“أكره شهر أغسطس، ورغم أنني طالب أزهري إلا أني قررت عدم الالتحاق بجامعة الأزهر في القاهرة”.. بهذه العبارة بدأ “محمد م.ص” ابن أحد شهداء مذبحة رابعة العدوية حديثه مع “نون بوست” حول تأثير استشهاد في المجزرة وعمره حينها عام واحد فقط.
يقول “محمد” البالغ من العمر 14 عامًا: والدي لم ينخرط يومًا في أي تيار سياسي، ولم يكن عضوًا بجماعة الإخوان المسلمين، فهو كأغلب العائلة مسلم سلفي متدين إلا أنه لم يكن يومًا منخرطًا في الشأن السياسي، بل في كثير من الأحيان كان معارضًا للجماعة، لكنه مثل الكثيرين الذين عاشوا تحت حكم مبارك، انخرط في مظاهرات الثورة، وحين بدأت الهجمة السياسية على الجماعة لم يكن أمامه سوى الوقوف في صف الشرعية.
يصف محمد فض رابعة بأنه الحدث الذي غير حياته بالكامل، فهو لم يحضر الحدث بحكم كونه رضيعًا، إلا أنه الحدث الذي ظل مرافقًا له، بداية من رفضت عدة مدارس خاصة إلحاقه بها بمجرد معرفة إدارة المدرسة بأن الأب توفي في رابعة، وهو ما دفع جده لإلحاقه بأحد المعاهد الأزهرية رغم أن جده كان يفضل إبعاده عن الدراسة الدينية بالكامل حتى لا يصبح تحت عين السلطات، لاسيما وأن الأسرة بالكامل تخضع للمراقبة منذ مقتل والده، واعتقل عدد من أبناء عمومة والده بسبب مشاركتهم في رابعة، ولولا كبر سن الجد وعدم وجود أشقاء ذكور لوالده لكان حال الأسرة أسوأ.
يذكر محمد استدعاء جده إلى قسم الشرطة بعد الذكرى السادسة لوفاة والده -حيث تعالت دعوات التظاهر ضد النظام في سبتمبر 2019- للتنبيه عليه بعدم المشاركة، وهو الاستدعاء الذي كان في التاسعة صباحًا لكنه لم يعد للمنزل إلا بعد 12 ساعة كاملة، ترك جده البالغ من العمر 65 عامًا في أروقة القسم لا يعرف إن كان سيعود للمنزل مرة أخرى أم لا.
يقول محمد: لم أعرف عن رابعة إلا بعد بلوغي سن العاشرة، حيث شاهدت مشاهدًا وصورًا لفض الاعتصام عبر الانترنت، لم أكن أعي بشاعة الحدث إلا بعد رؤيتي لهذه المشاهد، رغم رؤيتي لتأثير الحدث على أسرتي، بداية من شقيقات أبي وتعرضهن للكثير من المواقف والوصم الأمني والاجتماعي في عملهن، وفسخ خطوبة إحداهن بعد استدعاء خطيبها الذي لم يحضر رابعة لمجرد أنه خطيب شقيقة أحد ضحايا رابعة، في الوقت الذي فقدت فيه عمته الأخرى فرصة التعيين في الجامعة بسبب ذلك.
مع إذاعة مسلسل “الاختيار” في موسمه الثاني، عادت إحدى عمات محمد للمنزل باكية لتخبر والدها أن زميلاتها في العمل تحدثن أمامها عن شهداء رابعة، وأنهم وصفوا الشهداء أمامها بأنهم إرهابيون، وأنهم يستحقون أن يقتلوا هم وعائلاتهم لأنهم خونة وقتلة، وقال أحدهم: “كلاب وراحوا”.
يحرص جد محمد على عدم إفصاح محمد عن والده، أو الانخراط في أي حديث سياسي على الانترنت، وحين بدأت قضية “جيل زد” استدعاه جده، وطلب من عمته فحص حسابه على “فيس بوك” وكل منصات السوشيال ميديا للتأكد من عدم انخراطه في أي شيء قد يؤدي لاعتقاله، فهو ابن ضحية رابعة وبذلك فإن كل حركة له على الانترنت محسوبة، وهو الباقي الوحيد له من رائحة والده الذي فقده في ريعان شبابه، فمحمد منذ رحيل والده، بقي في نظر الأمن طفل.
