• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

اقتصاد الشقيقتين.. سوريا ولبنان يعيدان ترتيب مصالحهما

محمد كاخي٢٣ يوليو ٢٠٢٦

وزير الخارجية والمغتربين السيد أسعد حسن الشيباني يلتقي نظيره اللبناني السيد يوسف رجى في بيروت 10 أكتوبر 2025 (وزارة الخارجية)

فرضت الحتمية الجغرافية والتاريخية نمطًا فريدًا من الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين سوريا ولبنان، حيث يشكل كل من البلدين عمقًا استراتيجيًا وحيويًا للآخر لا يمكن الاستغناء عنه تحت أي ظرف، ومع التغير الجوهري الذي طرأ على المشهد السوري في منذ أواخر عام 2024 بسقوط النظام الأسد وصعود قيادة انتقالية جديدة برئاسة الرئيس أحمد الشرع، دخلت العلاقات الثنائية مرحلة تفرض إعادة صياغة هذا الاعتماد.

وتعد سوريا، الجارة الشمالية، المنفذ البري الوحيد والحيوي للاقتصاد اللبناني نحو الأسواق العربية والإقليمية الكبرى في العراق والخليج العربي.

وبالمقابل، مثّل لبنان ومرافقه البحرية والنظامية رئة اقتصادية ومالية تتنفس منها سوريا، لا سيما خلال فترات الحصار الاقتصادي والأزمات الهيكلية الخانقة التي عانت منها سوريا خلال حكم نظام الأسد.

لماذا يحتاج لبنان وسوريا إلى بعضهما؟ 

تاريخيًا، نظمت العلاقات الاقتصادية الرسمية بين البلدين مجموعة من الاتفاقيات القانونية، وعلى رأسها معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق الموقعة عام 1991، بالإضافة إلى اتفاقية تيسير وتنمية التبادل التجاري بين الدول العربية (GAFTA) التي دخلت حيز التنفيذ عام 2005، والتي أعفت السلع المتبادلة ذات المنشأ الوطني من الرسوم الجمركية.

وفي 16 تموز/ يوليو الحالي، قال وزير الاقتصاد اللبناني عامر بساط لوكالة رويترز إن لبنان وسوريا سيبدآن خلال الأشهر المقبلة بمراجعة اتفاقيات تجارية يعود عمر بعضها إلى عقود، بهدف إعادة إحياء العلاقات الاقتصادية بين البلدين بعد الإطاحة بالرئيس المخلوع بشار الأسد عام 2024.

وقال بساط، إن البلدين قد يتجهان في نهاية المطاف إلى إبرام اتفاق تجاري ثنائي أكبر، وذلك بعد يوم من إجرائه محادثات مع نظيره السوري في دمشق.

وأضاف بساط: “كانت تلك العلاقة الاقتصادية بحاجة إلى إعادة ضبط، ولديها القدرة على أن تصبح أهم علاقة ثنائية بالنسبة إلى كلا البلدين”.

اجتماع وزير الاقتصاد والصناعة السوري نضال الشعار ووزير الاقتصاد والتجارة اللبناني عامر البساط 15 تموز 2025 (سانا)

ورغم هذه الأطر القانونية، تراجع التبادل التجاري الرسمي بشكل حاد من حوالي 704.9 مليون دولار في عام 2013 إلى نحو 202.5 مليون دولار في عام 2024، بانخفاض تقريبي يقدر بنسبة 159%، ودفع هذا التراجع بالبلدين نحو ترسيخ أنماط “الاعتماد غير الرسمي” والاقتصادات الموازية لتلبية احتياجات الأسواق الأساسية.

