• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

ثورة جيل “زد”: كيف تهاوت هيبة مودي أمام غضب الطلاب واحتجاجات الصراصير؟

سوربهي غوبتا٢٤ يوليو ٢٠٢٦

شباب هنود يشاركون في تظاهرة تطالب باستقالة وزير التعليم درميندرا برادهان في نيودلهي، 20 يوليو/تموز 2026.

ترجمة وتحرير: نون بوست

إذا كان هناك ما تكشفه المشاهد التي تصلنا من دلهي، فهو أن الخوف لم يعد لديه سلطان على قطاع كبير من الشعب الهندي؛ فالخوف من النزول إلى الشوارع، ومن مساءلة الحكومة، والمطالبة بالمحاسبة، وقبل كل شيء، الخوف من انتقاد رئيس الوزراء ناريندرا مودي، كله آخذ في التلاشي. ففي يوم الإثنين، ملأ عشرات الآلاف من المتظاهرين شوارع الحي المركزي في العاصمة، الخاضع لإجراءات أمنية مشددة حيث يقع مقر الحكومة الهندية، بينما تعالت هتافات “يجب أن يستقيل مودي”، و”أبعدوا مودي، أنقذوا البلاد”، و”يسقط مودي” بقوة كان من المستحيل تخيلها قبل أسابيع قليلة فقط.

بالنسبة للعديد من الهنود الذين تابعوا المشهد، بدا الأمر وكأنه غير واقعي، فلم يستطيعوا تصديق أن احتجاجاً يحمل مشاعر مناهضة لمودي بهذه القوة أصبح ممكناً في هند اليوم. ومع ذلك، كان ذلك يحدث حقاً، وكان التاريخ يتكشف أمام أعينهم. وكانت الغالبية العظمى ممن تدفقوا إلى الشوارع من طلاب المدارس الثانوية والجامعات، والخريجين الذين يستعدون للاختبارات شديدة التنافسية التي تحدد القبول في البيروقراطية الحكومية الضخمة في الهند، إلى جانب الباحثين عن عمل، والمهنيين الشباب، وأفراد الطبقة الوسطى الذين طالما شعروا بالإحباط تجاه حكومة مودي.

لقد كان هذا أكبر احتجاج تشهده دلهي منذ حركة الاحتجاج الجماعية ضد الفساد التي استهدفت حكومة التحالف التقدمي الموحد بقيادة المؤتمر الوطني الهندي في عام 2011، والتي أعقبتها مظاهرات عارمة في جميع أنحاء البلاد بعد حادثة الاغتصاب الجماعي وقتل شابة في دلهي عام 2012، والمعروفة بقضية ” نيربايا”. لكن مستوى الغضب والإحباط البادي بين الجماهير هذه المرة لا يُقارن بأي شيء شهدته البلاد من قبل.

جاءت هذه الاحتجاجات استجابة لدعوة أطلقها “حزب شعب الصراصير” أو “كوكروج جانتا بارتي”، وهي منصة ساخرة على الإنترنت سُميت على غرار اسم حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم، وتحولت إلى حركة احتجاجية أوسع، للمسيرة نحو البرلمان الهندي للمطالبة باستقالة وزير التعليم دارمندرا برادان، على خلفية سلسلة من المخالفات في الامتحانات أدت إلى انتحار ما لا يقل عن 21 طالباً في مختلف أنحاء الهند. وفي حقبة سابقة، قبل عهد مودي، كان من الطبيعي أن يستقيل الوزراء ويتحملوا المسؤولية الأخلاقية عن الأزمات الوطنية، ولكن في عهد مودي، يتمسك الوزراء بمناصبهم بقوة.

