• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

“الجرائم الإلكترونية”.. قانون قديم يختبر حريات سوريا الجديدة

زين العابدين العكيدي٩ أغسطس ٢٠٢٦

وزارة العدل السورية (وكالة سانا)

مجدداً، يعود قانون الجرائم الإلكترونية إلى الواجهة، بعد توقيف السلطات السورية عدداً من الأشخاص خلال الأيام القليلة الماضية استناداً إليه، فقد أصدرت وزارة العدل، في حزيران الماضي، حزمة ضوابط جديدة، بهدف وضع حد للتسويف الإجرائي في قضايا الجرائم المعلوماتية.

وأعلنت تشكيل لجان قانونية وفنية مشتركة مع وزارات الإعلام والداخلية والاتصالات، لإعادة صياغة قانون الجريمة الإلكترونية ضمن مساعي الإصلاح.

ورغم هذه الخطوات، واصلت السلطات توقيف واستدعاء صحفيين وناشطين على خلفية شكاوى تتعلق بمنشورات على المنصات الرقمية، كان من بينها الصحفي ومراسل “نون سوريا” حمزة عباس، الذي خضع للتحقيق في دمشق قبل أيام بسبب رسالة عبر تطبيق “واتساب”.

وسبقه الناشط والمخرج حسان عقاد، إلى جانب توقيف ممثلي ملاك عقارات “المرسوم 66” إبراهيم شيخ الشباب وياسر عباس. وأعادت هذه الوقائع فتح باب الجدل والتساؤلات حول ضوابط القانون، والحد الفاصل بين قضايا التشهير والحق في حرية التعبير.

توقيف على الحدود بسبب تعليق ساخر

في مطلع آب الجاري، أوقفت السلطات السورية الدكتور حسين علي الحميد أثناء قدومه من ألمانيا في زيارة إلى سوريا. وبحسب أقاربه، أُنزل من سيارة كان يستقلها برفقة زوجته وأطفاله عند الحدود السورية–اللبنانية، ثم انقطع الاتصال به. وبعد البحث عنه في الفروع الأمنية، تبيّن أنه موقوف لدى فرع الجرائم الإلكترونية، بناءً على معروض قدّمه المحامي العام في دمشق، على خلفية تعليق ساخر كتبه الحميد على صورة أحد المسؤولين في منصة “فيسبوك”، جاء فيه: “البدلة ضيقة عليك.. حاول أن تخفف وزنك”.

وأُدرج التعليق تحت تهمة “النيل من هيبة الدولة”. وأثارت الحادثة انتقادات واسعة بسبب طريقة التوقيف وإخفاء مكانه، كما أعادت طرح التساؤلات حول جدوى القرار الذي أصدرته وزارة العدل السورية قبل أيام، وأسباب عدم الالتزام به.

وتوجّه عدد من أفراد عائلة الحميد إلى القصر العدلي في دمشق، حيث قدّموا اعتذاراً للمسؤول، قبل أن يُخلى سبيله يوم الخميس، السادس من آب. وبرّرت بعض الجهات الرسمية التوقيف بأن القاضي الذي أمر به كان من قضاة عهد النظام السابق.

وعقب الحادثة، التي يبدو أن أصداءها وصلت إلى وزارة العدل السورية، أصدر مدير الاتصال الحكومي والعلاقات في الوزارة، براء عبد الرحمن، تنويهاً أكد فيه أن وزير العدل مظهر الويس وجّه الجهات القضائية المعنية إلى الالتزام التام بأحكام التعميم رقم “26”، الخاص بتنظيم وضبط إجراءات التعامل مع الجرائم المعلوماتية. ويهدف التعميم إلى حماية حقوق المواطنين وحرياتهم، وتعزيز الضمانات القانونية خلال مرحلتي التحقيق والملاحقة.

كما شدّد الوزير على المحامين العامين في المحافظات بضرورة التقيد الكامل بالتعميم، ومتابعة تطبيقه من الجهات المختصة، ومعالجة القضايا والإشكالات بالسرعة الممكنة. وبحسب مصادر خاصة لـ”نون بوست”، وصلت قضية الحميد إلى الوزير مظهر الويس شخصياً، فتحرّك إثر ذلك وأصدر التنويه المذكور.

