عند فجر الأول من أغسطس/آب الحالي، عادت أصوات المدفعية والقذائف إلى الشريط الغربي من إقليم تيغراي، ولم تكن المنطقة التي اشتعلت في شيريرينا وامتدت نحو حميرا مجرد بقعة نائية في أقصى شمال غرب إثيوبيا، بل عقدة الحدود التي تلتقي عندها ثلاث دول هي إثيوبيا والسودان وإريتريا، ومن هذه العقدة تحديدًا، لا من أديس أبابا ولا من ميغلي، يمكن قراءة ما جرى على حقيقته.
فالاشتباكات التي اندلعت هناك، وامتدت شظاياها إلى مخيمات اللاجئين على الجانب السوداني من الفشقة، ليست مجرد جولة متأخرة من حرب تيغراي التي أُغلق ملفها نظريًا في بريتوريا أواخر 2022، بل يمكن اعتبارها ظهورًا ميدانيًا لجبهة إقليمية جديدة، تشكّلت خلال ثلاث سنوات من التحولات الاستراتيجية لرئيس الوزراء آبي أحمد نفسه.
والمفارقة أن أديس أبابا تجد نفسها اليوم في مواجهة تحالف يضم أو يوشك أن يضم طرفين حاربت معهما جنبًا إلى جنب ضد جبهة تحرير شعب تيغراي هما أسمرة، ومقاتلي فانو الأمهريين. أما الجبهة نفسها، العدو القديم، فباتت تجد لها ظهيرًا في الاتجاهين معًا.
من ميغلي “عاصمة إقليم تيغراي”، جاءت الرواية بسيطة ومباشرة بأن القوات الفيدرالية هي التي بدأت هجوم مشاة واسع مسنود بالمدفعية الثقيلة والطائرات المسيّرة من اتجاه شيريرينا عند الفجر، في خرق صريح لاتفاق بريتوريا الذي أنهى الحرب قبل أقل من أربع سنوات.
ومن أديس أبابا، جاءت الرواية معكوسة تمامًا، بأن القوات الحكومية اشتبكت مع وحدات تيغراوية عبرت الحدود قادمةً من الأراضي السودانية، متجهةً نحو حميرا، والمهاجمون – بحسب الرواية الرسمية الإثيوبية – ليسوا قوات الإقليم النظامية، بل ما تسميه أديس أبابا “الجيش 70” لقوات تيغراي.
وكما يحدث عادة في هذه الجبهة، سرعان ما تحوّل الميدان إلى ساحة دعائية، تحدثت حسابات مقربة من الحكومة الإثيوبية عن مئات القتلى في صفوف قوات تيغراي، وعن استخدام الأخيرة ذخائر متجولة للمرة الأولى، وهي ادعاءات لم يتمكن أحد من التحقق منها، بينما ذكرت منصات داعمة لجبهة تحرير تيغراي مقتل أكثر من ألف جندي إثيوبي خلال العمليات العسكرية.
أما الأثر الوحيد الذي لا يحتمل الجدل فوقع خارج إثيوبيا، حيث سقط عدد من القذائف داخل مخيمات اللاجئين قرب الفشقة الكبرى، فقتلت وأصابت لاجئين إثيوبيين يقيمون في السودان منذ الحرب السابقة، حيث يستضيف السودان نحو 70 ألف لاجئ إثيوبي في ولايتي القضارف وكسلا.
تسمدو: الكلمة التي تطارد أديس أبابا
في اللغة التغرينية، تعني “تسمدو” أو صمدو النِّير الذي يجمع ثورين تحت محراث واحد، ومنذ خريف 2025، صارت هذه الكلمة تتصدر الخطاب الأمني الإثيوبي.
ظهرت علنًا حين وجّه وزير الخارجية الإثيوبي رسالة مفتوحة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، يتهم فيها جبهة تحرير شعب تيغراي والحكومة الإريترية بتنظيم تحالف بهذا الاسم، والتحضير الفعلي لشنّ حرب على إثيوبيا، وتمويل جماعات مسلحة مثل فانو وحشدها وتوجيهها.
بحسب الرواية الرسمية الإثيوبية، يضم هذا التحالف المفترض مصر وإريتريا والسودان وفانو وجيش تحرير أورومو وجبهة تيغراي، أي كل خصوم آبي أحمد الداخليين والخارجيين في سلّة واحدة.
الملموس منه حتى الآن سياسي أكثر منه عسكري، ففي مايو/أيار الماضي عُقد في بورتسودان اجتماع علني تحت هذه اللافتة، حضره ضباط من الجيش السوداني ومسؤولون إريتريون وعدد من شخصيات المعارضة الإثيوبية، وبثّت مشاهده قناة مقربة من أسمرة.
