يقف الأردن أمام نصف مليار متر مكعب من المياه لم تدخل موازنته المائية، تتوزع بين 200 مليون متر مكعب كانت ستأتي من مشروع إقليمي للتحلية توقف قبل الاتفاق التنفيذي، و300 مليون متر مكعب ينتظر إنتاجها من الناقل الوطني بين العقبة وعمّان ابتداء من عام 2030.
وبين مشروع تعثر وآخر ينتظر التشغيل، تسد المملكة فجوتها اليومية بضخ يتجاوز الحدود الآمنة من الأحواض الجوفية، وتوسيع استخدام المياه المعالجة، والاعتماد على تدفقات تحكمها الاتفاقات مع دول الجوار.
وقدرت وزارة المياه والري الأردنية الطلب السنوي لجميع الاستخدامات عام 2023 بنحو 1.202 مليار متر مكعب، فيما وضعت وثائق الاستراتيجية الحكومية فجوة بين العرض والطلب عند 261 مليون متر مكعب بحلول عام 2025.
ويكشف تجاوز السحب الفعلي من المياه الجوفية الحد الآمن بنحو 280 مليون متر مكعب خلال 2023 كيف تغطي المملكة قسما كبيرا من هذا النقص.
وفي أواخر 2025، انتهى اتفاق كان يضيف إلى إمدادات الأردن 50 مليون متر مكعب سنويا من “إسرائيل”، ما زاد الضغط على مشروع الناقل الوطني بوصفه أكبر مصدر جديد مرتقب لمياه الشرب.
وتكشف بيانات الوزارة عن خريطة مائية تجمع بين المياه الجوفية والسطحية والمعالجة والمصادر العابرة للحدود، فيما تختلف قدرة كل مصدر على تلبية الطلب والاستمرار خلال السنوات المقبلة.
من أين يشرب الأردن اليوم؟
تعطي وزارة المياه والري الأردنية في نشرة “حقائق وأرقام 2023” صورة عامة لخريطة الموارد المستخدمة في مختلف القطاعات. وتتوزع هذه الموارد بين نحو 683 مليون متر مكعب من المياه الجوفية، و325 مليون متر مكعب من المياه السطحية، ونحو 195 مليون متر مكعب من مياه الصرف المعالجة المعاد استخدامها.
وتشكل الموارد المشتركة أو المرتبطة بدول الجوار قرابة 26% من إجمالي الموارد المائية، فيما يرتفع اعتماد مياه الشرب تحديدا على المصادر الجوفية، سواء عبر الأحواض المحلية أو عبر مشروع الديسي الذي يضخ إلى عمّان منذ عام 2013، بينما تبقى الأحواض الجوفية المصدر الأثقل وزنا والأشد هشاشة في الوقت نفسه.
وتضع الوزارة حد السحب الآمن عند نحو 419 مليون متر مكعب سنويا، موزعة بين 275.5 مليون متر مكعب من المياه المتجددة ونحو 143 مليون متر مكعب من المخزونات غير المتجددة على أفق خمسين عاما، بينما بلغ السحب الفعلي في 2023 نحو 699 مليون متر مكعب، أي بفارق يقترب من 281 مليون متر مكعب فوق الحد الآمن.
ويضم هذا المسار مشروع الديسي الذي وفر للعاصمة موردا كبيرا من المياه الجوفية العميقة، في وقت تواصل فيه المياه السطحية القادمة من السدود ونهر اليرموك وقناة الملك عبد الله تغذية الشرب والري، إلى جانب دور متصاعد لمياه الصرف المعالجة التي أعيد استخدام نحو 195 مليون متر مكعب منها في 2023.
وتوضح الخريطة التالية المسارات الرئيسية التي تصل عبرها المياه إلى الأردن، فهي تظهر حوض الديسي وخط نقله إلى عمّان، ومنظومة نهر اليرموك وسد الوحدة وقناة الملك عبد الله في الشمال، وخط المياه القادم من بحيرة طبريا، إضافة إلى محطات معالجة مياه الصرف واتجاه استخدامها الزراعي في وادي الأردن.
وتساعد هذه الخريطة على التمييز بين الموارد المحلية، مثل الجوفية والمياه المعالجة، والموارد العابرة للحدود التي ترتبط بالاتفاقات أو بالمصادر المشتركة مع دول الجوار.
