يقف العراق أمام أحد أكثر اختباراته حساسية منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003. ومع اقتراب انتهاء المهلة التي حددتها حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي، في 30 سبتمبر/أيلول 2026، لحصر السلاح بيد الدولة، تجاوز النقاش مسألة جمع الأسلحة وإغلاق مقرات الفصائل المسلحة إلى سؤال أكبر يتصل بمستقبل الدولة العراقية نفسها: هل تستطيع بغداد استعادة احتكارها المشروع لاستخدام القوة، أم أن منظومة السلاح، التي تشكلت على مدى أكثر من عقدين، باتت أكبر من قدرة أي حكومة على تفكيكها؟
وتتعقد الإجابة بسبب تحوّل الميليشيات العراقية من جماعات مسلحة إلى منظومة متشابكة، تمتلك أذرعاً عسكرية وأحزاباً سياسية وشبكات اقتصادية ونفوذاً داخل مؤسسات الدولة، فضلاً عن ارتباطات إقليمية جعلت ملفها يتجاوز حدود العراق إلى معادلات الأمن في المنطقة بأسرها.
عام 2003.. الفراغ الذي أطلق سلطة السلاح
مع الأيام الأولى لسقوط بغداد وانهيار الدولة العراقية عام 2003، ظهرت بوادر تشكّل الميليشيات وانتشار السلاح خارج إطار الدولة. وبين من اختار تخزين أسلحة النظام السابق استعداداً لمرحلة المقاومة، ومن استحوذ عليها لتوسيع نفوذه، تحوّل العراق آنذاك إلى غابة من الأسلحة، تُباع على الأرصفة وفي أسواق مخصصة لها. وفي الوقت نفسه، قصّر المحتل في الحد من انتشارها، وأسهم في التحريض على تلك الفوضى المقصودة وتسهيلها.
بدأت القصة مع الغزو الأميركي للعراق عام 2003، حين أدى قرار حل الجيش والأجهزة الأمنية إلى فراغ أمني وسياسي غير مسبوق. وفي ظل غياب مؤسسات الدولة، وجدت جماعات مسلحة قائمة، وأخرى تشكلت لاحقاً، فرصة للتمدد وملء ذلك الفراغ.
وكانت منظمة بدر، التي تأسست في إيران خلال الحرب العراقية-الإيرانية، من أبرز القوى التي دخلت العراق مع القوات المحتلة. وفي العام نفسه، ظهر جيش المهدي بقيادة مقتدى الصدر. ثم تشكلت، في مراحل لاحقة، فصائل مثل كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق وحركة النجباء، إلى جانب جماعات أخرى تلقت دعماً إيرانياً بدرجات وأشكال متفاوتة.
عام 2014.. من فتوى الجهاد إلى شرعنة الحشد
شكّل عام 2014 نقطة مفصلية في تاريخ الفصائل المسلحة، فمع انهيار القوات العراقية أمام تنظيم داعش، أصدر المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني فتوى “الجهاد الكفائي”، داعياً العراقيين إلى التطوع للدفاع عن البلاد.
وأتاحت الدعوة للميليشيات المسلحة فرصة إعادة تنظيم صفوفها والحصول على الدعم الحكومي الذي كانت تفتقر إليه، للمشاركة في قتال تنظيم داعش. وتحوّلت حالة التعبئة الوطنية المؤقتة لاحقاً إلى مؤسسة رسمية، عقب إقرار قانون هيئة الحشد الشعبي عام 2016.
ومنح القانون الحشد شرعية قانونية وميزانية مستقلة، فيما احتفظ عدد من فصائله باستقلالية قراره العسكري والسياسي. وأفرز ذلك حالة غير مسبوقة، تمثلت في وجود قوة رسمية من الناحية القانونية، تحتفظ بمساحة واسعة من الاستقلال عن منظومة القرار العسكري التقليدية. ومع انتهاء الحرب على داعش، تحوّلت القضية من مكافحة الإرهاب إلى مستقبل هذه التشكيلات ودورها داخل الدولة.
الفصائل وإيران: شبكة تتجاوز السلاح
يصعب فهم تطور الفصائل العراقية بمعزل عن الدور الإيراني، فمنذ عام 2003، نظرت طهران إلى العراق باعتباره عمقاً استراتيجياً لأمنها القومي، وعملت على بناء شبكة واسعة من العلاقات مع قوى سياسية وعسكرية عراقية.
وتمثل هذه الفصائل، بالنسبة إلى إيران، جزءاً من منظومة الردع الإقليمية المعروفة إعلامياً بـ”محور المقاومة”. ودفع ذلك عدداً منها إلى تبني عقيدة ولاية الفقيه، والنظر إلى نفسه باعتباره جزءاً من مشروع إقليمي يتجاوز الحدود العراقية.
