• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

رأس المال الأمريكي يطرق أبواب سوريا.. هل السوق جاهزة؟

مارينا مرهج١٥ يوليو ٢٠٢٦

من لقاء الرئيس السوري أحمد الشرع مع الرئيس الأمريكي دونلد ترامب على هامش قمة الناتو في أنقرة 8 تموز/يوليو 2026 - رئاسة الجمهورية العربية السورية/ إكس

انتقل الحديث عن العلاقات السورية الأمريكية من ملفات السياسة والأمن، التي تُوّجت مؤخرًا بلقاء الرئيس السوري أحمد الشرع مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على هامش قمة الناتو في أنقرة، وإعلان واشنطن بدء إجراءات إزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، إلى فرص الانفتاح الاقتصادي.

وتزامنت هذه الإجراءات مع انعقاد المنتدى السنوي الأول للأعمال بين الولايات المتحدة وسوريا في 13 يوليو/تموز 2026، عقب لقاء الشرع عددًا من رجال الأعمال خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن.

ومع التحولات السياسية التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد، بعد عقود ارتبط خلالها اسم سوريا بالعقوبات والعزلة الاقتصادية، يبرز سؤال حول مدى جاهزية الاقتصاد السوري لاستقطاب رأس المال الأمريكي خلال المرحلة المقبلة.

هل تملك سوريا مقومات جذب الاستثمار الأمريكي؟

شكّلت العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا منذ عقود، والخشية من الإفراط في تطبيقها، إلى جانب العزلة التي عاشتها البلاد لأكثر من 60 عامًا، عائقًا رئيسيًا أمام تدفق الاستثمارات الأجنبية.

وقال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إن بدء الإجراءات القانونية لإزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وإخطار الكونغرس بمهلة مراجعة تستمر 45 يومًا، يهدفان إلى فتح الباب أمام التجارة والاستثمار والمساهمة في إعادة إعمار البلاد.

وتراهن دمشق على أن يؤدي تخفيف القيود الأمريكية إلى فتح قنوات التمويل والتحويلات المصرفية، وتشجيع الشركات الغربية على دراسة فرص الاستثمار، في وقت تحتاج فيه سوريا إلى رؤوس أموال ضخمة لإعادة تأهيل بنيتها التحتية وقطاعاتها الإنتاجية.

ويرى الخبير الاقتصادي رازي محيي الدين، في حديثه لـ”نون بوست”، أن سوريا تمتلك عوامل قد تجعلها وجهة جاذبة للشركات والمستثمرين الأمريكيين، ترتبط بموقعها الجغرافي، والتحولات السياسية والقانونية الأخيرة، وتوافر فرص واسعة في قطاعات التشغيل وإعادة الإعمار.

ويبرز موقع سوريا كإحدى أهم نقاط العبور الإقليمية، إذ يمكن أن تشكل ممرًا حيويًا لحركة الترانزيت والطاقة، لا سيما بعد الحرب الأمريكية الإيرانية.

وبحسب المستشار التنفيذي لشؤون التخطيط والمتابعة في وزارة الاقتصاد والصناعة، تنظر الولايات المتحدة إلى سوريا باعتبارها أحد البدائل الاستراتيجية لتقليل مخاطر إغلاق مضيق هرمز، سواء لنقل النفط العراقي والخليجي أو لتسهيل حركة الترانزيت بين أوروبا ودول الخليج.

وتعمل الحكومة السورية على إعادة تهيئة بيئة الأعمال لجذب رؤوس الأموال الأجنبية، بحسب رئيس اتحاد غرف الصناعة السورية مازن ديروان، الذي قال لـ”نون بوست” إن البلاد تمتلك ميزات تنافسية لا تتوافر في كثير من الأسواق، من بينها وجود مناطق صناعية جاهزة، إلى جانب خطط توسيع المدن الصناعية في حلب وعدرا، وهي مؤشرات وصفها بأنها “إيجابية جدًا” بالنسبة إلى المستثمرين.

ويرى ديروان أن قانون الضرائب الجديد يمثل إحدى أبرز أدوات تحسين بيئة الاستثمار، لما يوفره من وضوح وبساطة في الإجراءات، مقارنة بالتعقيدات التي كان يواجهها المستثمرون سابقًا.

ويشير إلى أن طول المدة اللازمة للحصول على التراخيص الصناعية والتجارية ما يزال من أبرز التحديات، فيما تعمل الحكومة على معالجته عبر رقمنة الإجراءات وتحويلها إلى خدمات إلكترونية أكثر سرعة ومرونة.

