في بلد هو سلّة غذاء العالم لكننا لا نسمع عنه إلا في أخبار الحروب والدمار، لا تحظى فواجعه الإنسانية بالاهتمام المطلوب عربيًا، وتتداخل فيه الخيوط وتتعقد الصراعات المدعومة من أطراف عربية لتستمر جذوة الحرب وآلة القتل تحصد الأرواح حتى ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية في العُرف الدولي. إبادةٌ يرتكبها أبناء السودان في حق إخوانهم، إلا أننا ننشغل عنهم بقضايا أخرى يكون فيها العدو منتميًا لجذور أخرى ولا يشاركنا الهوية والعقيدة.
أنتج هذا الغرس الواقعي أدبًا نابضًا بالحياة يُحاكي أزمته وألمه، ويُسائل الوجع، ويرنو إلى النجاة بعد مواجهة الأسئلة المصيرية ليكون مرآة صادقة وناطقة بهموم الإنسان السوداني ومعاناته. مُتكئين على إرث أدبي غني قدّمه الطيب صالح الذي تحمل اسمه جائزة أدبية رفيعة تعطلت هذه السنوات بسبب الحرب، طُفنا على أقلام سودانية عديدة معاصرة منها ليلى أبو العلا وآن الصافي ومنصور الصويم وسارة الجاك وطارق الطيب وعاطف الحاج سعيد وتسنيم طه وعبد العزيز بركة ساكن وقرأنا العديد من النصوص تحديدًا في العقد الأخير لنخرج بعدها بترشيحات لخمس روايات بارزة لا تفوتكم قراءتها عن السودان بأقلام أبنائه:
1- عائلة شجرة الليمون – حامد الناظر (2026)
هل يمكن أن يصبح الخيال مرضًا؟ هل يُفرط فيه صاحبه فلا يميز بينه وبين الواقع؟
هذا نصٌ يحمل أبعادًا نفسية عميقة لمن يعايش حربًا دون انتماء تُفقده توازنه. البطل هنا يعود إلى بيته في الخرطوم بعد رحلة نزوح إلى مخيط في بورتسودان هربًا من حرب يائسة بين فلول النظام والجنجويد الذين اختطفوا أخاه الإسلامي الذي يحارب مع النظام.
البؤس الذي شهده قبل النزوح يتقاسم جُرمه الطرفان المتحاربان المرتكبان للفظائع على حد سواء. نرى في هذا النص كيف تغير الحرب شكل الحياة، وكيف تنفذ آثارها إلى أعماق النفس البشرية، وكيف تلعن المدينة التي تضربها، وكيف تُلقي بشبحها على البيت الذي هجره سكانه وحلّ محلهم أحد أباطرتها ليكون مُستقرًا له ينطلق منه إلى البطش والتنكيل والاغتصاب والقتل المُروّع.
نتعرف على ماضِ البطل وجذور مرضه منذ الصغر وعائلته كاملة وشجرة الليمون بالتوازي مع حاضره الذي ينضم فيه إلى جمعية تجمع وتعالج الجثث. يتوق البطل إلى الانعتاق والعيش في أمان لكن “قد تبدأ الحرب في عقل واحد، لكنها تنتهي في ذاكرة الجميع”.
شاهد لقاء مع حامد الناظر حول رواية عائلة شجرة الليمون.
2- غضب وكنداكات – أمير تاج السر (2020)
انطلاقًا من التاريخ الناصع للنساء في السودان الذي يُرمز إليه بمفردة “كنداكة“، المرأة القوية التي صارت ملكة قديمًا وأصبحت أيقونة المرأة في الاحتجاجات المعاصرة، يروي لنا الكاتب إرهاصات الثورة على النظام السوداني عبر قصة قهر لحارس بوابة يعمل بالمطار حتى يتم تجنيده في الأمن الوطني. يُخبروه: “لن تسمع ما يضر الوطن نهائيًا، لكن ستسمع ما يفيده فقط، وإن سمعت ما يضره، فستخبرنا فورًا”. نرى كيف يمكن أن تتغير حياة مواطن عادي لمجرد أن وقع اختيار السلطة عليه للزج به فيما لا يريد دون حيلة للخلاص ودون حيلة لحماية أخته منهم.
نقف على دعاوى التقشف المزيفة التي كانت تروجها الحكومة بينما مسؤوليها غارقون في الفساد. نقترب من أُناس تعرضوا للتعذيب في الأمن الوطني “المقر النموذجي للتوبة” ضمن سياسة كسر عين من ينادي بسقوط النظام. نفهم كيف نشأت هتافات حرية سلام وعدالة ويسقط الظلم.. يسقط الطغاة في وطن صار بأكمله كالمقبرة.
3- تروبادور في الخرطوم – وقاص الصادق (2026)
رواية حوارية عمادها يوميات الحرب في الخرطوم الدائرة بين الجيش وقوات الدعم السريع. يبحث جنديان ينتميان للطرفين المتحاربين عن شخص واحد يريد أحدهما قتله والآخر إنقاذه. وفي هذه الرحلة تقفز تساؤلات عمن بدأ الحرب ومن المذنب ومن يستحق الحياة وهنا نقترب من كل طرف ونفهم سرديته التي دفعته للقتال.
