تكشف التشكيلة الجديدة لمجلس سياسات الدفاع الأمريكي عن تحوّل في نوع الخبرة التي تستدعيها وزارة الحرب إلى دائرتها الاستشارية العليا، فالمقاعد الخمسة عشر تجمع مستثمرين في التكنولوجيا العسكرية، ومستشارين يعملون داخل شركات متعاقدة مع الحكومة، وشخصيات من مؤسسات اليمين المحافظ، إلى جانب مسؤولين وعسكريين سابقين.
ويبرز بينهم نائب رئيس المجلس نورم كولمان، الذي يعمل في شركة قانونية تمثل جهات سعودية، ومارك أندريسن، الشريك العام في شركة رأس مال مغامر تستثمر في شركات دفاعية ناشئة، وثيو وولد، المستشار في شركة بالانتير المتعاقدة مع البنتاغون.
يرفع المجلس توصياته إلى وزير الدفاع ونائبه عبر وكيل الوزارة للسياسة، وتشمل اختصاصاته التخطيط الاستراتيجي وبنية القوات والتحديث العسكري والسياسات الدفاعية الإقليمية. وتمنحه هذه المهمة موقعًا مؤثرًا في المرحلة التي تُعرّف فيها التهديدات وتُرتب الأولويات وتُصاغ البدائل المعروضة على قيادة البنتاغون.
جاءت التشكيلة بعد مراجعة سياسية ومؤسسية بدأت في 7 مارس/آذار 2025، حين أُوقفت أعمال اللجان الاستشارية التابعة للوزارة مؤقتًا لفحص مدى توافقها مع أولويات الإدارة الجديدة. وفي 24 أبريل/نيسان أنهى البنتاغون خدمة أعضائها، قبل أن يعلن في 29 يونيو/حزيران 2026 مجلسًا جديدًا من خمسة عشر عضوًا برئاسة روبرت لايتهايزر ونائبه نورم كولمان.
خريطة المقاعد الخمسة عشر
يرأس المجلس روبرت لايتهايزر، الممثل التجاري الأمريكي السابق والمرتبط بمعهد سياسة أمريكا أولًا، وهو مركز محافظ يعمل على تطوير سياسات وكوادر قريبة من إدارة الرئيس دونالد ترامب.
ويشغل كولمان موقع نائب الرئيس، إلى جانب عمله مستشارًا أول في هوجان لوفيلز كادوالادر، وهي شركة محاماة دولية تنشط في العلاقات الحكومية والملفات التنظيمية وتمثيل الدول والحكومات.
وتضم دائرة الاستثمار مارك أندريسن، المؤسس المشارك والشريك العام في شركة رأس المال المغامر أندريسن هورويتز، إضافة إلى كينيث جونز، مؤسس مكتب الاستثمار العائلي كيهول بارتنرز، وأيضًا بليك ماسترز، المستثمر والقيادي السابق داخل شبكة الملياردير بيتر ثيل.
ويأتي توم فيدو بخبرة في أمن الاستثمار والرقابة على رؤوس الأموال الأجنبية، بعدما قاد مكتب أمن الاستثمار في وزارة الخزانة وعمل مع لجنة الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة، ويشغل حاليًا مواقع في شركات استشارية واستثمارية.
وتحضر المؤسسات المحافظة عبر مايكل أنتون، مدير طاقم تخطيط السياسات في وزارة الخارجية، ورايتشل بوفارد من معهد الشراكة المحافظة، وهو مركز معني ببناء شبكات الكوادر المحافظة في واشنطن.
كما يبرز دانيال مكارثي وثيو وولد، المرتبطان بمؤسسة هيريتيج، وهي مركز أبحاث محافظ مؤثر في برامج إدارة ترامب. ويضاف إليهم مايكل بيلزبري المتخصص في الصين، وفرانسيس سيمبا الكاتب في القضايا الجيوسياسية.
أما الخبرة العسكرية والصناعية فتتمثل في الأدميرال المتقاعد تشاس ريتشارد، القائد السابق للقيادة الاستراتيجية ورئيس معهد تحليلات الدفاع، وهو مركز أبحاث وتطوير ممول فدراليًا ويقدم دراسات تقنية للبنتاغون، ومايك غارسيا، الطيار البحري وعضو الكونغرس السابق الذي أمضى 11 عامًا في شركة رايثيون، ويعمل حاليًا في شركة الاستشارات الاستراتيجية ويست إكزيك أدفايزرز.
وتضم التشكيلة أيضًا كريستوفر ويليامز، صاحب شركة استشارات في الأمن القومي وعضو المجلس الاستشاري التنفيذي لشركة الأمن السيبراني إيفرفوكس (Everfox).