ويشير تقرير لصحيفة “التلغراف” البريطانية، نُشر في 3 أغسطس/آب 2026، إلى أن إيران ترى في الفصائل العراقية المسلحة العمود الفقري لـ”المقاومة”، وجزءاً من سياستها الرامية إلى توسيع نطاق المواجهة ورفع كلفتها على الولايات المتحدة.
ومنح هذا الارتباط الفصائل مصادر قوة كبيرة، وربط قراراتها في ملفات كثيرة بحسابات إقليمية تتقدم أحياناً على المصلحة العراقية المباشرة. ووضع ذلك الحكومات العراقية المتعاقبة أمام معضلة مستمرة بشأن الجهة التي تملك فعلياً قرار الحرب والسلم.
وامتد نفوذ الفصائل إلى المجال السياسي خلال العقدين الماضيين؛ إذ أسست أحزاباً، وشاركت في الانتخابات، وأصبحت جزءاً من الحكومات المتعاقبة، بالتزامن مع احتفاظها بأذرعها المسلحة.
وبالتوازي مع ذلك، بنت الفصائل شبكات اقتصادية واسعة عُرفت في العراق باسم “المكاتب الاقتصادية”، وتوسعت أنشطتها في قطاعات التجارة والمقاولات والمنافذ الحدودية والنقل والخدمات.
وأنتج هذا التشابك بين السلاح والسياسة والاقتصاد منظومة مصالح معقدة؛ فغدا السلاح وسيلة لحماية النفوذ الاقتصادي، فيما وفر الاقتصاد التمويل اللازم لاستمرار النفوذ العسكري.
حرب غزة تعيد الفصائل إلى ساحة الاشتباك
أعادت حرب غزة، التي اندلعت في أكتوبر/تشرين الأول 2023، الفصائل العراقية إلى واجهة المشهد الإقليمي، فقد أعلنت مجموعات مسلحة تنفيذ هجمات على قواعد أميركية في العراق وسوريا، ثم توسعت عملياتها لتشمل أهدافاً أخرى في المنطقة، ما دفع الولايات المتحدة إلى شن ضربات استهدفت مواقع تابعة لبعض الفصائل.
وكشفت تلك التطورات حجم الإشكالية التي تواجهها الدولة العراقية؛ إذ وجدت بغداد نفسها مطالبة بضبط جماعات تمتلك قراراً عسكرياً مستقلاً، في حين تتحمل الدولة تبعات أي تصعيد ينطلق من أراضيها.
وهكذا، تحول ملف السلاح من شأن عراقي داخلي إلى قضية ترتبط مباشرة بأمن المنطقة، وبعلاقات العراق مع الولايات المتحدة ودول الجوار.
ووجدت الدولة العراقية، الساعية إلى جذب الاستثمارات الخارجية وبناء علاقات متميزة مع محيطها الخليجي والعربي، فضلاً عن الولايات المتحدة، نفسها مجدداً أمام فجوة واسعة بين مصالحها وما تفرضه الجماعات المسلحة من وقائع، وفق أجندات تخدم المصالح الإيرانية على حساب المصلحة العراقية.
ونفذت تلك الجماعات عمليات ضد المصالح الأجنبية في العراق وأهداف في دول الجوار، وأعلنتها ووثقتها عبر حساباتها الرسمية، وسط عجز حكومي واضح عن ضبط تحركاتها.
مهلة سبتمبر: الزيدي بين واشنطن وسلاح الفصائل
في هذا السياق، أعلنت حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي أن نهاية سبتمبر/أيلول 2026 ستكون الموعد النهائي لتسليم الفصائل المسلحة سلاحها للدولة، بالتزامن مع انتهاء مهمة التحالف الدولي في العراق.
ويمثل القرار، من حيث المبدأ، محاولة لإعادة الاعتبار إلى احتكار الدولة للقوة، ويضع الحكومة في الوقت نفسه أمام أحد أصعب اختباراتها منذ سنوات، فالزيدي يدرك أن المواجهة العسكرية المباشرة مع الفصائل قد تدفع العراق إلى صدام داخلي واسع، فيما يفضي التراجع عن تنفيذ المهلة إلى تقويض هيبة الدولة وترسيخ ازدواجية القرار الأمني.
ويعتمد رئيس الوزراء سياسياً على تحالفات تضم قوى وثيقة الصلة ببعض الفصائل، ما يجعل أي خطوة حاسمة محاطة بحسابات سياسية معقدة.