لا يشعر محمد بالرغبة في الإقامة في مصر، فكيف يعيش في بلد توصم عائلته بالكامل؟ وكيف يعيش في بلد يخشى فيه أن يقول كيف قتل والده حتى لا يتعرض للوصم؟ لذلك فهو يحرص على دراسة اللغات ليتسنى له السفر بعد الجامعة إلى أي دولة ليستقر بها بعيدًا عن مصر، لكنه لم يبح بهذه الرغبة حتى الآن لجده الذي ينظر له كرجل العائلة بدلًا من والده.
قبل 13 عامًا، استيقظت مصر على خبر فض اعتصام رابعة الذي بدأ فجر 14 أغسطس/آب 2013، وهو الاعتصام الذي بدأ في 21 يونيو/حزيران تزامنًا مع دعوات معارضي الرئيس الراحل محمد مرسي في ميدان التحرير، واستمر وأصبح قبلة لكل مؤيدي مرسي بعد إعلان الجيش الانقلاب على محمد مرسي في 3 يوليو/تموز وهو الإعلان الذي أذاعه بنفسه الرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي.
في شهادتها عن 3 يوليو/تموز كتبت سارة إبراهيم ابنة محمد إبراهيم أحد قيادات الجماعة الذي ظهرت جثته بعد فض الاعتصام في أحد الشوارع المجاورة لـ مشرحة زينهم، مقالة بعنوان: “لماذا لم يخلقني الله بطريقًا؟” تصف فيها سارة حالها في مصر كرهينة، تستدعيها وسائل الإعلام للحديث عن الجماعة باعتبارها أحد المنشقات عنها وأحد المشاركات في 30 يونيو، لكنها في الوقت ذاته ترفض توظيفها في أي وسيلة إعلامية، وتضيق عليها عملها، ويحاسبها على كونها ابنة رجل قتل في رابعة، في الوقت الذي يقضي شقيقها عامه الثاني عشر في السجن في قضية اعتقل فيها بالخطأ لكنه حكم عليه فيها لا لشيء سوى أنه ابن لأب قتل في رابعة العدوية وأحد قيادات الجماعة، وهو الوضع الذي تسبب في إصابتها باضطراب كرب ما بعد الصدمة، ما تسبب في فقدانها الذاكرة بصورة مؤقتة لعدة سنوات.
لا يختلف حال سارة عن حال سعاد عبد الله – اسم مستعار- فهي أيضًا ابنة أحد شهداء رابعة، ورغم أنها لم تشارك في الاعتصام إلا أنها تعيش صدمته يوميًا، حيث اعتقل شقيقها في قضيتين مختلفتين وتعيش وصمة أنها من أبناء رابعة دون أن تشارك فيها.
قتل والد سعاد ابنة المحافظة المنوفية وعمرها 13 عامًا، لم تنسَ العام الدراسي التالي لها، حيث نبّه الكثير من آباء زميلاتها بعدم الاختلاط بها حتى لا يتم وصمهن، فقضت عامًا دراسيًا هو الأسوأ، ففي الوقت الذي تنتظر فيه من صديقاتها مواساتها على حياتها التي انقلبت رأسًا على عقب، وجدت الجميع يبتعد عنها خوفًا من الأمن.
على مدار 10 سنوات بعد الاعتصام انتهكت حياة سعاد وأسرتها، فأصبح منزلها مزارًا للأمن، قبل أن يعتقل شقيقها بعد اتهامه بالمشاركة في حادث تفجير وقع بعد وفاة والدها بعدة سنوات، رغم أن شقيقها لم يشارك فيه، لكن اسمه كان مناسبًا، لاسيما وأن عددًا من المعتقلين في القضية من نفس المركز، كما أنه طالب بالهندسة، بعدها بعدة أشهر اعتقل أخوها الثاني وهو ما جعل شقيقها الثالث يتواصل مع إحدى شركات إلحاق العمالة بالخارج ويترك دراسته الجامعية خشية الاعتقال ليعمل عاملًا في أحد الدول الخليجية، فقط ليهرب من مصير كُتب له لأنه ابن أحد ضحايا مجزرة رابعة، وليتسنى له الإنفاق عليها وعلى شقيقتها ووالدتها، والإنفاق على زيارات السجن التي تصفها بأنها “قطمة وسط”.