وفي جولة ثانية اتسعت الدائرة لتشمل ممثلين من تيغراي والأمهرة والأورومو والأوغادين وغامبيلا وبني شنقول، بينهم أحد مؤسسي جبهة تحرير أوغادين الوطنية، لم تؤكد ميغلي ولا أسمرة وجود تحالف رسمي، ويصف المشاركون فيه اللقاءات بأنها لا تتجاوز اتصالات جرت المبالغة في توصيفها.
لكن الأسماء والصور أقل أهمية من السؤال الذي تطرحه: كيف أمكن أصلًا أن يجلس ضابط إريتري وقيادي تيغراوي في القاعة نفسها، بعد ربع قرن من عداء دموي، وبعد حرب لم تمضِِ عليها أربع سنوات كانت أسمرة فيها الطرف الأشد فتكًا بشعب تيغراي؟
الجواب يبدأ من خطاب ألقاه رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد أمام البرلمان في خريف 2023، قال يومها إن عدد سكان إثيوبيا سيبلغ 150 مليونًا بحلول 2030، وإن شعبًا بهذا الحجم لا يمكن أن يعيش في “سجن جغرافي”، مبينًا أن حصول بلاده على منفذ بحري ليس ترفًا بل مسألة تتعلق بوجود إثيوبيا ذاته، ثم ذهب لاحقًا إلى ما هو أبعد، حين تحدث عن استعادة ميناء عصب الإريتري باعتبارها “مسألة وقت”.
في أسمرة، لم يُقرأ هذا بوصفه طموحًا اقتصاديًا، بل قُرئ بوصفه تهديدًا للسيادة، ومنذ تلك اللحظة بدأت أعمدة التحالف الذي حسم حرب 2020 تتفكك واحدًا تلو الآخر.
كان الرئيس الإريتري، إسياس أفورقي، قد رأى في اتفاق بريتوريا أصلًا تنازلًا مفرطًا لخصمه التيغراوي، معتبرًا أن الحرب خاضها بكامل ثقله لتصفية الجبهة نهائيًا لتنتهي باتفاق أبقاها كيانًا سياسيًا قائمًا، ثم جاء خطاب البحر الأحمر ليقلب المعادلة من فائض في التسوية إلى تهديد مباشر، وبين خيار مواجهة إثيوبيا وحيدة، وخيار التفاهم مع عدو الأمس على حدوده الجنوبية، اختارت أسمرة الثاني.
ولم يبقَ التقارب في حدود السياسة، ففي مطلع أغسطس/آب الحالي تواترت تقارير عن دخول قادة عسكريين إريتريين إلى بلدة زالامبسا الإثيوبية رافعين علم بلادهم، وعن انتشار مدرعات وأسلحة ثقيلة إريترية داخل تيغراي، وكانت أديس أبابا قد أقرّت قبل أشهر وللمرة الأولى بمشاركة القوات الإريترية في مجازر الحرب السابقة، ثم اتهمت أسمرة صراحة بـ”العدوان العسكري” وطالبتها بالانسحاب، فردّت الأخيرة بأن الاتهامات ملفّقة.
الخرطوم التي خسرها آبي أحمد
الضلع الثالث في المثلث لا يقل مفارقة، فحتى وقت قريب كان الخلاف الإثيوبي السوداني محصورًا في ملفين تقليديين: أراضي الفشقة، وسد النهضة، لكنه اليوم صار خلافًا معقدًا امتد إلى الحرب السودانية نفسها.
فبينما حافظت أديس أبابا على حياد معلن، تراكمت اتهامات الخرطوم لها بتقديم دعم عسكري ولوجستي لقوات الدعم السريع عبر إقليم بني شنقول-قمز، أكدت تقارير غربية هذه الاتهامات، ففي فبراير/شباط الماضي تحققت وكالة رويترز من وجود معسكر تدريب للدعم السريع في المنطقة الحدودية بتمويل إماراتي، وكشفت عن تطوير مطار أسوسا لعمليات المسيّرات.
ولاحقًا جاءت اللحظة الفاصلة حين اتهمت الخرطوم أديس أبابا بالسماح بإطلاق مسيّرات إماراتية الصنع من أراضيها، من مطار بحر دار تحديدًا، لضرب مطار الخرطوم ومواقع الجيش، نفت كل من إثيوبيا وأبوظبي الاتهامات، لكن القطيعة كانت قد وقعت.
