• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

التحرر من الاستبداد لا يكتمل بسقوط الطاغية.. حوار مع البروفيسور ساري حنفي

رغد الشماط١ سبتمبر ٢٠٢٦

تربط عالم الاجتماع ساري حنفي بسوريا علاقة تتجاوز موقع الباحث المراقب للتحولات السياسية، ففي مخيم اليرموك ودمشق أمضى 25 عامًا من حياته، وهناك تشكّل وعيه بين احتلال اقتلع الفلسطينيين من أرضهم، واستبداد أحكم قبضته على السوريين لعقود. لذلك بدت عودته، بعد أسبوعين من سقوط نظام الأسد، استعادةً لمكان شخصي بقدر ما كانت معاينةً لبلد خرج من واحدة من أقسى تجارب المنطقة.

وفي هذا الحوار الخاص مع “نون بوست”، يقرأ حنفي المرحلة السورية بعين عالم اجتماع منحاز إلى الحرية، وحذر من يقينيات السياسة، ويناقش ما يفتحه التحرير من أمل، وما يرافق بناء الدولة الجديدة من أسئلة ومخاطر.

حنفي أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الأميركية في بيروت، ومدير مركز الدراسات العربية والشرق أوسطية، ورئيس برنامج الدراسات الإسلامية فيها، انتُخب زميلًا مدى الحياة في الأكاديمية البريطانية تقديرًا لإسهاماته في العلوم الإنسانية والاجتماعية، وألّف وحرّر أحد عشر كتابًا، ويُعدّ من أبرز علماء الاجتماع العرب في مجالات السوسيولوجيا السياسية والمعرفة والدين والهجرة والعدالة الانتقالية.

أحب افتتاح الحوارات الخاصة بسوريا بالحديث عن العودة الأولى بعد سقوط النظام لرمزيتها الاستثنائية. متى زرت سوريا للمرة الأولى بعد التحرير؟ وأين توجهت خلال زيارتك؟ وما الأفكار التي راودتك في الأيام والأسابيع الأولى للتحرير؟

لعلي لا أبالغ إن قلت إن يوم تحرير سوريا كان أحد أسعد أيام حياتي. فقد شهدت سقوط نظام عائلة الأسد، ذلك النظام الذي تجذّر فيه الفساد، والتعذيب الممنهج، والانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان، والحكم بالطائفية والمحسوبية.

أنا فلسطيني، قضيت ربع قرن من حياتي في مخيم اليرموك ودمشق، ونشأت مشبعًا بمشاعر النضال ضد قمع مزدوج تمثّل في الاستعمار الإحلالي الإسرائيلي من جهة، والاستبداد الوحشي في سوريا من جهة أخرى. لذلك كان سقوط النظام بالنسبة إليّ أكثر من حدث سياسي، وكان لحظة شخصية وتاريخية في آن واحد. انتهى عهد الطاغية الدموي، وأترقب اليوم الذي تتحرر فيه فلسطين من نظام الإبادة الجماعية الإسرائيلي.

زرت سوريا بعد أسبوعين فقط من التحرير، وكان شعوري حين وصلت إلى الحدود السورية قريبًا جدًا من الشعور الذي انتابني عندما زرت فلسطين للمرة الأولى. شعرت بانتصار شخصي، وبشيء يشبه العدالة لشعب استُنزف بالكامل تقريبًا.

توجهت أولًا إلى ساحة الأمويين، التي تحولت إلى رمز للتحرير، ثم زرت مخيم اليرموك، مسقط رأسي، ذلك المكان الذي تربطني به روابط حميمة وعميقة لا تختزلها الكلمات، وزرت أيضًا عماتي وأقاربي الذين لم أرهم طوال أربعة عشر عامًا. وفي الحقيقة، كنت قد مُنعت من دخول سوريا عام 2010، أي قبل الثورة السورية.

ترفضون تفسير الحركات الإسلامية من خلال نصوصها ومرجعياتها وحدها، وترون أنها تتغير بتغير السياق السياسي والاجتماعي. ما المؤشرات التي تثبت أن التحول الذي طرأ على هيئة تحرير الشام وصل إلى بنيتها الفكرية والمؤسسية، ولم يكن مجرد براغماتية مؤقتة فرضتها الحاجة إلى الشرعية الدولية وتثبيت السلطة؟

درست منذ أكثر من عقد المراجعات التي كتبها أبو مصعب السوري، وأبو يزن الشامي، وأبو محمود الفلسطيني، وتتبعت كيف أثرت هذه التحولات الفكرية في انتقال جبهة النصرة، التي أصبحت لاحقًا هيئة تحرير الشام، إلى تنظيم إسلامي أكثر اعتدالًا وبراغماتية.

