• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

العالقون في مخيمات إدلب.. لا بيوت للعودة ولا دعم للبقاء

يوسف بدوي١ أغسطس ٢٠٢٦

تتزايد مشاعر اليأس والاغتراب لدى الأسر المتبقية في مخيمات شمال غرب سوريا، عقب عودة قسم من النازحين إلى مناطقهم، فيما لم يتمكّن كثيرون من العودة لمنازلهم جراء دمارها وغياب البدائل السكنية، مما أدى لبروز مجتمع نزوح جديد يضم الفئات الأكثر هشاشة.

تتضاعف هذه المعاناة مع تقليص التمويل الإنساني والخدمات الأساسية داخل المخيمات. ورغم تنظيم قوافل العودة وتطبيق خطط إعادة الهيكلة، يرى نازحون أن خفض الدعم يمثل ضغطاً لمغادرة الخيام نحو مناطق تفتقر للبنية التحتية، مما يطرح تساؤلاً رئيساً: هل تنجح الحكومة في إنهاء هذا الملف وتأمين عودة آمنة ومستدامة للجميع، كما وعدت؟

شعور الغربة المضاعف

يشعر المتبقون في الخيام بتفاقم مشاعر الاغتراب بعد عودة قسم من جيرانهم النازحين الذين يملكون منازلَ أو يستطيعون تأمين مأوى في مناطقهم الأصلية، ويزيد على مشاعر النازحين إحساسهم بفقدان الأمل بالعودة ضمن واقع مرير يسوء مع مرور الأيام.

فؤاد الخطيب نازح من كفر زيتا بريف حماة، يقول لـ”نون بوست”: “أعيش في تجمع مخيمات الكرامة منذ نزوحي قبل عشر سنوات، يأسنا حيال عودتنا إلى الديار، نحن الذين خسرنا كل شيء فترة الحرب وفقدنا بيوتنا حتى ما تبقى لنا سوى هذه الخيام لنسكنها، وأخشى أن نبقى فيها مدى الحياة”.

ويضيف فؤاد الخطيب أن الفئة الأكثر تضررًا من النزوح هُن المتبقيات في مخيم الأرامل واللواتي يعشن غربة مضاعفة، فمن ناحية فقدن أزواجهن، ومن ناحية أخرى عجزهن عن مغادرة المخيم، وكانت الأرامل هناك قد تظاهرن مؤخراً مطالبات بتأمين عودة كريمة بدل البقاء في المخيم، أو بتحسين ظروف النزوح حتى حينها.

“عند مفارقة السكان الذين يستطيعون العودة فإنه ينتابنا شعور بالحسرة والإحباط”، هكذا يعبر أبو قصي الحموي لـ “نون بوست” وهو نازح من اللطامنة بريف حماة، ويضيف أن من يعود هم أولئك الذين استطاعوا ترميم بيوتهم أو السكن عند عوائلهم، لكن من تبقى هنا في المخيم فإنهم لن يستطيعوا العودة للأبد، ما لم يُعَد الإعمار أو يتم تعويضهم.

وقالت مديرة الشؤون الاجتماعية والعمل في إدلب “أحلام الرشيد” لـ نون بوست: إن “استمرار الإقامة في بيئة المخيمات لا يمكن أن يكون بديلاً دائمًا عن الحياة الطبيعية، وقد عاش المتبقون في الخيام سنوات طويلة من النزوح تركت آثارًا نفسية واجتماعية عميقة عليهم، خاصة عند المتبقين من الأرامل والأطفال الذين يعيشون حالة من الغربة والقلق وعدم الاستقرار، ويواجهون تحديات كبيرة نتيجة فقدان المعيل، وغياب مصادر الدخل”.

وتُعبّر الغالبية العظمى من الأسر المتبقية في المخيمات عن رغبة صادقة في العودة إلى بلداتها وقراها، إلا أن الدمار الذي لحق بالمنازل، وضعف البنية التحتية، وغياب فرص العمل، قد شكلت عوائق حقيقية أمام تحقيق هذه العودة في الوقت الحالي، بحسب الرشيد.

