• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

السعودية لا تزال محكومة بالتبعية لأمريكا

إميل حكيم١ أغسطس ٢٠٢٦

محمد بن سلمان يلتقي دونالد ترامب في البيت الأبيض. ويراقب المسؤولون السعوديون بفزع عودة أمريكا وإيران للانخراط في سياسة حافة الهاوية.

ترجمة وتحرير: نون بوست

عندما زار رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، المملكة العربية السعودية في وقت سابق من هذا الشهر، لا بد أنه تبادل عبارات المواساة مع ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، حول المحن والمتاعب التي تواجهها القوى المتوسطة في عصر تتسم فيه السياسات الأمريكية بالتقلب وانعدام القدرة على التنبؤ. فبالنسبة لكندا، أصبحت علاقتها التي ترتكز على التجارة، والتقارب الإنساني والثقافي، والشعور بالقيم والمصير المشترك، مهددة الآن بسبب الخطاب العدائي والافتراسي الذي تتبناه إدارة ترامب. أما بالنسبة للسعودية، فإن علاقاتها الخالية من الاعتبارات القيمية، والمبنية بالأساس على الأمن والاستثمار، باتت اليوم معرضة للخطر جراء السلوك الأمريكي المتهور والطائش في محيطها الإقليمي.

وبعد أن حذرت الرياض وعواصم خليجية أخرى من مغبة شن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، تجد هذه الدول نفسها اليوم مضطرة لمواجهة تداعياتها المزعزعة للاستقرار والتعامل معها. وهي تتقبل الآن، على مضض، واقعًا مريرًا يفرض فيه هذا النمط المزعج من دورات الحرب، والإكراه الاقتصادي، والمناورات الدبلوماسية، قواعده على سلوكها الجيوسياسي والجيواقتصادي لسنوات قادمة.

وفي خضم هذه الحرب المدمرة، برزت السعودية كفائز نسبي؛ فقد عمل مسؤولوها بجد ومثابرة على توجيه توبيخ حازم لإيران، ومواجهة النفوذ الإسرائيلي في العواصم الغربية، وتقديم مسارات بديلة ومخارج دبلوماسية لإنهاء الصراع. ووفقًا لتوقعات صندوق النقد الدولي، لا يزال من المنتظر أن يسجل الاقتصاد السعودي نموًا بنسبة تفوق الواحد ونصف بالمائة خلال عام 2026. غير أن هذا التوقع يستند، بطبيعة الحال، إلى افتراض عدم تدهور الأوضاع بشكل أكبر، وهو افتراض يتطلب قدرًا كبيرًا من الجرأة والمخاطرة عند الحديث عن منطقة كالشرق الأوسط.

غير أن المسؤولين في الرياض يدركون حقيقة الأمور بشكل أفضل؛ فبعد أن أمضوا سنوات طوال في محاولة تجنب اندلاع حريق إقليمي شامل، يراقبون اليوم بخوف وفزع عودة الولايات المتحدة وإيران للانخراط في سياسة حافة الهاوية من جديد. وقد ركزت مذكرة التفاهم شديدة الغموض، المبرمة في شهر يونيو/حزيران الماضي، على إعادة فتح مضيق هرمز ومناقشة برنامج إيران النووي.

ولكن، بالنسبة لدول الخليج، لطالما مثلت الترسانة الإيرانية من الصواريخ والطائرات المسيرة والميليشيات الحليفة التهديد الأول والأساسي، وذلك حتى اللحظة التي دفعت فيها الحرب الأمريكية طهران لإغلاق مضيق هرمز. وبالتالي، فإن البرنامج النووي يحتل مرتبة أدنى في قائمة أولوياتهم ومخاوفهم. ورغم ذلك كله، خلصت الحسابات السعودية إلى أن الانخراط في مفاوضات مبنية على أسس معيبة يظل خيارًا أفضل بكثير من استمرار حرب كارثية، بل ووصل الأمر بالرياض إلى طرح فكرة إبرام اتفاقية عدم اعتداء مع إيران.

من جانبها، لم تتجاوب طهران بشكل إيجابي مع المبادرات الخليجية، مفضلة الاحتفاظ بأوراق الضغط التي تمتلكها قبل الدخول في أي مفاوضات رسمية. ويكمن الهدف الإيراني في تسريع وتيرة الاستنزاف الأمريكي ودفع واشنطن نحو التراجع والانطواء، قبل أن تلتفت إلى خصومها الإقليميين لمطالبتهم بالخضوع والاستسلام. ولكن تتوقع إيران خوض جولات إضافية من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل قبل أن يتحقق هذا السيناريو.

وأمام هذا المشهد، لا تملك السعودية وشركاؤها الكثير لفعله سوى الانتظار حتى تستنزف الأطراف المتحاربة قواها، مع العمل الحثيث لتجنب فرض تسوية معيبة تضر بمصالح الرياض. وفي الواقع، يبدو ترامب مستعدًا تمامًا لجعل دول الخليج تدفع ثمن إخفاقاته وعثراته، وأحيانًا بالمعنى الحرفي والمادي للكلمة. ورغم وعيهم بذلك، لم يتوقع المسؤولون السعوديون المفاجأة الأخيرة التي ألقى بها ترامب في ملعبهم.

