في 26 يونيو/حزيران الماضي، وقف ثمانية سفراء في قصر كولوبا بواغادوغو يقدّمون أوراق اعتمادهم إلى رئيس المرحلة الانتقالية في بوركينا فاسو الكابتن إبراهيم تراوري، كان من هؤلاء السفراء سيمون سيروسي، سفير “إسرائيل”، وفي اليوم نفسه أعلنت بوركينا فاسو قطع علاقاتها الدبلوماسية والعسكرية مع فرنسا بشكل تام.
هذا التزامن يختصر ما آل إليه مشروع الرجل الذي رفع لواء التحرر الأفريقي، إذ أغلق الباب في وجه المستعمر القديم بضجيج إعلامي هائل، بينما فتح الباب على مصراعيه لدولة الاحتلال في صمت مدروس، فالمشهد الأول جرى تصويره والاحتفاء به في المنصات الإعلامية التي تروج لتراوري كقائد وطني مناهض للاستعمار، وبينما مرّ المشهد الثاني في بروتوكول جماعي لا يكاد يُرى.
ثم جاءت الفصول التالية سريعة، ففي 17 يوليو/تموز ومن مدينة واهيغويا، أعلن تراوري بالفرنسية – لغة المستعمر الذي يخاصمه- أن الدولة علمانية وأنه لا قانون ديني بما في ذلك الشريعة الإسلامية، دين الأغلبية من السكان، يعلو على الدستور، وأن من لا يقبل بذلك حرّ في مغادرة البلاد.
ولم يقف عند هذا الحدّ، بل هدّد بإعادة أكثر من 800 طالب بوركينابي يدرسون العلوم الشرعية في دول عربية، وبتجريد من يرفض العودة من جنسيته، وبعد يومين من تصريحاته المثيرة للجدل، فتح جبهة أوسع بحديثه عن أكثر من ألف عام من استعباد العرب للأفارقة، مستشهدًا بأن آخر سوق للرقيق لم يُغلق إلا عام 1962.
وبينما وجّهت العديد من المنصات الإعلامية العربية انتقادات لاذعة لتصريحات النقيب تراوري، خرجت صحيفة العرب المرتبطة بالإمارات لتدافع عن الرجل صراحة، معتبرةً في تقرير لها أنه “لم يجانب الصواب عندما اعتبر الأمة فوق الدين”، ومحمّلة الخطر لدعاة وافدين من دول عربية “بعد أن تشبعوا بالفتاوى المتشددة”، ولم يكن ذلك موقفًا معزولًا، بل جزءًا من خط متسق تتبناه أبوظبي تحت ذريعة مكافحة التطرف.
تفكيك المجال الديني واعتقال الدعاة
لم يأتِ خطاب واهيغويا من فراغ، سبقه في يونيو/حزيران الماضي إقرار البرلمان الانتقالي قانونًا للحريات الدينية من 110 مواد، ينظّم الدعوة والتعليم الديني وبناء المساجد ويشدّد الرقابة المالية على المنظمات الدينية، وقبله بأسابيع اعتُقل الإمام البارز محمد إسحاق كيندو بعد انتقاده مشروع القانون، فخرجت مظاهرات تطالب بالإفراج عنه فردت الحكومة العسكرية بإغلاق أكبر مسجد في العاصمة، ونقل نحو مئة من أنصاره إلى معسكر عسكري بدعوى إخضاعهم لتدريب مدني، وكان الإمام محمود بارو قد اعتُقل قبله في بوبو ديولاسو، حيث أفاد باحثون في داكار بأن مكان كيندو لم يُكشف منذ قمع الاحتجاجات.
وفي مواجهة العلماء، لم يجد تراوري حرجًا في القول: “إن كان هذا هو إسلامكم فسنحاربه” أي أنه أخرج نفسه من المجتمع المسلم، ووصف المحتجين بأنهم “أقلية صغيرة من المتطرفين”، المفارقة أن كل هذا يجري في بلد تسيطر فيه الجماعات المسلحة على نحو 40% من الأراضي، وتجاوز فيه عدد النازحين واللاجئين 2.3 مليون شخص بما يعادل عُشر السكان تقريبًا بحسب تقرير موسّع لهيومن رايتس ووتش صدر في أبريل/نيسان 2026، وهو البلد نفسه الذي وثّقت فيه المنظمة أن الجيش قاد وشارك في مجزرة سولينزو (مارس/آذار 2025) التي راح ضحيتها أكثر من 130 مدنيًا من الفولاني على يد ميليشيات موالية.