وأدت سنوات الحرب والعقوبات إلى اتساع الفجوة بين العرض والطلب في السوق السورية، بعد التراجع الكبير في الإنتاج المحلي والاستثمارات الأجنبية، وما نتج عنه من نقص في السلع والخدمات والبنية التحتية والقدرات الصناعية.

وتمثل هذه الفجوة، في المقابل، فرصة لتحقيق عوائد مرتفعة، إذ توفر الأسواق التي تعاني نقصًا في العرض هوامش ربح أكبر مقارنة بالأسواق المشبعة بالمنافسة.

ويؤكد الخبير الاقتصادي رازي محيي الدين أن بعض الشركات العالمية تتجه إلى الاستثمار في البيئات المصنفة عالية المخاطر، وتعمل على تحويل مواطن الضعف فيها إلى فرص ربحية لا تتوافر بالقدر نفسه في الأسواق المستقرة.

ويبحث المستثمرون في هذه الأسواق عادة عن عوائد مرتفعة تعوض حجم المخاطر، وهو ما يمنح سوريا ميزة محتملة، سواء باعتبارها سوقًا داخلية تضم نحو 25 مليون نسمة، أو مركزًا يمكن أن يخدم الأسواق الجغرافية المجاورة.

الطاقة أولًا.. أين تبحث الاستثمارات الأمريكية عن فرصها في سوريا؟

ركز المنتدى السوري الأمريكي الأول للأعمال، الذي عُقد في دمشق في 13 يوليو/تموز 2026، على عرض برنامج الإصلاح الاقتصادي للحكومة، وتحديث البيئة التشريعية والمالية، واستعراض الفرص الاستثمارية في قطاعات الإنتاج والطاقة والنقل والبنية التحتية الرقمية والاتصالات، إلى جانب بيئة الابتكار الناشئة في سوريا.

وأجمع المتحدثون في المنتدى، الذي حضره “نون بوست”، على أن قطاع الطاقة يتصدر أولويات الاستثمار خلال المرحلة المقبلة، يليه قطاع النقل والخدمات اللوجستية، بما يشمل المطارات وشبكات الطرق والإنشاءات المرتبطة بها.

وبدأت شركات طاقة أمريكية كبرى، من بينها “شيفرون” و”كونوكو فيليبس”، خطوات أولية لدخول قطاع الطاقة السوري. ففي فبراير/شباط 2026، وقّعت “شيفرون” مذكرة تفاهم مع الشركة السورية للنفط وشركة “باور إنترناشونال القابضة” القطرية، لدراسة فرص استكشاف النفط والغاز وتطويرهما في المياه الإقليمية السورية في البحر المتوسط.

وتشمل المذكرة إجراء دراسات فنية وتقييم الإمكانات الهيدروكربونية في المنطقة، تمهيدًا للانتقال إلى مراحل استثمارية لاحقة.

أما شركة “كونوكو فيليبس”، فأعلنت في مايو/أيار 2026 مشاركتها في مذكرة تفاهم تضم شركتي “توتال إنرجيز” و”قطر للطاقة” والشركة السورية للنفط، لدراسة فرص استكشاف موارد الغاز وتطويرها في البلوك البحري السوري. وفي يونيو/حزيران من العام نفسه، وُقّع اتفاق تعاون مع الشركة لتطوير حقول الغاز وزيادة الإنتاج.

وخلال المنتدى، كشف رئيس هيئة الاستثمار السورية طلال الهلالي عن فجوة واسعة بين العرض والطلب في قطاع السياحة، موضحًا أن البلاد تحتاج إلى نحو 25 ألف غرفة فندقية، في حين لا يتجاوز عدد الغرف المتاحة حاليًا 4 آلاف غرفة، ما يجعل الاستثمار في الفنادق من المجالات التي قد تحقق عوائد سريعة.

وحضر قطاع التكنولوجيا والتحول الرقمي ضمن المحاور الرئيسية للمنتدى، في ظل حاجة سوريا إلى تحديث بنيتها الرقمية وتطوير خدمات الدفع الإلكتروني والحكومة الرقمية والاتصالات، وهي مجالات تمتلك فيها الشركات الأمريكية خبرات واسعة، بالتزامن مع توجه دمشق إلى رقمنة الخدمات الحكومية والمالية.

