• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

هل ينجح آندي بورنهام في قيادة بريطانيا وسط عواصف الاقتصاد والسياسة؟

أحمد سيف النصر٢٣ يوليو ٢٠٢٦

آندي بورنهام يلقي كلمة عقب انتخابه زعيمًا لحزب العمال، يوليو/تموز 2026، (أسوشيتد برس)

بلغ آندي بورنهام، يوم 20 يوليو/تموز 2026، ذروة مسيرته السياسية التي امتدت لربع قرن من العمل البرلماني، والحقائب الوزارية في عهد توني بلير وغوردون براون، ثم قيادته لمانشستر الكبرى، فمع انتخابه زعيمًا لحزب العمال وتكليفه من الملك تشارلز الثالث بتشكيل الحكومة، سجل سابقة في تاريخ بريطانيا، إذ انتقل من رئاسة سلطة محلية إلى رأس هرم السلطة التنفيذية، وأصبح سابع رئيس وزراء للبلاد في غضون عقد واحد.

أدى بورنهام اليمين الدستورية في اليوم ذاته الذي أعلن فيه كير ستارمر استقالته، ودخل مقر رئاسة الوزراء في “10 داونينغ ستريت” وسط حماس شعبي، ولفت مراسلو الجزيرة الانتباه إلى أن بورنهام ألقى خطابه الأول بطريقة مغايرة للتقاليد، إذ تخلى عن المنصة والأوراق المكتوبة وتحدث بشكل عفوي.

وفي خطابه الأول، تعهد بورنهام بإخراج السياسة البريطانية من دوامة الفشل والتشاؤم المستمرة منذ عقد، مؤكدًا أن هذه اللحظة تمثل نقطة تحول كبرى لتدشين أكبر تغيير سياسي واقتصادي في البلاد منذ أربعين عامًا.

تكتسب شخصية بورنهام البالغ من العمر 56 عامًا أهمية متزايدة مع وصوله إلى رئاسة الحكومة، ومن هنا، يحاول هذا التقرير الإجابة عن مجموعة من التساؤلات الجوهرية: من هو آندي بورنهام؟ وما أبرز ملامح مشروعه السياسي؟ وإلى أي مدى يمكن أن تؤثر قناعاته وسجله السابق في رسم سياسات بريطانيا، خاصة تجاه المسلمين، وملف الهجرة، والقضية الفلسطينية؟

بدايات آندي بورنهام

وُلد بورنهام في 7 يناير/كانون الثاني 1970 في ضاحية أينتري بمدينة ليفربول لأب يعمل مهندس اتصالات وأم تعمل موظفة استقبال. ونشأ كواحد من ثلاثة إخوة في قرية كولشيث الواقعة بين ليفربول ومانشستر، وتلقى تعليمه في مدارس حكومية كاثوليكية محلية.

وتُظهر ملامح وعي بورنهام المبكر تأثره بتحولات بريطانيا الاقتصادية وإضراب عمال المناجم في ثمانينيات القرن الماضي، إذ دفعه ذلك للانضمام إلى حزب العمال في سن الرابعة عشرة.

أما عن خلفيته الدينية والاجتماعية، يوضح بورنهام أنه “كاثوليكي بالتربية وليس متدينًا بشكل خاص”، كما يؤكد أن التعاليم الاجتماعية الكاثوليكية تشكل الأساس لآرائه السياسية، ومشيرًا في الوقت ذاته إلى تمسكه بالقيم والأسس التي ترسيها تلك المدارس الكاثوليكية التي يتلقى أبناؤه تعليمهم فيها.

وفي عام 1988، ارتحل بورنهام الشاب الذي يصف نفسه بأنه كان “شابًا مشاغبًا في منتصف الثمانينيات” إلى الجنوب لدراسة الأدب الإنجليزي في كلية فيتزويليام بجامعة كامبريدج، وتخرج منها بتقدير جيد جدًا عام 1991 تزامنًا مع فترة ركود اقتصادي تركت أثرًا في توجهاته.