وأنا أثق كثيرًا بتحليلات الصديقين باتريك هيني وجيرومي دريفون، اللذين نشرا كتاب “التحوّل بفعل الشعب: طريق هيئة تحرير الشام إلى السلطة في سوريا”، وهو كتاب صدر بالإنجليزية، ويجري العمل حاليًا على ترجمته إلى العربية.

يستند الكتاب إلى تجربة بحثية طويلة للكاتبين، بما في ذلك مقابلات أجرياها مع الجولاني وآخرين منذ بدايات الثورة السورية، وهو غني بتفاصيل دقيقة حول تطور هيئة تحرير الشام. وقد لفت انتباهي، على سبيل المثال، انتقال الهيئة من السلفية إلى المذهب الشافعي منذ عام 2016، في محاولة للتكيف مع البيئة الاجتماعية في إدلب وكسب قبول أهلها.

وهناك، في رأيي، مؤشرات عديدة على حدوث تطور جدي داخل هيئة تحرير الشام. نعم، ما قامت به الهيئة وما تقوم به اليوم يعكس، إلى حد بعيد، تفاعل الفقه مع سياقه المجتمعي. ومن هنا أستخدم مفهوم البراغماتية، وهي، في الحقيقة، ليست غريبة عن تطور الفقه الإسلامي نفسه.

لذلك رأينا مرونة سياسية في كثير من توجهات الحكومة أو الإدارة الجديدة، سواء تحت ضغط مقتضيات السياسة الدولية وتثبيت السلطة، أو استجابةً لحاجات الواقع السياسي، لكننا نشهد، في الوقت نفسه، حالات من عدم الاتساق تظهر بوضوح تحت ضغط الأجنحة الأكثر تطرفًا، سواء داخل هيئة تحرير الشام نفسها أو في حركات إسلامية أخرى ذات توجه سلفي متشدد، وهي اتجاهات بعيدة عن الفقه الشامي أو الحلبي أو الحموي المديني السائد، وهذا الاتجاه المتطرف يحاول أحيانًا فرض أخلاقيات عمومية واحدة على مجتمع سوري شديد التعدد.

قلت إن الانتقال السوري يمكن أن يتجه نحو الديمقراطية إذا نجح في رهاني الحريات والمواطنة المتساوية. أين تقف سوريا اليوم وفق هذين المعيارين؟ وما المؤشرات التي ستجعلك تقول، إذا ظهرت، إن الانتقال انحرف فعلًا نحو استبداد جديد، بصرف النظر عن تراجع العنف بوضوح مقارنة بعهد الأسد؟

كما كتبت سابقًا، لدي موقف معياري من الديمقراطية، أو ما يفضل البعض تسميته “نظام الشورى الملزمة”، استنادًا إلى معين التراث الإسلامي. وبالنسبة إليّ، كباحث في علم الاجتماع السياسي، لم أجد حتى الآن نموذجًا أفضل من الديمقراطية القائمة على مبادئها الأساسية، وهي الحريات والمساواة والمواطنة والتعددية الحزبية وقبول تعدد مفاهيم الخير داخل المجتمع.

وبالطبع، هناك نماذج مختلفة للديمقراطية، فقد تكون ديمقراطية أغلبية، كما في كثير من الدول الأوروبية، لكنها يمكن أيضًا أن تكون ديمقراطية تعددية ثقافيًا، تأخذ في الاعتبار التعددية الثقافية والإثنية والدينية الموجودة في بلد معين، كما هي الحال، بدرجات مختلفة، في كندا وأستراليا.

مع الأسف، لا أعتقد أن الديمقراطية تحتل موقعًا مركزيًا في المخيال السياسي للإدارة الجديدة في سوريا، وغياب الحديث عنها يقلقني كثيرًا، لكن هل يمكن أن يحدث انتقال سوري نحو الديمقراطية؟ جوابي نعم، إذا ناضلت الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني من أجلها، وضغطت على النظام السياسي لاحترام قواعد الديمقراطية، ليس بوصفها مجرد إجراءات انتخابية، بل باعتبارها قائمة على التوازن بين الحرية والمساواة، وعلى تحقيق العدالة الاجتماعية، بما في ذلك التوزيع العادل للثروة. يجب أن يتفق المجتمع على مفهوم للعدل، لكن ينبغي أن يبقى مفهوم الخير تعدديًا بالنسبة إلى الأفراد والجماعات.

ومن خلال متابعتي للشأن السوري اليوم، يمكن القول إن هناك مؤشرات على احترام عدد من الحريات، بما فيها حرية الرأي وحرية الاعتقاد والضمير. وهناك أيضًا قدر من المساواة يظهر، على الأقل، في كيفية تعامل البيروقراطية العامة مع الناس. وقد قامت الإدارة الجديدة بتنظيف السجون، وتقليص الفساد البيروقراطي، وإنشاء صندوق التنمية السوري، ولجنة للعدالة الانتقالية.

