• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

صيانة في غمرة الجراحة.. كيف تُبعث الأجهزة الطبية في مستشفيات غزة؟

إسراء الرملي١٨ يوليو ٢٠٢٦

غرفة العمليات في مستشفى الشفاء

منذ بداية حرب الإبادة التي تشنها “إسرائيل” على قطاع غزة، كان القطاع الطبي في قلب استهدافات قوات الاحتلال وغاراتها وهجماتها، ونال مجمع الشفاء الطبي، أكبر المؤسسات الطبية في القطاع المحاصر، النصيب الأكبر من الاعتداءات، من غارات في محيطه وعلى بواباته وقصف مباشر لبعض أبنتيه، إلى اقتحامه واحتلاله وتحويله إلى ثكنة عسكرية وتخريب أجهزته، وليس انتهاءً بحصاره وأسر كوادره.

وخلال نحو ثلاثة أعوام من الإبادة، دُمرت أغلبية أنظمة المستشفى وأجهزته الحيوية ومعداته، إما بفعل القصف والتخريب الإسرائيلي المباشر، أو تَلفت بسبب التقادم أو انعدام الصيانة، أو تعطلت لعدم توفر قطع غيار وسط حصار مستمر للقطاع. ولم ينج من التلف الكامل، سوى أجهزة أقسام قليلة منها قسم بنك الدم التي نجت بأعجوبة.

أمام هذا الفراغ، عمدت وزارة الصحة إلى تجميع أجهزة قديمة متهالكة من مراكز الرعاية الأولية ومستشفيات القطاع ونقلها إلى الشفاء؛ لتدور اليوم معركة غير متكافئة بين آلات تالفة وضغط عمل هائل، حيث تسابق فرق الصيانة الزمن لالتقاط أجزاء صالحة من المعدات القديمة أو التالفة ووضعها في أجهزة أخرى تحتاجها لمحاولة إبقاء أكبر قدر من الإجهزة تعمل داخل منظومات المستشفى.

نسلط الضوء في هذا التقرير على معركة صيانة الأجهزة الطبية ومعدات الأنظمة الصحية الضرورية من قطع غيار تُنتزع من أجهزة تالفة أو قديمة، وتجري بعض هذه الصيانات -كما سنرى- في غمرة إجراء عمليات جراحية خطيرة.

عمى تشخيصيّ

الدكتور حسام راشد مدير دائرة المختبر وبنك الدم بمشفى الشفاء يكثّف حجم الفجوة، ويقول لنون بوست: “سجلت مختبراتنا في شهر (يونيو) حزيران 2026 نحو 85 ألف فحص مخبري، وهو رقم ضخم يواجه أجهزة قديمة قصرت قدرتها الإنتاجية اليومية عند حدود 200 فحص في الساعة، مقارنة بأجهزة ما قبل عام 2023 التي كانت تنجز 400 فحص في الساعة وتغطي ما يقارب 150 ألف فحص شهريًا عبر أربع وحدات كيميائية آلية متكاملة، يقتصر المتوفر منها اليوم على جهازين متهالكين”.

يتضاعف العبء الفني نتيجة التذبذب الحاد في التيار الكهربائي المعتمد كليًا على المولدات؛ إذ يتسبب غياب أجهزة تنظيم وتثبيت الطاقة (UPS) بتلف قطع الأجهزة الحساسة ومصابيحها الضوئية باستمرار، فيما يخلو السوق المحلي تمامًا من قطع الغيار.

ويضطر الفريق الفني أمام هذا العجز إلى تشغيل الأجهزة بطرق الارتجال عبر تفكيك الأجهزة المتعطلة واستعاضة قطعها لتشغيل أجهزة أخرى.

ويبرز فحص السيولة والتجلطات (PT) كشاهد على هذا التعثّر التقني؛ حيث نُقل جهاز متعطل من مستشفى شهداء الأقصى وجُلب جهاز آخر متهالك من مخازن الوزارة، ودمج الفنيون محركات الجهازين لاستخراج آلة واحدة صالحة للعمل، سرعان ما توقفت نتيجة خلل فني مستمر في نظام التشغيل.

ودفع هذا العطل الأطباء إلى العودة عقودًا إلى الوراء، عبر إجراء فحوصات السيولة بالطرق اليدوية البطيئة والأقل دقة، ما يستنزف الوقت الحرج للمرضى.

تتجلى قسوة المعركة اليدوية في فحص السكر البسيط؛ فبينما ينجزه الجهاز الآلي في ثوانٍ معدودة، يتطلب الفحص اليدوي فترة حضانة مخبرية تبلغ عشر دقائق كاملة للعينة الواحدة، وهو ما يعطل إنقاذ الحالات الحرجة في قسم الاستقبال الذي يضخ يوميًا أكثر من 500 عينة كيميائية على مدار الساعة.