وخلال تلك المرحلة، يروي بورنهام أنه شعر بوجود تباين صارخ بين عالم العاصمة وعالم موطنه بالشمال، كما التقى في تلك الفترة بشريكة حياته الهولندية المولد، ماري فرانس فان هيل، وتزوجا لاحقًا عام 2000 وأنجبا ثلاثة أبناء.

وعقب تخرجه، شد بورنهام رحاله إلى لندن، حيث عمل بين عامي 1991 و1994 باحثًا وصحفيًا لدى دار نشر “بالتيك بابليشينغ”، ليمهد بذلك طريقه نحو انطلاقته السياسية الفعلية بالعمل باحثًا في مكتب النائبة تيسا جويل عام 1994.

صعود آندي بورنهام داخل حزب العمال

بعد مسيرة مهنية بدأت بانضمامه إلى نقابة عمال النقل عام 1995، وشغله مناصب إدارية واستشارية في اتحاد الخدمات الصحية الوطنية، عُين بورنهام عام 1998 مستشارًا لوزير الثقافة والإعلام والرياضة كريس سميث..

وفي عام 2001، انتُخب بورنهام للمرة الأولى عضوًا في البرلمان وهو في سن الحادية والثلاثين ممثلًا لدائرة “لي” في مانشستر الكبرى، وقد شغل ذلك المقعد لمدة ستة عشر عامًا.

وفي هذه المرحلة، خاض خطوته الحكومية الأولى بتعيينه عام 2003 سكرتيرًا برلمانيًا لوزير الداخلية ديفيد بلانكيت، ليبدأ مسارًا سريعًا من التدرج في الحقائب الوزارية خلال عهدي حكومتي توني بلير وغوردون براون، فشغل منصب كبير أمناء الخزانة (2007-2008)، تلاه منصب وزير الدولة للثقافة والإعلام والرياضة (2008-2009)، وصولًا إلى تعيينه وزيرً للصحة من عام 2009 إلى 2010.

وعلى الصعيدين السياسي والاقتصادي في تلك الحقبة، تبنى بورنهام سياسات اقتصاد السوق الحر، وأيد غزو العراق عام 2003، وهو القرار الذي أبدى ندمه عليه لاحقًا، واصفًا إياه في كتابه الصادر عام 2024 بأنه “أسوأ تجربة له في البرلمان”.

توني بلير وبورنهام، 2006، (PA/Alamy)

وفي المقابل، تشكل كارثة هيلزبورو التي وقعت عام 1989 وتسببت في وفاة 97 مشجعًا لنادي ليفربول نقطة تحول في مسيرة بورنهام، ففي الذكرى العشرين لهذه الحادثة عام 2009، ضغط بورنهام على رئيس الوزراء حينها غوردون براون لفتح تحقيق أسفر عن تأسيس “لجنة هيلزبره”، ووضعت هذه الخطوة بورنهام في مكانة الأبطال بعيون العائلات المنكوبة. وحسب المؤرخة شارلوت وايلدمان، فإن تلك المحطة رسخت مكانته بوصفه سياسيًا ينصت بصدق للمواطنين ويدافع عن قضاياهم.

استمر بورنهام في نشاطه، فشغل منصب وزير الصحة في حكومة الظل بين عامي 2011 و2015، وترشح لزعامة حزب العمال مرتين في عامي 2010 و2015، لكنه خسر في المرتين. ولاحقًا، عُين وزيرًا للداخلية في حكومة الظل بقيادة جيريمي كوربين.

بورنهام خلال مؤتمر حزب العمال البريطاني أثناء توليه منصب وزير الصحة، 2009، (ويكيميديا)

مانشستر.. المحطة التي صنعت زعامته

جاء التحول الأبرز في مسيرة بورنهام عندما استقال من البرلمان عام 2016 ليخوض انتخابات عمدة مانشستر الكبرى، والتي فاز بها في مايو/أيار 2017. ومنذ ذلك الحين، أعيد انتخابه لولايتين إضافيتين في عامي 2021 و2024، ليصبح أول سياسي يحقق ثلاثة انتصارات متتالية في هذا المنصب.

