• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

طهران أمام اتفاق مكة.. بين الاحتواء والتشكيك ومحاولة الانخراط

عماد عنان٩ أغسطس ٢٠٢٦

تزال أصداء “اتفاقية مكة للدفاع المشترك”، التي وُقعت بين السعودية وتركيا وباكستان، الجمعة السابع من أغسطس/آب الجاري، تلقي بظلالها على المشهد الإقليمي، إذ تأتي في توقيت تشهد فيه المنطقة تحولات جيوسياسية عميقة، وإعادة تشكيل لخريطة النفوذ ومعادلات القوة، على وقع الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، بما يضيف ضلعًا جديدًا إلى معادلة الأمن الإقليمي.

وبعيدًا عن القراءات المتعددة للاتفاقية وسياقاتها، ورسائل الطمأنة التي أُرسلت بشأن دوافع التحالف الثلاثي، والتأكيد على أنها لا تستهدف طرفًا بعينه، تبقى إيران الرقم الصعب في تلك المعادلة؛ باعتبارها أحد أبرز العوامل الحاضرة في الحسابات الأمنية الإقليمية، والمحفزات الرئيسية وراء تدشين هذا الكيان الدفاعي الجديد، الذي جاء في أعقاب ما شهدته المنطقة من تهديدات وتصعيد بسبب الحرب، والتي كانت طهران أحد أبرز أطرافه، بصرف النظر عن مقاربتها في ذلك.

وبطبيعة الحال، فإن تدشين تحالف ثلاثي يمتلك مثل هذه القدرات العسكرية والصناعية والاقتصادية واللوجستية الكبيرة، لا يمكن أن تتعاطى معه طهران باعتباره حدثًا عابرًا أو تحالفًا هامشيًا، ومن ثم، كان للإعلان عن الاتفاقية صدى واسع داخل إيران، سواء على مستوى الأوساط السياسية أو عبر وسائل الإعلام ومنصات النقاش المختلفة.. فكيف قرأ الإيرانيون اتفاقية مكة الدفاعية؟ وما الرسائل التي التقطتها طهران من وراء هذا التحالف الثلاثي؟

الموقف الرسمي.. تجنب الإدانة

رغم عدم صدور موقف رسمي مباشر وصريح عن النظام الإيراني إزاء هذا الاتفاق، فإن القراءة الأولى للموقف الإيراني تشير إلى أن طهران تتعامل معه باعتباره جزءًا من صراع أوسع حول شكل النظام الأمني الجديد في الشرق الأوسط، وليس مجرد اتفاق دفاعي ثلاثي، وهو ما يفسر تجنبها إدانته بصورة علنية أو الدخول في مواجهة سياسية مباشرة مع أطرافه.

ويعكس وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي هذا التوجه في تصريحاته التي ركز خلالها على ثلاث نقاط رئيسية؛ أولها أن القوات المسلحة الإيرانية أثبتت قدرتها وقوتها في مواجهة «أكثر القوى العسكرية تطورًا في العالم»، في إشارة إلى الولايات المتحدة، وثانيها أن اتحاد المسلمين من شأنه أن يعزز قدرتهم على مواجهة التحديات القادمة من القوى الخارجية، قبل أن يختتم بالدعوة إلى الاعتماد على الذات وترسيخ «الأخوّة الحقيقية» بين دول المنطقة.

وبقراءة تلك التصريحات، لا تبدو طهران معترضة، من حيث المبدأ، على الاتفاق، كما تتجنب تصويره باعتباره تحالفًا موجّهًا ضدها في المقام الأول، مفضلة النظر إليه من منظور إقليمي أوسع، باعتباره أحد مسارات تعزيز القدرات الذاتية لدول المنطقة في مواجهة القوى الخارجية.

ومن هذا المنطلق، تحاول إيران التأكيد على أنها ليست ضد قيام مثل هذه التكتلات الإقليمية، خصوصًا لما قد يترتب على تبني موقف معارض لها من كلفة سياسية مستقبلية، لكنها في الوقت نفسه تدفع باتجاه أن تكون هذه الترتيبات جزءًا من منظومة أمن إقليمية شاملة وغير إقصائية، ومستقلة عن القوى الخارجية، بدلًا من تحولها إلى محاور مغلقة تعيد إنتاج الاستقطاب داخل المنطقة.

