في اليمن، لا يبدو الصراع محصورًا في المواجهة بين الحكومة والحوثيين؛ فإلى جانب العمليات العسكرية، تتقاطع على الأرض أسئلة النفوذ وتعدد القوى ومطالب المحافظات بالثروات والتنمية، فيما تفرض التطورات في مأرب وحضرموت نفسها على المشهد السياسي والعسكري. وبينما تمثل مأرب، وفق رؤية الحكومة، عقبة أمام المشروع الحوثي، تبرز في حضرموت مطالب محلية ترى السلطة اليمنية أن معالجتها قبل تفاقمها تمثل مدخلًا لتجنب تحولها إلى أزمة سياسية أوسع.
وفي هذا السياق، تضع التباينات بين القوى المناهضة للحوثيين مسألة وحدة القرار السياسي والأمني أمام اختبار صعب، بالتوازي مع استمرار الحضور السعودي، فيما تراهن وزارة الخارجية اليمنية على تماسك الداخل لتعزيز موقفها في الخارج. أما مسار السلام مع الحوثيين، فيبقى، من وجهة نظر الحكومة اليمنية، مرتبطًا بضمانات واضحة للالتزام بأي تسوية مقبلة.
في هذا الحوار مع “نون بوست”، يتحدث مصطفى أحمد نعمان، نائب وزير الخارجية اليمني، عن التطورات في مأرب وحضرموت، وأهمية مأرب في المعادلة اليمنية، ومطالب حضرموت، وتباينات القوى المناهضة للحوثيين، والدور السعودي والإماراتي، والتحرك الدبلوماسي، وشروط أي مسار سلام مقبل، إضافة إلى ما تحتاجه اليمن من الداخل والمجتمع الدولي للخروج من دائرة الحرب والانقسام.
إلى الحوار..
تشهد اليمن في الآونة الأخيرة تطورات ميدانية وسياسية متسارعة، خصوصًا في مأرب وحضرموت.. كيف تقرأون هذه المرحلة، وهل نحن أمام تصعيد مؤقت أم تحول جديد في مسار الصراع اليمني؟
لا جديد فيما يقوم به الحوثيون من عمليات عسكرية، لأنهم يدركون، وهي سياسة معروفة، أن الاقتراب من الحسم، سلمًا أو حربًا، يعني زوال نفوذهم وسيطرتهم على الرقعة الجغرافية التي استولوا عليها وأحكموا سيطرتهم عليها منذ 2014 بالقهر والبطش والتنكيل بالمواطنين وحرمانهم من أبسط حقوقهم.
في ضوء التطورات الأخيرة في مأرب، كيف تقيّمون طبيعة التصعيد وأهدافه؟ وهل ترون أنه مرتبط بمأرب تحديدًا، أم يأتي ضمن محاولة لإعادة رسم موازين السيطرة والنفوذ في اليمن؟
تمثل مأرب العقبة الكبرى أمام المشروع الذي تتوهم المليشيات الحوثية أنها قادرة على ابتلاعه، ولولا صمود أبناء مأرب في البداية، ثم التكاتف الوطني بين اليمنيين الرافضين للمشروع الحوثي، لكان الأمر كارثيًا.
مأرب ليست موردًا ماليًا فقط، وإنما عقبة وطنية أمام هذه الأوهام، ولم يتمكن الحوثيون من تجاوزها رغم كل الخسائر البشرية التي زج بها الحوثيون إلى جحيم النيران، وذهبت وقودًا لأوهام تملكت قياداتهم بقدرتها على إعادة اليمنيين إلى عهود الإمامة.
كما لا يمكن إغفال الدور الوطني والتاريخي الذي يقوم به الشيخ سلطان العرادة في جمع المواطنين وحشد الطاقات من أجل حماية مستقبل مأرب واليمن.
في المقابل، تشهد حضرموت تطورات سياسية وأمنية متسارعة.. هل تعتقد أن جذور التوتر مرتبطة بمطالب محلية، أم أن هناك أبعادًا سياسية وإقليمية أوسع؟
ما يحدث في حضرموت هو توابع الأزمة التي عاشتها حضرموت في نهاية 2025، ولا شك أن مطالب أبناء حضرموت مشروعة، كما هي مطالب بقية المحافظات، من حيث الاستفادة من الثروات التي توجد ضمن حدود جغرافيتها.
ويلاحظ الجهد الذي يبذله عضو مجلس القيادة الرئاسي، محافظ حضرموت، الأستاذ سالم الخنبشي، لتحسين الأوضاع الخدمية التي ستؤثر إيجابًا على الأوضاع المعيشية فيها.
إن موقع حضرموت يجب أن يشكل عاملًا محفزًا ومساعدًا لخلق مناخات أكثر إيجابية يمكنها، عند حدوثها، من جلب المستثمرين اليمنيين أولًا ثم الأجانب، ويمكنها أن تشكل نموذجًا لبقية المحافظات.
هناك تعدد واضح في القوى والمكونات التي تملك نفوذًا على الأرض في المناطق الخاضعة للحكومة. إلى أي مدى تستطيع السلطة الشرعية توحيد القرار السياسي والأمني في حضرموت، وما أبرز العقبات أمام ذلك؟
الحاصل على الأرض هو نتاج طبيعي ونتيجة حتمية للحرب الدائرة منذ 2014، والجهود التي يبذلها مجلس القيادة والحكومة تذهب في هذا المسار الذي قد يبدو بطيئًا في نظر الكثيرين، ولكنه يجب أن يكون مبنيًا على قاعدة صلبة حتى لا يتعرض لانتكاسة يسعى الجميع إلى تجنبها.