ويبين الجدول التالي المؤشرات التجارية الرسمية والتاريخية التي تعكس هذا الاعتماد الهيكلي المتبادل:

المؤشر التجاري الرسمي بين البلدين القيمة بالدولار الأمريكي طبيعة السلع  معدل الصادرات اللبنانية السنوية لسوريا (آخر 10 سنوات) 172,464,000 دولار تتركز في المنتجات الغذائية، الموز، الحمضيات، الآلات، ومصنوعات البلاستيك معدل الواردات اللبنانية السنوية من سوريا (آخر 10 سنوات) 117,464,000 دولار تتركز في المنتجات الزراعية، النباتات، الزجاج، المنظفات، والألبسة ذروة الصادرات اللبنانية إلى سوريا (عام 2013) 523,600,000 دولار تضمنت 318 مليون دولار من المشتقات النفطية نتيجة العقوبات المفروضة على سوريا حينها ذروة الواردات اللبنانية من سوريا (عام 2010) 339,400,000 دولار تصدرها الإسمنت ومواد البناء الأساسية كأبرز السلع المستوردة الفائض التجاري لصالح لبنان (عام 2022) 245,500,000 دولار نتج بشكل أساسي عن تصدير اللدائن ومصنوعات البلاستيك بقيمة 279 مليون دولار العجز التجاري اللبناني تجاه سوريا (عام 2023) 34,100,000 دولار تحول الفائض لصالح سوريا نتيجة التغيرات اللوجستية وعوائق الاستيراد

يتضح من هذه البيانات أن البنية الاقتصادية للبلدين متكاملة بطبيعتها؛ فالنقص الهيكلي في أحد الجانبين يسدده الجانب الآخر فورًا.

وعندما انكمش الناتج المحلي الإجمالي السوري بنسبة كارثية بلغت 84% منذ عام 2010 وحتى عام 2023، متراجعًا من 60 مليار دولار إلى 17.5 مليار دولار فقط، انعكس ذلك مباشرة على استقرار الاقتصاد اللبناني الذي فقد جزءًا كبيرًا من سوقه الاستهلاكية التقليدية ومصادر طاقته ومواده الأولية الرخيصة.

وعن هذه الجزئية قال الوزير بساط لـ”رويترز” إن العلاقة التجارية بين البلدين “يجب أن تُقاس بالمليارات”.

وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي محمد العلبي، أن أهمية سوريا للبنان تتجاوز حجم التبادل التجاري المباشر، إذ تشكل الممر البري الرئيسي للصادرات اللبنانية المتجهة إلى الأردن والعراق ودول الخليج، ما يجعل استقرار الحدود عاملًا أساسيًا في خفض كلفة التجارة.

ويضيف العلبي في حديثه لـ”نون بوست” أن السوق السورية تكتسب أهمية خاصة لقطاعات الغذاء والدواء ومواد التغليف والخدمات الهندسية والتعليم والصحة، فضلًا عن أنها توفر للشركات اللبنانية الصغيرة والمتوسطة فرصة دخول أسهل وأقل كلفة مقارنة بأسواق الخليج ذات المنافسة الأعلى.

بدوره، يرى الخبير في القانون الدولي الدكتور إيلي حاتم، أن العلاقة بين لبنان وسوريا تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة، إذ إن البلدين يشكلان فضاءً تاريخيًا واجتماعيًا واقتصاديًا مترابطًا، ما يجعل فكرة القطيعة بينهما غير واقعية، فالتداخل بين المجتمعين، وتشابك المصالح، واعتماد كل طرف على مقومات الآخر، يفرضان نموذجًا قائمًا على التعاون لا العزلة.

ويعتبر حاتم، وهو مستشار سابق لشخصيات سياسية لبنانية، أن التحدي الأساسي أمام البلدين يكمن في قدرتهما على بناء إطار مشترك لإدارة هذه الاختلافات وتحويل نقاط الضعف إلى فرص للتكامل، فسوريا تمتلك عمقًا جغرافيًا وموارد وقدرات إنتاجية، بينما يمتلك لبنان خبرات واسعة في التجارة والخدمات والقطاع المالي، ما يجعل التكامل بينهما خيارًا اقتصاديًا أكثر من كونه مجرد تقارب سياسي.

