ترجمة وتحرير: نون بوست
أدى الاحتفال الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة إلى إحياء النقاش الدائر حول معنى الهوية الأمريكية. وقد سلط الضوء على روايتين متناحرتين على الأقل بشأنها: الأولى تستند إلى الفهم التقليدي للهوية الوطنية باعتبارها مشروعاً تتمحور حول الدولة، وتُعرّف بحدودها القضائية وفصلها المادي بين الشعوب، بينما تزعم الرواية المنافسة التي تستند إلى التجارب والثقافات والشتات المشتركة، أن مصطلح “أمريكي” يتجاوز الفوارق الوطنية ليغطي نصف الكرة الغربي بأكمله.
وقد تم تداول كلا الروايتين عن الثقافة والهوية الأمريكية مؤخراً في الخطاب العام؛ فقد جعلت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الرواية القائمة على العمل المنفرد التي تتمحور حول الدولة ركيزة محورية لحنينها التاريخي. وكما يوضح البيت الأبيض، فإن الغاية من برامج احتفالات الذكرى الـ250 هي “إلهام حب متجدد للتاريخ الأمريكي”. ورداً على ذلك، تبنى الخطاب الشعبي مفهوماً شمولياً لنصف الكرة الغربي فيما يخص الثقافة الأمريكية، محتفياً بتقاليد الشتات ومنتقداً في الوقت ذاته النزعات الإمبريالية للولايات المتحدة. وقد تم توظيف هذا الإطار ببراعة من قِبل الفنان “باد باني” خلال عرض ما بين الشوطين لمباراة “سوبر بول 60”، كما استُخدم أيضاً لمقاربة قضايا اللغة والتاريخ والإنتاج الفني.
وقد دعمت الدراسات الأكاديمية الحديثة حول ما يُعرف بـ”عصر الثورات” – وهي الحقبة الممتدة تقريباً بين عامي 1775 و1840 والتي تميزت بانتفاضات شعبية مناهضة للحكم الاستعماري – هذا التعريف الأخير، حيث كشفت عن اهتمامات وروابط وابتكارات سياسية مشتركة عمّت نصف الكرة الغربي بأسره. وفي كتابي الجديد، “عالم جديد من الثورات“، أدافع عن هذا النهج بدوري، حيث أضع التقاليد الثورية الأمريكية في سياق الجمهور والهويات والثقافات التي امتدت من القطب الشمالي وصولاً إلى باتاغونيا. وتؤكد هذه القراءات التاريخية أن الهويات والأفكار الأمريكية تفوق بكثير الحدود المؤسسية والمادية للدولة القومية.
وعلى الرغم من الأدلة الدامغة على وجود هذه الروابط الإقليمية عبر نصف الكرة الغربي، يصر ترامب على العودة مراراً إلى تلك الحقبة لتبرير التدخلات الأمريكية حول العالم؛ فقد ربطت البرامج الاحتفالية بمناسبة الذكرى الـ250 بصراحة بين نهج “أمريكا أولاً” الذي يتبناه وبين “عقيدة مونرو“، وهي مبدأ للسياسة الخارجية يعود للقرن التاسع عشر تفسره إدارة ترامب باعتباره إعلاناً بوجوب قيادة واشنطن لنصف الكرة الغربي وحمايته “ضد الشيوعية والفاشية الانتهاكات الأجنبية”.
ومع ذلك، ورغم إعجاب إدارة ترامب الواضح بعقيدة مونرو، إلا أنها لا تبدو أنها تدرك السياسات والتاريخ والهويات في نصف الكرة الغربي التي تستند إليها حجتها، أو تلك الحقبة بشكل عام.
ما يُشار إليه اليوم باسم “عقيدة مونرو” هو مجموعة المبادئ التي أوردها الرئيس جيمس مونرو في رسالته السنوية السابعة إلى الكونغرس في 2 ديسمبر/ كانون الأول 1823. وفي خطابه، وضع مونرو خطة للدفاع عن الأمريكيين والأمريكتين، وهي خطة تبين أنها كانت تعنى بنصف الكرة الغربي أكثر بكثير من النزعة القومية. وكما صرح في ملاحظاته الافتتاحية:
“في المناقشات التي أثارها هذا الاهتمام وفي الترتيبات التي قد تنتهي إليها، وُجِد أنه من المناسب التأكيد -كمبدأ تتشابك فيه حقوق ومصالح الولايات المتحدة- على ألا تُعتبر القارات الأمريكية، نظراً للحالة الحرة والمستقلة التي تبنتها وتحافظ عليها، عرضة للاستعمار في المستقبل من قِبل أي قوى أوروبية”.
بمعنى آخر، بدأ خطاب مونرو برفض القوة الاستعمارية الأوروبية في المنطقة، مع الاعتراف في الوقت ذاته بسيادة الدول الأمريكية الناشئة – أي “الوضع المستقل” – التي ولدت من رحم الثورات الأخيرة.