وبين التعهدات التي قدمها الزيدي خلال محادثاته مع المبعوث الرئاسي الأميركي الخاص إلى العراق وسوريا، والسفير لدى تركيا، توم برّاك، وتلك التي أعلنها أمام الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال زيارته إلى واشنطن في منتصف يوليو/تموز، باتت حكومته أمام استحقاق ترجمة هذه التعهدات إلى خطوات عملية، في ظل ربط واشنطن استمرار دعمها بمدى التقدم في حصر السلاح بيد الدولة.
ويمتد الدعم الأميركي المنتظر إلى مجالات التعاون والاستثمار، بعدما شهدت زيارة الزيدي إلى واشنطن توقيع وإعلان اتفاقيات وشراكات ومذكرات تفاهم تجاوزت قيمتها 60 مليار دولار. كما تملك واشنطن ورقة مالية مؤثرة، إذ تُودع عائدات النفط العراقي في حساب للبنك المركزي العراقي لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، قبل إتاحتها لبغداد وفق آليات مالية محددة.
وفي ظل تعثر تصدير النفط بسبب اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز، وضيق البدائل المتاحة أمام العراق، تقف حكومة الزيدي عند مفترق طرق بالغ الصعوبة. وقد تجلت أولى تداعيات الأزمة في تأخر صرف رواتب موظفي القطاع الحكومي، بما قد يفضي إليه استمراره من اضطرابات اجتماعية واقتصادية وسياسية.
وأبدت فصائل مسلحة عدة استعدادها للاستجابة لقرار حصر السلاح بيد الدولة، وشرع بعضها في اتخاذ خطوات عملية، كما فعلت سرايا السلام التابعة لمقتدى الصدر، حين سلّمت مقرها في سامراء إلى القوات الأمنية.
وفي المقابل، تمسكت فصائل أخرى بسلاحها، وازداد موقفها تصلباً عقب الضربات الأميركية-السعودية، فجر الأربعاء 29 يوليو/تموز 2026، التي استهدفت مواقع تابعة لفصائل مسلحة ومقارّ للحشد الشعبي، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى، بينهم عناصر ومستشارون إيرانيون.
انقسامات البيت الشيعي تعقّد معركة السلاح
يعاني المشهد السياسي العراقي تفككاً مزمناً منذ عام 2003، وقد امتدت انقساماته من القوى الشيعية والسنية والكردية إلى داخل كل مكوّن منها. ويظهر ذلك في تباين مواقف القوى الشيعية من القصف الذي استهدف مقار الفصائل والحشد الشعبي.
فقد جمع موقف مقتدى الصدر بين استنكار استهداف الأراضي العراقية وتحميل ما وصفها بـ”الميليشيات الوقحة” مسؤولية جر البلاد إلى حرب عبثية. كما طالب الحرس الثوري الإيراني بإبعاد الأراضي العراقية عن عملياته، ودعا الحكومة إلى فرض سيادة الدولة وضبط الأمن. وفي المقابل، ركز قادة شيعة آخرون على إدانة القصف والمطالبة بموقف حكومي أكثر حزماً تجاه واشنطن والرياض.
وانعكس هذا التباين السياسي على تعامل الحكومة مع الفصائل وحملة السلاح. فرغم تبني الدولة رسمياً مبدأ حصر السلاح بيدها، تتباين مواقف القوى المنضوية في “الإطار التنسيقي”، وهو التحالف الشيعي الأبرز في إدارة الحكومة، إزاء آليات تفكيك الفصائل ومستقبلها.
ويرتبط عدد من قادة الإطار وقواه بفصائل مسلحة؛ ينضوي بعضها في هيئة الحشد الشعبي، ويتحرك بعضها الآخر خارجها، فيما تجمع فصائل أخرى بين تشكيلات رسمية داخل الحشد وأذرع تعمل خارجه. ويجعل هذا التشابك قرار نزع السلاح متصلاً مباشرة بموازين القوة داخل التحالف الحاكم.
من هنا تتضح صعوبة مهمة رئيس الوزراء علي الزيدي، الذي يواجه ضغوطاً متزامنة بسبب موقفه من الفصائل وحملة ملاحقة المتهمين بقضايا الفساد، التي أطلقها بعد أسابيع من توليه رئاسة الحكومة.
وأمام هذا المشهد المعقد، تبدو مهمة الزيدي أقرب إلى مهمة “انتحارية”. ويزيد غموض مآلات الحرب الأميركية على إيران من خطورتها، نظراً إلى امتداد تأثيرها المباشر إلى الساحة العراقية.
وهكذا، بات الفصل بين ما يجري في طهران وما قد يترتب عليه في بغداد بالغ الصعوبة. فقد نجحت إيران، على مدى أكثر من عقدين، في بناء شبكة ولاءات جعلت تفكيك “عقدتها” داخل العراق أشد تعقيداً من تفكيك برنامجها النووي نفسه. ويبدو إدراك إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لهذه الحقيقة محدوداً حتى الآن.