تتكرر هذه المعادلة في العديد من الدول التي تحكمها أنظمة عسكرية، حين تعجز الدولة عن كسب المعركة الأمنية ضد الجماعات المسلحة، تنتقل إلى معركة رمزية أسهل، فتُعيد تعريف التطرف ليشمل المكوّن الأهلي المنظَّم بدل الجماعات التي تحمل السلاح، وهي معركة مضمونة النتائج لأن خصمها أعزل.
ولا يمكن قراءة هذا الفصل بمعزل عن سابقيه، حلّ الأحزاب السياسية بمرسوم في يناير/كانون الثاني 2026، وحلّ أو تعليق 929 جمعية ومنظمة أهلية، وحلّ اتحاد الطلاب. إذ لم يكن المسجد استثناءً في مشروع تفكيك المجال العام، بل كان آخر فضاء لم يُدجَّن بعد، وحين أعلن تراوري في أبريل/نيسان 2025 أن بلاده “ليست في ديمقراطية، بل في ثورة تقدمية شعبية”، كان يقدّم الإطار النظري لكل ما تقدم.
البصمة الإماراتية
في العشرين من مايو/أيار 2025، حطت طائرة شخبوط بن نهيان آل نهيان، وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، في بوركينا فاسو ضمن جولة خاطفة لم تستغرق 24 ساعة، شملت عواصم تحالف دول الساحل الثلاث، باماكو ثم واغادوغو ثم نيامي. لم تُعلن اتفاقيات جديدة في المحطة البوركينابية، اقتصر البيان الرسمي على بحث التعاون الاقتصادي وتنشيط العلاقات الثنائية، وبعد أقل من شهرين كان الوزير نفسه يستقبل نظيره البوركينابي في أبوظبي ويشارك في منتدى استثماري نظّمته واغادوغو في العاصمة الإماراتية.
لكن مضمون العلاقة لا يُقرأ في البيانات الدبلوماسية وحدها، بل في أرقام الاقتصاد والجمارك، فوفق قاعدة بيانات الأمم المتحدة للتجارة، بلغت صادرات بوركينا فاسو إلى الإمارات عام 2024 نحو 1.48 مليار دولار، منها 1.44 مليار دولار ذهبًا وحده، بارتفاع تجاوز 160% في عام واحد.
وفي السياق الأوسع، وثّقت منظمة “سويس‑إيد” السويسرية أن الإمارات استوردت 1392 طنًا من الذهب عام 2024، منها 748 طنًا من أفريقيا، وأن نحو 2569 طنًا من الذهب الأفريقي دخلتها بين 2012 و2022 دون تصريحات تصدير مقابلة، بقيمة تقارب 115 مليار دولار.
هذه العلاقة تمثل النمط الذي رصده الباحثون في إعادة تموضع أبوظبي في الساحل بعد الانقلابات، إذ انتقلت من تمويل القوة المشتركة لمجموعة دول الساحل الخمس (ساهمت بثلاثين مليون يورو عام 2017) إلى انخراط أعمق في سلاسل الذهب وملء الفراغ الذي خلّفه الانسحاب الفرنسي بما يضفي شرعية سياسية وغطاءً إعلاميًا للأنظمة العسكرية في دول الساحل.
الانعطافة نحو تل أبيب
رغم عدم وجود أدلة مباشرة على دور أبوظبي في تسهيل العلاقة بين بوركينا فاسو وتل أبيب، فإن الحضور الإماراتي الاقتصادي والدبلوماسي في واغادوغو موثق بالأرقام والبيانات الرسمية.
وقد كشفت مجلة “أفريكا إنتليجنس” أن طلب اعتماد سيمون سيروسي سفيرًا لـ”إسرائيل” لدى بوركينا فاسو، ظل معلقًا منذ صيف 2025 قبل أن يُوافَق عليه بعيدًا عن الأضواء في منتصف فبراير/شباط 2026، أي أن التفاهم بشأن اعتماد سيروسي ربما جرى بعد الجولة التي نفذها وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية.
وسيروسي دبلوماسي فرنسي المولد، التحق بالخارجية الإسرائيلية عام 2018، وهو سفير “إسرائيل” لدى ساحل العاج.