وما تبقّى من خطاب مونرو يحمل الالتزام ذاته بالروابط والهويات والسياسات الإقليمية لنصف الكرة الغربي؛ فقد مضى يناقش الالتزامات السياسية والمصائر المشتركة لـ”الإخوة” الأمريكيين، وأكد سرده للتحرر الاستعماري على الترابط الحتمي بين الدول الأمريكية. وعلى هذا النحو، أشار مبدؤه إلى الحاجة لإرساء ممارسة للدفاع المشترك. وكما خلص في ختامه، فإن التدخل الأوروبي في أي مكان بالقارة من شأنه أن يؤدي إلى “تعريض سلامنا وسعادتنا للخطر”. وبعيداً عن أي ادعاء بالتفوق الوطني، تمحورت تصريحات مونرو حول التضامن والمسارات المشتركة مع بدء تجذر التقاليد الأمريكية المناهضة للاستعمار خلال العقد الثاني من القرن التاسع عشر.
لم تكن دعوة مونرو للتضامن الإقليمي أمرًا غير معتاد في سياسات تلك الحقبة؛ فقد تميز عصر الثورات بظهور الخطابات والهويات الخاصة بنصف الكرة الغربي، حيث جادل المواطنون العاديون والقادة السياسيون البارزون على حد سواء بأن الابتكارات السياسية لـ “العالم الجديد” ستقودها العقول الأمريكية. على سبيل المثال، دعا دستور المكسيك لعام 1814 إلى منح المواطنة الشاملة لجميع الأمريكيين المولودين في نصف الكرة الغربي. كما احتفلت الأعمال الثقافية – بما في ذلك المسرحيات التأسيسية مثل مسرحية بيرو “وطنيو ليما في الليلة السعيدة” (1821) – بتحرير جميع الأمريكيين، وليس فقط مواطني الدول المعنية.
وقد أثرت هذه الأفكار في تطور الدول ومؤسساتها. وكما يوضح جوشوا سايمون، على سبيل المثال، فإن الالتزامات السياسية والأيديولوجية المشتركة هي التي أدت تحديداً إلى تبلور تصورات لبناء الأمة الأمريكية تنشد إقامة دول جمهورية واسعة وممتدة. فقبل عصر الثورات، كان مفكرون أوروبيون أمثال مونتسكيو وجان جاك روسو يجادلون بأن الجمهوريات الصغيرة وحدها هي القابلة للاستمرار، لكن مفكرين أمريكيين أمثال ألكسندر هاملتون، وخوسيه ماريا موريلوس، وسيمون بوليفار استندوا إلى الظروف الاستثنائية للأمريكتين للتدليل على أن الجمهوريات الكبيرة والمتنوعة لم تكن ممكنة فحسب، بل وربما كانت أكثر مرونة واستدامة. وتطلعت هذه الرؤى الطموحة إلى التضامن الإقليمي كحصن دفاعي ضد محاولات الغزو الاستعماري المضاد – وهي حجة يتردد صداها بقوة في مختلف ثنايا خطاب مونرو لعام 1823.
لم يقتصر هذا النوع من التضامن على النخب السياسية وحدها. وكما توضح كاتلين فيتز، كان هناك اهتمام شعبي واسع بنجاح الثورات “الشقيقة” في الأمريكتين، مثل حركات الاستقلال في المكسيك وكولومبيا الكبرى. وبالنسبة للمواطنين الأمريكيين، شكلت النجاحات التي تحققت في أمريكا اللاتينية إلى الأدلة المتزايدة على أن القوى الاستعمارية الأوروبية ستفشل في النهاية في الحفاظ على نفوذها في المنطقة. وكان الثوار من فيلادلفيا إلى بوينس آيرس يتحدثون ويكتبون ويفكرون في المصير المشترك للدول الأمريكية، ومن الصعب اعتبار هذا المستوى من التقارب الأيديولوجي والسياسي يصعب اعتباره مجرد مصادفة.
كما تُظهر تداعيات خطاب مونرو أن بعض القادة الأمريكيين الآخرين كانوا مهتمين بمتابعة فكرة الروابط المشتركة مع الولايات المتحدة. لنأخذ على سبيل المثال مؤتمر بنما عام 1826، الذي سعى إلى الجمع بين دول المنطقة بهدف إقامة جبهة سياسية واقتصادية متماسكة ضد التدخل الأجنبي. وأثناء تنظيم المؤتمر، نشأ نقاش حول ما إذا كان ينبغي إشراك الولايات المتحدة؛ حيث قرر نائب رئيس جمهورية كولومبيا الكبرى، فرانسيسكو دي باولا سانتاندير، دعوة ممثلين أمريكيين، استناداً جزئياً إلى المبادئ التي حددها خطاب مونرو. وقد حظيت هذه الجهود بدعم قادة في المكسيك وأمريكا الوسطى. ومع ذلك، عارض بوليفار إشراكهم بسبب الشكوك في إمكانية أن تكون الولايات المتحدة حليفاً موثوقاً. (ولم يحضر وفد أمريكي في النهاية، ويرجع ذلك جزئياً إلى جدل سياسي داخلي بشأن المشاركة).