أجهزة قسم الكيمياء الطبية

يتسع مأزق التشخيص ليتجاوز أعطال الآلات نحو أزمة نفاد الكواشف والمستلزمات الطبية في الوقت الحالي؛ حيث تسبب غياب مواد فحص الدم الكامل (CBC) في اختزال الفحص الشامل المكون من 16 مؤشرًا إلى فحصين يدويين فقط لقياس الهيموجلوبين وكريات الدم البيضاء، مع غياب كامل لمواد فحص الصفائح الدموية لتعذر إجرائه يدويًا.

ويضاف إلى ذلك نقص حاد في مواد فحص أملاح الكلى (الالكترولايت) اللازمة لمرضى الفشل الكلوي والأورام، والغياب التام لفحوصات غازات الدم (ABG) الشديدة الأهمية لمرضى العناية المكثفة والقلب لتحديد درجة حموضة الدم (pH)، مما يضع الأطباء أمام حالة من “العمى التشخيصي” تهدد حياة المرضى بالخطر المباشر.

توقف إمدادات التكنولوجيا الطبية

تتكدس اللوحات الإلكترونية المحروقة والأسلاك المقطوعة على طاولة خشبية صغيرة في زاوية مستشفى الوفاء للتأهيل الطبي والجراحات التخصصية بقطاع غزة، ويمسك مهندس الأجهزة الطبية علاء الدين أبو حصيرة بـ”الكاوية” ويدقق النظر في مسارات الدوائر الكهربائية الدقيقة؛ فكل حركة هنا تجري تحت رحمة ساعة رملية غير مرئية، ترتبط مباشرة بأنفاس المرضى في الغرف المجاورة.

ومع مرور ثلاثة أعوام على إغلاق الاحتلال للمعبر بشكل كامل، تغيب قطع الغيار وتتوقف إمدادات التكنولوجيا الطبية، لتواجه المستشفيات حظرًا تقنيًا يهدد المنظومة الحيوية بالعدم الكامل.

تُظهر هذه الوقائع أن الاحتلال الإسرائيلي، عبر تدمير المستشفيات وإغلاق المعابر ومنع دخول الأجهزة وقطع الغيار والكواشف الطبية، يدفع المنظومة الصحية إلى العمل من بقاياها، ويحوّل الأعطال التقنية إلى تهديد مباشر لحياة المرضى. وفي مواجهة هذا الخنق المتواصل، تعيد الطواقم الطبية والهندسية بناء قدرتها على العلاج من أجهزة متهالكة وقطع مستخرجة من الخردة ومعدات متوقفة، ضمن صراع يومي للحفاظ على ما تبقى من حق الناس في الفحص والجراحة والعلاج.

قسم الهيماتولوجي تشخيص امراض الدم والصبغات الطبية

ووثّقت منظمة الصحة العالمية أكثر من 930 اعتداءً على الرعاية الصحية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، فيما تضررت 34 مستشفى من أصل 36، أي نحو 94% من مستشفيات القطاع، وبقي نصفها فقط يعمل جزئيًا وفق أحدث البيانات المتاحة. كما أدت القيود الإسرائيلية على دخول الأجهزة وقطع الغيار والمولدات والزيوت إلى أعطال متواصلة، ودفعت المستشفيات إلى تشغيل معدات متهالكة وتفكيك أجهزة متوقفة لإنقاذ أخرى، بينما يتحمل المرضى أثر هذا الاستنزاف في الفحص والجراحة والعلاج.

ويواجه أبو حصيرة، مهندس الأجهزة الطبية، هذا الواقع اليومي بمحاولات مستمرة لإطالة عمر الآلات المتاحة، معتمدًا على خيار “الأجهزة المانحة”؛ حيث يتفحص المعدات التي دمرتها الحرب واستحال إصلاحها؛ ليستأصل منها المكونات السليمة والمقاومات المتوافقة، ثم يعيد زرعها في أجساد آلات أخرى معطلة تحتاج إلى إنعاش.

يقف أبو حصيرة في قلب هذه المعركة الفنية، ويشرح لنون بوست واقع القطع الحيوية المفقودة: “الخطورة تتركز في غياب سناسر الأكسجين وحساسات أجهزة التنفس الاصطناعي وأجهزة التخدير، إضافة إلى لوحات التحكم الإلكترونية، وبطاريات الطوارئ التي تشغل أجهزة الصعق الكهربائي (DC shock) المسؤولة عن إنعاش عضلة القلب عند توقفها المفاجئ”.

ويضيف قائلًا: “نحن أمام شلل حاد في المنظومة الطبية، خاصة مع نفاد المحاليل الخاصة بالمختبرات الطبية واللازمة لإجراء الفحوصات التشخيصية”.