ولمن يرى بأن الأمر إجراء بروتوكولي عادي، فإنّ التاريخ يرد: بوركينا فاسو أقامت علاقات مع “إسرائيل” عام 1961، ثم قطعتها عام 1973 تضامنًا مع مصر في حرب أكتوبر، قبل أن تستأنفها ببرود عام 1993، أي أن القطيعة كانت في ذروة اللحظة التحررية، والاستئناف جاء في ذروة لحظة الارتهان، وأن يُعاد تفعيل التمثيل الدبلوماسي في يونيو/حزيران 2026، أي في ذروة اتهامات موثقة بجرائم ضد الإنسانية في غزة، فذلك توجه سياسي لا مجرد مصادفة.
جدير بالذكر أن بوركينا فاسو لم تنضم بعد إلى مسار التطبيع الإبراهيمي، وما تزال تعترف بدولة فلسطين، كما صوّتت لصالح قرار الجمعية العامة لوقف إطلاق النار في غزة في ديسمبر/كانون الأول 2024، لكن الخطوات الأخيرة باستقبال سفير الاحتلال واعتماده يعد بمنزلة تطبيع صامت متدرّج جاء في اللحظة التي كان يُفترض فيها بمن يرفع راية التحرر أن يفعل العكس تمامًا، ولذلك من غير المستبعد أن تكون خطوة استقبال السفير والهجوم على الدعاة مقدمات تمهيدية للدخول في الاتفاقية الإبراهيمية.
والأمم المتحدة لا تشير إلى “إسرائيل” في الأراضي الفلسطينية بوصفها دولة عادية، بل تستخدم في قراراتها ووثائقها منذ 1967 تعبيرًا محددًا هو “القوة القائمة بالاحتلال“، ويشمل ذلك الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة، أي كل ما احتلته في حرب يونيو/حزيران 1967، وهذا ليس توصيفًا سياسيًا تتبناه جهة دون أخرى، بل هو المصطلح الرسمي المستقر في أدبيات المنظمة الدولية ومجلس الأمن ومجلس حقوق الإنسان.
وهنا يتفجّر التناقض في وجه إبراهيم تراوري الذي يبني شرعيته كلها على سردية أن الاستعمار جريمة، وأن السيادة لا تتجزأ، وأن الشعوب المقهورة أخوة في المصير، وكي يسند هذه السردية فإنه يستدعي ما يزعم أنه “ألف عام من الاستعباد التاريخي”، ويحاسب عليها أممًا بأكملها، ويهدد طلابه بسحب جنسياتهم لأنهم درسوا في عواصمها، لكنه حين يقف أمام الحالة الوحيدة في العالم اليوم التي أعلنت فيها محكمة العدل الدولية صراحةً عدم شرعية احتلال قائم، يختار أن يستقبل سفيرها في قصره ويتسلّم أوراق اعتماده مبتسمًا.
فلا يستقيم لقائد أن يحاكم التاريخ على ما جرى قبل ألف عام “إذا ثبتت صحته”، ثم يمنح اعترافًا دبلوماسيًا لاحتلال قائم في زمنه هو، موثّقٍ بحكم قضائي دولي ومُدان بقرار من الجمعية العامة، هذه ليست براغماتية سياسية كما يحلو للمدافعين عنه أن يسمّوها، إنها انتقائية أخلاقية تفرغ الخطاب التحرري من مضمونه، وتحوّله من مشروع قِيَمي عابر للحدود إلى أداة تعبئة داخلية لا أكثر.
ويكفي لقياس المسافة، أن نعود إلى الرجل الذي يستدعي تراوري رمزيته في كل خطاب، فقد وقف توما سانكارا أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1984 للدفاع عن الشعب الفلسطيني قائلًا: “إنني أتحدث بسخط وأنا أفكر في الفلسطينيين، الذين استبدلتهم هذه الإنسانية الأكثر “لا إنسانية” بشعب آخر، شعب كان هو نفسه بالأمس يُستشهد على مهل. إنني أفكر في الشعب الفلسطيني الباسل، وفي العائلات التي تشتتت وتمزقت وتتجوّل في جميع أنحاء العالم بحثًا عن ملجأ.”