وخلال حقبته في رئاسة مانشستر الكبرى، أسس بورنهام نموذجًا للحكم المحلي يرتكز على اللامركزية وتفويض الصلاحيات من سلطة المركز إلى الإقليم، وهي الرؤية التي أطلق عليها اسم “المانشسترية”، والمستمدة من قناعته بأن فرط مركزية الدولة يشكل السبب الجذري لاتساع الفجوة الاقتصادية بين العاصمة وباقي الأقاليم البريطانية.

وقد نجح خلال ثلاث ولايات له كرئيس لبلدية مانشستر في تحسين إدارة الخدمات الصحية والاجتماعية، وارتبط اسمه بإصلاح شامل لمنظومة النقل العام، إذ أعاد تنظيم شبكتي الحافلات والترام.

وإلى جانب ذلك، قاد جهودًا لمواجهة التشرد، وخصص جزءًا من راتبه لدعم برامج إسكان المشردين، كما لعب دورًا بارزًا في إدارة تداعيات جائحة كوفيد-19، وعزز مكانته كسياسي يركز على المشاكل الاجتماعية والخدمية أكثر من انشغاله بالصراعات الأيديولوجية.

بورنهام خلال زيارة مشروع مايفيلد بارك في مانشستر الكبرى، 2022، (10 داونينغ ستريت).

وبفضل جهوده، اكتسب بورنهام شعبية واسعة، ولُقب بـ “ملك الشمال”، بينما أصبحت مانشستر تحت إدارته واحدة من أسرع المدن البريطانية نموًا من حيث الاستثمار والتنمية الحضرية، وهو ما أسهم في تعزيز شعبيته داخل حزب العمال، حتى وصفته استطلاعات رأي عدة بأنه أحد أكثر السياسيين شعبية.

الفلسفة السياسية والتوجهات الأيديولوجية

على المستوى الفكري، يصف بورنهام نفسه بأنه “اشتراكي” ينتمي إلى جناح “اليسار المعتدل” داخل حزب العمال، ويصف مشروعه السياسي بأنه “اشتراكية داعمة للأعمال” تجمع بين العدالة الاجتماعية ودعم الاستثمار والقطاع الخاص، كما أكد رفضه للنزعات القومية والشعبوية، معتبرًا أنها تمثل “وجهًا قبيحًا للسياسة”.

أما في السياسة الخارجية، فقد صرح في عام 2025 بأنه يأمل أن تنضم بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي مجددًا خلال حياته. كما حافظ على تأييده لالتزامات بريطانيا داخل حلف شمال الأطلسي، ودعم استمرار المساعدات العسكرية والمالية لأوكرانيا، لكنه في المقابل انتقد الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران عام 2026، محذرًا من تكرار أخطاء حرب العراق 2003.

وفي القضايا الاجتماعية، يتبنى بورنهام مواقف ليبرالية نسبيًا، إذ أيد تشريع زواج المثليين عام 2013، وأعلن في مناسبات عدة دعمه لمجتمع المتحولين جنسيًا. وبعيدًا عن السياسة، يُعرف بورنهام بشغفه برياضة الجري، وكثيرًا ما يظهر مرتديًا قميص نادي إيفرتون، بجانب شغفه الكبير بموسيقى مانشستر في الثمانينيات.

بورنهام في مهرجان مانشستر برايد في عام 2025،(ويكيميديا)

كما اكتسب حضورًا لافتًا على منصات التواصل الاجتماعي، حيث يُصور مقاطع فيديو عفوية وأحيانًا ساخرة للرد على منتقديه ومشاركة جوانب من حياته اليومية واهتماماته، مثل كرة القدم والطعام، والتواصل المباشر مع الناخبين، ويُنظر إليه أيضًا على أنه متحدث بارع أفضل من ستارمر.