أنهت سعاد دراستها الجامعية منذ سنوات، لكنها لم يتسنَ لها التعيين في مجالها بسبب التضييق الأمني، مما اضطرها إلى العمل الحر Freelancer خارج مصر، وتجلس والدتها يوميًا تندب حظها حيث لم تُخطب إلى الآن، تقول الأم إن أحدًا لن يتقدم لهن إلا من أبناء المعتقلين المعرضين أيضًا للاعتقال في أي لحظة، لتعيش في نفس الدوامة التي تعيشها الآن.
“أعيش في خوف دائم”.. بهذه الكلمات تصف سعاد حالها، وتضيف “تجربتي أثناء الدراسة ونوبات تفتيش المنزل المستمرة، والوصم الأمني المصاحب لي جعلني أفضل الانعزال، لا أتعلق بأصدقاء أو أتعرف على أشخاص جدد، حتى حساباتي على مواقع التواصل الاجتماعي لا أنشر فيها أي شيء، ولا أكتب شيئًا عن والدي أو أشقائي، فلا أريد أن تدفع أمي ثمنًا لثلاث زيارات للسجن بدلًا من اثنين، وأنشط فقط على جروبات العمل كـ أخصائية سوشيال ميديا ومصممة جرافيك، وحتى عملائي أغلبهم من خارج مصر.
ينصح الأخصائي النفسي عاطف نوار، أقرباء ضحايا مجزرة رابعة بعدم محاولة مشاهدة أرشيف تلك المحنة، لأنها قد تؤدي لكرب ما بعد الصدمة حتى وإن شاهدوها بعد سنين، لأن هذه المشاهد يتم تخزينها في ذاكرتهم، وتظهر في صورة كوابيس أو صداع أو إرهاق مستمر.
وحول تأثير الوصم الأمني أو فقدان الأصدقاء نتيجة ذلك، فيقول نوار إن تأثير الوصم يمكن أن يخرج في صورتين: الأولى هي الخوف الغريزي، حيث يعيش الابن حالة من الخوف الدائم والإحساس بأنه مستهدف، وهو ما يجعله أكثر ميلًا للعزلة وعدم الاختلاط أو حتى الاكتئاب، والثانية: الغضب من المجتمع والميل للعنف.
وأوضح نوار أن هذه التأثيرات تختلف من حالة لأخرى وأن الأثر يقاس طبقًا لطريقة تلقي الأبناء للخبر، وما شاهدوه من تداعيات بعد ذلك على حياتهم.
حتى الآن لا يوجد رقم واحد لعدد شهداء فض اعتصامي النهضة ورابعة العدوية الذي استمر نحو 14 ساعة، حيث أعلن الطب الشرعي المصري في بيان له في نوفمبر/تشرين الثاني 2013، أن إجمالي عدد الضحايا هو 377 قتيلًا، منهم 31 جثة مجهولة الهوية، بينما أصدر المجلس القومي لحقوق الإنسان تقريرًا قال فيه إن أعداد قتلى اعتصام رابعة العدوية 632 قتيلًا منهم ثمانية عناصر من الشرطة، بينما وثق موقع ويكي ثورة 904 ضحية بالإضافة إلى 7 من عناصر الشرطة.
أما منظمة العفو الدولية فذكرت في بيان أصدرته يوم 16 أغسطس/آب 2013 أن “عدد الضحايا تعدى 600 شخص بعدما استخدمت قوات الأمن القوة المميتة غير المبررة ونكثت بوعدها بالسماح للجرحى بمغادرة الاعتصام بأمان، في الوقت الذي قدرت فيه مصادر الإخوان المسلمين عدد الشهداء بنحو 2600 ضحية.