في 14 أغسطس 2013، نفذت قوات الجيش والشرطة، بأوامر من عبد الفتاح السيسي، عملية دامية لفض اعتصام رابعة العدوية، قُتل خلالها المئات واعتُقل الآلاف، ورغم إطلاق سراح عشرات المعارضين منذ إعادة تفعيل لجنة العفو الرئاسية عام 2022، استُبعد معظم الإسلاميين، وظل الآلاف خلف القضبان، وسط معاناة وظلم يوميين يطولان المعتقلين وأبناءهم.
وبعد أكثر من عقد على فض الاعتصام، تجاوزت آثار تلك اللحظة من عاشوها مباشرة، وامتدت إلى جيل من الأبناء الذين وُلدوا آنذاك أو كانوا في طفولتهم المبكرة، ووجدوا أنفسهم مجبرين على العيش تحت وطأة غياب آبائهم.
وأحدث هذا الغياب تبدلات جذرية في مسار حياة تلك العائلات؛ فتحمل الصغار مسؤوليات تفوق أعمارهم، وتغيرت أدوار أفراد الأسرة، وانتقلت مسؤوليات الأب إلى الأم، فيما اضطرت أسر أخرى إلى الهجرة وبدء حياة جديدة بعيدًا عن الوطن.
واليوم، غدا أولئك الصغار الذين غاب آباؤهم في مقتبل طفولتهم شبابًا. ومن خلال هذا التقرير، نسلط الضوء على عمق هذه التجربة الإنسانية المركبة، بتتبع قصص عدد من أبناء المعتقلين السياسيين المصريين، ورصد سنوات طفولتهم وما تكبدوه خلالها من أعباء.
طفولة تحت وطأة الغياب
ماذا يعني أن يُقتلع الأب من منزله ويُنتزع من بين عائلته وأطفاله؟ وماذا يعني أن يفقد الطفل، في لحظة واحدة، شخصًا كان حاضرًا في تفاصيل يومه، ثم تتوالى خساراته مع امتداد سنوات الغياب، فيفتقد الأمان والذكريات والمناسبات، وحتى القدرة على فهم ما جرى؟
شكّل غياب الأب نقطة تحول في حياة كثير من أبناء المعتقلين، وأعاد رسمها منذ لحظة الاعتقال. كان بعضهم كبيرًا بما يكفي ليفهم أن والده اقتيد إلى السجن، فيما كان آخرون أصغر من إدراك ما حدث. بدأ الغياب لديهم سؤالًا غامضًا، ثم تحول مع مرور الوقت إلى حقيقة ثقيلة.
في حديثه مع “نون بوست”، يروي عمر خالد حربي تفاصيل اليوم الذي اعتُقل فيه والده، المهندس خالد حربي، في سبتمبر/أيلول 2013، وكيف أصبح غيابه المفاجئ جزءًا دائمًا من طفولته وطفولة شقيقته سهيلة.
كانت سهيلة، ابنة خالد حربي، في الخامسة من عمرها. وعندما رأت والدها محاطًا برجال يحملون السلاح، اختبأت خلفه. أما عمر، الذي لم يتجاوز الرابعة، فكان عاجزًا عن فهم ما يحدث. وحين رأى والده يغادر مع العساكر، ظن أنه ذاهب لإنجاز أمر عابر، فأسرع إلى ارتداء حذائه ليلحق به، قبل أن تمسكه والدته وهي تبكي.
لم يكن الطفلان يعرفان آنذاك أن تلك اللحظة ستضع حدًا لحياة كاملة ألفاها. يروي عمر أنه اعتاد النوم في حضن أبيه والاستماع إلى حكاياته قبل أن يغفو، فيما كان الأب يوقظ سهيلة للذهاب إلى المدرسة ويصطحبها معه في طريقه إلى العمل. وفجأة، اختفت كل هذه التفاصيل. يقول عمر لـ”نون بوست”: “كنا مش فاهمين بابا فين”.
في تلك السن المبكرة، كان الغياب لدى عمر وأخته محسوسًا أكثر منه مفهومًا. يروي أنه رفض الطعام وكسر ألعابه حين اشتد اشتياقه إلى والده، فيما كانت سهيلة تبكي صباحًا وهي تستعد للذهاب إلى المدرسة. وحين كانوا يسألونها عن السبب، كانت تجيب: “بابا واحشني”.
بعد نحو شهرين من اعتقال المهندس خالد حربي، اصطحبت الأم أبناءها لزيارة والدهم في سجن العقرب، من دون أن تخبرهم بأنهم ذاهبون إلى السجن، وقالت لهم إن والدهم “شغال في المكان ده”. جلس عمر في حِجر أبيه وتشبث به طوال الزيارة، وكانت لحظة انتهائها صادمة له. يروي أن والدته أخذته بعيدًا، فيما بقي والده في مكانه. حاول عمر العودة إليه، وراح يصرخ ويضرب كل من حاول منعه، بينما ظلت شقيقته تبكي.