موقف بورنهام من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي

مرت مواقف بورنهام تجاه القضية الفلسطينية وإسرائيل بمحطات متقلبة عكست تبدل مزاجه السياسي، ففي عام 2012 زار الضفة الغربية مع جماعة “أصدقاء فلسطين” التابعة لحزب العمال، ووصف إقامة الدولة الفلسطينية بأنه “حق لا هبة”، وندد بالمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية. ويؤيد برنهام منذ فترة طويلة حل الدولتين.

غير أنه في سباق زعامة حزب العمال عام 2015، انضم إلى منظمة “أصدقاء حزب العمال لإسرائيل”، وأشاد بإسرائيل واصفًا إياها بأنها “ديمقراطية لها تاريخ طويل في حماية الأقليات وتعزيز الحقوق المدنية”، وتعهد بأن تكون إسرائيل أول زيارة خارجية له في حال فوزه، كما وصف حركة المقاطعة (BDS) بأنها “حقودة”.

ومع اندلاع أحداث 7 أكتوبر 2023 وما تلاها من حرب على قطاع غزة، أدان بورنهام حماس وأحداث 7 أكتوبر 2023 ، لكنه انتقد نهج سلفه كير ستارمر المدافع عن الموقف الإسرائيلي، وأعلن أنه إذا تولى رئاسة الحكومة، فإن بريطانيا ستتجه إلى فرض عقوبات إضافية على أفراد وكيانات إسرائيلية.

واعتبر بورنهام أن حكومة بنيامين نتنياهو تجعل حل الدولتين مستحيلًا، متهمًا إسرائيل بمواصلة انتهاك وقف إطلاق النار وقتل الفلسطينيين الأبرياء. ودعا إلى النظر في فرض مزيد من العقوبات على المتورطين في أعمال العنف في غزة، كما أعلن تأييده الكامل لفرض قيود على تراخيص الأسلحة لإسرائيل، لضمان عدم استخدام جيش الاحتلال الإسرائيلي للأسلحة البريطانية في غزة أو الضفة الغربية.

امرأة تحمل لافتة تدعو بورنهام، إلى الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني، في لندن، بريطانيا، 18 يوليو/تموز 2026، (رويترز).

وقد أثارت هذه المواقف ردود فعل متباينة، إذ تعرض لانتقادات غاضبة من بعض الجماعات اليهودية، وفي المقابل واجه انتقادات من الجماعات المؤيدة للفلسطينيين لرفضه القاطع وصف ما يجري في غزة بالإبادة الجماعية. ونتيجة لهذه الضبابية المستمرة في مواقفه، أفاد تحقيق لمنظمة “The Muslim Vote” بأنها لم تمنحه تقييمًا واضحًا، ووصفت موقفه من الحرب الأخيرة على غزة بأنه “غير واضح”.

ويرى جوناثان تونغ أستاذ العلوم السياسية أن بورنهام فقد يسلك مسارًا مختلفا عن ستارمر في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، في حين يرى الأكاديمي والمحلل السياسي أناند مينون أن بورنهام يبدو أقل انحيازًا لإسرائيل مقارنة بستارمر، لكنه في الوقت ذاته يصفه بأنه براغماتي يميل إلى تعديل مواقفه بما يتوافق مع المتغيرات السياسية والظروف المحيطة.

مواقف بورنهام من الهجرة

شهدت مواقف بورنهام من ملف الهجرة تطورًا على مدار مسيرته السياسية، ففي عامي 2015 و2016 عندما شغل منصب وزير الداخلية في حكومة الظل، رفض مشروع قانون يُلزم ملاك العقارات بالتحقق من الوضع القانوني للمستأجرين أو المساهمة في ترحيل المهاجرين غير الشرعيين.