إيران ليست الهدف الوحيد

هناك قراءة أخرى فرضت نفسها على التعاطي مع هذا الاتفاق،  تذهب إلى أن التحالف يعكس رغبة سعودية واضحة في تعزيز قدرتها على الردع في مواجهة القوة الإيرانية، من خلال الاستفادة من القدرات العسكرية والصناعات الدفاعية التركية، إلى جانب القوة النووية الباكستانية.

وقد وجدت هذه القراءة صدى واضحًا في الخطاب الإيراني، وهو ما عكسته وكالة الأنباء الرسمية “إرنا”  التي كانت أكثر صراحة حين اعتبرت الاتفاق رسالة سياسية قوية إلى طهران، غير أنها لم تحصر دلالات هذه الرسالة في إيران وحدها، بل وسعت نطاقها ليشمل أيضًا الولايات المتحدة وإسرائيل، بما يعني أن التحالف، وفق هذه القراءة، لا يستهدف طهران وحدها، وإنما يحمل رسائل متعددة وموجهة إلى أكثر من طرف في الوقت نفسه.

وانطلاقًا من ذلك، يبدو هذا الخطاب أكثر واقعية في قراءة المشهد؛ إذ تدرك إيران أنها أحد الأطراف المخاطبة بهذا التحالف، وأنها حاضرة بقوة في حساباته الأمنية، لكنها في الوقت ذاته لا ترى نفسها الطرف الوحيد المستهدف منه،  ومن ثم، تسعى طهران إلى تجنب تحميل الاتفاق طابعًا عدائيًا مباشرًا تجاهها، بما يخفف من احتمالات استعداء أعضائه، ويمنحهم مبررات أوسع للتحرك في إطار اعتبارات أمنية إقليمية متعددة.

ولاشك أن مثل هذا النهج يتيح لإيران الإبقاء على قنوات الدبلوماسية مفتوحة، ومحاولة احتواء أي توتر محتمل مع أطراف التحالف، بدلًا من الدفع باتجاه مواجهة سياسية مباشرة قد تزيد من حدة الاستقطاب الإقليمي، وهذا يمثل العصب الأساسي للخطاب السائد في الداخل الإيراني.

تأمين سعودي أكثر منه استهداف إيراني

أما القراءة الثالثة، التي تبناها التيار الوسطي، فتميل إلى أن التحالف يستهدف في الأساس رفع مستوى الردع السعودي، وليس استهداف إيران بصورة مباشرة، وتنطلق هذه القراءة من أن الاتفاق تحكمه اعتبارات أخرى تتجاوز العامل الإيراني، من بينها تراجع ثقة الرياض في الضمانات الأمنية الأمريكية، وتداعيات الحرب اليمنية، والقلق السعودي التركي من التوسعات الإسرائيلية في الإقليم، إلى جانب رغبة القوى الإقليمية في بناء أدوات أمنية خاصة بها تقلل من اعتمادها الكامل على واشنطن.

ووفق هذه المقاربة، تبدو إيران بعيدة نسبيًا عن احتمالات الاستهداف المباشر، في ظل صعوبة منح كل من باكستان وتركيا الرياض شيكًا على بياض للدخول في مواجهة مفتوحة مع طهران، بالنظر إلى حساباتهما ومصالحهما الخاصة.

ومن ثم، ترى هذه القراءة أن الهدف الأساسي من التحالف يتمثل في بناء مظلة ردع قوية للسعودية، تعوضها جزئيًا عن تراجع فاعلية المظلة الأمريكية، وتمنحها في الوقت نفسه قدرًا أكبر من الثقل الاستراتيجي والاستقلالية الأمنية، بما يعزز قدرتها على حماية مصالحها وضمان قدر أكبر من الاستقرار والأمان مستقبلًا.