ويرى مازن ديروان أن دخول مؤسسات مالية أمريكية كبرى، مثل بنك “جي بي مورغان”، إلى جانب شركات خدمات الدفع مثل “فيزا” و”ماستركارد”، يبعث بإشارة إيجابية إلى بقية الشركات بأن التعامل مع السوق السورية أصبح متاحًا، وأن تنفيذ عمليات الدفع والتحويلات الدولية بات أكثر سهولة.

مجلس الأعمال السوري الأمريكي.. جسر للتواصل

لا يرتبط جذب الاستثمارات الأمريكية بقرارات رفع العقوبات والتحولات السياسية وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى قنوات قادرة على بناء الثقة وربط الشركات بالفرص المتاحة. ومن هنا جاء تأسيس مجلس الأعمال السوري الأمريكي كإحدى الأدوات الرامية إلى فتح مسارات جديدة أمام الحكومة السورية والقطاع الخاص، عبر تسهيل التواصل بين المستثمرين الأمريكيين والسوق السورية، والعمل على معالجة العقبات التي قد تعرقل دخولهم.

ويتولى المجلس، الذي يرأسه في سوريا عصام غريواتي، دورًا يتجاوز الترويج للفرص الاستثمارية، إذ يعمل كحلقة وصل بين رجال الأعمال السوريين في الخارج والمؤسسات المحلية. وخلال حديثه إلى الصحفيين في المنتدى، أكد غريواتي أن مهمة المجلس لا تقتصر على الربط بين الشركات، بل تمتد إلى تحويل الحوار السياسي والاقتصادي إلى شراكات واستثمارات فعلية.

ويسعى المجلس كذلك إلى ربط الخبرات والتكنولوجيا الأمريكية بالمهارات والكفاءات السورية، من خلال مساعدة الشركات الأمريكية على فهم طبيعة السوق المحلية، ودعم الشركات السورية في الوصول إلى الشركاء ورؤوس الأموال الأمريكية، بما يخدم مشاريع إعادة الإعمار والتنمية طويلة الأمد.

وأوضح رئيس المجلس السوري لتنسيق مجالس الأعمال في وزارة الاقتصاد والصناعة، رواد رمضان، لـ”نون بوست”، أن مجلس الأعمال السوري الأمريكي يأتي ضمن مجموعة تضم 18 مجلسًا استُحدثت لإتاحة مشاركة مباشرة للقطاع الخاص في عمليات البناء والتنمية وإعادة الإعمار.

وأشار رمضان إلى أن آلية عمل مجلس التنسيق الذي يرأسه تقوم على ربط رجال الأعمال في الخارج بالجهات الحكومية عبر منصة إلكترونية ودليل إجرائي، ورصد العقبات التي تواجه المستثمرين وتحويلها إلى ملفات متابعة تُرفع إلى الجهات المختصة لمعالجتها ضمن مسار مؤسسي.

معوقات الاستثمار الأمريكي في سوريا

شكّلت العقوبات الأمريكية لسنوات العقبة الأكبر أمام تدفق الاستثمارات إلى سوريا، لكن جذب الشركات الأمريكية والأجنبية ما يزال مرتبطًا بقدرة دمشق على معالجة مجموعة من التحديات المتراكمة خلال العقود الماضية.

فالمستثمر لا ينظر إلى حجم الفرص المتاحة وحده، بل يضع في حساباته استقرار البيئة القانونية، وكفاءة النظام المالي، ومستوى الخدمات والبنية التحتية، وسهولة ممارسة الأعمال، ومدى القدرة على حماية رأس المال وضمان استمرارية المشاريع.

وتأتي البيئة التشريعية والقانونية في مقدمة التحديات التي تواجه الاستثمار في سوريا، إذ لا تزال بعض القوانين النافذة تعود إلى أكثر من 60 عامًا، ما يفرض تحديثًا شاملًا يواكب متطلبات الاستثمار الحديث.

وخلال جلسات منتدى الأعمال السوري الأمريكي، أكد مسؤولون سوريون، بينهم وزير الاقتصاد والصناعة، وحاكم مصرف سوريا المركزي، ورئيس هيئة الاستثمار، ووزيرا النقل والاتصالات، أن العمل جارٍ على مراجعة عدد من التشريعات الاقتصادية وتحديثها. وأشاروا إلى إنجاز بعض مشروعات القوانين، في انتظار عرضها على مجلس الشعب لإقرارها.

