• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

بنوك الدم ولوجستيات الطب في زمن الحرب.. كيف غيّرت مصير الجنود؟

نافين كريشناسامي٢٥ يوليو ٢٠٢٦

ترجمة وتحرير: نون بوست

قبل أن يمنح القرن العشرون الجيوش المضادات الحيوية، لم يكن السبب الرئيسي لوفاة الجنود الأميركيين في زمن الحرب هو نيران العدو أو الشظايا؛ فقد شكّلت الأمراض مثل التيفوئيد والزحار ثلثي الوفيات البالغ عددها نحو 620 ألفًا في الحرب الأهلية الأميركية، وانتشرت هذه الأمراض عبر المياه الملوثة والمعسكرات المكتظة، وتمت السيطرة عليها في النهاية عبر التطعيم والصرف الصحي الميداني، لا عبر المضادات الحيوية التي لم تصل إلا في الجيل التالي. وفي الحرب العالمية الأولى، خسرت القوات الأميركية جنودًا بسبب المرض أكثر مما فقدت في القتال: 63 ألفًا مقابل 51 ألفًا.

وبحلول عام 1940، كان الطب العسكري قد سدّ تلك الفجوة إلى حد كبير؛ فقد أصبحت اللقاحات، والتقنيات الجراحية المعقمة، وأدوية السلفا، وعملية فرز الجرحى المنظمة في ساحة المعركة، تعني أن الجندي الذي يتمكن من الوصول إلى جرَّاح لديه فرصة للنجاة. لكن الطب لم يكن قادرًا بعد على حل مشكلة نزيف الجنود حتى الموت؛ فكان من الممكن أن يموت جندي مصاب بجرح قابل للعلاج في غضون دقائق، ولطالما كان النزيف الحاد سببًا رئيسيًا للوفيات التي يمكن تجنبها في القتال. ولم يكن لدى أي جيش وسيلة لتوفير الدم جاهزًا في المكان الذي يسقط فيه الجرحى.

وكان الدم الكامل يتلف خلال أسابيع حتى تحت التبريد، ما جعله غير قابل للتخزين قبل الحملات العسكرية. ورغم وجود عربات قطار مبردة عام 1940 لنقل الدم من المدن إلى محطات السكك، فإنها لم تكن تحل مشكلة الرحلات الأصعب: من المحطة إلى الميناء، أو عبر المحيط، أو إلى مركز إسعاف يتعرض للقصف؛  حيث لم تكن هناك أي وسائل تبريد على الإطلاق. كما كان الدم الكامل يحتاج إلى مطابقة فصيلة كل جريح على الفور، وهو أمر لم يكن من الممكن تنفيذه بشكل موثوق في الميدان. قبل الحرب، كان نقل الدم في ساحة المعركة يعني غالبًا وجود متبرع حي بجوار المصاب يمنحه الدم مباشرة. وفي حرب امتدت عبر ثلاث قارات، لم تكن تلك طريقة لإنقاذ الجنود الذين كانت جروحهم قابلة للشفاء.

وحدثت بعدها طفرة تنظيمية على يد الجراح الأمريكي تشارلز درو، الذي كان يكمل أبحاثه للدكتوراه في مستشفى بريسبيتيريان التابع لجامعة كولومبيا، وكان يعمل على المشكلة الأساسية في طب نقل الدم: حفظ الدم. ورغم أنه لم يكن أول من عمل على حفظ البلازما، إلا أنه كان أول من حل المشكلة على نطاق واسع؛ فقد ساعد نظام بنوك الدم الذي ابتكره في دعم القوات التي انتصرت في الحرب، ثم اندمج بشكل دائم في الحياة المدنية الأمريكية.

وبعد مرور ثمانين عامًا، تواجه الجيوش نسخة حديثة من “مشكلة الدم” هذه؛ فالحرب في المحيط الهادئ تتطلب أن تمتد خطوط الإمداد لآلاف الأميال عبر البحر، وقد أظهرت المعارك الدائرة في أوكرانيا بالفعل ما يحدث عندما يتمكن العدو من ضرب مناطق الإمداد وخطوط الإجلاء. فلم يعد بإمكان الجرحى الاعتماد على الوصول السريع إلى المستشفى. والحل، شأنه شأن الجهود السابقة في الحرب العالمية الثانية، هو نقل منتجات الدم إلى الخطوط الأمامية والحفاظ على صلاحيتها للاستخدام بمجرد وصولها.