استهداف طهران في المقام الأول

أما التيار الإيراني المتشدد، فله قراءة مغايرة للمشهد، وهو ما عبّر عنه حسين شريعتمداري، رئيس تحرير صحيفة «كيهان» المحافظة المتشددة، حين هاجم الاتفاق بشدة، معتبرًا أنه يستهدف إيران في المقام الأول، وأنه جاء في سياق حماية المصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.

ولم يتوقف شريعتمداري عند هذا الحد، بل ذهب إلى التشكيك في دور باكستان ومدى أهليتها للاستمرار في لعب دور الوسيط بين طهران وواشنطن بعد انضمامها إلى هذا التحالف، ووفق رؤيته، فإن انضمام إسلام آباد إلى كيان يراه موجّهًا ضد إيران يفقدها أهلية القيام بأي دور دبلوماسي في تقريب وجهات النظر بين طهران والولايات المتحدة.

وبذلك، يعكس موقف شريعتمداري القراءة الأكثر تشددًا داخل إيران، والتي تنظر إلى الاتفاق باعتباره ترتيبًا أمنيًا موجّهًا بصورة مباشرة ضد طهران، وترى أن مشاركة باكستان فيه أضرت بموقعها كوسيط يمكن الوثوق به، ووضعت علامات استفهام حول قدرتها مستقبلًا على أداء هذا الدور.

الانخراط الإيراني في المعادلة

وحضرت قراءة أخرى، وإن بصورة غير مباشرة، تذهب إلى أن أي اتفاق أمني أو تحالف دفاعي يستبعد إيران لن يكون قادرًا على تحقيق أهدافه كاملة، ولن يفضي إلى بناء أمن إقليمي حقيقي ومستدام، وتلمح هذه المقاربة، بصورة ضمنية، إلى إمكانية انخراط طهران مستقبلًا في مثل هذه الترتيبات الدفاعية، أو على الأقل عدم بقائها خارجها بصورة دائمة.

وفي هذا السياق، نقلت وكالة “تسنيم“ تحذيرات صادرة من الداخل التركي، تشير إلى أن أي منظومة أمنية إسلامية تستبعد إيران وفلسطين لن تكون قادرة على إنتاج أمن حقيقي، كما نقلت رأيًا تركيًا يرى أن أحد أهداف الترتيب الجديد يتمثل في تطويق إيران.

ويخدم هذا الخطاب التركي، كما نقلته «تسنيم»، الرؤية الإيرانية بدرجة كبيرة؛ إذ يمنح طهران مساحة للقول إنه إذا كان الهدف بالفعل بناء تحالف إسلامي وإقليمي واسع، فكيف يمكن تحقيق ذلك مع استبعاد قوة إقليمية بحجم إيران، بما تمتلكه من ثقل عسكري وسكاني وجيوسياسي، فضلًا عما تعتبره طهران نجاحًا أخيرًا في مواجهة قوة عالمية كبرى.

ومن هنا، يعزف هذا الخطاب على وتر ضرورة ألا تترك إيران التحالف الثلاثي محصورًا في صيغته الضيقة، وأن تعمل على الدفع باتجاه توسيع نطاق الترتيبات الأمنية الإقليمية وفتح الباب أمام قوى أخرى، وهو ما قد يتيح لطهران، مستقبلًا، فرصة للانخراط في مثل هذا الإطار، أو على الأقل التعايش معه من خلال تفاهمات سياسية وأمنية تحد من احتمالات الصدام أو الاستعداء المتبادل.

التشكيك في جدوى الاتفاق

هناك زاوية أخرى ركز عليها الخطاب الإعلامي الإيراني في تعاطيه مع الاتفاق، تتعلق بمحاولة التشكيك في قدرته على تحقيق أهدافه، من خلال إبراز تباين الرؤى واختلاف الأولويات بين أعضائه، وفي هذا السياق، سلطت  “إرنا” الضوء على أن هذا التباين قد يحد من تماسك التحالف ويقلل من قدرته على التحول إلى كيان أمني فاعل ومتكامل.