وتكشف المقارنة بين مجلسي 2024 و2026 مقدار التحول، فقد ضم المجلس السابق سبعة دبلوماسيين ومسؤولين بارزين في الأمن القومي، وأربعة أكاديميين، وعسكريين اثنين، مقابل دبلوماسي واحد وأكاديميين اثنين وعسكري واحد في التشكيلة الجديدة.
وفي الاتجاه المقابل، ارتفع عدد العاملين في الاستشارات والعلاقات الحكومية من اثنين إلى أربعة، والمستثمرين من واحد إلى اثنين، وبرزت في التشكيلة الجديدة علاقة مهنية مباشرة مع شركة تكنولوجيا دفاعية عبر وولد وبالانتير. كما صعد حضور الشخصيات المرتبطة بمؤسسات اليمين المحافظ من ثلاثة إلى أربعة.
ويعكس هذا التصنيف انتقالًا من مجلس تغلب عليه المؤسسة الأمنية والأكاديمية التقليدية إلى دائرة أقرب إلى رأس المال التقني والاستشارات وشبكات “أمريكا أولًا”.
المال والعقود والتمثيل الأجنبي
يحمل ملف نورم كولمان أكثر العلاقات الخارجية حساسية، إذ تعرفه صفحته الرسمية في هوجان لوفيلز كادوالادر بصفته مستشارًا أول في قطاع التنظيم العالمي، وتقول الشركة إنه يستخدم خبرته وعلاقاته داخل الكونغرس ودوائر الأعمال والقنصليات الأجنبية لمساعدة العملاء في التعامل مع البيئة السياسية والتنظيمية في واشنطن.
وتظهر وثائق قانون تسجيل الوكلاء الأجانب الأمريكي، المحفوظة لدى وزارة العدل والمعروفة اختصارًا بـFARA، اتفاقًا مؤرخًا في 5 أكتوبر/تشرين الأول 2023 بين هوجان لوفيلز والسفارة السعودية في واشنطن.
شمل الاتفاق تقديم المشورة القانونية والاستراتيجية بشأن العلاقة الأمريكية السعودية والتواصل مع الكونغرس والإدارة، مقابل أتعاب شهرية ثابتة بلغت 200 ألف دولار إضافة إلى المصاريف. كما يظهر اسم كولمان وصفته وبيانات اتصاله على صفحة توقيع العقد مع سفيرة المملكة ريما بنت بندر.
وتوضح سجلات FARA استمرار ارتباط الشركة بملفات سعودية وظهور اسم كولمان فيها، بينما يخص نموذج التسجيل الشخصي الأحدث الذي قدمه في 29 مايو/أيار 2026 فنزويلا، ويتناول التواصل مع الإدارة والكونغرس بشأن العلاقة الأمريكية الفنزويلية وإعادة هيكلة الديون.
وتثبت الوثائق بذلك مشاركة كولمان في ملف السفارة السعودية خلال 2023، إلى جانب استمرار عمله في الشركة، فيما لا تكشف السجلات المتاحة طبيعة دوره الشخصي في الحساب السعودي خلال 2026.
وتأخذ علاقة مارك أندريسن مسارًا استثماريًا، إذ تقدم شركة أندريسن هورويتز أندريسن بصفته مؤسسًا مشاركًا وشريكًا عامًا، وتدير مسارًا استثماريًا باسم “الدينامية الأمريكية” يركز على الدفاع والفضاء والتصنيع والأمن العام.
وتشمل محفظتها أندوريل للصناعات التي تطور أنظمة تسليح ومراقبة ذاتية، وسارونيك، المتخصصة في السفن العسكرية غير المأهولة، وشيلد إيه آي، المطورة لبرمجيات القيادة الذاتية والطائرات العسكرية المسيرة.
وتظهر قاعدة “يو إس إيه سبندينغ”، وهي السجل الرسمي للإنفاق الفيدرالي، عقدًا محددًا لوزارة الدفاع مع شيلد إيه آي بلغت قيمة الالتزام فيه نحو 10.54 ملايين دولار، وفق البيانات المراجعة حتى 15 يوليو/تموز 2026.
وتمر علاقة أندريسن بهذه الأموال عبر الصندوق المستثمر في الشركة، ما يضع مشاركته في مناقشات الابتكار العسكري والأنظمة الذاتية والمشتريات التقنية تحت مراجعة مسؤولي الأخلاقيات في البنتاغون.
وتظهر صلة أكثر مباشرة لدى ثيو وولد، فقد أعلنت مؤسسة هيريتيج مطلع يوليو/تموز 2025 تعيينه زميلًا زائرًا للقانون والتكنولوجيا، وعرّفته بصفته مستشارًا أول في بالانتير تكنولوجيز، وهي شركة برمجيات وذكاء اصطناعي تقدم منصات تحليل بيانات للمؤسسات العسكرية والاستخبارية.