يُذكر أن الحزب كان ينظم احتجاجات في “جانتار مانتار”، موقع التظاهر المخصص في دلهي، منذ 20 يونيو/حزيران، واكتسبت الحركة زخماً كبيراً بعد انضمام المهندس الذي تحول إلى ناشط، سونام وانغتشوك، إلى المتظاهرين في 28 يونيو/حزيران، وبدأ إضرابًا مفتوحًا عن الطعام للمطالبة باستقالة برادان. ويُعد وانغتشوك شخصية شهيرة ومعروفة لدى كل أسرة في الهند، باعتباره الشخصية الملهمة لدور النجم السينمائي الكبير عامر خان في فيلم بوليوود الصادر عام 2009 بعنوان “ثلاثة بلهاء”، وهو فيلم ساخر شهير يسلط الضوء على النظام التعليمي في الهند.

خلال الأسبوعين الأولين، لم تحظ الاحتجاجات باهتمام جماهيري يذكر. ولكن بحلول اليوم السابع عشر من إضراب وانغتشوك، البالغ من العمر 59 عامًا، عن الطعام، ومع تصاعد المخاوف من أن صحته، وربما حياته، قد تكون في خطر، بدأت الحركة تلقي صدى أوسع. وتصاعد الغضب العام بشكل كبير في اليوم الحادي والعشرين، عندما أقدمت شرطة دلهي على إخراج وانغتشوك قسراً من موقع الاحتجاج؛ حيث حمله عناصر يرتدون ملابس مدنية إلى مستشفى عام رغماً عنه تحت غطاء من الملاءات البيضاء، وانتشرت الصور بسرعة على الإنترنت وأثارت غضباً عارماً في جميع أنحاء البلاد.

وفي أعقاب ذلك، تضخمت الحشود بسرعة في موقع الاحتجاج، حيث توجّه غضب المتظاهرين بشكل متزايد نحو مودي، مطالبين باستقالته هو الآخر أيضاً. وبحلول يوم الأحد، تجمع نحو 25 ألف شخص في موقع الاحتجاج وما حوله، متجاوزين حرارة دلهي ورطوبتها الشديدة، ليتحول إلى أكبر مظاهرة يقودها الشباب في السنوات الأخيرة. كما حضر عدد من السياسيين والنشطاء والمشاهير، مثل الممثلة المخضرمة شبانة أعظمي، لدعم الاحتجاج.

وفي يوم الإثنين، وعلى الرغم من رفض شرطة دلهي منح الإذن لمسيرة الاحتجاج، ظهر عشرات الآلاف في العاصمة. وأغلقت السلطات محطات المترو لمنع الناس من التجمهر في الشوارع، مما دفع المتظاهرين إلى ترديد الشعارات داخل المحطات والعربات بدلاً من ذلك. وادعى البعض أن قطارات المسافات الطويلة المتجهة إلى دلهي قد تأخرت عمداً. ومع استمرار قطع إنترنت دام نحو ثماني ساعات، استخدمت قوات الشرطة وشبه العسكرية الهراوات والغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين.

ومع ظهور شهادات ومقاطع مصورة توثق وحشية الشرطة، بما في ذلك الاعتداء بالهراوات على الشابات والفتيات من قبل عناصر شرطة ذكور، وصور للكثيرين وهم ملقون على الأرض فاقدي الوعي، أدى ذلك إلى تزايد موجة السخط. وفي مقاطع فيديو عديدة، شوهد رجال بملابس مدنية يحملون هراوات الشرطة ويضربون الناس. وادعى المتظاهرون استخدام قنابل الغاز المسيل للدموع منتهية الصلاحية. وقال أطباء في مستشفى عام إن ما يقرب من 90 شخصاً يتلقون العلاج من إصابات، العديد منها خطيرة، بينما ساعد الأخصائيون الاجتماعيون أكثر من ألف شخص في الإسعافات الأولية. وقال العديد من الصحفيين إن الحملة الأمنية لم تكن تشبه أي شيء شاهدوه في الآونة الأخيرة.