لكن في المقابل، هناك مؤشرات سلبية كثيرة، فالإدارة الجديدة تعتمد، في رأيي، على مبدأ الولاء على حساب الكفاءة، وهذا يظهر بوضوح في كثير من التعيينات الحكومية، كما يقلقني غياب الشفافية. وهناك أيضًا غياب واضح للتخطيط. كيف يمكن للسوريين الخروج من الوضع المزري الذي تركه نظام الأسد؟ نحن نتحدث عن بلد مدمر ومفلس، وعن نصف سكانه تقريبًا من النازحين واللاجئين. هل سمعتم عن لجنة لدراسة إعادة الإعمار؟ أين ينبغي أن تتم إعادة الإعمار، وكيف؟ أما المشاريع التي نسمع عنها هنا وهناك، ومن حين إلى آخر، فتظهر أحيانًا وكأنها مكرمة رئاسية وليست جزءًا من سياسة عامة واضحة.

ثم يبرز سؤال آخر حول من يدير المؤسسات، الوزير أم الشيخ؟ يتحدث الجميع عن “مطبخ سياسي” للقرارات، يتألف من دائرة ضيقة تعمل بعيدًا عن المؤسسات التنفيذية التي يفترض أن تكون مسؤولة عن صناعة القرار. هل شاهدتم اجتماعات دورية لمجلس الوزراء؟ كيف يمكن مناقشة قضايا شائكة مثل التنمية المستدامة والعدالة الانتقالية من دون نقاش أسبوعي بين الوزراء؟

ومن خلال بحثي الميداني، أرى أن القضايا المهمة تُناقش في حلقات ضيقة جدًا، كما تقوم مؤسسة الرئاسة بسحب كثير من الصلاحيات من الوزارات، وإنشاء هيئات منافسة تتبع مباشرة للرئيس. وبما أن الإدارة الجديدة تُغلّب الولاء على الكفاءة، فمن الطبيعي أن يُطرح السؤال عمن تكون له الأولوية في التعيين. خذوا مثلًا تعيين وزير الزراعة رئيسًا للجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع. ألا ينطوي ذلك على تضارب في المصالح؟

كما تتضخم صلاحيات وزارة الخارجية لتصبح مسؤولة عن كل شيء تقريبًا، بما في ذلك الموافقات الأمنية على عقد المحاضرات وأي تعاون مع المؤسسات الدولية. وهذا يعني، عمليًا، تهميش صلاحيات كثير من الوزارات والمؤسسات الأخرى. وقد ذكر لي سفير أوروبي في سوريا أن الوزارة لا ترد على بريدها الإلكتروني، في الوقت الذي ينتظر فيه الأوروبيون الموافقة على مشاريع حيوية في سوريا. ألا تعرف الإدارة الجديدة أن اشتراط الموافقة على عقد ندوة هو من صميم ممارسات النظام الأسدي في قمع الحياة الأكاديمية والمدنية؟

وفي الوقت الذي يصرح فيه الرئيس بأنه ضد نظام المحاصصة على الطريقة اللبنانية أو العراقية، وهو محق في ذلك، فإنه يقوم، في المقابل، بتهميش الأقليات. يكفي أن نلاحظ، مثلًا، أن هناك وزيرة واحدة فقط، وهي مسيحية، أي اثنتان في واحدة! هذا يقلقني جدًا. نعم، أرى في ذلك بداية انحراف نحو الاستبداد. ويذكرني هذا، إلى حد ما، بتصرفات الرئيس الراحل أبو عمار، ثم الرئيس محمود عباس، في الأراضي الفلسطينية، فقد أدى تهميش المؤسسات إلى إضعافها، وكانت النتيجة هشاشة النظام السياسي الفلسطيني.

في ديسمبر/كانون الأول 2024 دعوتَ إلى هيئة انتقالية تجمع العسكريين والتكنوقراط والسياسيين، وتكتسب شرعيتها من التشاور والتمثيل الوطني والرقابة. إلى أي حد تحقق هذا التصور في مجلس الشعب الحالي؟ وهل يمكن بناء شرعية انتقالية حقيقية عندما تبقى قواعد اختيار المؤسسات وتوزيع السلطات صادرة بصورة أساسية عن مركز سياسي واحد؟

تشكيل مجلس الشعب الحالي استحقاق مهم جدًا، خصوصًا في ظل النزعة نحو الاستبداد التي أراها اليوم. وأنا أفهم الطريقة التي شُكّل بها المجلس الحالي، في ظل غياب استفتاء وعدم وجود معرفة دقيقة بالتغيرات الديموغرافية التي طرأت على سوريا، لكنني آمل أن يلعب هذا المجلس دورًا في مقاومة الانحراف نحو الاستبداد.