وتظهر بيانات الإنفاق الفيدرالي عقدًا دفاعيًا مع بالانتير بقيمة التزام تقارب 103.4 ملايين دولار، كما تمثل وزارة الدفاع أكبر جهة اتحادية في ملف إنفاق الشركة. ويجعل ذلك وظيفة وولد ذات صلة مباشرة بأي نقاش يتناول الذكاء الاصطناعي العسكري ودمج البيانات والمشتريات التقنية.
وتأتي طبقة ثانية من العلاقات عبر ويليامز وغارسيا وفيدو، إذ يعمل ويليامز من خلال شركة استشارات تخدم شركات دفاع وتكنولوجيا، ويجلس في هيئة استشارية لإيفرفوكس التي تتعامل مع جهات حكومية في الأمن السيبراني.
ويحمل غارسيا خبرة تنفيذية طويلة في رايثيون، أحد أكبر مقاولي السلاح الأمريكيين، إلى جانب موقعه الحالي في ويست إكزيك التي تقدم المشورة الاستراتيجية ولا تنشر قائمة كاملة بعملائها.
أما فيدو فيتحرك بين شركات استشارات واستثمار ومجالس أعمال مرتبطة بأمن الاستثمار والعقوبات والتكنولوجيا ذات الاستخدام الأمني. وتمنح هذه الروابط الثلاثة المجلس خبرة سوقية واسعة، وتربط تقييم المصالح بطبيعة كل ملف يُعرض على الأعضاء.
النفوذ خلف أبواب البنتاغون
تنتهي صلاحيات مجلس سياسات الدفاع عند تقديم المشورة والتوصيات، بينما تمر صفقات السلاح والعقود والموافقات التنفيذية عبر مؤسسات أخرى داخل وزارتي الدفاع والخارجية والكونغرس.
لكن المجلس يعمل في مرحلة تسبق تلك الإجراءات، حين تُحدد الأولويات الإقليمية، وتُقيّم التهديدات، وتُناقش بنية القوات والقاعدة الصناعية، وتُوزع الموارد بين أنظمة دفاعية وتقنية متنافسة.
في هذه المرحلة، قد تؤثر توصية بشأن توسيع شبكة الدفاع الجوي في الخليج، أو تسريع إدخال الذكاء الاصطناعي إلى القوات، أو رفع إنتاج الذخائر، في الأسواق والشركات التي تعمل داخل هذه القطاعات.
وتصبح العلاقات المهنية والمالية للأعضاء ذات أهمية حين تتقاطع المناقشة مع شركة يعمل لديها عضو، أو صندوق يستثمر فيه، أو عميل أجنبي تمثله مؤسسته.
وتتفاوت حساسية هذه الروابط بحسب طبيعة الملف المعروض على المجلس، ومدى تأثيره في الشركات أو الصناديق أو العملاء المرتبطين بأعضائه.
ويخضع الأعضاء القادمون من خارج الحكومة عادة لقواعد “الموظف الحكومي الخاص”، التي تمنع المشاركة في مسألة محددة تؤثر بصورة مباشرة ومتوقعة على مصالحهم المالية أو مصالح الجهات التي يعملون لديها.
وتتيح القواعد لوزارة الدفاع طلب التنحي عن ملف بعينه، أو إصدار إعفاء مكتوب بعد مراجعة مسؤول الأخلاقيات، كما يلزم الأعضاء بتقديم إفصاحات مالية تشمل وظائفهم واستثماراتهم ومناصبهم الخارجية.
وتبقى مساحة واسعة من هذه الرقابة بعيدة عن الجمهور، لأن الإفصاحات المالية المقدمة إلى البنتاغون سرية في العادة، ولم تظهر في السجلات العلنية حتى 15 يوليو/تموز 2026 مذكرات تنحٍّ أو إعفاءات أخلاقية تخص أعضاء المجلس الجدد.
لذلك يمكن تتبع الشركات والعقود وتسجيلات الوكلاء الأجانب، بينما يصعب معرفة الملفات التي انسحب منها كل عضو أو حصل على إذن بالمشاركة فيها.
تكشف التشكيلة الجديدة عن مجلس يلتقي داخله تيار “أمريكا أولًا” مع رأس المال المغامر الدفاعي، وشركات البرمجيات العسكرية، والاستشارات الخاصة، وشبكات الضغط القانوني.
وفي مجلس يشارك في تعريف التهديدات وترتيب البدائل قبل صدور القرار، تتوقف الثقة في توصياته على كيفية تطبيق قواعد الإفصاح والتنحي، خصوصًا في الملفات التي تجمع بين السعودية والخليج وصفقات السلاح والذكاء الاصطناعي العسكري.