أما المياه التي يحصل عليها الأردن من الأراضي الفلسطينية المحتلة، فتستند إلى ترتيبات قانونية وتشغيلية تراكمت منذ معاهدة السلام الموقعة عام 1994 مع “إسرائيل”.
وينص ملحق المياه على تحويل 20 مليون متر مكعب صيفا من نهر الأردن، و10 ملايين متر مكعب من المياه المحلاة من الينابيع المالحة أو من مياه النهر إلى حين تشغيل التحلية، إلى جانب ترتيبات التخزين وتقاسم مياه اليرموك، وبند تعاون لتطوير 50 مليون متر مكعب إضافية سنويا.
وفي يوليو/تموز 2021، أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك يائير لابيد، بعد لقائه وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، اتفاقا لبيع الأردن 50 مليون متر مكعب إضافية، قبل أن ينتهي هذا الاتفاق في أواخر 2025، ما خفض المياه العذبة المتاحة لعمان بمقدار 50 مليون متر مكعب سنويا وفق ما أورده صندوق النقد الدولي خلال تقرير في يونيو/حزيران 2026.
وخلال العقدين الأخيرين، تحولت المياه المعالجة من مورد ثانوي إلى عنصر ثابت في الموازنة المائية، فيما بقيت التحلية البحرية محدودة بقدرات صغيرة في العقبة، بانتظار دخول الناقل الوطني الخدمة.
وبذلك تبدو خريطة المياه الأردنية اليوم قائمة على مزيج من الضخ الجوفي العميق والمياه السطحية المتقلبة والمياه المعالجة ومصادر عابرة للحدود تتأثر بالاتفاقات والسياسة والظروف المناخية.
كم يحتاج الأردن وكم ينقصه؟
تقدر وزارة المياه والري الأردنية في نشرة “حقائق وأرقام 2023” الطلب السنوي لجميع القطاعات بنحو 1.202 مليار متر مكعب.
ويستحوذ القطاع الزراعي على 623 مليون متر مكعب، بما يعادل قرابة 52% من الإجمالي، مقابل 527 مليون متر مكعب للاستخدام المنزلي والسياحي، و40.3 مليون متر مكعب للصناعة، و12 مليون متر مكعب للاستخدامات البدوية.
ويبلغ نصيب الفرد من المياه العذبة المتجددة نحو 61 مترا مكعبا سنويا، وهو مؤشر يعكس محدودية الموارد الطبيعية قبل إضافة المياه المعالجة والضخ من المخزونات العميقة والإمدادات القادمة من الخارج.
ويتغير حجم الفجوة بحسب نوع الموارد المعتمد في الحساب، فمقارنة الطلب التقديري بالموارد التقليدية المتاحة، المقدرة بنحو 1.008 مليار متر مكعب، تضع الفارق عند 194 مليون متر مكعب.
وعند احتساب الموارد القابلة للاستمرار، من خلال جمع حدود السحب الآمن من المياه الجوفية البالغة 419 مليون متر مكعب مع 325 مليون متر مكعب من المياه السطحية ونحو 195 مليون متر مكعب من المياه المعالجة، ينخفض المتاح إلى قرابة 939 مليون متر مكعب، وترتفع الفجوة إلى نحو 263 مليون متر مكعب.
ويتقارب هذا الحساب مع تقدير حكومي سابق لفجوة عرض وطلب بلغت 261 مليون متر مكعب بحلول عام 2025، مع اختلاف سنة القياس ومنهجية الحساب.
وتسد المملكة قسما كبيرا من هذه الفجوة بالسحب من الأحواض الجوفية فوق الحدود الآمنة، فقد بلغ الضخ الفعلي عام 2023 نحو 699 مليون متر مكعب، بزيادة تقارب 281 مليون متر مكعب على المستوى الآمن.
ويمنح هذا الضخ المنظومة كميات إضافية في المدى القريب، بينما يظهر أثره تدريجيا في هبوط مناسيب الأحواض وتراجع جودة المياه وارتفاع كلفة استخراجها.
ويوضح الإنفوجراف التالي الفارق بين فجوة الموارد وخسائر شبكات مياه الشرب، ويقيس الفرق بين الطلب والموارد المتاحة أو القابلة للاستمرار، كما يتتبع المياه التي دخلت شبكات التوزيع ولم تسجل إيرادات مقابلة لها، بما يشمل التسربات والخسائر التجارية والإدارية.
