” هذا الأخير في بعض الأحيان بأنّه “منسق المنطقة الإنسانية” أو “منسق المنطقة الآمنة“، متبنية بذلك الصياغة الإسرائيلية للمناطق الخاضعة لسيطرة الميليشيات).

ورغم أنّ معظم ما يشاركه براود و”مركز اتصالات السلام” على وسائل التواصل الاجتماعي عبارة عن لقطات جمعتها منصة “جسور”، إلا أنّ عمق العلاقة بينهما يظل خفيًا عن الجميع. إذ تُظهر سجلات الشفافية على صفحة “جسور” في فيسبوك أنّ الحساب قد أُنشئ في الأصل عام 2019 تحت اسم “المجلس العربي للتكامل الإقليمي”، والذي كان بمثابة المبادرة الرئيسية الأولى لمركز اتصالات السلام. (ولم يُغيّر الحساب اسمه إلى “جسور نيوز” إلا في مارس/آذار 2024).

لم يعد “المجلس العربي” – المكون من 35 شخصية عامة – نشطًا وقد طواه النسيان إلى حد كبير منذ ذلك الحين، وكان قد أعرب عن انتقاده لجهود “حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات”، بينما ساعد في إرساء الأساس لاتفاقيات إبراهيم. وعلى الرغم من حجمه المتواضع، فقد حظي المجلس بفرصة الوصول إلى دوائر سياسية مؤثرة: ففي أواخر عام 2019، أشاد وزير الخارجية الأمريكي آنذاك، مايك بومبيو، علنًا بالمجلس لتعزيزه “رؤية إقليمية للسلام والتعايش”، وفي مقطع فيديو نُشر في شهر أغسطس/آب من العام التالي على حساب مركز اتصالات السلام على يوتيوب، هنأ رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير المجلس بمناسبة اجتماعه الافتتاحي.

وتعمل رئيسة تحرير “جسور”، هديل عويس، بشكل مباشر لدى “مركز اتصالات السلام”، الذي يصفها على موقعه الإلكتروني بأنّها “تقود الاتصالات العربية نيابة عن المركز”. وبرزت هديل، وهي من أصول سورية وتقيم حاليًا في الولايات المتحدة، في المجال العام تحت اسم “هديل كوكي” في بداية الانتفاضة السورية عام 2011 تقريبًا، إذ  ظهرت، وهي طالبة تبلغ من العمر 19 عامًا، على وسائل إعلام عربية ودولية لتتحدث ضد نظام الأسد.

في عام 2012، وبينما كانت لا تزال تستخدم اسم “كوكي”، تلقت دعوة من مجموعة “يو إن ووتش” المدافعة عن إسرائيل ومقرها جنيف، لحضور مؤتمر شاركت في تنظيمه، بالإضافة إلى حضور اجتماع لمجلس حقوق الإنسان. ومن هناك، ووفقًا لسيرة عويس الذاتية المنشورة على موقع “معهد واشنطن”، التقت بوفد أمريكي ساعد في تسهيل انتقالها إلى الولايات المتحدة.

ومن أحدث مشاريع هديل تقديم برنامج أسبوعي على المنصة الإعلامية التي أُطلقت مؤخرًا “الجنوب اليوم“. وتُكرس هذه المنصة الإلكترونية لتغطية أخبار جنوب اليمن، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية برزت فيها مؤخرًا حركات انفصالية – مدعومة من الإمارات ومستعدة للانضمام إلى “اتفاقيات إبراهيم”. وقد تضمنت الحلقة الأولى من برنامج “النافذة الأمريكية” الذي تقدمه هديل مقابلة مع مدير سابق في وزارة الدفاع الأمريكية حول “وكلاء إيران”. (لم يرد براود أو هديل على الاستفسارات بشأن ما إذا كانت المنصة اليمنية الجديدة مرتبطة بـ “جسور” ومركز اتصالات السلام).

نوع واحد فقط من المعارضة

تعتمد التغطية الميدانية لمنصة “جسور” في المنطقة على السكان المحليين الذين يجرون المقابلات ويسجلون لقطات الفيديو. ومع ذلك، صرح أشخاص تعاونوا مع المنصة في كل من سوريا وغزة لمجلة “+972” بأنهم لم يكونوا على علم بوجود أي علاقات تربط “جسور” بـ “مركز اتصالات السلام”، أو جماعات الضغط الموالية لإسرائيل، أو المخابرات الإسرائيلية – وأنهم عملوا انطلاقًا من اعتقادهم بأنهم يساهمون في وسيلة إعلامية مستقلة تشاركهم قيمهم حول السلام والديمقراطية.

وأفادت مصادر في سوريا لمجلة “+972” بأنّ الرواتب الشهرية البالغة 600 دولار ومدفوعات العمل الحر البالغة 100 دولار للقطعة الواحدة كانت هي العرف السائد للمتعاونين مع “جسور”. أما في غزة، فتراوحت الأجور بين 200 و400 دولار لكل تقرير مصور.

وقال أحد الأشخاص الذين عملوا لصالح “جسور” في سوريا لمجلة “+972” إنّ المنصة “نشرت محتوى من شأنه أن يهدد بتأجيج الانقسامات داخل مجتمع ممزق بالفعل جراء سنوات من الحرب”. وعلى سبيل المثال، أشار هذا الشخص إلى مقابلة في الشارع ينتقد فيها أحد الرجال تواجد أشخاص من خارج دمشق في العاصمة. وأوضح المصدر أنّ “مثل هذا المحتوى يحظى بانتشار واسع أحيانًا، ولكنه يؤدي في الغالب إلى مفاقمة التوترات الاجتماعية القائمة”.