المرافئ.. بيروت وطرابلس كمنافذ حيوية لسوريا

خلال المقابلة التلفزيونية التي أجراها الإعلامي طوني خليفة عبر قناة “المشهد” مع الرئيس السوري أحمد الشرع في حزيران/ يونيو 2026، رسم الرئيس السوري رؤية استراتيجية جديدة قائمة على إعادة تعريف الجغرافيا المشتركة؛ حيث أكد بوضوح أن بيروت كانت وستبقى بمثابة الواجهة البحرية الطبيعية لدمشق، في حين يشكل مرفأ طرابلس المنفذ اللوجستي الأساسي والحيوي لربط منطقة حمص والوسط السوري بالبحر الأبيض المتوسط.

ويعد مرفأ طرابلس نموذجًا واعدًا للتكامل بين البلدين، حيث استثمرت الدولة اللبنانية نحو 300 مليون دولار على مدار 18 عامًا الماضية لتحديثه وتطوير منشآته، مما يجعله مهيأ بالكامل لتقديم الخدمات اللوجستية المتطورة لسوريا والترانزيت الإقليمي.

ويرى الباحث والمحلّل الأول في مركز “كرم شعار للاستشارات”، بنجامين فيف، أن موانئ لبنان يمكن أن تؤدي دورًا تكامليًا مع الموانئ السورية خلال مرحلة التعافي وإعادة الإعمار، نظرًا للتداخل الجغرافي والاقتصادي بين الساحل السوري ولبنان.

ويشير فيف في حديثه لـ “نون بوست” إلى أن الاحتياجات الضخمة لاستيراد مواد البناء والمعدات تفوق في المرحلة الحالية القدرة الاستيعابية لميناء طرطوس، ما يجعل الاستفادة المؤقتة من مرفأ بيروت، إلى جانب طرطوس، خيارًا عمليًا لتسهيل عمليات الاستيراد والتصدير والتخزين والخدمات اللوجستية، وتخفيف الضغط عن الموانئ السورية.

كذلك يرى الخبير الاقتصادي، محمد العلبي، أن مرفأ طرابلس يمتلك مقومات تؤهله ليكون بوابة لإعادة إعمار سوريا، لكن ذلك يتطلب استكمال سلسلة لوجستية متكاملة، تبدأ بتطوير الطرق والربط السككي مع الداخل السوري، وإنشاء ممر جمركي سريع ورقمنة الإجراءات بين البلدين.

ومن الضروري، بحسب العلبي، توفير مناطق لوجستية ومستودعات، وتعزيز قدرة المرفأ على مناولة البضائع الثقيلة، إلى جانب توفير خدمات التأمين والتمويل ورسوم مستقرة.

وتعمل الحكومة اللبنانية حاليًا على إعداد خطط حيوية لإحياء وتفعيل شبكة السكك الحديدية التي تربط مرفأ طرابلس مباشرة بالحدود السورية، مما سيسهم في خفض تكاليف النقل البري بالشاحنات بشكل ملموس وتسهيل انسياب حركة البضائع.

كما تُعد الفائدة الاقتصادية لعمليات الترانزيت عبر هذه المرافئ هائلة بالنسبة للبنان، حيث لا تخضع بضائع العبور لأي رسوم جمركية ولا تستهلك محليًا، بل ترفد الاقتصاد الوطني بعائدات مباشرة من خلال رسوم رسو وتفريغ السفن، وأجور مخلصي البضائع، والوكلاء البحريين، بالإضافة إلى أجور الشاحنات اللبنانية التي تسيطر على 90% من عمليات نقل هذه السلع.

وتقدر عائدات الاقتصاد اللبناني من تفريغ ونقل شحنة ترانزيت واحدة تبلغ 5 آلاف طن من الحديد بنحو 100 ألف دولار على الأقل. وتكتسب هذه الحركة أهمية إضافية بالنظر إلى عقود الخصخصة الحديثة التي تقودها الحكومة اللبنانية لتشغيل وتوريد ثلاث ماسحات ضوئية (سكانر) متطورة لمرفأي بيروت وطرابلس بقيمة 9 ملايين دولار بالتعاون مع شركة “CMA CGM” الفرنسية، وهي الشركة ذاتها التي وقعت في الأول من نيسان/أبريل عام 2025 عقدًا مع الهيئة العامة للمنافذ السورية لإدارة وتطوير ميناء اللاذقية لمدة 30 عامًا بقيمة 230 مليون يورو.

