Also available in English
على تخوم البحر الأبيض المتوسط وفي أقصى الشمال الشرقي لليبيا، تقع مدينة طبرق التي يحتضنها البحر من ثلاث جهات، وتبعد نحو 140 كيلومترًا عن الحدود المصرية، و175 كيلومترًا عن درنة، وقرابة 400 كيلومترًا عن السواحل الأوروبية، وتعتبر أقرب المدن الليبية إلى جنوب أوروبا.
هذا الموقع الذي تتمتع به طبرق منحها خصوصية نادرة كنقطة التقاء بين شمال أفريقيا والمشرق العربي والبحر المتوسط، وبوابة برية وبحرية لشرق ليبيا، وتكاملت أهمية طبرق بفضل خليجها الطبيعي العميق الذي يوفر ملاذًا آمنًا للسفن من التقلبات الجوية ويستقبلها طوال العام.
وعبر العصور، كان موقع طبرق الرافد الأساسي لرسم تاريخ المدينة، إذ أدرك الإغريق والرومان قيمته الاستراتيجية وجعلوه محطة ملاحة رئيسية، وحافظت طبرق على مكانتها خلال العهدين البيزنطي والإسلامي كحلقة وصل على الطريق الساحلي بين مصر وبلاد المغرب، قبل أن تبلغ ذروة حضورها العسكري في القرن العشرين كقاعدة إمداد محورية خلال الحرب العالمية الثانية.
ومع التحولات التي عصفت بالمنطقة بعد عام 2011، عادت طبرق إلى دائرة المشهد الجيوسياسي والدولي نتيجة هواجس أمن الطاقة، والهجرة غير النظامية، والتنافس الدولي المحتدم، فضلًا عن قرب طبرق من قناة السويس وموقعها على طرق التجارة الحيوية.
لكن إلى اليوم لم تنعكس مكانة طبرق وأهميتها على واقع أهلها، فرغم الإمكانات الجغرافية واللوجستية التي تتمتع بها المدينة، لا تزال تواجه تحديات اقتصادية وخدمية وبنيوية متراكمة، ويشعر كثير من سكانها بأن مدينتهم لم تنل نصيبًا يتناسب مع موقعها وثقلها.
ومن هذا المنطلق، نقدم في تقريرنا هذا قراءة شاملة لفهم واقع مدينة طبرق، تتناول بنيتها الاجتماعية والاقتصادية، وأهم التحديات التي تواجهها، كما نستكشف أسباب تنامي أهميتها الجيوسياسية في ظل احتدام التنافس الإقليمي والدولي على شرق ليبيا والبحر المتوسط.
طبرق من الداخل: السياسة والمجتمع
يتألف مجتمع طبرق من مزيج متنوع من القبائل والعائلات الليبية التي استقرت في المدينة عبر مراحل تاريخية متعاقبة، إلى جانب وافدين من مناطق ليبية أخرى، ومقيمين من جنسيات أجنبية وعربية ولا سيما المصريين.
وقد شهدت طبرق بحسب الباحث في تاريخ طبرق وأحد أبنائها زياد السنوسي في حديثه مع “نون بوست”، تحولات ديموغرافية عقب الحرب العالمية الثانية، إذ توسعت رقعتها العمرانية واستقبلت موجات من الهجرة الداخلية من المدن والمناطق المجاورة.
ويتميز مجتمع طبرق بروابط أسرية وقبلية تشكل الركيزة الأساسية للتماسك المجتمعي، حيث تظل المجالس الاجتماعية فضاءات حيوية لتعزيز الروابط وتبادل المشورة ومناقشة أوضاع المدينة، ويلعب شيوخ القبائل دورًا محوريًا في تنظيم الحياة الاجتماعية وفض النزاعات، وإحياء المناسبات الوطنية والدينية.
ويصف السنوسي المجتمع الطبرقي بأنه “مجتمع كريم وقبلي بامتياز”، كما يشير إلى أن قبائل العبيدات والقطعان والمنفة تمثل القوى القبلية الأكثر حضورًا في المشهد الاجتماعي، ويرى أن العرف القبلي لا يزال الإطار الأكثر تأثيرًا في إدارة كثير من شؤون المجتمع الطبرقي، وإن كان ذلك بحسب تقديره يأتي على حساب تراجع المؤسسات الرسمية.
ويروي السنوسي في حديثه مع “نون بوست” كيف عانت طبرق خلال عهد معمر القذافي من تهميش، واستمرار مشكلات أساسية، على رأسها أزمة المياه وضعف البنية التحتية.