غير أن مواقفه شهدت تطورًا في السنوات الأخيرة، إذ أصبح أكثر تأييدًا لتشديد إجراءات مكافحة الهجرة غير النظامية، ولا سيما عبر استهداف شبكات تهريب البشر وتعزيز إنفاذ قوانين الهجرة، كما أبدى دعمه لسياسات تهدف إلى خفض الهجرة وربط الهجرة القانونية باحتياجات الاقتصاد وسوق العمل.

ويأتي هذا التحول في سياق استمرار الضغوط التي تواجهها المملكة المتحدة نتيجة ارتفاع معدلات الهجرة، في ظل تدفق أعداد من الفارين من الحروب والنزاعات والاضطهاد السياسي والأزمات الاقتصادية.

وبحسب تقارير عدة، من المرجح أن يتبنى بورنهام سياسة تجمع بين تشديد الرقابة على الحدود، وتسريع إجراءات اللجوء، وملاحقة شبكات تهريب البشر، مع تجنب الخطاب المتشدد الذي يخلط بين الهجرة النظامية وغير النظامية.

موقف بورنهام من مسلمي بريطانيا

تضم مانشستر الكبرى إحدى أكبر الجاليات المسلمة في المملكة المتحدة، وخلال فترة توليه منصب عمدة مانشستر الكبرى بين عامي 2017 و2026، تبنى بورنهام سياسة تقوم على دمج الجاليات والمؤسسات الإسلامية بوصفها شريكًا في إدارة الشأن المحلي.

وتشير العديد من التقارير إلى أن بورنهام يحظى بشعبية بين المسلمين في المملكة المتحدة، فقد حافظ على تواصل مستمر مع قيادات المجتمع الإسلامي في المناسبات العامة، لا سيما خلال شهر رمضان، ووجه رسائل تهنئة إلى المسلمين، وأكد في أكثر من مناسبة أهمية مساهمة الجالية المسلمة في الحياة العامة لمانشستر.

كما أظهر بورنهام مواقف واضحة في إدانة الاعتداءات التي تستهدف المسلمين ودور عبادتهم، ففي أعقاب الهجوم الذي استهدف مسجد مانشستر المركزي خلال شهر رمضان في فبراير/شباط 2026، أصدر بيانًا وصف فيه الحادث بأنه يثير قلقًا عميقًا لدى المجتمعات المسلمة في أنحاء المدينة، وأعلن عزمه زيارة المسجد للقاء أفراد الجالية، كما وجه شرطة مانشستر الكبرى إلى تعزيز وجودها الأمني حول جميع المساجد بالمدينة.

بورنهام خلال لقائه مع إحدى المنظمات البريطانية المعنية بقضايا المسلمين 2019، (MEND)

وتشير الشهادات الصادرة عن عدد من قيادات الجالية المسلمة في مانشستر إلى أن بورنهام يحظى بقدر من الثقة، ففي مقابلة أجرتها منصة Hyphen، أشاد حماد خان، إمام مسجد مانشستر المركزي، بشخصية بورنهام مستذكرًا أول تعاون مباشر بينهما خلال جائحة كوفيد-19، عندما سارعت سلطة مانشستر الكبرى لتلبية احتياجات المساجد.

وأضاف خان أن بورنهام أظهر اهتمامًا حقيقيًا بفهم احتياجات الجالية المسلمة، كما أشاد بسرعة استجابته عقب حادثة مسجد مانشستر المركزي، واصفًا إياه بأنه سياسي “يحاول دائمًا جمع الناس معًا، ولا يبني سياساته على الانقسام”.

كما يُنظر إلى قرب بورنهام من شخصيات بارزة داخل شبكة مسلمي حزب العمال، مثل علي ميلاني، بوصفه أحد العوامل التي أسهمت في استمرار قنوات التواصل بينه وبين قطاعات من المسلمين البريطانيين.