سيادة انتقائية
جوهر المسألة أن السيادة في الخطاب البوركينابي الجديد صارت أداة انتقائية، تشهر في وجه طرف وتطوى أمام آخر، فهي ترفع في وجه باريس لأن ذلك يُنتج شرعية شعبية فورية، وتطوى أمام أبوظبي لأن الذهب يحتاج سوقًا، وأمام تل أبيب لأن التقنية الأمنية تحتاج موردًا، وأمام موسكو لأن السلطة تحتاج حماية.
وهذا الأخير ليس تفصيلًا، فقد وصل نحو مئة عنصر من “الفيلق الأفريقي” الروسي إلى واغادوغو في يناير/كانون الثاني 2024 لتأمين تراوري شخصيًا، دون أن يُحدث ذلك تحولًا يُذكر في المعادلة الأمنية بشهادة الباحثين، أي أن ما جرى لم يكن طردًا للوصاية الأجنبية، بل استبدالًا لوصاية بأخرى مع فارق أن الوصاية الجديدة لا تخضع لأي مساءلة برلمانية أو إعلامية أو حقوقية.
ويكتمل المشهد بالبعد الرقمي، فقد رصدت تحقيقات صحفية موجة من المقاطع المزيفة المولّدة بالذكاء الاصطناعي تُظهر مشاهير عالميين وهم يمتدحون تراوري كبطل قومي ومدافع عن الهوية الأفريقية (Pan-African Hero) لجذب التأييد له خارج النطاق الفرانكوفوني، وصف باحثون تلك المقاطع بأنها صناعة منهجية لعبادة شخصية، ونسب بعضهم جزءًا منها إلى شبكات تضليل منظمة.
أخيرًا، لا تُقرأ خطوتا تراوري اعتماد سفير “إسرائيل” سيمون سيروسي في يونيو/حزيران الماضي، وإطلاق حملته على ما يسمّيه “الإسلام المتطرف” بعده بأسابيع قليلة بوصفهما حدثين متجاورين في التقويم، بل بوصفهما وجهين لإعادة تموضع واحدة.
فالمفردة التي اختارها الرجل بعناية ليصف بها خصومه في الداخل ليست مفردة بوركينابية ولا نابعة من تجربته المحلية مع الجماعات المسلحة، إنها المفردة المركزية في الخطاب الإماراتي منذ أكثر من عقد، تلك التي توسع تعريف “التطرف” حتى يستوعب الإسلام السياسي والاجتماعي والدعوي بكامله، وتحوّله من تيار إسلامي إلى تهديد أمني يجب استئصاله.
وحين يتبنّى رئيس أفريقي هذا المعجم حرفيًا فيغلق المساجد، ويعتقل الأئمة، ويستدعي طلاب الشريعة من عواصم بعينها ويهدد بتجريدهم من جنسياتهم فإنه لا يستورد لغة فحسب، بل يستورد معها الشبكة التي تنتج هذه اللغة وتموّل نشرها وتكافئ من يتبنّاها، أن يقع ذلك في اللحظة نفسها التي تفتح فيها قناة التمثيل مع تل أبيب، هو ما يحوّل التزامن من مصادفة إلى نمط.
ومن هنا، نرى أن جوهر التقارب المفاجئ مع تل أبيب أمني في المقام الأول، لا اقتصادي ولا رمزي. فالمنطق الاقتصادي لا يفسره لكون “إسرائيل” ليست مستثمرًا وازنًا في الساحل ولم يُعلن أي حزمة تجارية ترافق الاعتماد، والذهب البوركينابي يجد طريقه إلى دبي أصلًا دون حاجة إلى وسيط ثالث.
والمنطق الرمزي يعمل ضده لا معه، إذ يكلّف تراوري رصيدًا شعبيًا معتبرًا في بلد ذي أغلبية مسلمة وفي قارة ما تزال القضية الفلسطينية جزءًا من وجدانها التحرري، ولا يبقى إلا ما تملكه تل أبيب فعلًا وتحتاجه واغادوغو بإلحاح: تقنيات المراقبة والتنصت، وأنظمة الاستهداف والطائرات المسيّرة، والتدريب على “مكافحة الإرهاب” بمفهومه الموسع الذي لا يفرق كثيرًا بين مسلح في الأدغال وداعية في مسجد بهدف تثبيت حكم عسكري لعقود قادمة، وحين تخسر الدولة نحو أربعين في المئة من أراضيها، وتستعين بمئة عنصر أجنبي لحماية رئيسها، يصير البحث عن مورد أمني إضافي أولوية تعلو على كل حسابات الخطاب والشعارات التحررية.