وقد جرى كل ذلك على الرغم من أن قنوات التلفزيون الإخبارية الرئيسية في الهند لم تخصص سوى وقت بث ضئيل أو لم تخصص أي وقت لتغطية الاحتجاجات؛ وبدلاً من ذلك، انتشرت التغطية بشكل كبير عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وخاصة “إنستغرام”. وكان هذا أمراً بالغ الأهمية نظراً لسيطرة اليمين على وسائل التواصل الاجتماعي في البلاد. وركزت الأخبار التلفزيونية، الموالية للحكومة، بدلاً من ذلك على تصريحات مودي عشية جلسة البرلمان. ومع ذلك، أثار زعماء المعارضة هذه القضية داخل البرلمان، مما أدى إلى رفع الجلسة عدة مرات.

إن المشاهد في دلهي، وفي مختلف أنحاء الهند، استثنائية وغير مسبوقة في بلد أصبح فيه الانتقاد العلني لمودي وحكومته – سواء عبر الإنترنت أو الفن أو السينما أو مظاهرات الشوارع – على مدى العقد الماضي مهمشاً بشكل متزايد، وفي بعض الحالات، مجرماً. (في الآونة الأخيرة، أمرت الحكومة بإزالة فيلم “ساتلوج”، وهو سيرة ذاتية لناشط سيخي في مجال حقوق الإنسان، من منصة بث هندية). ولهذا السبب، بالنسبة لمعظم الهنود، أصبحت فكرة الاحتجاج الجماهيري المطالب علناً باستقالة رئيس الوزراء تبدو وكأنها يكاد يكون من المستحيل تخيلها؛ فقد اعتاد الكثيرون التفكير مرتين قبل انتقاد الحكومة علناً. لقد ترسخت التوقعات بالصمت بعمق لدرجة أن غياب الاحتجاج أصبح يبدو وكأنه أمر طبيعي.

وكتب الأكاديمي والكاتب رافيكانت كيسانا على منصة “إكس”: “لم يتوقع حجم الحشود التي تقاطرت على دلهي للمشاركة في مسيرة المواطنين، ولا حتى العديد من أعضاء حركة شعب الصراصير. وفي مرحلة ما، يبدو أن الاحتجاج نما ليتحول إلى شيء أكبر بكثير من جذوره الأولى. بالنسبة للكثيرين، أصبح موقع الاحتجاج والمسيرة مساحة تفريغ جماعية يمكن من خلالها أخيرًا البوح بصوت عالٍ بكل مشاعر “الاختناق” والعجز الفردي التي طالما شعروا بها لفترة طويلة”. وكان العديد من هؤلاء قد صوتوا لصالح حزب بهاراتيا جاناتا في السابق أو ينتمون إلى عائلات تدعم الحزب.

لقد أربكت هذه الاحتجاجات حكومة مودي بعد أن تجاوزت حدود المصير السياسي لبرادان، لتتحول إلى استفتاء على السنوات الاثنتي عشرة الأخيرة من حكم مودي. وكما أشار موقع “ذا واير”، وهو مؤسسة إخبارية هندية مستقلة، في تحليله للحركة، فإن مسألة بقاء وزير التعليم أو رحيله باتت شبه ثانوية بالنسبة للمتظاهرين، الذين وجّهوا غضبهم بوضوح ومباشرة نحو أسلوب مودي في الحكم؛ فلقد تكرر وصفه مراراً وتكراراً بكلمة “المتعجرف”.

وهذا لا يعني أن الهند قد خلت من الاحتجاجات في ظل حكم مودي؛ فقد شهدت البلاد عدة حركات كبرى على مدى العقد الماضي، بما في ذلك المظاهرات واسعة النطاق ضد قانون تعديل المواطنة والسجل الوطني المقترح للمواطنين، واحتجاجات المزارعين التي استمرت عاماً كاملاً، واحتجاجات المصارعين ضد اتحاد المصارعة النافذ في البلاد. وقد استقطبت كل منها حشوداً غفيرة وصاغت النقاشات الوطنية.

