على بُعد أكثر من ثلاثة آلاف كيلومتر من إسطنبول، كتب الطالب الأفغاني ناويد الله أمين أوغلو، من مدرسته في مدينة مزار شريف، رسالة إلى أبطال 15 تموز. لم تقع أحداث تلك الليلة في بلده، ولم تكن جزءاً من ذاكرة عائلته أو تاريخ مدينته، لكن رسالته وصلت إلى إسطنبول وحصلت عام 2023 على جائزة لجنة التحكيم، في مسابقة شارك فيها 1374 طالباً من تركيا وخارجها.
حملت المدرسة التي كتب منها ناويد الله قصة أخرى. فقبل أربع سنوات فقط، كانت واحدة من المدارس التي تنسبها أنقرة إلى شبكة جماعة غولن في أفغانستان، قبل أن تنتقل إدارتها في كانون الثاني/يناير 2019 إلى مؤسسة المعارف التركية.
تختصر رحلة الطالب ومدرسته جانباً واسعاً من التحول الذي شهدته ذكرى 15 تموز/يوليو 2016 خلال العقد الماضي، إذ نقلت الدولة التركية روايتها عن تلك الليلة إلى بلدان بعيدة، وربطتها تدريجياً بأدوات الدبلوماسية العامة والاتصال الاستراتيجي والسياسة الخارجية.
دفع بقاء شبكات جماعة غولن في الخارج، بعد إحباط المحاولة الانقلابية وتراجع قدرتها على العمل داخل تركيا، أنقرة إلى نقل جانب واسع من المواجهة إلى الساحة الدولية. فقد واصلت الجماعة نشاطها عبر مدارس وجمعيات ومؤسسات إعلامية ومالية في دول عديدة، مستندة إلى علاقات نسجتها على مدى سنوات داخل أوساط سياسية وأكاديمية ومجتمعية. بينما واجهت تركيا صعوبة في إقناع عدد من الحكومات، وخصوصاً في الولايات المتحدة وأوروبا، بتبني توصيفها للجماعة كمنظمة إرهابية أو الاستجابة لطلبات التسليم وإغلاق المؤسسات المرتبطة بها.
اكتسبت ذكرى 15 تموز وظيفة سياسية تتجاوز بعدها الرمزي، فاستخدمتها الدولة التركية عاماً بعد عام لشرح طبيعة الاختراق الذي تعرضت له مؤسساتها، وتوضيح الأساس الذي استندت إليه سياساتها اللاحقة، وحشد الدعم لتحركاتها القانونية والدبلوماسية ضد الجماعة. وسعت من خلالها أيضاً إلى مواجهة روايات خارجية ركزت على إجراءات ما بعد الانقلاب ودفعت إلى الهامش النقاش حول الجهة التي خططت للمحاولة ونفذتها.
بناء الرواية الرسمية
بدأت الدولة التركية صياغة روايتها عن 15 تموز منذ الساعات والأيام الأولى للمحاولة الانقلابية، وحددت الجهة المسؤولة وطبيعة الهجوم والجهات التي أحبطته. وفي مذكرة نشرتها وزارة الخارجية في 25 تموز/يوليو 2016، وصفت ما جرى بأنه تحرك نفذته جماعة غولن ضد الحكومة المنتخبة والنظام الدستوري، وعزت فشله إلى المواجهة المشتركة التي خاضها المواطنون وقوات الأمن ومؤسسات الدولة ضد الانقلابيين.
أرست هذه الصياغة المبكرة العناصر التي استمر الخطاب الرسمي يكررها لاحقاً: اختراق مؤسسات الدولة، واستهداف الشرعية السياسية، وتدخل المجتمع لحماية النظام القائم.
وعزّزت أنقرة اتهامها للجماعة بالاستناد إلى التحقيقات وجلسات لجنة البحث البرلمانية وملفات المحاكم التي تناولت تنظيم التحرك العسكري، وسلسلة الأوامر وصلات عدد من الضباط بقيادات الجماعة. ومع تقدم المحاكمات، اكتسب الخطاب الرسمي سنداً قضائياً أكثر وضوحاً.