ويشير السنوسي إلى أن غالبية سكان طبرق أيدوا ثورة السابع عشر من فبراير 2011، وكانت طبرق من أوائل المدن التي خرجت عن سيطرة النظام، إلا أنها لم تُفرز قيادة ثورية محلية بارزة، إذ تحررت في الأيام الأولى من الثورة، بينما توجه معظم شبابها إلى جبهات القتال في مدن أخرى، وانضموا إلى تشكيلات عسكرية في بنغازي ودرنة.
وقد شهدت طبرق عقب أحداث عام 2011 إعادة تشكل لموازين القوى المحلية، وتشير بعض الدراسات المتخصصة إلى أن قبيلة العبيدات أصبحت القبيلة الأكثر نفوذًا في المدينة، مستفيدة من ثقلها الديموغرافي ودورها في دعم الحراك المناهض لنظام القذافي، وهو ما انعكس على حضور أبنائها في عدد من المؤسسات الأمنية والعسكرية اليوم.
وتشغل قبائل أخرى مناصب متوسطة ودنيا، لا سيما قبيلة المسامير التي تخصصت بشكل أساسي في الاستخبارات الداخلية، ويشغل أفرادها عددًا من المناصب الرئيسية في الإدارة العامة للتفتيش والمتابعة، في حين تشغل قبائل مثل “المنفة” و“القطعان” أدوارًا سياسية، ويعتمد الاستقرار الداخلي على ترتيبات بين العشائر والعائلات تقوم على توازن ومحسوبية في تقاسم المناصب وتوزيع الموارد العقارية والأرضية.
وفي حديثه مع “نون بوست” يرى الباحث في تاريخ مدينة طبرق وأحد أبنائها زياد السنوسي، أن انهيار السلطة المركزية عقب سقوط نظام القذافي أسهم في ترسيخ النزعة القبلية بطبرق، وأحدث تغييرات في البنية الاجتماعية للمدينة، تمثلت في تنامي نفوذ القبائل وتعاظم حضورها في إدارة الشأن المحلي.
ويشير السنوسي إلى أن هذا التحول رافقه انقسامات ومشكلات اجتماعية بين الحين والآخر. كما يرى السنوسي أن المشير خليفة حفتر يتمتع بقاعدة شعبية في طبرق، ويضيف السنوسي أن العلاقة اليوم بين القبائل والسلطات القائمة تتسم بحالة من المد والجزر، تبعًا للمصالح والظروف السياسية.
وعلى الصعيد الأمني، يصف السنوسي في حديثه مع “نون بوست” الوضع الأمني في طبرق بأنه هش، لكنه يرى أن الأعراف القبلية ما تزال تحتوي الوضع. كما يشير السنوسي إلى أن طبرق مرت خلال السنوات الأخيرة بتحولات اجتماعية متسارعة أثرت في بنيتها التقليدية، ويعزو ذلك إلى تزايد الهجرة الوافدة، ووجود أقلية تنشط في أنشطة غير مشروعة، كالاتجار بالمخدرات وتهريب المهاجرين، ويرى أن هذه الظواهر تركت آثارًا سلبية على الواقع الأمني للمدينة.
أما على الصعيد الديني، فيدين غالبية سكان طبرق بالإسلام، وينتمي معظمهم إلى المذهب المالكي، وبحسب السنوسي في حديثه مع “نون بوست”، لا توجد في طبرق أقليات دينية، لكن هناك صراع مستمر داخل المشهد الإسلامي بين التيارين السلفي والصوفي، ولا سيما في بعض المساجد ومجالات الدعوة.
وقد شهدت طبرق خلال العقود الأخيرة توسعًا في بناء المساجد والمؤسسات التعليمية الدينية، كما شهد قطاع التعليم تطورًا ملحوظًا، إذ زادت أعداد المدارس في مرحلة التعليم الأساسي دون الثانوي، كما تطور التعليم الجامعي من كليات كانت تتبع جامعات ليبية أخرى إلى إنشاء جامعة طبرق عام 2016، وتضم كليات في التخصصات الطبية والهندسية والعلمية والإنسانية والاقتصادية.
أيضًا شهدت طبرق خلال عقودها الأخيرة توسعًا في النشاط الإعلامي والثقافي من خلال المؤسسات الإعلامية المحلية والمراكز الثقافية، إلى جانب الفعاليات الأدبية والفكرية والأنشطة الأكاديمية التي تنظمها جامعة طبرق وغيرها من المؤسسات الرسمية.