يتحول مشهد الأجهزة الطبية المدمرة من مصدر للأسى المهني إلى دافع للمسؤولية؛ فيلجأ المهندس إلى خيار الصيانة العميقة وتفكيك المكونات التالفة لتعويضها بمكونات مكافئة متوفرة محليًا، ويعمل الفريق وفق أسلوب “الهندسة العكسية على مستوى العطل”، وهو مسار تقني يعتمد على تتبع الإشارات الإلكترونية الدقيقة وفهم وظيفة الدوائر الكهربائية المتضررة لإصلاحها، مع إجراء اختبارات أمان صارمة تضمن سلامة المريض واستمرارية علاجه بأعلى درجات الموثوقية.

تصل الجهود أحيانًا إلى جدار مسدود، عندما يتعلق العطل بقطع غيار يستحيل تعويضها أو تصنيع بديل عنها داخل حدود القطاع المحاصر، ليتوقف الجهاز بالكامل، ويعلن العجز الفني حدوده القاسية أمام حاجة البشر المعلقة على الأسلاك المرممة.

توقف الجهاز أثناء العملية

يروي الطبيب الأردني محمد البويطل، خلال عمله في قطاع غزة، أن أدوات طبية مخصصة للاستخدام مرة واحدة في مستشفيات الأردن كانت تُعاد في غزة إلى غرف العمليات عشرات المرات بعد تعقيمها، بفعل شح المعدات وقطع الغيار.

ويذكر جهاز الكي الجراحي “Cautery” بوصفه أحد أبرز الأمثلة؛ وهو جهاز يستخدم لكيّ الأنسجة الداخلية والسيطرة على النزيف أثناء الجراحة.

يقول البويطل إن الجهاز كان يخرج أحيانًا من التعقيم مشبعًا بالمياه، فيقضي الطاقم وقتًا في تجفيفه قبل استخدامه، فتتحول عملية تستغرق نحو نصف ساعة إلى ساعة كاملة.

وقد يتعطل الجهاز خلال الجراحة، فيضطر الأطباء إلى متابعة العملية بوسائل أقل كفاءة أو إتمامها من غير الاستفادة منه، وسط ضغط يرتبط بالنزيف وحالة المريض والوقت المتاح أمام الفريق.

أحد غرف العمليات في المستشفى

يتذكر البويطل موقفًا وقع خلال معالجة أحد المرضى، حين ضغط الجراح زر الجهاز في منتصف العملية، فيما كانت أنسجة المرض الداخلية مفتوحة، فتوقف الجهاز فجأة بعد تسرب مياه التعقيم إلى أجزائه الداخلية، فاندفع الدم، وبدأ الفريق الطبي سباقًا مع الوقت؛ وتم صيانة الجهاز أثناء العملية وتجفيف أجزائه بالشاش المعقم، بينما تابع طبيب التخدير المؤشرات الحيوية للمريض، في انتظار عودة الجهاز إلى العمل.

ويمتد الاستنزاف، وفق البويطل، إلى ما بعد غرفة العمليات؛ إذ كان بعض المرضى يقضون 24 ساعة على وجبة واحدة تصل صباحًا.

ويوضح أن هذا النقص يضعف الجسد، ويؤخر التئام الجروح، ويرفع فرص الالتهاب والمضاعفات والوفاة، ويرى أن مريضًا يفقد حياته في غزة بسبب تعطل أداة أو ضعف التغذية كان سيحصل في بلد آخر على فرصة أوسع للنجاة، حيث تتوفر الأجهزة وقطع الغيار والوجبات والرعاية الأساسية.

تُظهر هذه الوقائع أن المنظومة الصحية في غزة تعيد بناء قدرتها على العمل من داخل ما تبقى منها، عبر إصلاح الأجهزة المتهالكة وتفكيك المعدات المتوقفة والاستفادة من أجزائها وإعادة تشغيل المختبرات بأدوات محدودة وطرق بديلة. وتتحول كل محاولة صيانة إلى جزء من صراع طبي يومي هدفه إبقاء الفحوص والعمليات والعلاجات متاحة للمرضى، في وقت تتراجع فيه الإمكانات وتتزايد الحاجة.

ورغم ذلك ما زالت الطواقم الطبية والهندسية تواصل حماية ما تبقى من الخدمة الصحية ومنح المرضى فرصة إضافية للعلاج، والحياة.

علاماتأزمات غزة ، أزمات قطاع غزة ، إغاثة أهل غزة ، الحرب على غزة
مواضيعإعمار غزة ، الحرب على غزة ، غزة ، قطاع غزة

قد يعجبك ايضا

صحة

“الوضع الوبائي في اليمن معقّد ومتداخل”.. حوار مع وزير الصحة قاسم بحيبح

بشرى الحميدي٢٥ أبريل ٢٠٢٦
صحة

“نقص الكوادر وهجرة الخبرات أبرز تحديات القطاع”.. حوار مع معاون وزير الصحة السوري

علي مكسور١٧ أبريل ٢٠٢٦
صحة

أشباح مستشفى الشفاء

سبنسر آكرمان٣١ مارس ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