ضعف الإغاثة يزيد الطين بلة

يُفاقم ضعف الإغاثة من أسى النازحين ومرارة اضطرارهم إلى البقاء في المخيمات، وفي حين تُوزّع الإغاثة أحيانًا إلا أنها تقتصر على قدر ضئيل من الأساسيات غير منتظمة التوزيع ولا تصل الجميع، مع وجود مخيمات صغيرة متوزعة في أنحاء إدلب لم يصلها أي دعم منذ أشهر، كما تبيّن في جولة أجراها “نون بوست”.

ويقول أبو قصي الحموي إن أرباب الأسر اليوم بالكاد يتدبرون قوت يومهم، في حين أن الأسر التي خسرت معيلها تعيش ظروفًا صعبة للغاية في ظل ندرة الإغاثة. ويضيف أبو قصي الموجود في مخيمات الكرامة أن نداءً يوميًّا يصل من مخيم الأرامل القريب لتأمين حاجيات أساسية مثل الطعام والماء والدواء، ويضيف أن “الرجال هنا لا يستطيعون تأمين قوت يومهم فكيف بحال الأرامل، فهم لا معيل لهن هنا، ولا مأوى في حال سئمن وقررن المغادرة نحو المجهول”.

وفي هذا الصدد تقول مديرة الشؤون الاجتماعية والعمل: إن تراجع التمويل الإنساني وانخفاض حجم تدخلات بعض المنظمات الإنسانية انعكس على مستوى الخدمات المقدمة داخل المخيمات، خاصة الخدمات الأساسية والمنقذة للحياة، وتضيف: “نتابع بشكل مستمر أوضاع جميع المخيمات، مع اهتمام خاص بمخيمات الأرامل والأيتام، نظرًا لما تضمه من فئات تُعد الأكثر هشاشة واحتياجًا للرعاية والدعم”.

الحل المستدام، بحسب الرشيد، لا يقتصر على استمرار تقديم المساعدات الإنسانية داخل المخيمات، وإنما يتمثل في تهيئة الظروف التي تضمن عودة آمنة وكريمة، وتأهيل المناطق الأصلية، وإعادة دمج هذه الأسر في مجتمعاتها.

وفي حديث مع فضل عبد الغني مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، قال لـ”نون بوست”: إن تراجع الإغاثة يؤدي إلى إضعاف منظومة البقاء بأكملها، ولا يقتصر أثره على خفض كميات المساعدات الغذائية.

ويؤكد فضل عبد الغني أن 15.6 مليون شخص ما زالوا بحاجة إلى المساعدة الإنسانية، في حين لم تتجاوز تغطية خطة الاستجابة لعام 2026 نحو 28% حتى أواخر يوليو/تموز، ويضيف عبد الغني أن برنامج الأغذية العالمي قد خفّض عدد المستفيدين من مساعداته الطارئة من 1.3 مليون إلى 650 ألف شخص بسبب نقص التمويل.

بين إعادة التنظيم ومخاوف الاستيطان

في المراحل الأولى من بدء عودة النازحين المستطيعين طرأت بعض التغييرات على حالة الأسواق وعلى توزع السكان داخل المخيم، لكن بعد مدة بدأ المخيم يسد فراغاته وينتظم مرة أخرى وسط خشية من تحول المخيمات لحالة من الاستيطان الدائم، بحسب فؤاد الخطيب. 

وتوصف الأشكال الجديدة لمجتمعات النزوح اليوم بأنها أكثر تنوعًا نتيجة اختلاطها بلاجئين كانوا خارج البلاد أو بنازحين آخرين غيروا مخيماتهم عبر مغادرة المخيمات الصغيرة إلى الأخرى الأكبر حجما أو الأقرب إلى المدن. ويتخوّف نازحون تحدث إليهم “نون بوست” من تحول المخيمات لأماكن سكن أبدية.

وحول إعادة تنظيم المخيمات تقول مديرة الشؤون الاجتماعية والعمل إن “انخفاض أعداد النازحين داخل المخيمات جاء نتيجة عودة آلاف الأسر إلى بلداتها وقراها، وهو مؤشر إيجابي يعكس رغبة السوريين في الاستقرار والعودة إلى ديارهم. وقد رافق ذلك إعادة تنظيم واقع المخيمات، من خلال دمج بعضها وإغلاق المخيمات التي انخفض عدد قاطنيها بشكل كبير، بهدف تحسين إدارة الخدمات والاستفادة المثلى من الموارد المتاحة”، وتضيف أحلام الرشيد أن مجتمع النزوح الحالي يضم الفئات الأكثر هشاشة من الذين تعذّرت عليهم العودة.