اقتصاد طبرق.. إمكانات وتحديات
ارتبط اقتصاد طبرق منذ نشأتها بموقعها البحري، وقبل اكتشاف النفط، اعتمد سكانها على التجارة البحرية، وصيد الأسماك، والرعي، وتربية الماشية، إلى جانب بعض الزراعات، كزراعة الخضروات ومحاصيل القمح والشعير، ورغم محدودية الموارد الزراعية مقارنة بمناطق الجبل الأخضر، ظل الميناء الركيزة الأساسية للحياة الاقتصادية بطبرق.
ومع اكتشاف النفط في ليبيا أواخر خمسينيات القرن العشرين، شهدت طبرق تحولًا اقتصاديًا، فرغم أن الحقول النفطية الرئيسة تقع خارج نطاقها الجغرافي، فإن موقعها ومينائها الطبيعي أسهما في تعزيز مكانتها كمركزًا لوجستيًا لدعم أنشطة النقل البحري وقطاع الطاقة في ليبيا.
وفي الوقت الحاضر، تُعد طبرق أحد المراكز الاقتصادية المهمة في شرق ليبيا، ويقوم اقتصادها اليوم على مزيج من الأنشطة البحرية والتجارية والخدمية.
ويعمل قطاع كبير من سكانها في الموانئ، والنقل، والتجارة، والصيد، والخدمات الحكومية، والأنشطة المرتبطة بقطاع النفط، كما تنشط عبر موانئها حركة استيراد السلع الغذائية، ومواد البناء، والآلات، إلى جانب تصدير النفط الخام.
وتضم طبرق بنية لوجستية تعتمد على ثلاثة مرافق بحرية رئيسية، هي ميناء طبرق التجاري، الذي يمثل المنفذ الرئيس لحركة الاستيراد والتصدير، ومرسى الحريقة النفطي، الذي يُعد من أهم موانئ تصدير النفط الخام في شرق ليبيا، إضافة إلى مرسى البريقة، وتعمل هذه المرافق الثلاث على مدار العام بفضل الحماية الطبيعية التي يوفرها خليج طبرق.
وفي حديثه مع “نون بوست” يشير السنوسي إلى أن غالبية سكان طبرق يعملون في القطاع العام ويتقاضون رواتبهم من مؤسسات الدولة، كما يرتبط جزء آخر من القوى العاملة بقطاع النفط من خلال العمل في شركة الخليج العربي للنفط، ومرسى الحريقة النفطي، وحقلي المسلة والسرير جنوب المدينة.
وتضم طبرق مطارًا مدنيًا وعسكريًا، ومحطات لتوليد الكهرباء وتحلية مياه البحر، بجانب شبكة طرق داخلية تلعب دورًا حيويًا في النشاط الاقتصادي بين الميناء والمناطق الداخلية. كما تمتلك طبرق إمكانات واعدة في قطاع السياحة بفضل موقعها وشواطئها الممتدة، فضلًا عن مقوماتها الطبيعية والتراثية في منطقة الجغبوب التي تضم واحات وبساتين وعددًا من المعالم التاريخية.
وتطرح جهات رسمية وخبراء تحويل طبرق إلى مركز للتجارة البينية يربط بين أفريقيا وأوروبا. وفي الواقع، يعكس مؤتمر المناطق الحرة وتجارة العبور الذي أقيم في أوائل هذا العام بطبرق طموحًا ملحوظًا لتحويل المدينة إلى مركز ثقل لوجستي في حوض المتوسط.
وفي مقابل تلك الإمكانات، يواجه القطاع الزراعي بطبرق تحديات خطيرة نتيجة التوسع العمراني المستمر، إذ تشير بعض الدراسات إلى تناقص مستمر في الأراضي الزراعية، وهذا بحسب الباحثين مؤشر ينذر بكارثة بيئية، وإذا استمر هذا الحال فإن باقي الأراضي الزراعية بطبرق في طريقها إلى الزوال.
كذلك رغم أهمية طبرق الاقتصادية، فإنها تواجه منذ عقود أزمات وتحديات خاصة في بنيتها التحتية، إذ تعاني العديد من أحيائها السكنية من تهالك شديد في شبكات الصرف الصحي، وتصدعات في المباني، وتكدس القمامة، وقصور حاد في شبكات تصريف المياه.
وتتصدر أزمة مياه الشرب التحديات التي تواجه المدينة، إذ تعتمد طبرق بشكل شبه كلي على محطة تحلية أُنشئت إبان عهد القذافي، وباتت اليوم متهالكة بأنابيب صدئة وآلات شبه معطلة، ولا تنتج هذه المحطة أكثر من 40 ألف متر مكعب يوميًا. كما تعاني المدينة من أزمة مستمرة في انقطاع التيار الكهربائي.