من خمسة مستشفيات إلى خمسين مليون أميركي

ولخصت أطروحة الدكتوراه التي أعدها درو، والتي أُنجزت في عام 1940 وحملت عنوان “الدم المخزّن: دراسة حول حفظ الدم“، ما توصل إليه هذا المجال من معارف حول تخزين الدم. وكانت العقبة تتمثل في أن خلايا الدم الحمراء في الدم الكامل تتحلل بسرعة، وأن فصائل الدم تُحدد بناءً على تلك الخلايا. وكانت البلازما، وهي المكون السائل للدم بعد إزالة خلاياه، حلاً لهذه المشكلات. (لا تحمل البلازما أي فصيلة دم، مما يعني أنه يمكن إعطاؤها لأي مريض بغض النظر عن فصيلته) ونظرًا لأن البلازما يمكن فصلها عن الدم الكامل، وتجفيفها بالتجميد، وإعادة إذابتها بالماء المعقم عند الحاجة، وشحنها دون الحاجة إلى التبريد، فقد كانت صالحة للتخزين لفترة أطول بكثير من الدم الكامل، الذي لا يدوم سوى بضعة أسابيع.

لم يكن هذا اكتشاف درو وحده؛ فقد طُوّر علم تجفيف البلازما على يد علماء آخرين. في جامعة بنسلفانيا في أوائل الثلاثينيات من القرن الماضي، طور عالم الجراثيم ستيوارت مود والمهندس إيرل فلوسدورف عملية التجفيف بالتجميد، وهي طريقة تجفيف بالتجميد تسمح بتحويل البلازما إلى مسحوق وإعادة تكوينها بالماء. وقام ماكس ستروميا وجون ريشيل ببناء معدات للقيام بذلك على نطاق واسع. وفي جامعة هارفارد، طور إدوين كوهن عملية فصل البلازما بالإيثانول البارد إلى الألبومين وأجزاء أخرى قابلة للاستخدام، وصمم جون إليوت القارورة المفرغة من الهواء التي كان الصليب الأحمر يستخدمها لتجميع الدم. وبحلول الوقت الذي وصلت فيه الحرب إلى أمريكا، كان لدى الجيش والبحرية بالفعل معيار للبلازما المجففة وشركة مصنعة لها، وهي شارب آند دوم (Sharp & Dohme).

وفي صيف عام 1940، تم استدعاء درو لإدارة مبادرة “الدم من أجل بريطانيا“، وهي حملة طارئة لجمع البلازما في نيويورك وشحنها إلى بريطانيا، التي كانت تتعرض لقصف ليلي. كان البرنامج يواجه صعوبات عندما تولى إدارته؛ فقد كانت تسعة مستشفيات تجمع الدم بطرقها الخاصة، دون وجود منهجية موحدة لسحب الدم أو معالجته أو فحصه، مما أدى إلى وصول كميات كبيرة من البلازما إلى بريطانيا ملوثة وغير صالحة للاستخدام. واستبدل درو هذه الأساليب المرتجلة بنظام موحد؛ فقد جعل العملية مركزية، وفرض استخدام تقنيات معقمة وإجراء اختبارات بكتيرية على كل دفعة، وقام بتوحيد معايير الزجاجات وملصقاتها، كما فرض رقابة صارمة على طريقة المناولة ودرجة الحرارة بدءًا من ذراع المتبرع وصولًا إلى رصيف الشحن. تراجعت مشكلة التلوث، وخلال خمسة أشهر، استعان البرنامج بحوالي 15 ألف متبرع وشحن أكثر من 5500 قارورة من البلازما. كانت هذه سابقة من نوعها، لأن عملية نقل الدم كانت تتم دائمًا بجانب سرير المريض، حيث يتواجد متبرع واحد ومريض واحد في نفس الغرفة. كان درو أول من أدارها كنظام موحد يمكنه إنتاج البلازما بكميات كبيرة وشحنه عبر المحيط، وكانت هذه العملية هي السبب في أن يُعرف باعتباره “أب بنوك الدم”.

وعندما أصبح دخول الولايات المتحدة إلى الحرب أمرًا لا مفر منه، طلبت الحكومة الأمريكية من “مجلس البحوث الوطني” و”الصليب الأحمر الأمريكي” إنشاء برنامج وطني للدم. وأصبح درو المدير المساعد لبرنامج تجريبي يهدف إلى إنتاج البلازما المجففة بكميات ضخمة  في نيويورك، والذي أصبح نموذجًا لأول بنك دم تابع للصليب الأحمر الأمريكي. وفي فبراير/ شباط 1941، أطلق بنك الدم التابع للصليب الأحمر 35 مركزًا لجمع الدم في جميع أنحاء الولايات المتحدة، مكلفةً بالحفاظ على احتياطيات الدم للجيش والبحرية. كما أدخل درو مفهوم “عربة الدم المتنقلة“، وهي شاحنات مبردة يمكنها الانتقال إلى المتبرعين بدلاً من انتظار قدومهم إلى المراكز الثابتة. وأصبح هذا النظام الذي صممه درو العمود الفقري التشغيلي لإمدادات الدم العسكرية الأمريكية طوال الفترة المتبقية من الحرب؛ فقد عمل على توحيد بروتوكولات التبرع، وتوسيع نطاق معالجة البلازما وحفظها، وجعْل عملية التبرع متنقلة، واختبار كل دفعة قبل الشحن، وبناء شبكة تنسيق وصلت إلى آلاف المتبرعين المدنيين.