تكرر المشهد في الزيارات التالية، إلى أن بدأ الطفل يحمّل والده مسؤولية غيابه. يقول عمر في حديثه مع “نون بوست”: “في الزيارة التالتة قلت لبابا: أنا زعلان منك عشان مش عايز تيجي عندنا”.
ثم انقطعت الزيارات سنوات طويلة، وبقي الطفلان من دون تفسير واضح لما حدث لوالدهما. يقول عمر: “كنا نسأل عن بابا، لكن مكنش حد بيقولنا حاجة نفهمها. اعتقدنا إنه مات وراح عند جدو”.
لاحقًا، بدأت أسرة عمر تتلقى اتصالات من الأب. يتذكر عمر المكالمة الأولى قائلًا: “كنت هموت من الفرحة، وافتكرت بابا راجع من المكان اللي هو فيه”. وظل يسأل والده: “إنت فين؟ هتيجي إمتى؟”، فيجيبه: “قريب… ادعي ربنا”.
ومع امتداد الغياب، تغيرت نظرة عمر إلى تلك المكالمات، حتى قال لأبيه ذات مرة: “أنا مش عايز أكلمك عشان إنت مش عايز تيجي عندنا”. ثم انقطع التواصل مجددًا، وبقيت الأسرة نحو ثلاث سنوات من دون أن تعرف شيئًا عن الأب.
تكشف تجربة عمر جانبًا من الارتباك الذي عاشه أبناء المعتقلين، خاصة صغار السن. وتوضح أسئلة ابنة المهندس أيمن عبد الرحيم عن والدها المعتقل كيف يتحمل هؤلاء الصغار أعباء تتجاوز أعمارهم، وكيف تتحول طفولتهم إلى سلسلة من الأسئلة والانتظار وزيارات السجون المفعمة بالخوف والذل.
وتتجسد هذه المعاناة بوضوح في كلمات شيماء علي، زوجة المهندس أيمن عبد الرحيم، حين تروي الأسئلة الصادمة التي تتلقاها من ابنتها الصغيرة، فتقول: “تسمعني الصغيرة أتحدث في الهاتف فتسأل: ما هو شأن أبي؟ أجيب وأشرح بألفاظ بسيطة تناسب عمرها وفهمها معنى الإحالة، والقاضي، والمحكمة، والحكم… تسأل: ما معنى براءة؟ أجيب وأدعو أن تكون من نصيبنا”.
وعندما كبر بعض أبناء ذلك الجيل، عجزوا عن إيجاد الكلمات المناسبة لوصف ما مروا به. وخلال مقابلة “نون بوست” مع عمر خالد حربي، انهار الفتى وهو يستعيد تفاصيل من طفولته، وعجز عن مواصلة الحديث؛ فما يتذكره مؤلم، والعودة إليه أشد إيلامًا.
كان ذلك الانهيار شهادة على تجربة طفل عاش أحداثًا تفوق طاقته وحمل أعباءها. ويتجاوز السؤال ما حدث لهؤلاء الأطفال يوم اعتُقل آباؤهم، إلى ما ظل يحدث لهم كل يوم بعد ذلك.
زيارة السجن: حين يصبح اللقاء نفسه جزءًا من المعاناة
تجاوزت قسوة التجربة غياب الأب، وامتدت إلى جحيم زيارات السجون، التي أصبحت جزءًا من حياة عائلات المعتقلين، إذ تحولت الزيارة إلى يوم طويل يبدأ في ساعات الفجر الأولى، محملًا بالانتظار والقلق، ثم يمر بإجراءات التفتيش وإدخال الطعام، وما يصاحبها من إهانات واعتداءات لفظية وجسدية.
وبالنسبة إلى الأطفال، تجاوزت صعوبة الزيارة الانتظار وإجراءات دخول السجن للقاء الأب، إذ كانوا يشاهدون خلالها مشاهد تفوق قدرتهم على الفهم والاستيعاب. فقد يرون أمهاتهم يتوسلن إلى رجال الأمن للسماح لهن بالدخول، ويسمعون صراخهن وبكاءهن، فيما يقرر هؤلاء الرجال إن كان الأطفال سيتمكنون من رؤية آبائهم أو إدخال الطعام إليهم.
وتصف هاجر فتحي، زوجة المعتقل أحمد حمودة، الزيارة بأنها يوم ثقيل بثقل الجبال، وحكاية طويلة من الأسى تتفرع منها قصص لا حصر لها، تجمع الألم والأمل، والمعاناة والصمود، والقوة والوهن، والصبر والضجر، والرضا والسخط؛ كل شعور ونقيضه.