وبعد سنوات ماراثونية من المفاوضات، توصلت الولايات المتحدة والمملكة أخيرًا إلى اتفاق تاريخي في مجال الطاقة النووية، من شأنه أن يسمح للسعودية بتخصيب اليورانيوم على أراضيها. ولكن، وبعد يوم واحد فقط من هذا الاختراق، خرج ترامب عبر منصات التواصل الاجتماعي ليفرض شرطًا جديدًا ومباغتًا؛ وهو ضرورة قيام المملكة بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل أولًا كشرط لإتمام الاتفاق.

وسارع المسؤولون السعوديون للتقليل من أهمية هذا التصريح، معتبرين إياه مجرد استعراض كلامي ومبالغة معتادة من ترامب. فالرياض ترى أن مسار “اتفاقيات إبراهيم” لا يتناسب مع الظروف الراهنة، وتتمسك بموقفها الثابت المطالب باتخاذ خطوات ملموسة وجادة نحو إقامة دولة فلسطينية. وكغيرها من دول الشرق الأوسط، لا ترغب السعودية في العيش تحت وطأة نظام إقليمي يتمحور حول إسرائيل ويحظى بدعم ورعاية أمريكية.

لقد برهنت التصريحات المفاجئة للرئيس الأمريكي على أن النفوذ الإسرائيلي قادر على كبح جماح الطموحات السعودية، إن لم يكن التفوق عليها تمامًا وإجهاضها. وصحيح أن هناك أسبابًا وجيهة ومنطقية تستدعي التدقيق في الاتفاق النووي الأمريكي السعودي من منظور الحد من الانتشار النووي، إلا أن الاعتراضات الإسرائيلية تقترب في طبيعتها من النفاق وسوء النية.

فإسرائيل، التي تمتلك ترسانة نووية غير معلنة، هي من أشعلت شرارة حرب فاشلة زادت من احتمالية تحول إيران إلى قوة نووية، وفي الوقت ذاته، تعمل جاهدة لمنع السعودية من امتلاك تكنولوجيا نووية متقدمة. وعلاوة على ذلك، فإن هذا الموقف المزدوج يمنح إيران الفرصة للشماتة والسخرية من السذاجة العربية، وتوجيه الانتقادات اللاذعة للنفاق الأمريكي المكشوف.

وتتزامن كل هذه التطورات المعقدة مع تصاعد خطر اشتعال الحرب السعودية مع الحوثيين في اليمن من جديد، وذلك بعد أربع سنوات من هدوء هش وغير مستقر. فبعد نجاحهم في تعطيل وشل حركة الملاحة البحرية في البحر الأحمر خلال عامي 2024 و2025، قاوم الحوثيون الدعوات الإيرانية للانضمام إلى الحرب في شهر مارس/آذار الماضي، واختاروا بدلًا من ذلك التركيز على إعادة بناء وتطوير قدراتهم العسكرية.

واليوم، وبعد أن استشعروا فرصة سانحة لابتزاز المملكة ماليًا وانتزاع اعتراف فعلي بسلطتهم كأمر واقع، يعمد الحوثيون إلى تصعيد الموقف ورفع درجة حرارة الصراع عبر استهداف منشآت الطاقة والسفن التجارية. ويظل سلاحهم الأقوى والأكثر فتكًا هو التهديد بتعطيل حركة المرور عبر مضيق باب المندب، وهي خطوة من شأنها أن تخنق الصادرات الحيوية للرياض عبر البحر الأحمر.

وقبل أسبوعين فقط، سرعت واشنطن من إجراءات إبرام صفقة مبيعات أسلحة للمملكة بقيمة ملياري دولار، تتألف في مجملها من أسلحة وذخائر دقيقة التوجيه. وإذا ما اندلعت الحرب مجددًا، فمن المرجح جدًا أن تطالب الرياض بالحصول على دعم استخباراتي أمريكي، ومساعدة في تحديد الأهداف، فضلًا عن تزويدها بمنظومات صواريخ اعتراضية باهظة الثمن، وهو ما ستحصل عليه في نهاية المطاف.

وهذا هو، بكل أسف، المصير المحتوم الذي تواجهه القوى المتوسطة؛ إذ تقضي أوقاتها في التخطيط لبناء استقلالية إستراتيجية، حتى تصطدم بالواقع القاسي للنزاعات والصراعات، والذي يجبرها في النهاية على الاستنجاد براعيها وحليفها الذي لا تمنحه ثقتها الكاملة.

المصدر: فاينانشال تايمز

علاماتالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، الدعم العسكري الأمريكي للسعودية ، السعودية وأمريكا ، السياسة الأمريكية تجاه السعودية ، الشأن السعودي
مواضيعالسياسة الأمريكية ، السياسة السعودية ، العلاقات السعودية الأمريكية ، ترجمات

قد يعجبك ايضا

آراء

السعودية في مواجهة محفوفة بالمخاطر مع الحوثيين

ذي إيكونوميست١ أغسطس ٢٠٢٦
آراء

من التحرر إلى الانبطاح.. كيف تبخّرت شعارات تراوري عند أعتاب “إسرائيل” والإمارات؟

محمد مصطفى جامع٣٠ يوليو ٢٠٢٦
آراء

أمريكا خسرت الحرب مع إيران وعليها تنظيف الفوضى

أندرو إكسوم٢٥ يوليو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