ومع ذلك، لا يمكن وصف التأييد الذي يحظى به بورنهام داخل الأوساط الإسلامية بأنه مطلق، فبينما اكتسب صورة إيجابية لدى بعض القيادات الإسلامية المحلية في مانشستر بفضل تعاونه مع الجالية واهتمامه بأمن المساجد، بدت المواقف أكثر تحفظًا تجاه موقفه إزاء الحرب على غزة، وانتقده نشطاء لرفضه وصف ما يجري في غزة بالإبادة الجماعية.

التحديات التي تواجه بورنهام

تسلم بورنهام مقاليد الحكم وسط حقبة تُعد من أكثر فترات البلاد تعقيدًا في العقود الأخيرة، إذ يجد نفسه أمام تركة ثقيلة اقتصاديًا وسياسيًا ورثها عن سلفه كير ستارمر. وتتزامن هذه التحديات مع تراجع مستمر يعاني منه حزب العمال في استطلاعات الرأي منذ نحو عام ونصف، مقابل صعود حزب “إصلاح المملكة المتحدة” اليميني الشعبوي.

وعلى الصعيد الداخلي، تواجه حكومة بورنهام اقتصادًا يعاني من ضعف النمو والركود الممتد منذ ما يقارب عقدين، إلى جانب ارتفاع مستويات الدين العام والاقتراض، واستمرار الأزمات الهيكلية في الخدمات الصحية، فضلًا عن الضغوط الناجمة عن ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الطاقة التي تفاقمت بفعل الحربين في أوكرانيا وإيران.

وفي أول خطاب له عقب توليه رئاسة الوزراء، تعهد بورنهام بانتهاج مسار مختلف عن سلفه، واضعًا معالجة أزمة غلاء المعيشة وإنعاش الاقتصاد في مقدمة أولوياته، وأعلن عزمه تخفض ضريبة القيمة المضافة، وإطلاق برنامج اقتصادي يستهدف خفض تكاليف المعيشة، وتحسين الخدمات العامة، ورفع مستوى المعيشة.

صورة: بورنهام خلال اجتماع رؤساء البلديات مع رئيس الوزراء كير ستارمر، يوليو/تموز 2024، (10 داونينغ ستريت).

بجانب حديثه عن تحقيق تكافؤ الفرص بين مختلف مناطق المملكة المتحدة، وإنهاء الفجوة الاقتصادية والاجتماعية بين لندن وبقية المدن، ولا سيما البلدات الشمالية والمناطق الساحلية التي عانت طويلًا من التهميش.

ويرتكز مشروع بورنهام الاقتصادي على توسيع اللامركزية ونقل مزيد من الصلاحيات والموارد إلى الحكومات المحلية، واستعادة بعض الخدمات التي خُصخصت خلال ثمانينيات القرن الماضي.

إلى جانب إعادة إحياء الصناعة البريطانية وتوسيع الإسكان الحكومي وتأميم بعض المرافق العامة. كما يسعى إلى تطبيق النموذج المعروف باسم “المانشسترية” الذي يقوم على توظيف الاستثمارات العامة والخاصة معًا لتطوير قطاعات النقل والإسكان والبنية التحتية.

ورغم طموح هذا البرنامج، يرى عدد من المراقبين أن تنفيذه سيصطدم بقيود مالية وسياسية كبيرة، في ظل ارتفاع الدين العام، وضيق هامش الإنفاق الحكومي، ومستويات مرتفعة من فوائد خدمة الدين، وتعقيدات الاقتصاد البريطاني، وهو ما يعني أن تحقيق نتائج ملموسة على الأرض سيستغرق سنوات لا شهورًا.

آندي بورنهام أمام مقر رئاسة الوزراء، 20 يوليو/تموز 2026. (أسوشيتد برس)

أما على صعيد السياسة الخارجية، فيدخل بورنهام رئاسة الحكومة بخبرة محدودة في السياسة الدولية مقارنة بخبرته الواسعة في الإدارة المحلية، ويرى منتقدوه أنه يفتقر للخبرة الكافية في الشؤون الخارجية والأمن القومي وسياسات الدفاع مقارنة بملفاته المحلية والخدمية.