وتشير شهادات عائلات المعتقلين إلى أن زيارات السجون كانت من أكثر المواقف التي تعرض فيها الأطفال للتوتر والإهانة، ففي إحدى الشهادات، رأت طفلة لم تتجاوز السابعة أمها تنهار أمامها بعد منعها من زيارة زوجها، فبكت مذعورة وهي تردد: “ماما، ماما”، فيما بدا شقيقها الأكبر أكثر تماسكًا، كأنه اعتاد رؤية أمه في هذه الحالة.
وتروي شهادات أخرى كيف كان الأطفال يستعدون للزيارة كما لو كانت عيدًا؛ يرتدون أفضل ملابسهم، وينتظرون بشوق رؤية آبائهم، ثم يجدون أنفسهم أمام لقاء قصير.
وفي المقابل، تكشف شهادة أخرى عن اللحظات النادرة التي يستعيد فيها الأب وطفلته شيئًا من الحياة التي حُرما منها، ففي إحدى الزيارات، كانت طفلة تجاوزت عامها الأول بقليل تحت أنظار والدها المعتقل، فحملتها زوجته ووضعتها بين يديه. داعبها الأب وضمها إلى صدره، حتى غلبها النعاس.
وبمرور الوقت، يصبح السجن ومآسيه جزءًا مهيمنًا من حياة أبناء المعتقلين، وتترسخ زياراته المتكررة في طفولتهم وذاكرتهم. كما ترتبط صورة الأب في وجدانهم بالاشتياق والانتظار والسجن في آن واحد. ويتحول لقاؤه من فرصة للتواصل الأسري إلى لحظة قصيرة ومؤقتة، تحكمها قيود المكان والوقت، وتنتهي سريعًا بالوداع، تاركة وراءها مشاعر وأسئلة معلقة بلا إجابات.
وبالنسبة إلى أسر عديدة، تمثل نهاية الزيارة بداية ما أسمته إحدى زوجات المعتقلين “اكتئاب ما بعد الزيارة”، حيث تمنح الدقائق الثلاثون التي يجتمع فيها الأب بأسرته ومضة خاطفة من دفء حياتهم المشتركة، ثم تعيدهم لحظة الفراق إلى قسوة الغياب، فتصبح الزيارة نفسها تذكيرًا مؤلمًا بما فقدوه.
كبروا وآباؤهم خلف القضبان
مع استمرار الاعتقال، يصبح نمو الأطفال سجلًا حيًا يحصي سنوات غياب الأب وثقلها، ففي إحدى الشهادات، تقيس أم سنوات اعتقال زوجها بمراحل نمو ابنتيهما؛ كانت الكبرى في السابعة حين اعتُقل، ثم بلغت الخامسة عشرة، فيما كانت الصغرى في شهرها الثاني، ثم أتمت عامها الثامن.
وتتجلى مرارة هذا الزمن المهدور في كلمات رؤى، ابنة المعتقل سيد مشاغب، حين تصف حجم معاناتها قائلة: “أنا كبرت بعيد عن بابا لأنه قضى 11 سنة في السجن، ولما خرج كنا فاكرين إن حياتنا هتبدأ من جديد… إحنا تعبنا من الفراق، وسنين عمرنا عدت وإحنا مستنيين يوم نعيش معاه حياة طبيعية”.
وفي شهادة أخرى، بعد اثني عشر عامًا من اعتقال الأب، تقول أم إن أقسى ما في استمرار الغياب أن ترى أبناءها يكبرون بعيدًا عن أبيهم. كان ابنها مالك طفلًا حين اعتُقل والده، ثم بلغ سن استخراج بطاقته الشخصية، فيما أصبحت ابنته الأخرى أمًا، بعدما عاشت سنوات طفولتها الأولى من دون أن يشهد والدها تفاصيلها.
وتبدو هذه الخسارة أشد قسوة في المناسبات التي يُفترض أن تجمع الأسرة، مثل الأعياد وحفلات التخرج والأعراس، إذ يتجلى غياب الأب المعتقل بوضوح أكبر. وتروي مريم صفوت حجازي كيف فرّق الاعتقال بينها وبين والدها، الدكتور صفوت حجازي، في محطات أساسية من حياة الأسرة؛ فغاب عن حفلات تخرج أبنائه وزفاف ابنته، ولم يتمكن من رؤية حفيده أو معرفة اسمه.
وفي شهادة أخرى، تقول إحدى الزوجات إنها، خلال اثني عشر عامًا من الزواج، لم تقضِ رمضانًا واحدًا مع زوجها وطفلهما، حتى إنها عجزت عن تخيل شكل رمضان في حياة تجمعهم. وتروي زوجة أخرى أن العيد العاشر حلّ عليها فيما يقبع زوجها في سجن بدر 3.