السوق السورية.. بين التبادل التجاري الرسمي وشبكات التهريب

شهد الميزان التجاري الرسمي والتبادل التجاري بين سوريا ولبنان دفعة قوية في عام 2025؛ إذ تظهر سجلات الجمارك اللبنانية أن سوريا احتلت المرتبة الأولى في حجم استيراد السلع من لبنان خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2025 بقيمة بلغت 103.434 مليون دولار، في حين بلغت قيمة الصادرات السورية الرسمية إلى لبنان في الفترة نفسها 70.437 مليون دولار، مسجلة فائضًا تجاريًا لصالح لبنان بقيمة 32.997 مليون دولار.

ويمثل هذا الارتفاع نموًا كبيرًا بنسبة 68% في الصادرات اللبنانية إلى سوريا خلال عام 2025، حيث يمثل قطاع المنتجات الحيوانية والزراعية والأغذية نحو 44% من إجمالي الصادرات المتبادلة بين الطرفين بقيمة 75 مليون دولار لكل جانب.

إلا أن هذه الأرقام الرسمية لا تمثل سوى جزء ضئيل من واقع حركة التجارة الفعلية؛ إذ يسود الحدود السورية اللبنانية اقتصاد غير رسمي هائل يغذيه التهريب المزمن والنشط عبر حوالي نقاط عبور غير شرعية تنتشر في المناطق الجبلية الوعرة.

وبحسب تحقيق أجرته منصة “أريج” عام 2025، فقد كان الحديث في السنوات العشر الأخيرة، يدور عن وجود أكثر من 130 معبرًا بريًا غير شرعي بين لبنان وسوريا.

وأفاد مصدر في الجيش اللبناني للمنصة أن الحدود تُعد جميعها معبرًا واحدًا، يضم مئات النقاط المتحركة لعمليات التهريب.

تهريب المدنيين عبر المعابر غير الشرعية بين لبنان وسوريا- AFP

وبحسب قناة “MTV” اللبنانية، فإن عدد المعابر غير النظامية بين البلدين بلغ 373 معبرًا عام 2025.

ويتضح حجم هذا التهرب الجمركي في المؤشرات الرسمية للبنان، ففي عام 2024 بلغت الإيرادات الجمركية المحصلة للخزينة 548 مليون دولار فقط على واردات إجمالية ضخمة بلغت ما بين 16 و17 مليار دولار، وهو ما يمثل نسبة 3.3% فقط من الواردات، علمًا بأن أدنى رسم جمركي مطبق رسميًا هو 5%.

ورغم تحسن التحصيل الجمركي في عام 2025 ليصل إلى 457 مليون دولار في الأشهر الأربعة الأولى منه (مع توقعات ببلوغ 1.4 مليار دولار بنسبة 7% على مستوردات تقدر بـ 20 مليار دولار)، إلا أن شبكات التهريب لا تزال تستنزف الاقتصادين.

ينشط التهريب عبر الحدود لعدة أسباب، منها سياسة دعم السلع والمحروقات وفروق الأسعار بين البلدين.

وتستخدم شبكات التهريب طرقًا معقدة تشمل تهريب البشر بتكلفة رخيصة، إلى جانب استخدام البغال ذات القدرة العالية على تسلق الجبال الوعرة لنقل الأجهزة الكهربائية والإلكترونيات ومواد التنظيف والأدوية والألبسة بين الجانبين.

العمالة السورية في لبنان وفجوة سوق العمل اللبناني

شكلت اليد العاملة السورية شريان الحياة الأساسي للعديد من القطاعات الاقتصادية الحيوية في لبنان، وبشكل خاص في مجالات البناء والتشييد والزراعة الموسمية والخدمات.

قبل اندلاع الثورة السورية عام 2011، كانت العمالة السورية تمثل ظاهرة تنقّل مرنة وشبه مستقرة، إذ تراوحت أعداد العمال السوريين في لبنان بين 500 ألف و700 ألف عامل، يتنقلون موسميًا تلبية لاحتياجات جني المحاصيل ومشاريع البناء والتشييد (وتشير بعض تقديرات منظمة العفو الدولية إلى أن عددهم بلغ حوالي نصف مليون عامل في عام 2000).