لا شك أن التباينات أثرت على وحدة الصف، وهو الأمر الذي يجري تجاوزه، والخطوة الأولى هي وحدة الهدف وتحديد المسار وحسن اختيار القيادات القادرة على الإنجاز، بعيدًا عن فكرة المحاصصة المناطقية والتركيز على الكفاءات.
كيف تقيّمون الدور السعودي والإماراتي في التطورات الجارية في مأرب وحضرموت؟ وهل توجد رؤية مشتركة بين الأطراف اليمنية والسعودية والإماراتية بشأن مستقبل هذه المناطق؟
الدور السعودي في اليمن لم يبدأ مع اندلاع الحرب، بل هو تاريخ ممتد لن يتوقف، ولا يمكن أن ينفصم، لأن الجغرافيا تفرض أحكامها ولا يمكن تغييرها، وهي التي تفرض أطر العلاقات التاريخية بهبوطها وصعودها.
كما أن الدور الإماراتي الذي بدأ مع استقلال الدولة كان إيجابيًا، وشواهده كثيرة، سواء كان في مشاريع التنمية أو في الحرب التي خاضها جنود دولة الإمارات وقدموا فيها الكثير من الشباب والدماء.
في ظل التطورات الأخيرة، هل تخشون أن تتحول حضرموت إلى ساحة جديدة للتنافس الإقليمي، بالتوازي مع الحرب القائمة مع الحوثيين؟ وما الأدوات السياسية والدبلوماسية المتاحة لمنع ذلك؟
حضرموت جزء من الجغرافية اليمنية، وسلطتها المحلية تعلن وتكرر أن المحافظة لا تطالب بالانفصال، وإنما بالحصول على حصة عادلة تمكنها من إنجاز التنمية التي يحتاجها المواطنون.
إن كل القضايا التي تبدأ حقوقية ويتم تجاهلها تحت سقف شعارات فضفاضة تتحول إلى مطالبات سياسية، ثم تصبح دعوات فيها مبالغات ومزايدات. كما أن معالجة القضايا المحلية بدون مزايدات قبل تفاقمها هو العلاج لكل أمراض اليمن المجتمعية، سواء في حضرموت أو غيرها.
من موقعكم في وزارة الخارجية، ما التحركات الدبلوماسية الجارية حاليًا لاحتواء التصعيد في مأرب وحضرموت ومنع اتساعه إلى مناطق أخرى؟ وهل توجد اتصالات أو مبادرات عربية ودولية جديدة في هذا الاتجاه؟
وزارة الخارجية وبعثاتها تقوم بواجبها الوطني في توضيح الرواية الرسمية أمام الرواية الحوثية. ولكن يجب أن يكون مفهومًا أن الأمر مرتبط بتماسك الداخل ووحدة الصف السياسي، لأن السياسة الخارجية هي، بطبيعة الحال، انعكاس للأوضاع الداخلية.
ولا يمكن الحديث مع الخارج بروايات فيها مبالغات أو ابتعاد عن الواقع، لأن السفارات المعتمدة لدى بلادنا تعرف تفاصيل ما يحدث ولديها تقييم دقيق للأوضاع الداخلية. والواجب على بعثاتنا هو الحصول على ثقة العالم بالرواية التي تستخدمها.
بعد سنوات من الحرب والمفاوضات غير المكتملة، هل لا يزال المسار السياسي مع الحوثيين خيارًا واقعيًا؟ وإذا كان كذلك، فما الشروط أو الضمانات التي ترون أنها ضرورية لإنجاح أي تسوية مقبلة؟
شروط الانخراط في مسارات السلام معروفة وواضحة للجميع، وبدون ضمانات بالالتزام بها من قبل الحوثيين، فحينها يصبح الحديث عن مفاوضات مجرد مضيعة للوقت والجهد.
وأكرر أن الحوثيين لا يبدون أي حماس أو رغبة في حتى مجرد الحديث عن حل سلمي، لأنهم يعرفون أن السلام هو بداية انتهاء مشروعهم المدمر للمجتمع.
إن كلفة السلام أكبر بكثير من كلفة الحرب، وهو ما يدركه الحوثيون، ولهذا تحاول كيانات ما دون الدولة استمرار الاضطرابات وحال عدم الاستقرار، لأنها البيئة الملائمة لنشاطاتها وازدهارها، ومن هنا فإن التركيز على خلق النموذج الذي يتوخاه الناس في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة هو أقرب الطرق للتخلص من هذه الكيانات.
أخيرًا، إذا استمر التصعيد الحالي، ما السيناريو الذي تتوقعونه لمستقبل اليمن خلال المرحلة المقبلة؟ وما الذي تحتاجه اليمن اليوم من الدول العربية والمجتمع الدولي لمنع الانزلاق إلى جولة جديدة من الحرب ودعم مسار سياسي ينهي الانقسام؟
إن استمرار التعويل على المجتمع الدولي مهم، لكنه ثانوي، كما يجب أن يليه الجهد الداخلي، الذي إن رآه العالم جادًا، فحينها سيتمكن من تقديم العون المادي اللازم.
المجتمع الدولي يعرف أدق تفاصيل ما يحدث، ويتابع التطورات والمتغيرات، والمطلوب هو التخاطب معه بلغة مختلفة يستوعبها، بعيدة عن المبالغات، ويجب التوقف عن عرض القضية بصورة المستجدي، لأن الداخل هو الأساس، وما الإعلام والمجتمع الدولي إلا عاملان مساندان، لكن لا يمكن التعويل عليهما لتغيير الوقائع على الأرض.