وبحلول عام 1944، أصبحت القوات الأمريكية تمتلك إمدادات دم تتحرك مع تقدم الجبهة، وانخفضت نسبة الوفيات بين الجرحى الذين وصلوا إلى المستشفيات الميدانية إلى 4.5 من كل 100 في الحرب العالمية الثانية، مقارنة بـ8 من كل 100 في الحرب العالمية الأولى، وستنخفض هذه النسبة مرة أخرى إلى 2.6 من كل 100 في حرب كوريا. وربط مؤرخو الجيش هذا التحسن مباشرةً بالإسعافات الأولية السريعة، حيث لعب الدم والبلازما دورًا كبيرًا في ذلك.

 

وتُعوض البلازما حجم الدم المفقود وتساعد على تجلط الدم، لكنها لا تحمل خلايا دم حمراء ولا أكسجين، وهما ما يحتاجه المصابون بنزيف حاد للغاية من أجل البقاء على قيد الحياة. وبحلول نهاية الحرب، أدرك الجيش أن البلازما وحدها لم تكن كافية، فأنشأ خط إمداد ثانٍ لنقل الدم الكامل المبرد جواً إلى مسارح العمليات. ورغم أن نظام درو لم يقلل من أهمية الدم الكامل، إلا أنه ساهم بشكل حاسم في إبقاء الجنود على قيد الحياة لفترة كافية حتى يصل إليهم الدم الكامل في نهاية المطاف.

لكن الرجل الذي حل مشكلة إمدادات الدم كان، بموجب سياسة الصليب الأحمر نفسها، غير مؤهل للتبرع؛ ففي عام 1941، أعلن الصليب الأحمر أنه سيقوم بفصل تبرعات الدم حسب العرق. وأدان درو، الذي كان أسود البشرة، الفصل العنصري في توزيع الدم باعتباره أمرًا لا أساس له من الناحية العلمية. وغادر الصليب الأحمر في العام نفسه: وتختلف الروايات حول سبب رحيله ومدى حدة الاحتجاج الذي رافقه، حيث تقول أرملته إنه كان يشتاق ببساطة إلى التدريس والجراحة، بينما يصور بعض المؤرخين رحيله بشكل أكثر دراماتيكية. توقف الصليب الأحمر عن الفصل العنصري في توزيع الدم بحلول عام 1950، على الرغم من أن هذه الممارسة استمرت في أماكن أخرى لمدة عقدين آخرين.

واستمرت بنوك الدم العسكرية بعد عام 1945؛ فقد امتدت برامج الدم العسكرية إلى كوريا وفيتنام، وتوسعت عمليات نقل الدم في الخطوط الأمامية مرة أخرى في العراق وأفغانستان، حيث كان فقدان الدم السبب الرئيسي للوفيات التي يمكن الوقاية منها في القتال. وأصبحت بروتوكولات جمع الدم والبنية التحتية للتوزيع التي صممها درو لاحقًا الأساس لنظام إمداد المستشفيات المدنية الأمريكية بالدم الذي يعمل اليوم. ولا يزال الصليب الأحمر الأمريكي، الذي يوفر ما يقرب من 40 بالمئة من الدم في الولايات المتحدة، مسؤولاً عن البرنامج الذي أنشأه. وكل عملية جراحية تُجرى في مستشفى أمريكي وتتطلب نقل الدم هي نتيجة لهذا الابتكار الذي ظهر في زمن الحرب.

وهذا نمط مألوف في مجال الابتكار العسكري الأمريكي؛ فالحرب تؤدي إلى عجز ما، وهذا العجز يجبر أحداً ما على إعادة تصميم طريقة تصنيع شيء ما أو نقله، ويستمر الحل المعتمد إلى ما بعد انتهاء الحرب؛ فقد بدأ إنتاج البنسلين واختراع الرادار مثلًا كضروريات حربية، ثم استمر استخدامهما كجزء من البنية التحتية المدنية.