ورغم أن كل حركة منها اجتذبت تضامناً تجاوز بكثير حدود مشاركيها الأساسيين، إلا أنها كانت متجذرة في مظالم فئات محددة؛ فقد قاد الاحتجاجات المناهضة لقانون تعديل المواطنة المسلمون إلى حد كبير بدعم من مجموعات المجتمع المدني، بينما قادت المجتمعات الزراعية حركة المزارعين، وتمركزت احتجاجات المصارعين حول رياضيين يطالبون بالعدالة. ونتيجة لذلك، كان يُنظر إليها على أنها تمثل اهتمامات مجموعات معينة وليست الجمهور الأوسع.

لكن هذه المرة، وفي بلد يُعد فيه التعليم الطريق الأساسي للارتقاء الاقتصادي والاجتماعي، أدى العدد المتزايد لحالات انتحار الطلاب ولا مبالاة الحكومة تجاه ذلك إلى تكوين تحالف أوسع يتجاوز الانقسامات المتعلقة بالدين، والطائفة، والطبقة الاجتماعية، والمنطقة.

وكتب موقع “ذا واير”: “إنها انتفاضة شبابية أوسع بكثير وأكثر لا مركزية، وقد امتدت بوضوح لتتجاوز الميم والمنظمة اللذين انطلقت منهما”. وعلى عكس الحركات الجماهيرية السابقة التي كانت حكومة مودي وأنصارها في وسائل الإعلام يسعون لاحتوائها أو نزع شرعيتها عبر الشيطنة المستندة إلى الهوية، فإن الاحتجاجات الأخيرة يقودها طلاب وباحثون عن عمل من شباب ينتمون إلى “الهند الطموحة السائدة”. وقد جعل هذا من الصعب للغاية تصنيفهم ضمن “فئة الأعداء” دون إثارة استياء الفئة السكانية ذاتها التي ساعدت في إيصال مودي إلى السلطة.

وتعود نشأة الحركة إلى المخالفات المزعومة في “امتحان القبول الوطني المؤهل“، الذي يحدد القبول في كليات الطب بالهند ويطال ملايين الأسر من الطبقة الوسطى، حيث يتنافس أكثر من 2.2 مليون طالب سنوياً على نحو 137 ألف مقعد طب لدرجة البكالوريوس موزعة على 800 كلية في الهند. وفي مايو/ أيار 2026، عندما ألغت السلطات النتائج وأمرت بإعادة الامتحان بسبب مزاعم حول تسريب أوراق الأسئلة، أقدم ما لا يقل عن 13 طالباً على الانتحار في الأسابيع التي أعقبت الفضيحة.

وتصاعد الغضب بشكل أكبر عندما اخترق طالب مراهق النظام الرسمي للمجلس المركزي للتعليم الثانوي (وهي الهيئة الوطنية المسؤولة عن التعليم في المدارس العامة والخاصة)، وظهرت تناقضات مزعومة بين أوراق الإجابة الممسوحة ضوئياً للطلاب والدرجات الممنوحة من خلال نظام تصحيح إلكتروني حديث. في السابق، كان المعلمون يراجعون أوراق الإجابة يدوياً، وقد أدى هذا الخلل إلى موجة من إعادة التقييم وأعاد إشعال المخاوف بشأن أهم امتحان للمرحلة الثانوية في الهند، والذي تشكل نتائجه أساس القبول في العديد من الجامعات العامة الرائدة في البلاد، حيث طالما شكلت امتحانات الصف الثاني عشر التي يجريها المجلس المسارات التعليمية لأجيال من الهنود.

وقد جاءت هذه الأزمات بينما تعاني الهند بالفعل من بطالة مستمرة بين الشباب، لا سيما بين الخريجين (حيث تجاوزت 15 بالمئة في مارس/آذار 2026)، مما أدى إلى تآكل الاعتقاد الراسخ لدى الهنود بأن التعليم يمكن أن يضمن الارتقاء الاجتماعي؛ فقد تراجع العقد الاجتماعي القائم على “اجتهد في الدراسة، وانجح بجدارتك، وابنِ حياة أفضل” بشكل مطرد على مر السنين، وهو أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل الشباب الهندي يتطلع بشكل متزايد إلى الانتقال للخارج بغرض التعليم والعمل، إذ أصبح من الصعب جداً تخيل مستقبل في الوطن.

