• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

قانون الجنسية السوري أمام البرلمان الجديد.. هل حان وقت التعديل؟

زينب مصري٣٠ يوليو ٢٠٢٦

صورة تعبيرية جرى توليدها بأدوات الذكاء الاصطناعي، كغلاف لهذا التقرير.

Also available in English

عندما وُلدت الطفلة مريم في الدنمارك، لم تكن والدتها تتوقع أن تتحول إجراءات تسجيلها إلى رحلة بين ثلاث جنسيات، تنتهي بحصولها على جنسية جدتها، لا جنسية والدتها السورية أو والدها الفلسطيني- السوري.

لكن ما حدث مع مريم لم يكن سوى امتداد لقصة يعيشها والدها أيضًا، الذي لا يزال ينتظر الحصول على الجنسية السورية من والدته.

تحمل والدة مريم، نور الهدى أبو حلاوة (32 عامًا)، الجنسيتين السورية والتركية، فهي ابنة لأب سوري وأم تركية، وكانت قد تزوجت من فلسطيني وُلد ونشأ في سوريا لأم سورية، ويقيمان اليوم في الدنمارك.

ورغم أن زوجها عاش حياته في سوريا ويتمتع بحقوقه فيها، فإنه لا يزال، على أوراقه الرسمية، فلسطينيًا، وينتظر أن يتمكن من الحصول على الجنسية السورية من خلال والدته إذا ما أُجريت تعديلات على التشريعات النافذة.

تروي نور الهدى لـ”نون بوست” أن العائلة كانت تعتقد، عند ولادة مريم، أنها قد تحصل على الجنسية الدنماركية باعتبار أن والدها فلسطيني- سوري، بعدما أُبلغت بأن الأطفال المولودين في مثل هذه الحالات قد يُعاملون بوصفهم عديمي الجنسية، ما يتيح لهم الحصول على الجنسية الدنماركية.

لذلك لم تسجل الأسرة ابنتها مباشرة في أي دولة أخرى، وانتظرت عدة أشهر على أمل أن تُمنح الجنسية الدنماركية، غير أن المفاجأة جاءت عندما سجّلت السلطات الدنماركية الطفلة تلقائيًا على أنها تركية، استنادًا إلى الجنسية التركية التي تحملها والدتها.

وتقول نور الهدى إن المفارقة كانت مؤلمة بالنسبة لها، إذ استطاعت أن تنقل إلى ابنتها جنسيتها التركية التي ورثتها عن والدتها، لكنها لم تستطع أن تمنحها جنسيتها السورية، مشيرة إلى أنه لولا حملها للجنسية التركية، لربما كان المسار القانوني لمريم مختلفًا منذ ولادتها.

ولم تتوقف الإرباكات عند هذا الحد، فعندما زارت مريم سوريا للمرة الأولى وهي رضيعة، دخلت بجواز سفرها التركي، واضطرت والدتها إلى إبراز وثائق إضافية لإثبات أن والدها فلسطيني مولود في سوريا، قبل أن يُسمح لهما بإكمال إجراءات الدخول.

ورغم ذلك، تؤكد نور الهدى أن القضية بالنسبة لها لا تتعلق بجواز سفر أو وثيقة بقدر ما تتعلق بالهوية والانتماء، فهي تحرص على اصطحاب ابنتها إلى سوريا، وتعريفها بعائلة والدها، وتربيتها على حب البلد الذي تنتمي إليه، لكنها ترى أن القانون لا يعترف بهذا الانتماء.

وتشير الشابة إلى أنها لم تسجل ابنتها حتى اليوم في سوريا، لأن القانون لا يمنح أبناء الأم السورية الجنسية، وتنتظر الأسرة تعديلًا قانونيًا أو دستوريًا يساوي بين الأم والأب في هذا الحق.

وتوجّه نور الهدى رسالة إلى أعضاء مجلس الشعب، تدعو فيها إلى منح هذا الملف أولوية في مناقشات الدستور الجديد، معتبرة أن منح أبناء السوريات الجنسية السورية يكرّس المساواة ويعزز ارتباطهم بوطن أمهاتهم، ويشجعهم مستقبلًا على العودة والمساهمة في بناء سوريا.

لماذا لا تمنح الأم السورية جنسيتها لأبنائها؟

ترتبط حالة الطفلة مريم بالنص القانوني الناظم للجنسية في سوريا منذ أكثر من خمسة عقود، إذ يكرّس المرسوم التشريعي رقم 276 لعام 1969، المعروف بقانون الجنسية العربية السورية، مبدأ انتقال الجنسية عن طريق الأب، مع استثناءات ضيقة، من بينها منح الجنسية للمولود في سوريا من أم سورية إذا لم يثبت نسبه إلى والده قانونًا.