ومع تفاقم الأزمة الإنسانية وحركة النزوح الكثيفة بعد عام 2011، تضاعفت هذه الأرقام بشكل حاد نتيجة تحول أعداد هائلة من اللاجئين إلى سوق العمل غير المنظم هربًا من الظروف المعيشية الصعبة. وواجه هؤلاء العمال ظروفًا قانونية واجتماعية قاسية تمثلت في التقييد البلدي وحظر التجول وتراجع القدرة على الحصول على تراخيص عمل رسمية.

لاجئون سوريون في لبنان – رويترز

ومع ذلك، استمر هذا الوجود في تلبية طلب محلي واسع على اليد العاملة الشابة وذات الكلفة المتدنية.

غير أن التغير الجيوسياسي وسقوط النظام السوري السابق في كانون الأول/ ديسمبر 2024 أدى إلى انعطافة ديموغرافية كبرى، إذ تسارعت حركة العودة الطوعية للرعايا السوريين إلى بلادهم بشكل غير مسبوق.

وتشير البيانات الرسمية الصادرة عن الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية إلى عودة ما يزيد عن 369 ألف مواطن سوري طوعًا من لبنان منذ سقوط النظام وحتى نهاية شهر أيار/ مايو 2026، بينما تؤكد تقارير محلية أن إجمالي العائدين خلال عام 2025 تخطى عتبة نصف مليون لاجئ.

خلقت هذه الهجرة المعاكسة الكثيفة فجوة تشغيلية ونقصًا مفاجئًا في اليد العاملة اللبنانية، مما أثر سلبًا على معدلات الإنتاج في المصانع والورش والأنشطة الزراعية الموسمية مثل جني محصول البطاطا في البقاع وعكار.

ودفع هذا النقص بالمديرية العامة للأمن العام اللبناني إلى تقديم تسهيلات إضافية لتسوية أوضاع العمالة الأجنبية وتنظيم اليد العاملة السورية وتمديد مهل مغادرة المخالفين دون غرامات حتى 30 تموز/ يوليو 2026، لمواجهة الأزمات المترابطة لأسواق العمل في كلا البلدين.

إعادة إعمار سوريا كفرصة استراتيجية للبنان

تمثل ورشة إعادة إعمار سوريا التحدي الأكبر والفرصة الاقتصادية الأبرز لمنطقة المشرق العربي بأسرها، فالأضرار الهيكلية التي لحقت بسوريا نتيجة الحرب طالت حوالي 40% من المنازل والوحدات السكنية التي دُمرت كليًا أو جزئيًا.

ووفقًا لتقارير البنك الدولي، فإن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية المادية وحدها (شبكات الكهرباء، المياه، الطرق، المنشآت العامة) تمثل حوالي 68% من إجمالي الخسائر المادية للبلاد.

وتجليًا للفرص المتاحة في سوريا بعد سقوط نظام الأسد المخلوع، أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع في 17 آب/ أغسطس عن استقطاب استثمارات خارجية مباشرة بلغت قيمتها 28.5 مليار دولار في الأشهر السبعة الأولى من عام 2025 مع توقعات بوصولها إلى 100 مليار دولار، وبدء استعدادات الشركات السعودية لضخ مليارات الدولارات في شراكات تنموية واعدة.

وجاءت الانعطافة التاريخية في 17 كانون الأول/ ديسمبر 2025، عندما صوّت مجلس الشيوخ الأمريكي متبوعًا بمجلس النواب لصالح إلغاء عقوبات قانون “قيصر” المفروضة على سوريا ضمن موازنة وزارة الدفاع لعام 2026، وأحال القانون إلى الرئيس دونالد ترامب الذي وقّع عليه ليصبح نافذًا.

وفتح هذا الإلغاء الأبواب المغلقة أمام عودة الرساميل والاستثمارات العربية والدولية المباشرة لإعادة إعمار سوريا دون الخوف من العقوبات الثانوية.