وفوق ذلك كله، يبرز بُعد خليجي؛ فآبي أحمد حليف مقرّب من الإمارات، الداعمة لقوات الدعم السريع، فيما اصطفت إريتريا إلى جانب الجيش السوداني ووثّقت علاقاتها بالقاهرة، الخصم الأول لأديس أبابا في ملف المياه، ويتقاطع ذلك مع ملفات أخرى متشابكة، أبرزها البحر الأحمر والحرب السودانية وتيغراي.
لماذا المشهد مختلف عن حرب 2020؟
في 2020، خاضت تيغراي معركتها محاصرة من ثلاث جهات: الجيش الفيدرالي من الجنوب وحلفاؤه الأمهرة من الغرب، والجيش الإريتري من الشمال، سيطرة قوات ومليشيات الأمهرة على الغرب أغلقت الطريق إلى السودان، والوجود الإريتري أغلق الشمال، فبقيت الجبهة مطوّقة، تحت حصار قطع عنها الكهرباء والاتصالات والخدمات المصرفية والدواء.
اليوم انقلبت المعادلة رأسًا على عقب؛ فالشمال لم يعد جبهة معادية، بل تحوّل إلى ظهير سياسي وأمني، والغرب لم يعد مغلقًا، بل بات مفتوحًا جزئيًا على عمق لوجستي سوداني، والأهم أن المعسكر الحكومي نفسه انقسم.
فانو، التي كانت ذراع آبي أحمد الضاربة في حرب تيغراي، تحوّلت منذ عام 2023 إلى حركة تمرد مفتوحة في إقليم أمهرة. وقد أظهرت وثيقة سرية للشرطة الفيدرالية الإثيوبية، قبيل انتخابات يونيو/حزيران الماضي، أن المليشيا باتت تسيطر فعليًا، أو تفرض شللًا كاملًا، في نحو نصف الدوائر الانتخابية بالإقليم، ما دفع الحكومة إلى إرجاء الانتخابات في أجزاء منه.
ويُضاف إلى ذلك تمرد جيش تحرير أورومو في القلب الجغرافي للبلاد، حيث يحتفظ بسيطرة واسعة في غرب أوروميا ووسطها، ولا سيما في مناطق ووليجا وشرق شوا وغربها.
فاز حزب “الازدهار” الذي يترأسه رئيس الوزراء آبي أحمد في تلك الانتخابات بأغلبية مريحة، مع استبعاد تيغراي كليًا وأمهرة جزئيًا من التصويت، لكن الأرقام البرلمانية لا تقول شيئًا عن رجل يواجه ثلاث جبهات داخلية وتطويقًا خارجيًا في آن واحد.
ولا ينبغي أن يُقرأ هذا كله بوصفه قوة صافية لتيغراي، فالجبهة نفسها ممزقة بين جناح يقوده دبرصيون غبري ميكائيل وهو الجناح الأكبر والأكثر تأثيرًا، بينما الجناح الآخر يترأسه غيتاتشو ردّا الذي قاد الإدارة الانتقالية في الإقليم بعد اتفاقية بريتوريا حتى أطاح به خصومه في انقلاب فعلي، فلجأ إلى أديس أبابا وصار مستشارًا لآبي أحمد وأسس حزبًا منافسًا.
وبعد أن شُطبت الجبهة كحزب قانوني، أعادت في مايو/أيار الماضي تنصيب مجلسها الإقليمي لما قبل الحرب برئاسة غبري ميكائيل، في خطوة أفرغت اتفاق بريتوريا من مضمونه عمليًا، فالاتفاق الذي نصّ على نزع سلاح الجبهة ومنح آبي حق النقض على قيادة الإقليم لم يُنفَّذ في جوهره، إذ لم تحسم قضية أراضي غرب تيغراي وبالتالي بقي مئات الآلاف من النازحين في مخيمات سيئة الأوضاع وسط الإقليم وفي السودان المجاور.
“مستر فوتوشوب” ولغة ما بعد الحرب
في مطلع أغسطس/آب الحالي، نشر الجنرال باتشا ديبيلي، سفير إثيوبيا لدى كينيا وأحد أبرز الوجوه العسكرية في حرب تيغراي، تحليلًا حذّر فيه من أن سياسة “ضبط النفس الاستراتيجي”، التي انتهجتها أديس أبابا، بلغت حدودها، وأن إثيوبيا قد تُضطر إلى ممارسة حقها المشروع في الدفاع عن النفس.