رسالة “واتساب” تقود صحفياً إلى التحقيق

شهد الأسبوع الفائت حادثة توقيف أخرى. ففي يوم الاثنين، الثالث من آب، أخلى فرع الجرائم الإلكترونية في دمشق سبيل الصحفي حمزة عباس، بعد استدعائه والتحقيق معه لساعات بسبب رسالة أرسلها إلى مجموعة على تطبيق “واتساب” تضم عدداً من المسؤولين السوريين. وعرض عباس في رسالته تفاصيل تضييقات أمنية وإدارية يتعرض لها فريق إذاعة “صوت الشام”، التي يعمل فيها.

وتعود جذور القضية إلى إرغام الإذاعة المرخصة على إخلاء مقرها الإداري في حي “مزة فيلات غربية” لأسباب أمنية، عقب انتقال وزير الزراعة باسل سويدان للسكن في المبنى ذاته. ورغم استيفاء الإذاعة التراخيص اللازمة وموافقة مالك العقار، مُنع كوادرها نهائياً من دخول المقر وأُحيلت القضية لاحقاً إلى المحافظة ووزارة الداخلية. ويبدو أن رسالة عباس أثارت استياء مسؤولين في وزارة الزراعة، ما أدى إلى توقيفه.

تسلّط هذه الحوادث الضوء على تزايد توقيف الإعلاميين والناشطين استناداً إلى قانون الجرائم الإلكترونية، وسط إجراءات قضائية متضاربة، ففي حزيران الماضي، أصدرت وزارة العدل تعميماً يقضي بحصر إحالة الشكاوى إلى الضابطة العدلية في الجرائم التقنية البحتة، بهدف منع استغلال القانون وإطالة مدة الاحتجاز في قضايا القدح والذم. كما أعلنت تشكيل لجان لإعادة دراسة القانون.

وأعادت هذه الوقائع إثارة المخاوف بشأن مستقبل حرية الإعلام في سوريا الجديدة، إذ طالبت منظمة العفو الدولية بالتعليق الفوري للعمل بقانون الجرائم الإلكترونية، الذي عدّله النظام المخلوع عام 2022، إلى حين إصلاحه.

ودعت إلى تعديل مواده التي وصفتها بـ”الفضفاضة”، ومنها المادة المتعلقة بـ”النيل من هيبة الدولة”، كما وثّقت استمرار احتجاز ناشطين وصحفيين بسبب ممارستهم حقهم في التعبير السلمي عبر الفضاء الرقمي، في تقرير حمل عنوان: “أوقفوا العمل بقانون الجرائم الإلكترونية الصادر في عهد الأسد إلى حين تعديله”.

“هيبة الدولة”.. نص فضفاض في مواجهة حرية التعبير

تُمثّل عبارة “النيل من هيبة الدولة” نموذجاً صارخاً للمصطلحات المطاطية التي تفتقر إلى تعريف قانوني محدد أو مرجعية قضائية واضحة، ما يفتح الباب أمام تأويلها وفق أهواء الجهات التنفيذية. ويؤدي غياب الضوابط التشريعية إلى تحويلها من أداة لحماية المؤسسات إلى سلاح سياسي تستخدمه السلطة لإسكات الأصوات الناقدة وتصفية الخصوم، حتى حين تكون الآراء المعارضة صائبة وتصب في المصلحة العامة، إذا تعارضت مع مصالح النافذين.

وتندرج هذه العبارة ضمن مجموعة من المفاهيم الفضفاضة التي يسهل استغلالها وتطويعها من الطرف الأقوى في معادلة الحكم، بهدف فرض السيطرة وتجريم التعبير عن الرأي. وهنا تكمن الأزمة في غياب الضوابط والعدالة التي تمنع إساءة استخدام هذه المفاهيم، وتضمن توظيفها لحماية المجتمع وصون حرياته.