ولا تتوافر إحصاءات رسمية توضح عدد أبناء السوريات المتأثرين بقانون الجنسية، إلا أن منظمات حقوقية تؤكد أن آثار القانون تمتد إلى آلاف العائلات داخل سوريا وخارجها، خاصة بعد سنوات الحرب وما رافقها من زيجات مختلطة ونزوح ولجوء.

فقبل بدء الاحتجاجات الشعبية عام 2011، تزوجت سوريات من فلسطينيين مقيمين في سوريا ومن عرب وأجانب، ليجد كثير من أبنائهن أنفسهم مرتبطين قانونيًا بجنسية الأب، رغم نشأتهم وإقامتهم داخل البلاد، وما يرافق ذلك من إجراءات تتعلق بالإقامة والوثائق الرسمية.

أم سورية شابة تعبر الحدود إلى الأردن مع ابنها البالغ من العمر شهر واحد- نوفمبر 2024- UNHCR

وخلال سنوات الحرب، ازدادت حالات زواج السوريات من أجانب، بينهم مقاتلون قدموا إلى سوريا.

وفي عدد من الحالات، لم تُسجَّل هذه الزيجات رسميًا، واعتمدت فقط على عقود شرعية، ما أفضى إلى أوضاع قانونية معقدة للأطفال، فمنهم من بقي غير مسجل في أي دولة أو معرّضًا لخطر انعدام الجنسية، ومنهم من حمل جنسية والده فقط، من دون أن يتمكن من الحصول على الجنسية السورية رغم إقامتهم في سوريا.

وعلى مدى سنوات، طالبت منظمات حقوقية بتعديل قانون الجنسية، معتبرة أن استمرار حرمان المرأة السورية من نقل جنسيتها إلى أبنائها يتعارض مع مبدأ المساواة وعدم التمييز الذي أكده الإعلان الدستوري الصادر عام 2025، رغم بقاء قانون الجنسية نافذًا إلى حين تعديله.

من المطلب الحقوقي إلى مشروع قانون

ومع تشكيل مجلس الشعب الجديد، عاد ملف تعديل قانون الجنسية إلى واجهة النقاش، وسط آمال لدى كثير من السوريات بأن يتحول إلى مشروع قانون يُناقش تحت قبة البرلمان، بما يفتح الباب أمام تعديل تشريعي يساوي بين الأم والأب في حق منح الجنسية لأبنائهما.

ورغم الآمال المعلقة على المجلس الجديد، لا تزال آلية طرح تعديل قانون الجنسية غير محسومة، إذ لم تبدأ بعد أعمال اللجان المختصة، ولم يُعلن عن الجهة التي ستتولى مناقشة الملف.

وكانت عضو مجلس الشعب نور الجندلي قد أعربت، في حديث لمنصة “سراج”، عن دعمها تعديل قانون الجنسية، معتبرة أن حرمان المرأة من نقل جنسيتها يمثل تمييزًا ضدها.

إلا أنها أوضحت لـ”نون بوست” أن الوقت لا يزال مبكرًا لإبداء مواقف جديدة، في ظل عدم بدء عمل اللجان البرلمانية المعنية بالملف.

ويرى الصحفي والقانوني صالح ملص أن المرحلة الحالية تتيح فرصة حقيقية لإعادة فتح النقاش حول قانون الجنسية، لكنها تختلف عن المحاولات السابقة، لأن الحديث لم يعد يقتصر على مطالب منظمات حقوقية أو حملات نسوية، وإنما أصبح مرتبطًا بمرحلة إعادة بناء المنظومة التشريعية في سوريا، بالتزامن مع التحضير لصياغة دستور دائم جديد.

مواطن سوري يجمل هوية شخصية

ويؤكد ملص، في حديثه لـ”نون بوست”، أن انعقاد مجلس الشعب وحده لا يعني بالضرورة فتح ملف تعديل قانون الجنسية، فذلك يتطلب وجود إرادة تشريعية واضحة لدى عدد من أعضاء المجلس لتحويل هذا المطلب إلى مسار قانوني، يبدأ بتقديم مشروع قانون أو اقتراح تعديل رسمي، ثم إحالته إلى اللجنة المختصة، التي يرجح أن تكون لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية، لدراسة التعديل قبل عرضه على المجلس للتصويت.