المشكلة تظهر مرة أخرى

إن التخطيط لصراع محتمل في المحيط الهادئ يعني التعامل مع مسافات لا يمكن تغطيتها بسهولة بسيارات الإسعاف أو طائرات الإجلاء الطبي، وهي مسافات تجعل الإمدادات عرضة للاستهداف بسهولة، وقد أعاد هذا الاحتمال إحياء مشكلة إمدادات الدم في الخطوط الأمامية التي اعتقد جيل درو أنه قد وضع حدًا لها.

وتظهر البلازما المجففة بالتجميد اليوم كحل مطروح؛ فقد استُخدمت البلازما المجففة فرنسية الصنع منذ نحو عام 2010 بتصاريح تجريبية وطارئة أميركية، بداية مع وحدات العمليات الخاصة، ثم بدأت وكالة الصحة الدفاعية الأمريكية في عام 2026 الدفع نحو تعميمها على القوات النظامية، وهو منتج بلازما قابل للتخزين لفترات طويلة مصمم لـ”البيئات المتقدمة جدًّا”، ومخصص بشكل صريح لمواجهة “تحديات الوقت والمسافة الموجودة في أماكن مثل منطقة المحيطين الهندي والهادئ والقطب الشمالي”.

وتُعلّمنا الحرب الروسية-الأوكرانية درسًا مشابهًا؛ فقد دفعت الضربات الروسية على المستشفيات وطرق الإجلاء الوحدات الأوكرانية إلى نقل إمدادات الدم ومعدات الإنعاش إلى مواقع متقدمة جدًا، لأن الجندي المصاب لم يعد قادرًا على الاعتماد على طائرة هليكوبتر لنقله إلى مستشفى في العمق المدني، وأصبحت رحلات الإجلاء الطبي الجوي خطيرة للغاية ولا يمكن الاعتماد عليها في أجزاء كبيرة من الجبهة بسبب الطائرات المسيرة وأنظمة الدفاع الجوي، كما تتعرض عمليات الإجلاء البري لهجمات متكررة. ويقوم المسعفون الأوكرانيون الآن بنقل الدم الكامل إلى موقع الإصابة وإجراء عملية نقل الدم هناك، وهو عكس نهج “الإجلاء أولًا” الذي ساد خلال العقدين الماضيين.

وقد توصل المخططون الأمريكيون الذين يستعدون لخوض معارك واسعة النطاق إلى نفس الاستنتاج، وهو أن نظام “الإجلاء ثم العلاج” الذي تم بناؤه على مدى عقدين من “الحرب العالمية على الإرهاب” لن يصمد في مواجهة عدو قادر على ضرب الخطوط الخلفية. ورغم أن البلازما المجففة بالتجميد والدم الكامل الذي يتم إرساله إلى الخطوط الأمامية قد ساهما في تضييق الفجوة، فإن مسألة ضمان وصول الدم إلى الجرحى عبر مسرح عمليات بحري متنازع عليه لا تزال دون حل، وهي نفس المشكلة التي واجهها جيل درو في عام 1940. وقد كشفت أوكرانيا عن مشكلة طبية أخرى إلى جانب مشكلة الدم، وهي عودة انتشار عدوى الجروح المقاومة للمضادات الحيوية التقليدية؛ حيث لم يعد التقدم الطبي الذي حققته حقبة المضادات الحيوية أمرًا مفروغًا منه في ظل ظروف الصراع المطول عالي الكثافة.

وتميل النقاشات حول التكنولوجيا العسكرية غالبًا إلى التركيز على الجانب المباشر: الأسلحة المبتكرة. هذه الأسلحة مهمة بالتأكيد، لكن استخدامها في حرب حقيقية يعتمد على الآلية الخفية التي تقف وراءها: خطوط الإمداد التي تنقل الوقود وقطع الغيار والدم إلى أماكن احتياجها، وقد بنى درو وبنك الدم الذي أنشأه أحد تلك الأنظمة الحيوية التي لا تزال تحافظ على حياة الناس حتى اليوم.

المصدر: وور أون ذا روكس

علاماتأدوات طبية ، الانجازات الطبية ، الحرب الروسية الأوكرانية ، الحرب العالمية ، الحرب العالمية الثانية
مواضيعالحروب ، الطب ، الغزو الروسي لأوكرانيا ، ترجمات

قد يعجبك ايضا

صحة

صيانة في غمرة الجراحة.. كيف تُبعث الأجهزة الطبية في مستشفيات غزة؟

إسراء الرملي١٨ يوليو ٢٠٢٦
صحة

“الوضع الوبائي في اليمن معقّد ومتداخل”.. حوار مع وزير الصحة قاسم بحيبح

بشرى الحميدي٢٥ أبريل ٢٠٢٦
صحة

“نقص الكوادر وهجرة الخبرات أبرز تحديات القطاع”.. حوار مع معاون وزير الصحة السوري

علي مكسور١٧ أبريل ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