وتواصل دعاوى الجرائم الإلكترونية إثارة جدل حقوقي وقانوني واسع في سوريا، لا سيما مع توسّع الأجهزة الأمنية وفروع الأمن الجنائي في توقيف المدعى عليهم خلال ما يُعرف بـ”فترة الاحتفاظ”.

وسلّطت وقائع توقيف ناشطين مؤخراً بتهمة “النيل من هيبة الدولة” الضوء على تجاوزات صارخة في تطبيق قانون الجرائم المعلوماتية. وتبقى الدولة مسؤولة مباشرة عن تجاوز أجهزتها الأمنية الأصول القانونية، وتجاهلها تعميمات وزارة العدل الأخيرة التي تحظر التوقيف الاحتياطي التعسفي من دون إذن قضائي مباشر، ولا يعفيها من هذه المسؤولية إلقاء اللوم على قرارات أصدرها قضاة من عهد النظام السابق.

وتتحول تصريحات الوزارة الداعية إلى الالتزام بالإجراءات القانونية إلى مجرد استهلاك إعلامي، ما لم تقترن بمساءلة حقيقية ومحاسبة صارمة للمخالفين، ضماناً لعدم تكرار هذه التجاوزات، فترسيخ دولة القانون وصون حرية التعبير يتحققان عبر المؤسسات والشفافية والمحاسبة، بعيداً عن التبريرات التي تُساق بعد وقوع الانتهاك.

في التجربة السورية تحت حكم عائلة الأسد، الممتد لأكثر من نصف قرن، تعرّض مفهوم “الدولة” للتشويه نتيجة الخلط بينها وبين شخص الرئيس والأجهزة الأمنية، وأدى إلى تجريد الدولة من معناها المؤسسي، وإنتاج مفهوم هجين يتجاوز تطلعات المواطنين وعلاقتهم بوطنهم.

وفي ظل هذا التحول القسري الذي تفرضه الأنظمة الشمولية، انتقلت “هيبة الدولة” من كونها مؤشراً إلى مكانتها الدولية وسياجاً لحماية المجتمع، إلى أداة لإخضاع الداخل وإثارة الخوف وتقييد الحريات تحت مظلة السيادة. ومع اختزال الوطن ومؤسساته وهويته الجمعية في رمزية السلطة، تحوّل كل نقد أو سخرية تطال مسؤولاً إلى تهمة تمس “هيبة الدولة”، وصار الموالون يفسّرونها بوصفها إهانة شخصية أو اعتداءً على الوطنية ذاتها.

ويثير تعامل السلطات السورية مع هذه الحوادث قلقاً إضافياً، إذ تأتي الاستجابة غالباً بعد انتشار القضية على مواقع التواصل الاجتماعي وتحولها إلى موضوع للرأي العام. وبذلك، تصبح فرص الإفراج عن المتضررين من قانون الجرائم الإلكترونية مرتبطة بعدد متابعيهم، أو بقدرة أحد المؤثرين على إيصال قصتهم، فيما قد يبقى آخرون في السجن أياماً لأن قضاياهم لم تحظَ بالانتشار.

ويكشف هذا الواقع عن خلل قانوني كبير يتطلب تحركاً عاجلاً من وزارة العدل، لوضع حد لإساءة استخدام هذا القانون الفضفاض، الذي يُعدّ من مخلفات حقبة النظام المخلوع.

علاماتأهداف الثورة السورية ، الحكومة السورية الجديدة ، الشأن السوري ، العدالة في سوريا
مواضيعالأزمة السورية ، الدستور السوري ، الشأن السوري ، سوريا حرة

قد يعجبك ايضا

مجتمع

جدل الجنسية السورية.. هل تطغى هواجس الحرب على النص القانوني والموقف الفقهي؟

زينب مصري٨ أغسطس ٢٠٢٦
مجتمع

أثرياء الخليج يعيدون هندسة الميراث عبر القانون الإنجليزي

نيكولاس بارازي٦ أغسطس ٢٠٢٦
مجتمع

العالقون في مخيمات إدلب.. لا بيوت للعودة ولا دعم للبقاء

يوسف بدوي١ أغسطس ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