ووضعت الدولة المقاومة الشعبية في قلب روايتها، من دعوة الرئيس رجب طيب أردوغان المواطنين عبر وسائل الإعلام إلى التوجه نحو الشوارع والمطارات والساحات واستجابتهم الواسعة لها، كما ساهمت النداءات والصلوات التي صدحت من المساجد في توسيع التعبئة. وثبّتت الصور المتداولة للمدنيين أمام الدبابات، وقصص القتلى والمصابين، فكرة أن المجتمع نفسه واجه الانقلاب وأسقطه.
لاحقًا، اتسعت دلالة الحدث وارتبطت بالإرادة الوطنية والسيادة الشعبية وحماية المؤسسات المنتخبة. واحتل قصف البرلمان موقعاً مركزياً في هذا البناء السردي، لأنه سمح بتقديم الهجوم باعتباره استهدافًا مباشرًا للتمثيل الشعبي والنظام الدستوري.
ووفّر اتفاق الأحزاب الممثلة في البرلمان على رفض المحاولة أرضية لخطاب الوحدة الوطنية، قبل أن تعود الخلافات السياسية الحادة حول إجراءات ما بعد الانقلاب. وأصبحت عبارة “انتصار الديمقراطية” المدخل الأكثر قابلية للتسويق خارج تركيا، إذ نقلت النقاش من صراع الحكومة مع خصومها إلى دفاع المواطنين عن سلطة منتخبة في مواجهة تحرك عسكري.
كرّست مؤسسات الدولة هذه المعاني في القانون والمساحات والفعاليات العامة. وأُعلن 15 تموز عطلة رسمية تحت اسم “يوم الديمقراطية والوحدة الوطنية”، وأُطلق اسم “شهداء 15 تموز” على جسر البوسفور وعدد من الساحات والمرافق.
وأُنشئت نصب ومتاحف ومواقع تذكارية تعرض مقتنيات الضحايا وصور المواجهات والأسلحة التي استخدمها الانقلابيون. وبذلك، تحوّل البرلمان المقصوف والمجمع الرئاسي والجسر والساحات إلى نقاط ثابتة في خريطة الذاكرة، تستعيدها سنوياً الخطب والأفلام والمعارض والفعاليات الرسمية.
هندسة الذاكرة
تحركت وزارة الخارجية منذ عام 2016 لتحويل الرواية إلى مادة قابلة للتداول خارج تركيا، وحدد تقريرها السنوي لذلك العام ثلاثة مسارات لمواجهة جماعة غولن في الخارج، وضع في مقدمتها شرح بنية الجماعة ودورها في المحاولة الانقلابية للمسؤولين الأجانب والرأي العام الدولي. فخاطب الدبلوماسيون الحكومات ووسائل الإعلام ومراكز الأبحاث، وأدخلوا الملف في اللقاءات الثنائية.
ومنذ الذكرى الأولى، جعلت السفارات والقنصليات التركية المناسبة موعداً ثابتاً في برامجها العامة. ونظمت البعثات عام 2017 مؤتمرات ومعارض صور في عدد من المدن العالمية، ثم اتسعت الأنشطة خلال السنوات التالية لتشمل عروض الأفلام والندوات واللقاءات الصحفية والبرامج التذكارية.
أدخلت رئاسة الاتصال، التي تأسست في يوليو/تموز 2018، قدراً أكبر من المركزية إلى هذا العمل، إذ تولت تنسيق برامج 15 تموز داخل تركيا وخارجها، وأنشأت نظاماً رقمياً لمتابعة المشاريع، كما أعدت هوية بصرية وشعارات سنوية ومواد موحدة، وأنتجت كتباً بلغات مختلفة وأفلاماً قصيرة وإعلانات ومواد رقمية ومعارض.
كما ساهمت وكالة الأناضول وTRT في توسيع دائرة الخطاب من القاعات الدبلوماسية إلى الجمهور الدولي. ووفرت وكالة الأناضول الصور الأرشيفية التي استخدمتها المعارض في الخارج، وقدمت TRT World تقارير ومقابلات وأعمالاً درامية ووثائقية أعادت سرد الحدث من خلال تجارب المدنيين وصور المواجهة. وخاطبت رئاسة الاتصال الصحفيين الأجانب مباشرة أيضاً، إذ نظمت عام 2021 اجتماعاً لوسائل إعلام دولية عرضت خلاله رواية الدولة حول 15 تموز وبنية الجماعة.