ثم مضى أبعد من ذلك، قائلًا إن أي تصعيد قد يفضي إلى اضطراب حاد داخل إريتريا، يصل إلى حد انهيار الدولة، واتهم الرئيس إسياس أفورقي بالسعي إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي في القرن الأفريقي.
وارتبط اسم الجنرال ديبيلي بلقب “مستر فوتوشوب” بسبب تصريح شهير أدلى به إبان حرب تيغراي، ففي يوليو/تموز 2021، ظهر ديبيلي، وكان حينها منسقًا لشؤون بناء الجيش الإثيوبي، لينفي صحة مقاطع الفيديو التي بثّتها صحيفة نيويورك تايمز، وأظهرت آلافًا من الجنود الإثيوبيين الأسرى لدى قوات دفاع تيغراي.
وزعم ديبيلي في تصريحه الصحفي أن المقاطع مفبركة، وأنها تعود في الأصل إلى سباق شعبي أُضيفت إلى المشاركين فيه ملابس عسكرية رقميًا، وتحول التصريح إلى مادة للسخرية على منصات التواصل الاجتماعي، فأطلق عليه معارضوه لقب “مستر فوتوشوب” للتشكيك في صدقية الروايات العسكرية الرسمية.
وتكتسب تصريحات ديبيلي الحالية وزنًا أكبر؛ فهو سفير معتمد وأحد قادة الحرب السابقين. وحين يتحدث دبلوماسي في موقعه عن احتمال انهيار دولة جارة وإعادة تشكيل المشهد الإقليمي، يكون منطق تغيير الأنظمة قد انتقل من هوامش الخطاب إلى متنه.
ويأتي هذا الخطاب وسط مخاوف من انزلاق المنطقة إلى الهاوية، وتحذير أممي من العودة إلى نزاع أوسع، وقيود أميركية على تأشيرات بعض قادة جبهة تحرير شعب تيغراي، وقد بقي أثر هذه الضغوط رمزيًا إلى حد بعيد، فيما تفتقر الوساطة الأفريقية إلى أدوات فعلية.
ويمثل ما يجري في المثلث الحدودي بين إثيوبيا والسودان وإريتريا ولادة معادلة جديدة، قلبت خريطة التحالفات خلال السنوات الأربع التي أعقبت اتفاق بريتوريا، فأسمرة، التي حاصرت تيغراي من الشمال عام 2020، باتت اليوم ظهيرًا محتملًا لها؛ أما فانو، التي أغلقت عليها الغرب، فتحولت إلى خصم لأديس أبابا، كما أصبحت الحدود التي كانت مغلقة شبه مفتوحة، وبات فرض الحصار على الإقليم بأدواته القديمة متعذرًا.
وتقف خلف هذا التحول خيارات آبي أحمد نفسه: من خطاب الوصول إلى البحر الأحمر، الذي قلب موقف أسمرة، إلى الانخراط في الحرب السودانية، الذي أفقده الخرطوم، وصولًا إلى القطيعة مع حلفائه الأمهريين، التي فتحت عليه جبهة داخلية لم تُغلق بعد.
ويكمن الخطر الحقيقي في انسداد الأفق السياسي على جميع الجبهات دفعة واحدة؛ فاتفاق بريتوريا يتآكل من دون بديل، وقناة الاتصال مقطوعة بين أديس أبابا وأسمرة، والعلاقات بين الخرطوم وأديس أبابا في قطيعة، وملف غرب تيغراي، “وولقايت”، مؤجل بلا أفق.
أخيرًا، يبقى السؤال المعلّق أمام العواصم المعنية: ماذا بعد؟ يتحرك كل طرف اليوم بمنطق دفاعي معلن ونيّة استباقية مضمرة، معتقدًا أن ضربة واحدة محسوبة ستعيد ترتيب الأوراق لمصلحته، وهو الرهان ذاته الذي تبنّاه آبي أحمد في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، حين وعد بحسم “عملية إنفاذ القانون” في غضون أسابيع، فتحولت إلى حرب استمرت عامين وخلّفت مئات الآلاف من القتلى، من دون حسم أيّ من الملفات التي أشعلت النزاع، كما توقعنا في تقريرنا على هذه المنصة بعد أيام قليلة من اندلاع الحرب.
اليوم اتسعت رقعة الصراع، وتعددت أطرافه، وتشابكت حساباته مع حرب السودان ومصالح قوى إقليمية عدة، وفي بيئة كهذه، يكفي حادث حدودي واحد يُساء تقديره لإشعال مواجهة تتجاوز قدرة جميع أطرافها على الاحتواء.