وارتباطًا بما سبق، يمتلك القطاع الخاص اللبناني والشركات التجارية فرصة ذهبية للمشاركة الفعالة في هذه الورشة الضخمة والاستفادة من عوائدها من خلال عدة قطاعات رئيسية مستفيدة، كقطاع الهندسة والمقاولات والإنشاءات، والقطاع المصرفي والمالي، وقطاع الصناعة والتصدير.

وتكللت هذه الاستعدادات بإعلان وزير الاقتصاد والتجارة اللبناني، عامر البساط، ورئيس الهيئات الاقتصادية اللبنانية، محمد شقير، عن إطلاق “المجلس الأعلى للأعمال اللبناني-السوري”.

ويهدف هذا المجلس إلى تأطير التعاون بين القطاع الخاص في البلدين، وتسهيل مرور البضائع عبر الحدود، وجذب رؤوس الأموال المشتركة للصناعات التحويلية والسياحة والطاقة والزراعة، مما يمهد الطريق لبناء تكامل اقتصادي حقيقي وشامل.

وعن فرص إعادة الإعمار، قال الخبير الاقتصادي محمد العلبي لـ”نون بوست” إن إعادة إعمار سوريا تمثل فرصة اقتصادية كبيرة للبنان، إلا أن الاستفادة اللبنانية منها ما تزال محدودة بفعل عوامل سياسية واقتصادية داخلية.

ويرى العلبي أن لبنان يواجه منافسة قوية من تركيا ودول الخليج والصين وأوروبا، إلى جانب تحدياته الداخلية المرتبطة بالأزمة المصرفية وكلفة الطاقة وضعف البنية التحتية. لذلك، يحتاج إلى مقاربة تقوم على التكامل لا المنافسة، عبر تطوير اتفاقات التجارة والعبور، وتحسين أداء المرافئ والجمارك، وتوفير بيئة شفافة للاستثمار.

وبرأي العلبي، فإن الفرصة الأكبر لا تكمن في تصدير منتجات محددة إلى سوريا، بل في بناء منظومة اقتصادية تربط المرافئ اللبنانية بالسوقين السورية والعراقية، وتجمع الخبرات والخدمات اللبنانية مع موقع سوريا وموارد العراق، بما يحول إعادة الإعمار إلى مشروع تنموي إقليمي.

هل يتحول الاقتصاد مجددًا إلى باب نفوذ سياسي؟

على الرغم من الفرص الاستثمارية الواعدة والتصريحات الإيجابية الصادرة عن القيادة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع حول الرغبة في بناء علاقات قائمة على المصالح الاقتصادية الندية واحترام سيادة لبنان ورفض أي تدخل سلبي أو هيمنة أمنية، فإن تاريخ العلاقات الاقتصادية بين البلدين يظل محملًا بهواجس التسييس والتحول إلى أداة لفرض النفوذ السياسي.

تاريخيًا، منح الموقع الجغرافي لسوريا نفوذًا كبيرًا على حركة التجارة البرية اللبنانية، إذ اعتمدت صادرات لبنان إلى الأسواق العربية على المرور عبر الأراضي السورية. وخلال مراحل مختلفة منذ الحرب الأهلية اللبنانية، اشتكى المصدرون اللبنانيون من الرسوم والإجراءات الإدارية المفروضة على الشاحنات، معتبرين أنها رفعت كلفة النقل وأصبحت أحيانًا مرتبطة بالتوترات السياسية بين البلدين، فيما كانت دمشق تبررها باعتبارات تنظيمية وسيادية.

وفي حديثه الأخير مع وكالة “رويترز”، قال وزير الاقتصاد اللبناني عامر بساط، إن عملية مراجعة الاتفاقيات بين البلدين ستعالج العقبات اللوجستية أمام النقل البري، إضافة إلى التعامل مع الرسوم الجمركية التي “ليست موحّدة”.

وأضاف بساط: “المصدّرون اللبنانيون يدفعون رسومًا على التصدير، بينما السوريون لا يدفعونها”.