وإلى جانب التشريعات، برز ملف التحكيم التجاري، ولا سيما العقبات المرتبطة بإكساب أحكام التحكيم الدولية الصيغة التنفيذية في سوريا. فقد كانت المحاكم المختصة تعيد النظر في بعض هذه الأحكام أو ترفض تنفيذها استنادًا إلى تفسيرات قانونية تتعلق بمخالفة النظام العام.

ويرى المتخصص في القانون الدولي والتحكيم هاروت أكمانيان أن تجاوز هذه العقبات يتطلب اختيار مقر محايد للتحكيم خارج سوريا، بما يضمن استقلال الإجراءات وحيادها. كما طرح استخدام مجالس فض النزاعات كآلية استباقية لمعالجة الخلافات خلال تنفيذ المشروعات، قبل تطورها والوصول إلى مرحلة التحكيم الأكثر كلفة وتعقيدًا.

كما يواجه المستثمرون عقبات ناتجة عن تعدد الوزارات والجهات العامة المتداخلة في المشروع الواحد. ويقول جوزيف جاجاتي، مؤسس ورئيس مؤسسة “موزاييك” وعضو مجلس إدارة الجالية السورية اليهودية الأمريكية، لـ”نون بوست”، إن مؤسسته تعمل على دعم عدد من المجالات في سوريا، من بينها الأنشطة الاقتصادية والعمل الإغاثي والتدريب، إلى جانب تشجيع السوريين المقيمين في الخارج على العودة والاستثمار في البلاد.

ويشير جاجاتي إلى أن تجربته الشخصية، منذ عودته إلى سوريا عقب التحولات السياسية الأخيرة، لم تواجه تحديات كبيرة، مؤكدًا وجود رغبة لدى كثير من السوريين في الخارج في المساهمة بإعادة بناء البلاد وفتح مجالات استثمارية جديدة.

لكن التحديات التي تواجه الشركات الأجنبية تبدو أكثر تعقيدًا، إذ يضع جاجاتي صعوبة التحويلات المصرفية وحركة الأموال في مقدمة العقبات. ويوضح أن تعذر نقل الأموال عبر القنوات المصرفية المعتادة دفع بعض المستثمرين إلى الاعتماد على شركات تحويل صغيرة أو مؤسسات مالية خارج الولايات المتحدة، ما يزيد تكاليف العمليات ويحد من مرونتها.

ويرى أن هذه المشكلة، إلى جانب البيروقراطية وبطء الإجراءات، تعرقل انسيابية النشاط الاقتصادي، إذ تحتاج الشركات إلى منظومات مالية وإدارية أكثر كفاءة تتيح لها تنفيذ عملياتها بسرعة ووضوح.

ولا تزال المخاوف المرتبطة بالوضع الأمني حاضرة لدى بعض رجال الأعمال. ويرى مستشار وزير الاقتصاد رازي محيي الدين أن هذه التحديات قد تفتح، في المقابل، فرصًا أمام الشركات العالمية المتخصصة في الحلول الأمنية، فيما يعتبر مازن ديروان أن جانبًا من تلك المخاوف يستند إلى تصورات شخصية لا تعكس واقع السوق بالكامل.

وبذلك، تمثل عودة الاهتمام الأمريكي بالسوق السورية فرصة لإعادة بناء العلاقة بين دمشق وواشنطن على أسس اقتصادية جديدة. لكن انتقال هذا الاهتمام من التصريحات واللقاءات إلى استثمارات فعلية سيظل مرهونًا بقدرة سوريا على تطوير بيئة أعمال مستقرة وواضحة، وتسهيل حركة الأموال، وتسريع الإجراءات، وتوفير ضمانات قانونية وأمنية تحمي المستثمرين ومشروعاتهم.

علاماتاستثمارات ، استثمارات الخليج ، الاقتصاد السوري ، التدخل الأمريكي في سوريا ، الحكومة السورية الجديدة
مواضيعالاقتصاد السوري ، السياسة الأمريكية ، الشأن السوري

قد يعجبك ايضا

اقتصاد

من يملك أصول مصر؟.. أسئلة حساسة يثيرها صندوق “مستقبل مصر”

فريق التحرير١١ يوليو ٢٠٢٦
اقتصاد

مسارات ملتبسة.. كيف تبدلت عقود وشركاء مشاريع محمد علي وحود؟

فريق التحرير٩ يوليو ٢٠٢٦
آراء

اقتصاد العراق في ظل حكومة الزيدي.. أمل أخير أم خيبة مؤجلة؟

إياد الدليمي٩ يوليو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