وفتحت المؤسسات الثقافية والتعليمية والدينية مساحات إضافية أمام الرواية. واستخدم معهد يونس أمره مراكزه لتنظيم المعارض والندوات والأنشطة العامة، فيما أشركت رئاسة الأتراك في الخارج والمجتمعات ذات القربى الطلاب الدوليين وخريجي الجامعات التركية في برامج ومواد تروي تجاربهم خلال المحاولة. ونظمت مؤسسة المعارف فعاليات في مدارسها وممثلياتها، وأضافت الملحقيات الدينية والمساجد بعداً تذكارياً عبر تلاوة القرآن وإقامة برامج الدعاء وإحياء أسماء الضحايا.
ملف دائم في السياسة الخارجية
أدخلت أنقرة قضية جماعة غولن في صلب علاقاتها الخارجية، وأصبح التعاون ضدها مطلبًا متكررًا في اللقاءات الثنائية والمنصات الدولية. وسجل تقرير وزارة الخارجية لعام 2016 أن مكافحة البنية الخارجية للجماعة باتت من أولويات الاتصالات الرسمية، فيما أظهر تقرير عام 2019 أن السفارات والقنصليات أجرت أكثر من 15 ألف لقاء مع جهات أجنبية حول القضية.
طالبت الحكومة التركية بإغلاق المؤسسات المرتبطة بالجماعة أو نقل إدارتها، وتقييد نشاط أعضائها، ومنع انتقالهم وأموالهم بين الدول، وتسليم المطلوبين إلى القضاء التركي. وتابعت الخارجية تغير بنية الجماعة وأسماء مؤسساتها وعلاقات قياداتها، فيما نسقت الجهات القضائية والأمنية ملفات الملاحقة. وحافظت أنقرة في مراسلاتها على توصيف أمني موحد، في حين تعاملت الدول المضيفة مع المؤسسات والأشخاص وفق قوانينها وتصنيفاتها المحلية.
اعتمدت أنقرة في المسار القضائي على أوامر التوقيف وملفات الأدلة وطلبات التسليم والتواصل المباشر بين وزارات العدل، ولكن هذا المسار واجه عقبات كثيرة، وشكلت الولايات المتحدة الحالة الأبرز بسبب إقامة فتح الله غولن فيها، إذ تؤكد وزارة العدل الأميركية أن تركيا قدمت طلبات متعددة لتسليمه، من دون أن تنتهي الإجراءات بترحيله. وكشف رفض محكمة وستمنستر البريطانية عام 2018 طلب تسليم أربعة أشخاص آخرين عن الفجوة بين تقديم الملفات التركية واقتناع محاكم الدول المعنية بشروط التسليم.
اتبعت تركيا أيضاً مسارات تختلف عن التسليم القضائي، فقد تحدثت الخارجية عن ترحيل بعض أعضاء الجماعة إلى تركيا أو إلى دول ثالثة، فيما أعلنت الاستخبارات التركية أنها نقلت 114 شخصاً من 28 دولة إلى القضاء منذ عام 2016، عن طريق الترحيل الإداري والتعاون الحكومي المباشر وعمليات أمنية ولم تكشف أنقرة تفاصيلها القانونية في كل حالة.
نقلت أنقرة الملف كذلك إلى المؤسسات الدولية سعياً إلى تثبيت توصيف الجماعة منظمة إرهابية، وأقرت منظمة التعاون الإسلامي في اجتماع وزراء الخارجية بطشقند عام 2016 قراراً دان محاولة الانقلاب التي نسبها إلى الجماعة، ما منح تركيا دعماً سياسياً داخل المنظمة، لكنه لم يفرض على كل دولة تصنيفاً قانونياً موحداً أو يلزم محاكمها بتنفيذ طلبات التسليم التركية.
المدارس.. قلب المواجهة خارج تركيا
احتلت المدارس صدارة التحرك التركي لأنها مثلت الركيزة الأكثر استدامة في شبكة جماعة غولن خارج البلاد، فقد أتاحت للجماعة التواصل اليومي مع الطلاب وعائلاتهم والوصول إلى أبناء شخصيات نافذة، وتكوين علاقات تمتد فيما بعد إلى الإدارة والسياسة والأعمال. وأمنت هذه المؤسسات الكوادر والموارد المالية والحضور الاجتماعي للجماعة، ما دفع تركيا للاعتقاد بأن إغلاقها سيؤدي إلى تفكيك بنية قادرة على إعادة إنتاج نفوذها عبر أجيال متعاقبة.