من نواحٍ عديدة، لا تزال إرث استجابة أمريكا اللاتينية لمبدأ مونرو في القرن التاسع عشر ذات صلة واضحة بالواقع الحالي، حيث يواصل القادة التشكيك في موثوقية العلاقات مع الولايات المتحدة في ظل إدارة ترامب.
وإذا كانت الهويات الإقليمية الشاملة بارزة إلى هذا الحد خلال العقود الأولى من القرن التاسع عشر، فلماذا ضاع ذلك الخطاب منذ ذلك الحين؟ فمثل الكثير من تاريخ الأمريكتين المشترك، جرى طمس دعوة مونرو للتضامن بين الدول الأمريكية لصالح تفسيرات قومية للماضي، وهي تفسيرات تُصوّر عقيدة مونرو على أنها إعلان عن تحول الولايات المتحدة نحو التوسع الإمبريالي، مع فرض مطالبة خاصة بالسيطرة على نصف الكرة الغربي.
وكما كتب توم لونغ وكارستن أندرياس شولتز مؤخراً في مجلة “فورين بوليسي”، فإن القراءة الإمبريالية للعقيدة تكررت طوال التاريخ الأمريكي. ويتضح هذا جلياً في الملاحق والسياسات التي أضافها السياسيون إلى العقيدة سعياً لتبرير الصراعات الخارجية أو التدخل أو التوسع.
في عام 1904، استخدم الرئيس ثيودور روزفلت هذه العقيدة لتبرير التدخل الأمريكي في دول أمريكا الوسطى ومنطقة الكاريبي وأمريكا الجنوبية (وهو التفسير المعروف الآن باسم “ملحق روزفلت“). وعادت هذه الروايات التحريفية للظهور خلال الحرب الباردة؛ حيث أشار الرئيس جون إف. كينيدي إلى العقيدة وسط أزمة صواريخ كوبا لتبرير أطر الأمن الإقليمي لنصف الكرة الغربي المنشأة بموجب معاهدة ريو ومنظمة الدول الأمريكية. ووسع الرئيس رونالد ريجان نطاق هذه التفسيرات لتبرير التدخل في نيكاراغوا والسلفادور، مدعياً بوجود نفوذ سوفيتي في المنطقة. وقد ابتعدت كل نسخة من هذه العقيدة على مدار التاريخ الأمريكي ابتعدت شيئاً فشيئاً عن مبادئ الرؤية الأصلية للخطاب.
أما ترامب، بطبيعة الحال، فيلجأ الآن إلى العقيدة باعتبارها دليلاً على تقليد عريق لسياسة “أمريكا أولاً”. وكما جاء في البيان الذي أعلن عن ملحقه الخاص بالعقيدة في ديسمبر/كانون الأول الماضي: “أعلن مونرو أمام الأمة حقيقة بسيطة ترددت أصداؤها عبر العصور: لن تتراجع الولايات المتحدة أبداً عن الدفاع عن وطننا، أو مصالحنا، أو رفاهية مواطنينا”.
وسرعان ما يتسع استخدام مصطلح “الوطن” ليتحول إلى ادعاء بقيادة الولايات المتحدة لنصف الكرة الغربي، متجاهلاً إلى حد كبير الروابط القائمة بين الدول الأمريكية. ويواصل البيان حجته بالقول إن “الشعب الأمريكي -وليس الأمم الأجنبية ولا المؤسسات العولمية- سيظل دائماً سيد مصيره في نصف الكرة الغربي”.
وفي السنوات الأخيرة، استغل ترامب، إلى جانب أعضاء المؤسسة الجمهورية، إرث هذه العقيدة لمعارضة الاستثمارات الصينية في أمريكا اللاتينية وتبرير التدخل في دول مثل إيران وفنزويلا. باختصار، تم تفسير أحد أشهر الخطابات استشهاداً في التاريخ الأمريكي على نطاق واسع للإيحاء بأن تاريخ السياسات التدخلية يبرر التوجه الحالي للبلاد.
وسيكون من الأفضل لقادة واشنطن والأمريكيين أن يفهموا الأسس الإقليمية لعقيدة مونرو؛ فهذه الأسس تثبت أن بعضاً من أكثر الأفكار تحولاً في السياسة الخارجية الأمريكية نبعت من التعاون الإقليمي الذي أقرّ بالروابط والمصالح السياسية المشتركة للدول الأمريكية. وما زال هناك متسع من الوقت لإحياء عقيدة مونرو لتظل وفية لسياسة التضامن التي حفزت الشعوب في مختلف أنحاء الأمريكتين لأول مرة على التكاتف في مواجهة القوى المهيمنة.
المصدر: فورين بوليسي