كما يواجه بورنهام تحدي بناء شراكة قوية مع الرئيس الأمريكي، واستمرار الضغوط لزيادة الإنفاق الدفاعي وسط الحرب الروسية المستمرة في أوكرانيا، إلى جانب إعادة ضبط العلاقة مع الكتلة الأوروبية، والتعامل مع الصراعات في أوكرانيا وإيران.

وفي هذا السياق، أكد بورنهام التزامه بمواصلة دعم حلف شمال الأطلسي، والحفاظ على الردع النووي البريطاني، والاستمرار في تقديم الدعم العسكري والسياسي لأوكرانيا، كما شدد على تمسكه بـ”العلاقة الخاصة” مع الولايات المتحدة، مع إعلانه استعداده للتعامل مع الرئيس الأمريكي ترامب.

وانعكس هذا التوجه مبكرًا في أول اتصال هاتفي أجراه مع ترامب عقب توليه المنصب، إذ حرص على تبني أسلوب دبلوماسي هادئ، كما وافق على استخدام قواعد بريطانية عسكرية في بعض الضربات الأمريكية على إيران.

ويشكك بعض المحللين في إقدام بورنهام على إحداث قطيعة مع واشنطن، مرجحين أن ينتهج مقاربة أكثر هدوءًا وتوازنًا مقارنة بسلفه، في حين أشارت تقارير إعلامية بريطانية إلى أن رئيس الوزراء الجديد لا يمتلك الرغبة في إحداث تحولات جذرية أو جوهرية في ثوابت السياسة الخارجية للبلاد.

وفيما يخص العلاقة مع روسيا والتعامل مع الصين، فتشير التقديرات إلى أن سياسة بورنهام ستبقى إلى حد بعيد ضمن الأطر التقليدية التي يتبناها حزب العمال، من دون تغييرات جذرية.

في المقابل، لم يتأخر خصوم بورنهام في التشكيك بقدرته على تنفيذ وعوده، ويرى خبراء أنه قد لا يدوم توليه منصب رئيس الوزراء طويلًا، إذ يواجه نفس الصعوبات التي واجهها سلفه، كما اعتبر حزب “إصلاح المملكة المتحدة” أن خطاباته الأخيرة لم تقدم خطة اقتصادية واضحة، بل اقتصرت على شعارات سياسية.

كما يرى بعض منتقدي بورنهام أن قيادة حكومة تُقدم الخدمات لسبعين مليون نسمة تُعد مهمة بالغة الصعوبة، مرجحين أن بورنهام سيواجه مشاكل أوسع وقضايا مختلفة تمامًا عن خبرة زعيم قضى مسيرته في إدارة منطقة لا يتجاوز عدد سكانها ثلاثة ملايين نسمة.

ويذهب بعض المحللين إلى أن التحدي الأكبر الذي يواجه بورنهام يتمثل في ارتفاع سقف الوعود التي قدمها خلال حملته للوصول إلى رئاسة الحكومة، وهو ما قد يرفع من مستوى توقعات الرأي العام ويجعل حكومته عرضة لانتقادات سريعة إذا لم تتمكن من تحقيق نتائج ملموسة خلال فترة زمنية قصيرة.

علاماتآندي بورنهام ، الحكومة البريطانية ، السياسة البريطانية ، حزب العمال البريطاني ، مسلمو بريطانيا
مواضيعآندي بورنهام ، الأقليات في بريطانيا ، الانتخابات البريطانية ، السياسة البريطانية ، بروفايل

قد يعجبك ايضا

سياسة

هل تنجح الحكومة اليمنية في تصدير النفط اليمني؟

فريق التحرير٢٣ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

أكراد إيران في العراق.. جبهة مؤجلة على حدود طهران

إياد الدليمي٢٢ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

السعودية على أعتاب النادي النووي.. ما الثمن؟

عماد عنان٢٢ يوليو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