أقر البرلمان التركي في 17 حزيران/يونيو 2016 إنشاء مؤسسة المعارف، أي قبل محاولة الانقلاب بنحو شهر، وجاءت المؤسسة لتتولى باسم تركيا أنشطة التعليم في الخارج، بما يشمل فتح المدارس والجامعات والمراكز التعليمية إلى تقديم المنح وإدارة السكن الطلابي وإعداد البرامج والمناهج. وعندما وسعت أنقرة مواجهة شبكة جماعة غولن خارج البلاد، كانت تملك بذلك ذراعاً قانونية وتعليمية جاهزة لتسلم المدارس بموافقة الدول المضيفة أو إنشاء مؤسسات بديلة حيث تعذر النقل.
اعتمدت مؤسسة المعارف آليات مختلفة بحسب قوانين كل بلد وملكية المدارس فيه. ففي أفغانستان وقع وزيرا التعليم في البلدين عام 2018 اتفاقاً لنقل 12 مدرسة و4 مراكز تحضيرية، وفي ساحل العاج تسلمت أربع مدارس بموجب بروتوكول وقعته في آب/أغسطس 2018. أما في إثيوبيا، فقد نقلت السلطات إدارة المدارس بقرارات قضائية خلال مراحل انتهت بوضع جميع المؤسسات المعنية تحت إدارة المعارف.
واجهت أنقرة تعثراً واضحاً في ملف المدارس داخل الولايات المتحدة وأوروبا. ففي 2018، قال وزير الخارجية حينها مولود جاويش أوغلو إن تركيا طلبت من واشنطن التحقيق في شبهات التهرب الضريبي ومخالفات التأشيرات وغسل الأموال داخل شبكة الجماعة والمؤسسات التابعة لها في الولايات المتحدة، وقدمت وثائق وأرسلت خبيراً من هيئة التحقيق في الجرائم المالية إلى السفارة التركية. وأضاف أن المسؤولين الأميركيين أبلغوا أنقرة بوجود تحقيقات في نحو عشرين ولاية، مؤكداً أن تركيا تطلب من الدول إغلاق مدارس الجماعة بسبب الدور الذي تنسبه إليها في بناء شبكاتها.
وصعّد الرئيس رجب طيب أردوغان الضغط في 7 شباط/فبراير 2019، عندما قال إن أنقرة أبلغت المسؤولين الأميركيين مراراً بنشاط مدارس “تشارتر” المرتبطة بالجماعة، وهي مدارس عامة مجانية تمولها الدولة، وتديرها جمعيات أو مؤسسات مستقلة بموجب ترخيص من سلطات الولاية، من دون إحراز تقدم ملموس.
وفي 17 تموز/يوليو 2019، أعلن رئيس مؤسسة المعارف بيرول أكغون أن الولايات المتحدة وأوروبا تضمان 465 مؤسسة تعليمية تنسبها تركيا إلى الجماعة، وأن المؤسسة واصلت العمل لنقل المتبقي منها بعد تسلم 218 مدرسة في مناطق أخرى. ثم أقر أكغون أمام لجنة التعليم في البرلمان، في 21 شباط/فبراير 2020، بعدم انتقال أي من نحو 200 مؤسسة تعليمية في الولايات المتحدة إلى المعارف، مع وضع مشابه في الدول الغربية.
تحركت أنقرة عبر ثلاثة مسارات متوازية: نقل المدارس إلى مؤسسة المعارف باتفاقات أو أحكام محلية، وتشجيع الدول المضيفة على إغلاق المؤسسات أو سحب تراخيصها، وفتح مدارس جديدة تنافس الشبكة القائمة عند تعذر نقلها. ويظهر تقرير المؤسسة لعام 2024 أن هذه السياسة أسفرت عن تسلم 246 مدرسة تصفها المؤسسة بأنها مرتبطة بالجماعة في 22 دولة. كما افتتحت المعارف 226 مدرسة جديدة لتلبية الاحتياجات التعليمية في دول مختلفة. تركز التقدم الأوضح في إفريقيا وآسيا ودول أبدت حكوماتها استعداداً لاتخاذ قرارات مباشرة بشأن الملكية والتراخيص.