ويؤكد مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني “أن انخفاض أعداد النازحين لا يعني انخفاض الاحتياج”، ويضيف أنه رغم عودة حوالي 1.96 مليون نازح داخلي منذ كانون الأول/ديسمبر 2024 حتى 18 حزيران/يونيو 2026، ورغم مغادرة أكثر من 1.16 مليون شخص مواقع النزوح، إلا أنه لا يزال نحو 5.54 ملايين شخص بحكم النازح في الداخل.

هل تنجح الحكومة في إنهاء ملف النازحين؟

يرى العديد من النازحين الذين التقيناهم أن الجهود الحكومية تضغط عليهم بشكل غير مباشر لمغادرة المخيمات، وقال فؤاد الخطيب: “لقد أغلقوا المياه على جزء من المخيمات وأوقفوا الخدمات الصحية على أخرى، والقمامة لا يتم ترحيلها، فهل يمكنني فهم هذا إلا أنه إجبار على مغادرة المخيم؟ خاصة مع تزامن جزء من هذه السياسة بحملات العودة المعلنة”.

أما أبو قصي الحموي فيؤكد أن كثيرًا ممن عادوا عبر القوافل الحكومية قد رجعوا إلى المخيم بعد أيام قليلة من وصول القافلة، “مناطق مثل قرى ريف حماة بعضها مدمر بالكامل فماذا سيفعل أولئك النازحين هناك؟ هل يفترشون الأرض والركام؟”

وحول هذا الموضوع يقول فضل عبد الغني إن “العودة قد تكون قسرية حتى من دون استخدام القوة، إذا قُطعت المياه أو المساعدات الغذائية أو الرعاية الصحية، أو أُغلق المخيم من دون توفير بديل معقول. ولا تعني الطوعية مجرد توقيع الأسرة على استمارة، بل توافر خيارات حقيقية، ومعلومات دقيقة، وعدم التعرض لضغط يجعل البقاء مستحيلاً”.

من جهتها تقول “أحلام الرشيد” إنه خلال الأسبوعين الماضيين فقط، عادت أكثر من 1500 عائلة إلى بلداتها وقراها في عدد من المحافظات السورية بشكل طوعي، وذلك ضمن جهود مستمرة تنفذها الجهات الحكومية بالتعاون مع المحافظات والمنظمات والشركاء الإنسانيين.

يسير ملف المخيمات بالتوازي مع ملفات وطنية أخرى ذات أهمية كبرى، مثل إعادة تأهيل المؤسسات، وتطوير قطاعي التعليم والصحة، وتعزيز التعافي المجتمعي، وغيرها من الملفات التي تعمل عليها الدولة في الوقت نفسه، وما تحقق خلال الفترة الماضية يؤكد أن العمل يسير بخطوات عملية، وليس مجرد خطط أو وعود، تقول مديرة الشؤون الاجتماعية والعمل.

ومن ناحيته يرى عبد الغني أن الحكومة لا تمتلك، وفق المعطيات المتاحة، الموارد المالية والمؤسسية الكافية لإنهاء جميع المخيمات بصورة آمنة ومستدامة خلال فترة قصيرة، من دون دعم دولي واسع، وهو يقيّم الأداء الحكومي في ملف المخيمات بأنه انتقال إيجابي من غياب السياسة إلى بناء إطار مؤسسي، لكنه لم يثبت بعد قدرته على تحويل الهدف إلى حلول دائمة واسعة النطاق.

علاماتأثر الحرب على المجتمع السوري ، إدلب ، الأزمة في إدلب ، الشأن السوري ، النازحون السوريون
مواضيعالشأن السوري ، الوضع في إدلب ، سوريا حرة ، مخيمات سوريا

قد يعجبك ايضا

مجتمع

قانون الجنسية السوري أمام البرلمان الجديد.. هل حان وقت التعديل؟

زينب مصري٣٠ يوليو ٢٠٢٦
مجتمع

الرقة.. انتظار طويل للنهوض

زين العابدين العكيدي٢٤ يوليو ٢٠٢٦
مجتمع

من أرض الثروات إلى قوافل الرحيل.. ماذا يحدث في الحسكة؟

زين العابدين العكيدي١٧ يوليو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