وتفاقمت تلك الأزمات نتيجة موجات النزوح الداخلي والهجرة من المدن المجاورة بسبب الصراعات، وانتقال عائلات موظفي وأعضاء مجلس النواب إلى طبرق، ما شكل ضغطًا على المرافق العامة. كما تعمقت الفوارق الطبقية مع توقف مشروعات الإسكان الحديثة وتخصيص المكتمل منها لموظفي البرلمان، وهو ما أثار استياء قاطني الأحياء القديمة ومساكن الصفيح.
ثم شهدت طبرق في مطلع يوليو/تموز 2022 احتجاجات شعبية واسعة على خلفية تردي الأوضاع المعيشية واستمرار الانسداد السياسي، حيث اقتحم متظاهرون مقر مجلس النواب وأضرموا النار في أجزاء منه، وتركزت مطالب المحتجين على تحسين الخدمات العامة، ولا سيما معالجة أزمة انقطاع الكهرباء، والتعجيل بإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وإنهاء حالة الانقسام السياسي، إضافة إلى الدعوة لخروج جميع القوات الأجنبية والمرتزقة من البلاد.
وفي الجانب البيئي، كشفت تقارير نشطاء محليين عن تلوث هائل تتعرض له طبرق بسبب ما خلفته ناقلات النفط التي دخلت إلى ميناء المدينة التجاري، بجانب تقارير حول سيطرة أجنبية على بعض القطاعات الاقتصادية، وتفشي ظواهر مقلقة، مثل اختطاف العمالة الأجنبية.
وبحكم موقعها الساحلي، تحولت طبرق خلال السنوات الأخيرة إلى أبرز نقاط انطلاق الهجرة غير النظامية عبر البحر المتوسط، ولا سيما للمهاجرين القادمين من مصر ودولًا أفريقية، حيث تتكرر حوادث غرق القوارب المتهالكة قبالة سواحلها، ولا يكاد يمضي شهرًا واحدًا دون أن تسجل شواطئ طبرق حادثة مفجعة.
ويرى الباحث السنوسي، أن شريحة واسعة من سكان طبرق تشعر بأن مدينتهم لم تحظ بما يتناسب مع مكانتها وموقعها الاستراتيجي، وأنها تعاني من تهميش تنموي انعكس في ضعف الخدمات الأساسية، وعلى رأسها أزمة مياه الشرب وتكرار انقطاعات الكهرباء.
طبرق في قلب التنافس الجيوسياسي الدولي
أصبحت طبرق خلال السنوات الأخيرة ساحة تجاذبات جيوسياسية في شرق البحر المتوسط، وتسعى قوى دولية لترسيخ حضورها بالمدينة عبر بوابة إعادة الإعمار والمشاريع الاستراتيجية، مستغلةً موقعها ومينائها الطبيعي اللذين يمنحانها أهمية متزايدة في خرائط التجارة والطاقة، لا سيما في مرحلة ما بعد الحرب الأوكرانية الروسية.
وفي حديثه مع “نون بوست”، يؤكد الباحث السنوسي، أن الاهتمام الدولي المتزايد بطبرق هو انعكاس لمكانتها الجغرافية ومينائها، ويرى أن الأهمية التي تحظى بها طبرق “أهمية مستحقة”، مشيرًا إلى أن مينائها الطبيعي يُعد من أهم وأعمق الموانئ الطبيعية على امتداد الساحل الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط، من بنزرت غربًا إلى الإسكندرية شرقًا.
وتبرز الصين كأحد أبرز الأطراف الساعية لتوسيع حضورها في طبرق، وذلك في سياق استراتيجيتها العالمية التي انطلقت مع مبادرة “الحزام والطريق” عام 2013، والتي جعلت من الموانئ وشبكات النقل والبنية التحتية أدوات أساسية لتعزيز نفوذها.
وبعد تراجع نشاطها في ليبيا عقب أحداث عام 2011، بدأت بكين تدريجيًا إعادة تنشيط علاقاتها مع معسكر الشرق الليبي، وأبدت اهتمامًا متزايدًا بالبنية التحتية بطبرق، وقد تجلى ذلك في اتفاقية عام 2016 بين الشركات الصينية ورئيس الوزراء السابق عبد الله الثني لدعم إعادة إعمار وتنمية طبرق.
وتشير تقارير إعلامية ودراسات بحثية إلى اهتمام صيني متزايد بمشروعات في شرق ليبيا، تشمل مطار بنغازي، وموانئ طبرق وسرت، وشبكات السكك الحديدية التي تربط برقة بالحدود المصرية. كما تداولت تقارير مقترحات استثمارية صينية قُدرت بنحو 50 مليار دولارًا، تضمنت تطوير مطار طبرق، وإنشاء مصفاة للنفط بطبرق، ومد خط سكة حديد يربط طبرق ببنغازي ومصر.