كما أعرب مصدر في غزة، تعاون مع المنصة، عن اعتراضاته على الخيارات التحريرية لمنصة “جسور”، والتي ترقى، بحسب المصدر، إلى قمع صارم للأصوات المعارضة ضد إسرائيل وحلفائها. وأوضح المصدر قائلًا: “إنّ التحدث عبر جسور ضد سلوك كل من إسرائيل وحماس في غزة، قد يعني بوضوح أن كلماتك ستخضع للفلترة، مما يُبقي على الانتقاد الموجه لطرفٍ واحدٍ دون الآخر”.

وعلى عكس الوضع في سوريا، حيث يحمل مراسلو “جسور” غالبًا ميكروفونات تُظهر شعار المنصة، فإنّ المراسلين الذين يعملون لصالحها في غزة لا يفعلون ذلك. ونتيجة لذلك، أوضح مصدر عمل مع “جسور” في القطاع، أنّ الأشخاص الذين تُجرى معهم المقابلات لا يدركون دائمًا أنهم يتحدثون إلى منصة “جسور” التي استهدفتها حماس مرارًا وتكرارًا. وبناءً على ذلك، يتعرض الأشخاص الذين تتم مقابلتهم للخطر دون علمهم عندما يبحث مسلحو حماس عن الأفراد الذين ظهروا في تغطية “جسور”، ويستجوبونهم بهدف التعرف على المراسلين الذين يعملون لصالح المنصة.

في مقابلة أُجريت معها مؤخرًا في صحيفة “هآرتس”، رفضت هديل الإجابة على سؤال حول مصادر تمويل “جسور”، ورفضت الانتقادات الموجهة إلى “مبادرتها الإعلامية غير التقليدية” باعتبارها صادرة عن مواقع إخبارية تابعة لحماس. وادعت قائلة: “جزء كبير من الهجمات يحمل طابعًا شخصيًا، وموجه ضدي كامرأة وليس كصحفية أو رئيسة تحرير لمنصة إخبارية. أي موقف ينحرف عن “خط الممانعة” العربي المقبول، يُتهم بأنه في جوهره “أداة” [بيد الإسرائيليين]”.

ويتعارض رفض “جسور” الكشف عن مصادر تمويلها وإصرارها على أن يُنظر إليها كمنصة إعلامية مستقلة ملتزمة بحرية الصحافة، مع النهج الذي يتبعه مؤسسها وقائدها الظاهر تجاه المنصات الأخرى التي تنتقد لإسرائيل. فقد تحدث كتاب براود الصادر عام 2019، والذي رسم المخطط لما أصبح يُعرف لاحقًا بـ “جسور”، عن أهمية “إضعاف اتصالات الجهات المعادية”. وتابع أن هذا “من شأنه أن يستلزم إعداد ملفات عن كل قناة مستهدفة، لا تشمل فقط عرضًا لمحتواها، بل تتضمن أيضًا تحقيقًا في ملكيتها، وهيكلها الإداري، وموظفيها”.

وينعكس هذا النهج أيضًا في شراكة “مركز اتصالات السلام” مع صحيفة “ذا فري برس”، التي أدرجت مواد من المنظمة في تقرير مصور مناهض لقناة الجزيرة نُشر في سبتمبر/أيلول 2025، وشاركته عويس على منصة إكس جنبًا إلى جنب مع السفارة الإسرائيلية في الولايات المتحدة. ويقدم هذا الفيديو، الذي يعتمد على شهادات مجهولة المصدر، ادعاءً بأنّ الصحفيين العاملين لصالح قناة الجزيرة في غزة يسيئون استخدام وضعهم المحمي المفترض، وأنهم في الواقع عناصر نشطة في حماس.

ويمضي التقرير في الدفاع عن اغتيال مراسل الجزيرة أنس الشريف وثلاثة من زملائه في هجوم إسرائيلي على خيمة إعلامية خارج البوابة الرئيسية لمستشفى الشفاء في مدينة غزة، زاعمًا دون تقديم أي دليل أن “مثل هذه الخيام غالبًا ما تُستخدم كمراكز قيادة لحماس”.

لم يرد جوزيف براود وهديل عويس على أي من أسئلة مجلة “+972” التفصيلية المتعلقة بوثائق “معهد دراسات الأمن القومي” المسربة، أو حول طبيعة علاقة “جسور” و”مركز اتصالات السلام” بصحيفة “ذا فري برس” والميليشيات الموالية لإسرائيل في غزة.

واكتفت هديل بإرسال رسالة بريد إلكتروني من جملة واحدة قالت فيها: “تفتخر ‘جسور نيوز’ بإيصال الأصوات المكبوتة في جميع أنحاء العالم العربي، ونحن متمسكون بكل ما نقدمه من تقارير”. وتبعها براود بعد بضع دقائق برد مقتضب مماثل: “بينما تروجون لنظريات المؤامرة، يعمل ‘مركز اتصالات السلام’ بلا كلل لتعزيز التنمية البشرية والسلام بين الشعوب في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”.

المصدر: +972

علاماتالإعلام ، البروباجندا الإسرائيلية ، التضليل الإعلامي ، القضية الفلسطنية
مواضيعالبروباجندا الإسرائيلية ، القضية الفلسطينية ، ترجمات

قد يعجبك ايضا

سياسة

عقد كامل.. ماذا تغيّر في الجيش التركي بعد محاولة الانقلاب الفاشلة؟

نون إنسايت١٥ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

15 تموز.. إلى أين وصلت أوسع معركة قضائية وأمنية بتاريخ تركيا الحديث؟

نون إنسايت١٥ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

الأجواء المنقسمة.. كيف تحول مطار صنعاء إلى ورقة سياسية؟

بشرى الحميدي١٤ يوليو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