وتكشف شهادة زوجة المهندس المعتقل أيمن عبد الرحيم جانبًا آخر من أثر الغياب الطويل في الأسرة، يمتد من الألم والحرمان إلى غياب الأب عن تفاصيل نمو أبنائه وتشكل ذاكرتهم، فمع توالي سنوات الاعتقال، تكبر ابنتاه بعيدًا عنه، فيما تحاول الأم، من خلال استعادة قصص تعارفهما وحبهما وزواجهما، أن تنقل إليهما صورة الأب الغائب، وتحفظ حضوره داخل الأسرة عبر الحكايات والذكريات.
ورغم اعتياد أبناء المعتقلين غياب آبائهم، يظل الأب حاضرًا في وجدانهم من خلال الصور والحكايات والرسائل التي يبعث بها من سجنه. وقد ابتكر هؤلاء الأبناء طرقًا للتخفيف من وطأة الاشتياق واستعادة حضور الأب. يروي عمر خالد حربي، في حديثه مع “نون بوست”، أنه عثر ذات يوم على ملابس والده في خزانة المنزل، فأخرجها وبسطها على السرير، ثم نام فوقها وبكى.
من جانب آخر، تكشف شهادة لزوجة معتقل ظلت تحتفظ بملابس زوجها في خزانته لأحد عشر عامًا، قبل أن تقرر إخفاءها بعيدًا عن عينيها بعدما أنهكها الانتظار، كمحاولة لإغلاق مساحة الأمل كي تستطيع مواصلة حياتها.
كذلك تكشف شهادة زوجة “سيد مشاغب” بُعدًا آخر من فجيعة الاعتقال المستمر لأكثر من أحد عشر عامًا، فأبناء سيد يستيقظون مفزوعين يوميًا، وزوجته تشعر بأن عجلة الحياة قد توقفت بها. أيضًا لا يقتصر أثر الغياب على الحزن والأسى، بل يمتد إلى انتظارٍ لا ينتهي، فكل أمل في الإفراج ينعش أبناء المعتقلين، وأي قرار بإعادة الاحتجاز أو تلفيق قضية جديدة يهوي بهم إلى نقطة الصفر.
وتتجسد هذه القسوة بوضوح في شهادة رؤى ابنة سيد مشاغب، فما إن تجددت صدمة حبس أبيها وفتحت ضده قضايا جديدة بعد ساعات من خروجه من السجن، انهارت صحة ابنته الجسدية وانتهي بها الحال مصابة بمرض “العصب السابع”.
الهجرة.. طريق آخر للنجاة
مع اعتقال المعيل الرئيسي للأسرة بفعل القمع، وجد أفراد العائلة أنفسهم أمام ضغوط مالية متزايدة. وعجزت أسر عديدة عن الحفاظ على نمط توزيع المسؤوليات بين أب يعمل ويوفر الدخل، وأم ترعى شؤون المنزل والأطفال.
وفي ظل هذا التحول، تحملت زوجات المعتقلين جانبًا كبيرًا من الأعباء التي خلّفها غياب الأب، فجمعن بين رعاية الأطفال، ومساندة أزواجهن خلف القضبان، وتدبير شؤون الأسرة وتوفير احتياجاتها. واضطرت بعض الزوجات إلى العمل أو تغيير مسارهن المهني لتأمين دخل للأسرة، فيما استعانت أسر أخرى بالأقارب لرعاية الأطفال.
ومع تصاعد الضغوط الأمنية، اضطرت بعض العائلات إلى مغادرة البلاد بحثًا عن الأمان، وعن فرصة لبدء حياة جديدة لأبنائها. وبرزت الهجرة، لا سيما إلى تركيا وقطر، طوق نجاة لتلك الأسر.
ظل هذا الخيار بعيد المنال عن كثيرين، بسبب قيود شملت حظر السفر، ومنع إصدار وثائقه أو مصادرتها، فضلًا عن مخاوف الاحتجاز في المطارات. وأمام هذه العراقيل، انقسمت العائلات بين من اختار التكيف مع الواقع الداخلي مهما بلغت تكلفته، ورأى أن الهجرة قد تدفع النظام إلى الانتقام من آباء المعتقلين وأشقائهم، ومن واصل البحث عن أي فرصة أو ثغرة لمغادرة البلاد.
وتكشف شهادة نهى قاسم عن الثمن الذي قد تدفعه الأسرة حين يجتمع الاعتقال والهجرة، فبعد 24 عامًا من زواجها، أمضى زوجها نصفها خلف القضبان، فيما اضطرت هي إلى الهجرة إلى تركيا مع بناتها الثلاث.
وتقول نهى إن سنوات السجن والهجرة أبقت حضور زوجها المعتقل حيًا في حياتها، من خلال الذكريات والحكايات والدعاء. وبينما تعيش مع بناتها الثلاث في بلد آخر، تواصل انتظار اليوم الذي يلتئم فيه شمل أسرتها.