ويرى عدد من الباحثين أن اهتمام بكين بطبرق يتجاوز الاعتبارات الاقتصادية، إذ تمنح طبرق الصين موطئ قدم على الضفة الجنوبية للبحر المتوسط في منطقة تزايدت أهميتها مع سعي أوروبا إلى تنويع مصادر الطاقة وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية عقب الحرب الروسية الأوكرانية.
كذلك رغم ما يمتلكه خليج طبرق من مقومات جغرافية وطبيعية، فإن قدراته الحالية لا تزال أقل من الإمكانات التي يتيحها موقعه، إذ يحتاج إلى تحديث بنيته التحتية وتطوير مرافقه، وهو ما يفتح المجال أمام استثمارات خارجية محتملة، لاسيما من دول كالصين التي تمتلك خبرة في تطوير الموانئ وشبكات النقل.
وبجانب الحضور الصيني، تعمل روسيا على تعزيز حضورها العسكري في طبرق، حيث تشير تقارير دولية إلى تشغيل روسيا لقاعدتين عسكريتين في طبرق وبنغازي، كما تشمل المساعي الروسية خططًا لإقامة منشأة بحرية للمياه العميقة في ميناء طبرق.
ولا يُعد اهتمام موسكو بالبلاد جديدًا، فقد أقامت علاقات سياسية وعسكرية وثيقة مع نظام القذافي، وبعد عام 2011، عادت روسيا تدريجيًا إلى المشهد الليبي، مستفيدة من حالة الانقسام السياسي، ومعتمدة على أدوات دبلوماسية واقتصادية وأمنية متعددة.
ويحظى شرق ليبيا وميناء طبرق بأهمية خاصة في الحسابات الروسية، نظرًا لعلاقات موسكو بالسلطات المسيطرة على هذه المنطقة، واحتضانها موانئ نفطية وتجارية، فضلًا عن إطلالة طبرق المباشرة على شرق البحر المتوسط، وسيكون ميناء طبرق العميق مفيدًا للقوة البحرية الروسية من الناحيتين اللوجستية والجيوستراتيجية.
وقد تناولت تقارير ودراسات غربية سعي روسيا إلى تطوير تعاون لوجستي مع معسكر حفتر لتوسيع نفوذها في طبرق، فيما ذهبت بعض التحليلات إلى أن طبرق قد تمثل مستقبلًا خيارًا لتعزيز الحضور البحري الروسي في شرق البحر المتوسط، أو قاعدةً مكملة وربما بديلة لقاعدة طرطوس السورية.
وفي الواقع، أثار الحديث عن تنامي النفوذ الروسي في شرق ليبيا واحتمال حصول موسكو على تسهيلات بحرية في طبرق اهتمامًا متزايدًا لدى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ولا توجد مؤشرات معلنة عن سعي واشنطن والاتحاد الأوروبي إلى إنشاء وجود عسكري أو إدارة مشاريع بنية تحتية داخل طبرق نفسها، فاهتمامهما يأتي من ملفات الهجرة غير الشرعية، وأمن البحر المتوسط، ومكافحة الإرهاب، وأمن الطاقة، والحد من الحضور الروسي.
وترى تقارير ودراسات صادرة عن مراكز أبحاث غربية أن أي وجود بحري روسي في طبرق سيمنح موسكو قدرة على التأثير في أمن البحر المتوسط، ومراقبة خطوط الملاحة، وتعزيز نفوذها في ملفات الطاقة والهجرة غير النظامية.
وقد أثارت بعض هذه المشروعات في طبرق حالة من القلق لدى عدد من القبائل والسكان المحليين، وطالبوا السلطة بالشفافية بشأن طبيعة وأهداف تلك المشروعات، وأعربوا عن تخوفهم من إقامة مشاريع على أراضٍ يملكونها دون استشارتهم، كما دعوا إلى إشراك المجتمع المحلي في تخطيط وتنفيذ هذه المشروعات، وضمان ألا تتجاوز تلك المشروعات أهدافها التنموية إلى أبعاد قد تمس مصالح السكان وحقوقهم.
وفي هذا الخصوص، أشار الباحث السنوسي إلى أن غالبية سكان طبرق لا يرحبون بأي وجود عسكري أجنبي داخل مدينتهم، في حين ينظرون بإيجابية إلى المشروعات والاستثمارات التي قد تسهم في تحقيق التنمية وتوفر لهم فرصًا للعمل.