ويشير إلى أن جوهر التعديل لا يتمثل في استحداث حق جديد للأم السورية، بل في إزالة التمييز القائم بين المواطنين على أساس الجنس في طريقة انتقال الجنسية، عبر تعديل المواد التي تقصر هذا الحق على الأب، بحيث تصبح الأم السورية، كالأب السوري، قادرة على منح جنسيتها لأبنائها.

ويضيف أن نجاح أي مبادرة داخل البرلمان لن يتوقف على إعلان التأييد السياسي أو الحقوقي، وإنما على ترجمة هذا التأييد إلى خطوات تشريعية فعلية، من خلال تشكيل كتلة من النواب المؤيدين للتعديل، وإعداد مذكرة قانونية تستند إلى الدستور، وتوضح الآثار الاجتماعية والقانونية للقانون الحالي، تمهيدًا لطرح مشروع التعديل على المجلس.

ولا يستبعد ملص أن يرافق ذلك نقاش أوسع حول الآثار الإنسانية التي خلّفها القانون على آلاف الأسر، وما ترتب عليه من مشكلات تتعلق بالإقامة، والوثائق الرسمية، والتعليم، والعمل، والحقوق المدنية، وهي قضايا باتت أكثر حضورًا بعد سنوات الحرب واللجوء.

التعديل.. أولوية تشريعية أم حق مؤجل؟

ورغم أن تعديل قانون الجنسية يحظى بدعم عدد من الحقوقيين وبعض أعضاء مجلس الشعب، إلا أن إقراره لا يرتبط بالاعتبارات القانونية وحدها.

فبحسب ما أوضحه ملص، تظل قوانين الجنسية من أكثر التشريعات ارتباطًا بسيادة الدولة، وهو ما يجعل أي تعديل يثير تساؤلات تتعلق بآليات التحقق من السجلات المدنية، وتدقيق أوضاع المستفيدين، ولا سيما في ظل سنوات الحرب وما رافقها من نزوح ولجوء وفقدان للوثائق الرسمية.

ويشير إلى أن التحدي الأكبر قد لا يكون قانونيًا بقدر ما هو سياسي، إذ تخضع مشاريع القوانين لأولويات المجلس التشريعية، ما يعني أن الملفات ذات الطابع الحقوقي قد تبقى مؤجلة ما لم تتوافر إرادة سياسية تدفع باتجاه إدراجها على جدول الأعمال.

ويضيف أن مسؤولية النواب المؤيدين للتعديل لا تقتصر على إعلان مواقف داعمة، وإنما تبدأ بتقديم مشروع قانون والدفاع عنه داخل مجلس الشعب حتى يصل إلى مرحلة التصويت.

ويرى ملص أن قانون الجنسية لا ينظم إجراءات إدارية فحسب، وإنما يعكس تصور الدولة لمفهوم المواطنة، فالسؤال المطروح اليوم، بحسب رأيه، لا يتعلق فقط بمن يملك حق نقل الجنسية، وإنما بما إذا كانت المواطنة علاقة متساوية بين جميع المواطنين والدولة، أم أنها ما تزال تمر عبر الأب وحده.

ويعتبر أن غياب أي نقاش تشريعي حول تعديل القانون قد يكون مؤشرًا على استمرار تأجيل معالجة أحد أبرز أوجه التمييز القانوني بين الرجل والمرأة في التشريع السوري.

وبينما ينتظر مجلس الشعب بدء مساره التشريعي، تبقى مريم، مثل آلاف أبناء السوريات، في دائرة الانتظار أيضًا، ففي عائلتها، لا ينتقل انتظار الجنسية من الآباء إلى الأبناء، بل من الأمهات إلى أبنائهن، أبٌ ينتظر الجنسية السورية من والدته، وابنة تنتظر أن يمنحها القانون يومًا ما حق الحصول عليها من والدتها.

علاماتأثر الحرب على المجتمع السوري ، الأطفال عديمو الجنسية ، الجنسية بالولادة ، الشأن السوري ، الشعب السوري
مواضيعالحقوق والحريات ، الشأن السوري ، المجتمع السوري ، المجتمعات ، المرأة العربية

قد يعجبك ايضا

مجتمع

الرقة.. انتظار طويل للنهوض

زين العابدين العكيدي٢٤ يوليو ٢٠٢٦
مجتمع

من أرض الثروات إلى قوافل الرحيل.. ماذا يحدث في الحسكة؟

زين العابدين العكيدي١٧ يوليو ٢٠٢٦
مجتمع

داخل “جذور” وشركائها.. كيف تعيد المنظمة تشكيل الفلسطيني المقبول غربيًا؟

سجود عوايص١٧ يوليو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