إن ابنة برادان ذاتها، التي درست في مدرسة فليتشر بجامعة تافتس، هي واحدة من بين 15 ابنًا لأعضاء مجلس وزراء الهند الثلاثين الذين يحملون شهادات أجنبية أو يدرسون حاليًا في الخارج، وهي مفارقة لم تغب عن أذهان العامة، حيث غمر الناس قسم التعليقات على صفحة جامعة تافتس على إنستغرام برسائل مناهضة لبرادان.

وفي خضم ذلك، شبّه سوريا كانت، رئيس قضاة المحكمة العليا في الهند، الناشطين والشباب العاطلين عن العمل بـ “الطفيليات” و”الصراصير” خلال جلسة محكمة متلفزة. وربما كان يتحدث في سياق مختلف، لكنه بدا للكثير من الشباب وكأنه تجسيد لموقف المؤسسة السياسية تجاههم.

لذا، تبنى جيل زد هذا اللقب في خطوة تحدٍّ، وحولوا ما كان مقصوداً به الإهانة إلى صرخة حشد تجمعية. ومن بين أولئك الذين استغلوا اللحظة أبهاجيت ديبكي، وهو خريج حديث من جامعة بوسطن، حيث أطلق منصة سياسية ساخرة سُميت “حزب صراصير جاناتا” أو “حزب شعب الصراصير”، والتي تحولت ككرة الثلج إلى حركة جماهيرية على الإنترنت، جاذبةً أكثر من 23 مليون متابع على إنستغرام، وهو ما يمثل أكثر من ضعف متابعي حزب بهاراتيا جاناتا البالغ عددهم 9.4 ملايين.

وقد حظيت هذه الحركة بتغطية واسعة في وسائل الإعلام الهندية والدولية؛ فيما عاد ديبكي إلى الهند محاولاً تحويلها إلى حملة منظمة. وعيّن متحدثين رسميين، ونسّق مظاهرات في مدن متعددة، وأنشأ في النهاية وجوداً دائماً في موقع “جانتار مانتار” بدلهي.

ومع ذلك، اتسمت الأيام الأولى للحركة بقدر كبير من التشكيك بقدر ما اتسمت بالحماس؛ فقد تساءل الصحفيون والهندوس والعموم من مختلف الأطياف السياسية عما إذا كانت حركة حقيقية أم مجرد منصة انطلاق لمستقبل مؤسسيها السياسي. وعكس هذا التشاؤم إرث حركة مكافحة الفساد لعام 2011، التي أدت إلى ظهور “حزب عام آدمي“، وبشكل غير مباشر، هيأت الظروف السياسية التي سهلت صعود حزب بهاراتيا جاناتا إلى السلطة الوطنية. وكان ديبكي وعدد من أقرب مساعديه أعضاء سابقين في حزب “عام آدمي” أنفسهم.

لكن الحركة اكتسبت مصداقية متزايدة بعد انضمام وانغتشوك إليها، مما أدى في النهاية إلى مسيرة الاحتجاج الحاشدة التي انطلقت يوم الإثنين.

إن هذا الإحباط تجاه حكومة مودي، في ولايتها الثالثة، لا يقتصر فقط على الإصلاح التعليمي، فقد كانت هذه القضية هي الشرارة التي أطلقت الاحتجاجات، لكن الاستياء من حكومة مودي كان يتفاقم منذ فترة، مدفوعاً بعدد من المظالم المتراكمة.

وتشمل هذه المظالم الغضب من السياسة الخارجية للهند، لا سيما مع ضغط الولايات المتحدة على الهند بشأن تجارة النفط الخام مع روسيا، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الوقود وتطبيق خلط الإيثانول في أعقاب حرب إيران. وعلى الرغم من الضرائب الباهظة، أصبحت المدن الهندية الكبرى غير قابلة للعيش، ولم تفعل الحكومة سوى القليل لمعالجة مستويات جودة الهواء المذيبة للبلاد. 