وتقدر بيانات الوزارة حجم التسربات الفعلية من شبكات المياه بنحو 106 ملايين متر مكعب سنويا، تمثل قرابة 43% من إجمالي المياه غير المفوترة البالغة 246.3 مليون متر مكعب. وترتبط هذه الخسائر بتهالك الأنابيب والخزانات والوصلات، ما يحرم الشبكة من كميات كبيرة قبل وصولها إلى المشتركين.
أما نحو 140 مليون متر مكعب المتبقية، فتتركز في الخسائر التجارية والإدارية، بما يشمل أخطاء العدادات والفوترة، والاعتداءات على الشبكات، والاستهلاك غير المشروع، وكميات تُستخدم من دون تسجيل إيرادات مقابلة لها. ويعني ذلك أن معالجة الفاقد تحتاج مسارين متوازيين، أولهما إصلاح البنية التحتية، وثانيهما تشديد الرقابة وتحسين القياس والتحصيل.
وتستهدف الاستراتيجية الوطنية خفض المياه غير المفوترة إلى 25% بحلول عام 2040، وعند تطبيق هذا الهدف على حجم التزويد المسجل في 2023، ينخفض مجموع المياه غير المفوترة بنحو 113 مليون متر مكعب سنويا. ويظهر الأثر في استعادة جزء من المياه المتسربة، وتحسين التحصيل، وضبط الاعتداءات، ورفع دقة العدادات والفوترة.
وتزيد التحولات السكانية والمناخية الضغط على المنظومة، إذ قدرت الوزارة ارتفاع الطلب المنزلي في المحافظات الشمالية بنحو 40% خلال سنوات استقبال اللاجئين السوريين.
وفي الوقت نفسه، يتحول أقل من 10% من الأمطار إلى جريان سطحي أو تغذية جوفية قابلة للاستخدام، فيما تتراجع تدفقات اليرموك وتتذبذب مخزونات السدود وتواصل الآبار المخالفة استنزاف الأحواض، فيما ردمت السلطات 137 بئرا غير مرخصة خلال عام 2023.
ويقترب حجم النقص من نصف مليار متر مكعب عند جمع فجوة الموارد المستدامة، المقدرة بنحو 263 مليون متر مكعب، مع 246 مليون متر مكعب من المياه غير المفوترة. ويجمع هذا الرقم بين نقص في الموارد المتاحة ومياه دخلت شبكات التوزيع ثم تسرب جزء منها أو لم تُسجل إيراداتها، ما يضع أمام الأردن أزمتين متوازيتين في تأمين مصادر جديدة ورفع كفاءة الشبكات القائمة.
أما نصف المليار المرتبط بالمشروعات، فيتكون من 300 مليون متر مكعب ينتظر إنتاجها من الناقل الوطني و200 مليون متر مكعب كانت مطروحة ضمن مشروع المياه والطاقة الإقليمي الذي توقف قبل التنفيذ.
كيف يحاول الأردن سد الفجوة؟
يتصدر مشروع العقبة–عمّان لتحلية ونقل المياه، المعروف بالناقل الوطني، خطط زيادة الإمدادات، ويشمل تحلية 300 مليون متر مكعب سنويا من مياه خليج العقبة، ثم نقلها عبر خط يبلغ طوله نحو 450 كيلومترا باتجاه العاصمة وربطها بمنظومة التزويد في محافظات أخرى. وتقدر الحكومة أن الإنتاج المستهدف يعادل نحو 40% من احتياجات مياه الشرب، وحددت عام 2030 موعدا متوقعا لبدء الضخ.
وتتولى شركة مشروع الناقل الوطني تطوير المشروع، وهي مملوكة بنسبة 90% لشركة “ميريديام” الفرنسية المتخصصة في استثمارات البنية التحتية، وبنسبة 10% لشركة “سويز” الفرنسية العاملة في إدارة المياه والخدمات البيئية.
ووقعت الحكومة اتفاق المشروع الأولي في 12 يناير/كانون الثاني 2025، ثم أبرمت الاتفاقية الفنية والقانونية النهائية في 21 أبريل/نيسان 2026، بعد مفاوضات استمرت نحو 16 شهرا.