تسود التهيؤات بأن الأموات يعودون إلى الحياة مجددًا، وتحقق استخبارات الميليشيا في الشائعات، وتكون أقرب لتصديق الخوارق بالنظر إلى ثقافتهم البدوية التي تجعلهم يعلقون التمائم لحفظهم في الحرب ويلبسون الأحجية للوقاية من الرصاص. لكن إن كانت العودة من الموت ممكنة فلا ينبغي أن تتم بشكل عبثي يُعيد القاتل والمقتول معًا فتتكرر دورة الموت مرة أخرى وإنما يجب إعادة المدنيين فقط دون العساكر. “هؤلاء الناس الذين ماتوا تم خيانتهم، كأنهم ماتوا خارج أقدارهم”.
فازت الرواية بجائزة سعاد الصباح في الكويت 2025.
4- الغرق : حكايات القهر والونس – حمور زيادة (2015)
يقول المُفتتح: “تبدو البلاد كما لو صُنعت في صدفة ما. بلا خطة واضحة، وعلى عجل”. ربما نقرأ هنا سيرة الانقلابات في السودان الذي “فيه شيطان ساكن” من خلال وصول جعفر النميري إلى الحكم. نقرأها برمزية عنوانها الغرق وهو المصير المحتوم الناتج عن الفيضان الذي يضرب قرية بسيطة هي مكان الأحداث في الرواية “وسيجرف كل شيء. سنغرق جميعًا. ستغرق كل البلاد. لا اشعر أن هناك مهربًا لنا”.
تدور الأحداث في النصف الأول من القرن العشرين. في القرية يقنع أهلها بالقليل وتوفير الجازولين ولا يخافون إلا الله والفيضان والسوس في التمر. يسمعون بانقلاب عسكري في العاصمة يهتف فيه المتظاهرون ضد العسكر “إلى الثكنات يا حشرات”. يشكو أحدهم: “العساكر هذه المرة سيحكمون إلى القيامة”، لكن أيًا كان ما يجري فـ”الحال كله مقلوب” و”لا شيء يكفي شر العسكر”. الخرطوم لا تخاف إلا الله والكهرباء والعسكر لأنه “لا أمان للعسكر” وفيها يحتدم صراع السياسة بين الأفندية.
أما في القرية، فتسود ثقافة مختلفة نتعرف عليها وولائها وغنائها الشعبي وحياة مزارعيها البسيطة. دخلت الرواية في ترجمتها الفرنسية القائمة القصيرة لجائزة الأدب العربي 2022 والتي يمنحها معهد العالم العربي في باريس.
شاهد لقاء حمور زيادة في حديث عن رواية الغرق.
5- عينان خضراوان – حامد الناظر (2020)
عملٌ مُفعمٌ بالوجع الإنساني نعيش فيه مأساة “حياة” أو عرفة، فتاة سودانية بدأت دفع أثمان الحرب كأنثى تُساوَم على الشرف وهي لم تبلغ العشرين ربيعًا بعد.
يدور زمن الرواية في التسعينيات من القرن الماضي حين سقطت مدن في يد المعارضة السودانية تحت مظلة الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق والمدعومة من الجيش الإريتري. والد “عرفة” كان متطوعًا في المعسكر الآخر في كتائب المجاهدين الموالية للحكومة السودانية وضمّته قوائم الإعدام التي أعدّها المعسكر المضاد.
يتبدل حال عرفة التي تواجه أصنافًا من التعنيف منذ الصغر وتتعرض للشتم والضرب ثم التحرش والابتزاز والتنكيل وقطع الأرزاق حتى الاغتصاب مرارًا من جنود مسلمين ومسيحيين. كأسيرة حرب لدى المعسكر المعارض للنظام السوداني، لا تجد ما يدعون إليه من “سودان على أسس جديدة”، لكنها تجد العطف والاحتواء في كنيسة تؤويها وصحبة جديدة توفر لها بعض الأمان و”أبٍ” يعترف لها بدوره فيقول “ما أشقاطِ يا بنيتي، وما أسوأ حظك”.
عالمٌ جديد يوفر لها الحماية والدعم وفرص التعليم وقد كانت توّاقة لدخول المدرسة وعدم الاكتفاء بالخلوة التي يقتصر فيها التعليم على القرآن. عالمٌ جديد كله أخوة مسيحيون يعوضونها عما فات حتى تحب أحدهم وتتزوجه وإن لم تُبدّل دينها، لكن القدر يقول كلمته الأخيرة بعد أن يظهر أهلها من جديد. حقًا قالت “أنا ابنة الحرب وضحيتها ومعناها، إن كان لها معنى”. وحقًا إن “مأساة الإنسان الأسود هي عورة التاريخ الإنساني كله”. الرواية دخلت القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية 2021.