لقد ترسخ الاعتقاد بأن مفوضية الانتخابات وغيرها من المؤسسات الفيدرالية والتنفيذية قد فقدت استقلاليتها. كما أن الاختلاس المزعوم لعشرات الملايين من التبرعات في معبد “رام ماندير” في أيوديا كان صادماً للغاية، حتى للعديد من مؤيدي حزب بهاراتيا جاناتا، بالنظر إلى أنه كان المشروع الديني الأبرز للحزب الحاكم لعقود. وهناك أيضًا إرهاق متزايد من ميل حزب بهاراتيا جاناتا الدائم لتأطير القضايا من منظور الانقسامات بين الهندوس والمسلمين.

وكتبت الصحفية الهندية رانا أيوب على منصة “إكس”: “لم يعد الأمر يتعلق بسونام وانغتشوك أو حزب صراصير جاناتا. ربما قدّما الشرارة، لكن ما شهدناه اليوم كان شيئاً أكبر بكثير: تدفقاً عفوياً للألم الجماعي، والعجز، واليأس، والغضب لجيل كامل قضى سنوات يصرخ، فلم يلق سوى الصمت”.

وحتى مع تفاعل الحكومة مع قادة حركة صراصير جاناتا لمحاولة احتواء “المظهر السيئ”، فإن الاحتجاجات في دلهي، المركز السياسي للهند، والانتشار المستمر لمقاطع الفيديو التي توثق وحشية الشرطة، لم تؤدِ فقط إلى تأجيج الغضب العام، بل حطمت أيضاً أي وهم متبقٍ بإمكانية احتواء المعارضة أو تجاهلها. وقد اندلعت احتجاجات مناهضة لمودي في مناطق مختلفة من البلاد، بدءاً من أروناتشال براديش في الشمال الشرقي وصولاً إلى مومباي وغوا في الغرب. كما خرج الهنود في الشتات، من لندن إلى نيويورك، تضامناً مع الحراك.

وقد قاد راهول غاندي، زعيم المعارضة البرلمانية الذي كان يثير قضية أزمة الامتحانات لشهور، مظاهرة أخرى خارج مقر إقامة رئيس الوزراء احتجاجاً على وحشية الشرطة ضد المتظاهرين الشباب. وكانت هذه المرة الأولى في تاريخ الهند التي يحتج فيها زعيم المعارضة أمام مقر إقامة رئيس الوزراء. وانضم إليه أعضاء آخرون في البرلمان، ورئيسا وزراء ولايتين حاليان، والعديد من قادة الأحزاب السياسية. وقد أدى احتجازهم من قبل الشرطة إلى تصعيد الوضع ليتحول إلى أزمة سياسية فرضت تغطية إعلامية شاملة في مختلف وسائل الإعلام. وانتشرت صور غاندي وهو يُجر من قبل عناصر الشرطة وأنفه ينزف دماءً بسرعة فائقة، مما زاد الطين بلة وأجج الغضب العام.

ولا يزال عشرات الآلاف من الأشخاص يتوافدون للتجمع في قلب دلهي، على الرغم من تفكيك موقع الاعتصام الرئيسي للحركة. ويتابع الهنود في جميع أنحاء العالم التطورات عن كثب، متسائلين عما سيحدث بعد ذلك؛ فكل يوم يضيف سطراً جديداً إلى كتب التاريخ في الهند.

المصدر: نيولاينز

علاماتالحكومة الهندية ، الدولة الهندية ، جيل زد
مواضيعالوضع في الهند ، ترجمات ، جيل زد

قد يعجبك ايضا

سياسة

“نوى ناحال” في شمال غزة: حين يمهّد الدمار لعودة الاستيطان

أحمد الطناني٢٤ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

من سوريا إلى الإمارات.. السباق لتجاوز مضيق هرمز بدأ

شون ماثيوز٢٣ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

آندي بورنهام.. هل يقود أكبر تحول في بريطانيا منذ عقود؟

أحمد سيف النصر٢٣ يوليو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