وتعرض المؤسسة حالياً على موقعها شبكة تضم 524 مدرسة وجامعتين و16 مركزاً تعليمياً و57 سكناً طلابياً و12 مركزاً للدراسات التركية. وبذلك أنتجت مواجهة الشبكة التعليمية للجماعة ذراعاً تعليمية تركية دائمة، ثم أصبحت هذه الذراع مجالاً مستقلاً للدبلوماسية الثقافية وبناء العلاقات مع المجتمعات والنخب المحلية.
حين اصطدمت الرواية بحدود القانون
تكشف حصيلة السنوات العشر أن العقدة الأساسية ظهرت عند انتقال ملف 15 تموز من المجال السياسي إلى المجال القانوني، حيث استطاعت أنقرة أن تضع مسؤولية جماعة غولن عن محاولة الانقلاب على جدول أعمال علاقاتها الخارجية، لكن مطالبة الدول باتخاذ إجراءات قضائية استدعت ترجمة الرواية التركية إلى ملفات تستوفي قوانين كل دولة وتعريفاتها للجريمة والإرهاب، لذلك تراجعت قدرة الضغط الدبلوماسي كلما انتقل القرار من الحكومات إلى المحاكم وأجهزة الادعاء وهيئات حماية الحقوق.
ظهر هذا الفارق بوضوح في الولايات المتحدة، حيث يمر طلب التسليم بمراحل قضائية وتنفيذية متتابعة، ثم يعود القرار النهائي إلى وزير الخارجية. وفي تموز/يوليو 2024، قال وزير العدل التركي يلماز تونتش إن أنقرة قدمت سبعة طلبات لتسليم فتح الله غولن، تتصل بـ27 جريمة. وانتهى هذا المسار بوفاة غولن في بنسلفانيا في 20 تشرين الأول/أكتوبر 2024 من دون تسليمه، ليُغلق بذلك أكثر مطالب أنقرة رمزية من دون نتيجة.
وكشف المسار الأوروبي اختلافاً في تقييم الأدلة، إذ قضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في سبتمبر/أيلول 2023 بأن اعتماد القضاء التركي على تطبيق “بايلوك” في إثبات العضوية للجماعة انتهك مبادئ المحاكمة العادلة وشرعية الجرائم والعقوبات. واعتبرت المشكلة منهجية، مشيرة إلى وجود نحو 8500 طلب مشابه أمامها آنذاك، ما أظهر أن الأدلة المعتمدة داخل تركيا لم تحظَ بالقوة القانونية نفسها في المنظومة الأوروبية.
عمّق غياب التصنيف القانوني المشترك هذه الفجوة. وإلى الآن لا يدرج الاتحاد الأوروبي جماعة غولن على قائمته للمنظمات الإرهابية، في الوقت الذي تواصل فيه تركيا مطالبة الدول بالتسليم واتخاذ إجراءات ضد أعضائها ومؤسساتها. ويعكس ذلك اختلافاً في زاوية النظر، فبينما تتعامل أنقرة مع الجماعة كبنية تنظيمية واحدة تشكل العضوية فيها أساساً للملاحقة، تميل النظم الغربية إلى إفراد المسؤولية وإثبات صلة كل شخص بأفعال جنائية محددة. ولهذا لم يكن الاعتراف بخطورة محاولة الانقلاب كافياً لتوحيد تعريف مرتكبيها أو اعتماد الأدلة والنتائج القضائية التركية خارج حدودها.
بعد عشر سنوات، عملت تركيا على تحويل ذكرى 15 تموز من حدث وطني استثنائي إلى سردية دولة تتحرك عبر شبكة واسعة من الأدوات والمؤسسات، إذ حملت الدبلوماسية الرواية إلى الحكومات والمنظمات الدولية، ونقلتها السفارات إلى المجتمعات المحلية، ووسّعتها وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، فيما أدخلتها المؤسسات الثقافية والتعليمية والدينية إلى فضاءات الطلاب والجاليات والنخب. وأصبحت الذكرى جزءاً منظماً من الاتصال التركي بالعالم.