وأشارت الوكالة إلى أن أولويات السعودية تتمحور بصورة أساسية حول اليمن وإيران، بينما تتركز حسابات تركيا على ملفات سوريا والأكراد وشرق المتوسط، إلى جانب التزاماتها الحساسة داخل حلف الناتو، أما باكستان، فلديها حسابات مختلفة ترتبط أساسًا بالهند والتوترات الممتدة على حدودهما منذ عقود، كما لفتت الوكالة إلى غياب قيادة عسكرية موحدة بين جيوش الدول الثلاث، وهو ما يجعل توحيد الرؤى والمقاربات العملياتية أكثر صعوبة.

ووفق هذه القراءة، تستبعد الوكالة أن تندفع تركيا وباكستان نحو استهداف إيران أو تصعيد التوتر العسكري معها، في ظل ما يجمعهما بطهران من علاقات ومصالح مشتركة، ومن ثم، قد يسهم البلدان في تعزيز قدرة السعودية على الردع، لكن دون أن يعني ذلك بالضرورة استعدادهما لخوض مواجهة فعلية مع إيران نيابة عنها.

وبحسب هذا المنظور، فإن دعم الردع السعودي شيء، والانخراط في حرب مباشرة ضد إيران شيء آخر تمامًا، إذ تخضع مثل هذه الخطوة لحسابات ومصالح خاصة بكل دولة، بما يحد من إمكانية تحول التحالف سريعًا إلى جبهة عسكرية موحدة في مواجهة طهران.

وفي هذا السياق، برز موقف أكثر حدة عبّر عنه عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، إبراهيم رضائي، الذي انتقد ما وصفه بـ«الاعتماد على الاتفاقيات الخارجية» لتوفير الأمن، معتبرًا أن الاتفاقية الجديدة لن تشكل صمام أمان للرياض، مضيفًا، في تعليق نشره عبر منصة «إكس»: “يجب على السعوديين أن يدركوا أن الاتفاق على الورق مع تركيا وباكستان لن يجلب لهم الأمن، تمامًا كما أن سنوات الاستضافة الأحادية للأميركيين لم توفر لهم ذلك”، مخاطبًا الجانب السعودي بصورة مباشرة بقوله: “أصلحوا سياساتكم حتى لا تضطروا إلى استجداء الأمن من الآخرين”

في المحصلة، يعكس الخطاب الإعلامي والسياسي الإيراني إزاء اتفاق مكة تباينًا واضحًا في قراءة هذه الخطوة وتقدير أبعادها، وهو ما يكشف بدوره عن قدر من الارتباك في تقييم المشهد بصورة دقيقة، في ظل التحولات والاضطرابات التي أفرزتها الحرب الراهنة، وما صاحبها من إعادة ترتيب للحسابات الأمنية والسياسية في المنطقة.

ويتضاعف هذا التباين في ظل صعوبة التنبؤ بالمخاطر والنتائج المحتملة للاتفاق حال تنفيذه بالصورة المأمولة، ومدى قدرته على التحول من إطار سياسي ودفاعي معلن إلى منظومة أمنية فاعلة على الأرض، ومن ثم، يبقى الحكم النهائي على الاتفاق سابقًا لأوانه، إذ يحتاج المشهد إلى مزيد من الوقت قبل تقييم تأثيراته بصورة متكاملة، والوقوف على حدود قدرته ومدى ما يمكن أن يحققه فعليًا، عندما ينتقل من نصوص الاتفاق وتصريحات الإعلام إلى اختبار الواقع والممارسة.

مواضيعاتفاقية مكة ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، الشأن الإيراني ، الشأن التركي ، الشأن السعودي

قد يعجبك ايضا

سياسة

حواس الترسانة التركية: “أسيلسان” و”ميتكسان” و”هافلسان”

خالد أصلان٩ أغسطس ٢٠٢٦
سياسة

كسور وصدمات كهربائية واعتداءات جنسية.. شهادات عن تعذيب ناشطي أسطول غزة

كاثرين بورتر٩ أغسطس ٢٠٢٦
سياسة

السعودية وتركيا وباكستان.. هل تعيد اتفاقية مكة رسم أمن الشرق الأوسط؟

عماد عنان٨ أغسطس ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