وتختلف تقديرات الكلفة باختلاف نطاق كل وثيقة، فقد قدرت وزارة المياه في مايو/أيار 2025 كلفة المشروع بنحو 2.5 مليار دولار، مع تأمين قرابة 500 مليون دولار من المنح والمساعدات.
ويقدر بنك الاستثمار الأوروبي، مؤسسة التمويل التابعة للاتحاد الأوروبي، الكلفة بنحو 3.282 مليار يورو، بينما تضع وثائق البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية،، التقدير عند نحو أربعة مليارات دولار.
ووقع بنك الاستثمار الأوروبي في ديسمبر/كانون الأول 2022 قرضا بقيمة 200 مليون يورو لدعم مساهمة الحكومة الأردنية، ثم أقر تمويلا إضافيا بقيمة 427 مليون يورو في يوليو/تموز 2025.
كما أعلن البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية تمويلا يصل إلى 475 مليون دولار لشركة المشروع، وشاركت جهات أخرى بينها الاتحاد الأوروبي وبنك الإعمار الألماني، مؤسسة التنمية الحكومية الألمانية، في حزم القروض والمنح. وتشير بيانات حكومية إلى مساهمة مباشرة من الخزينة تبلغ 300 مليون دينار، ومنح خارجية وصلت إلى 642 مليون دولار.
ويمنح تشغيل الناقل الأردن مصدرا محليا يعادل ثلاثة أضعاف الكمية التي كان يحصل عليها من “إسرائيل” خلال فترة الاتفاق الإضافي، عندما بلغت الإمدادات التشغيلية المتداولة نحو 100 مليون متر مكعب سنويا. وستحدد كفاءة الشبكات مقدار المياه التي تصل إلى المستهلك، لأن استمرار الفاقد عند مستوياته الحالية سيقتطع جزءا من الإنتاج الجديد.
وجاء المشروع بعد تعثر مسار إقليمي آخر كان سيضيف 200 مليون متر مكعب سنويا، ففي 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2021، وقع الأردن والإمارات و”إسرائيل” إعلان نوايا لدراسة مشروع ينص على إنشاء محطة طاقة شمسية في المملكة بقدرة 600 ميغاواط، مقابل إنتاج مياه محلاة لعمان في “تل أبيب”، فيما تبع ذلك توقيع مذكرة تفاهم في 8 نوفمبر/تشرين الثاني 2022.
وفي 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، قال وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي إن بلاده لن توقع الاتفاق النهائي في ظل العدوان الإسرائيلي على غزة، فتوقف المشروع عند مرحلة إعلان النوايا ومذكرة التفاهم، وبقيت كمية المياه المقترحة خارج الإمدادات.
وتعمل الحكومة بالتوازي على خفض فاقد الشبكات وتوسيع إعادة استخدام مياه الصرف وتحلية المياه الجوفية المالحة وتحسين كفاءة الري وضبط الآبار المخالفة.
كما أنشأت 521 مشروعًا للحصاد المائي، تشمل سدودًا صحراوية وبركًا وحفرًا لتجميع مياه الأمطار والسيول، بسعة تصميمية إجمالية تبلغ نحو 128 مليون متر مكعب، وتخدم هذه المنشآت الزراعة والمجتمعات المحلية والثروة الحيوانية، فيما يرتبط مردودها الفعلي بكميات الهطول ومستويات التخزين السنوية.
ويتوقف تغير خريطة المياه بحلول 2030 على تقدم ثلاثة مسارات مترابطة، إذ يحتاج الناقل الوطني إلى الوصول إلى التشغيل بطاقته الكاملة، وتحتاج شبكات الشرب إلى خفض التسربات والخسائر التجارية، فيما يحتاج القطاع الزراعي إلى استيعاب كميات أكبر من المياه المعالجة لتحرير المياه العذبة للمدن.
وعند تقدم هذه المسارات، يحصل الأردن على 300 مليون متر مكعب من التحلية، ويستعيد جزءا من نحو 106 ملايين متر مكعب تقدر كتسربات فعلية، ويواصل توسيع مورد المياه المعالجة الذي اقترب من 200 مليون متر مكعب سنويا.
أما استمرار التأخير والضخ الجائر والفاقد المرتفع، فيبقي الموازنة المائية مرتبطة باستهلاك المخزون الجوفي ومصادر تتأثر بالأمطار والعلاقات السياسية والتمويل الخارجي.