الحدود السورية اللبنانية- غيتي إيمجز

ولتجنب تكرار هذه التجارب وبناء تكامل اقتصادي حقيقي ومستدام، يتعين على البلدين إيجاد حلول جذرية لمجموعة من العقبات الإدارية والتنظيمية والهيكلية التي لا تزال تعوق نمو المبادلات التجارية وتدفع بجزء كبير منها نحو القطاعات غير الرسمية.

وفي هذه القضية، يرى الدكتور إيلي حاتم، أن تطوير العلاقة بين لبنان وسوريا يتطلب الانتقال من إطار العلاقات الظرفية إلى مأسسة التعاون الاقتصادي عبر وضع قواعد قانونية وتنظيمية واضحة، معتبرًا أن البلدين يمتلكان مقومات تكاملية يمكن أن تشكل قاعدة لنمو مشترك.

وتتمتع سوريا، بحسب حديث حاتم لـ”نون بوست” بقاعدة صناعية وموارد طبيعية، ولا سيما في قطاعي النفط والغاز، في حين يمتلك لبنان خبرة تاريخية في مجالات التجارة والأعمال والخدمات، ما يجعل التكامل بين قدرات البلدين فرصة اقتصادية مهمة.

وفي الجانب الاقتصادي، يؤكد حاتم أن لبنان وسوريا يشكلان بحكم الجغرافيا والتاريخ منظومة مترابطة، إذ يمتلك كل منهما عناصر تكمل الآخر، وأن تنمية الموارد والاستفادة من القدرات المشتركة يمكن أن تعود بالنفع على الشعبين. ويرى أن بناء هذه الشراكة يحتاج إلى تجاوز الهواجس السياسية وترسيخ فكرة أن التعاون والتكامل يمثلان مصدر قوة.

ويستشهد حاتم بالتجربة الأوروبية، ولا سيما مسار التقارب بين فرنسا وألمانيا بعد عقود من الصراعات، حيث تحولت المصالح الاقتصادية المشتركة إلى أساس لبناء مشروع إقليمي واسع. وبرأيه، يمكن للبنان وسوريا الاستفادة من هذه التجربة عبر تحويل العلاقات الاقتصادية من مجال للخلاف إلى إطار للتعاون والتنمية المشتركة.

فيما لا يعتقد الباحث في الاقتصاد السياسي أيمن الدسوقي، أن فرص تكرار نموذج الوصاية بشكله السابق واقعية، وأن التكامل الاقتصادي يتطلب أرضية من التعاون والثقة لا العداء والتنافسية السلبية والوصائية.

لذا، رأى الدسوقي في حديثه لـ”نون بوست” أن أي دور سوري في لبنان سيكون منسجمًا مع اعتبارات التعاون والتنسيق المشترك والاحترام المتبادل، ومنذ سقوط نظام الأسد، اتُخذت خطوات جدية من كلا البلدين لتفكيك الأنشطة غير المشروعة للاقتصاد غير الرسمي بين البلدين.

ولا شك أن الأمر مرهون -بحسب الدسوقي- بشراكة مؤسساتية تتطلب وقتًا لإنجازها، ولعل التعويل على الإرادة السياسية لدى قيادة كلا البلدين والدعم الإقليمي والدولي لإنجاز هذا التكامل، ومواجهة القوى المتضررة منه لاحتوائها أو تفكيكها.

علاماتأحمد الشرع ، الاقتصاد السوري ، الاقتصاد اللبناني ، الحكومة السورية الجديدة ، الشأن السوري
مواضيعالاقتصاد السوري ، الاقتصاد اللبناني ، الشأن السوري ، العلاقات السورية اللبنانية ، سوريا حرة

قد يعجبك ايضا

اقتصاد

مرفأ اللاذقية.. ماذا يعني الظفر ببوابة سوريا على المتوسط؟

زينب مصري١٨ يوليو ٢٠٢٦
اقتصاد

رأس المال الأمريكي يطرق أبواب سوريا.. هل السوق جاهزة؟

مارينا مرهج١٥ يوليو ٢٠٢٦
اقتصاد

من يملك أصول مصر؟.. أسئلة حساسة يثيرها صندوق “مستقبل مصر”

فريق التحرير١١ يوليو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