غير أنه لن يستطيع أداء هذا الدور من دون حياة حزبية حرة في سوريا، ونقابات ليست معيّنة وإنما منتخبة، ومجتمع مدني قادر على أن يكون وسيطًا حقيقيًا بين الأفراد والدولة.

رأيتَ في تجنّب أحمد الشرع مصطلحات مثل الديمقراطية والعلمانية، ولا سيما في خطاباته الأولى، واستخدامه لغة القانون والدستور والعودة إلى الشعب، محاولةً لاستخدام “عقل عمومي” مفهوم داخل السياق السوري. كيف ترى الديمقراطية اليوم في سوريا؟ هل هي بعيدة المنال وخارج أجندة السلطة التنفيذية، خاصة إذا نظرنا إليها كحالة ونظام، لا مجرد انتخابات نزيهة؟

في الحقيقة، يتجنب الرئيس أحمد الشرع مصطلحات مثل “الديمقراطية” و”العلمانية” في خطاباته الإعلامية. ومع ذلك، بدأت حركات إسلامية كثيرة تستخدم كلمة “العلمانية”، أو على الأقل مفهوم “الدولة المدنية”. وكما تعرفون، كتبت فصلًا كاملًا في كتابي الأخير “ضدّ الليبرالية الرمزية: دعوة إلى علم اجتماع تحاوري”، الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، لنقد العلمانية على الطريقة الفرنسية، التي أصبحت، في بعض تطبيقاتها، أشبه بدين مناهض للأديان يقوم على الفصل الصارم بين الدين والدولة. أما أنا فأفهم العلمانية بمعنى التمييز بين المجال الديني والمجال السياسي، والحياد النسبي للدولة تجاه مواطنيها.

الممارسات الدينية والثقافية هي، في الغالب، جزء من مفهوم الخير، وقد يكون بعضها جزءًا من مفهوم العدل، فمن حق المرأة، مثلًا، أن تختار الحجاب أو السفور. بالطبع، هناك مفاهيم للخير العام يمكن أن يتفق عليها المجتمع، مثل النظافة أو منع السباحة عاريًا في الأماكن العامة، لكن في ظل العولمة والتعددية، تضيق مساحة ما يمكن اعتباره خيرًا عامًا، وتتسع مساحة الاعتراف بتعدد مفاهيم الخير.

أنا أتابع الجدل الموجود في وسائل الإعلام السورية الرسمية وغير الرسمية، من “الإخبارية” إلى “تلفزيون سوريا”، وأرى أن هناك حدًا أدنى من استخدام الحجج التي تنتمي إلى نمط العقل العمومي، أي ذلك النقاش التحاوري الذي يستخدم حججًا يمكن فهمها وقبولها من الجميع، بصرف النظر عن دينهم أو درجة تدينهم، من أجل إرساء مفهوم للعدالة الاجتماعية في سوريا.

لكن في المقابل، هناك جهات داخل هيئة تحرير الشام، إلى جانب بعض الحركات الإسلامية المتطرفة، تحاول فرض أخلاقيات عمومية واحدة على المجتمع السوري. وقد ظهرت، مثلًا، محاولات في اللاذقية لمنع المرأة الموظفة من الذهاب إلى عملها وهي تضع المكياج، أو محاولات لمنع بيع الكحول في دمشق. كل ذلك يتعارض مع تعددية مفاهيم الخير في المجتمع السوري التعددي.

كيف تقيّم مواقف الليبراليين في سوريا بعد التحرير؟ وهل يمكن القول إنهم انسحبوا من مجال تطوير النقاش السياسي في المجتمع، ودخلوا في صراع غير مبرر أو سابق لأوانه مع السلطة، بناءً على افتراضات مسبقة؟

كتبت قبل عدة أشهر مقالًا بعنوان “كيف ينظر الليبراليون الرمزيون إلى سوريا ما بعد الأسد؟”، انتقدت فيه اتجاه بعض الليبراليين، وليس جميعهم، إلى النظر دائمًا إلى نصف الكأس الفارغ بدل رؤية الكأس بأكملها. ويمكن، في رأيي، ملاحظة أربع سمات لهذه الليبرالية الرمزية السورية.

أولًا، لا يستطيع الليبراليون الرمزيون تصور ثورة محافظة، فإذا لم تكن الثورة تقدمية، فلا بد من إدانتها. وبالتالي، إذا لم تعجبهم النخبة المحافظة التي تقود المرحلة الانتقالية، فإنهم يدعون إلى نزع الشرعية عن الثورة، حتى لو أدى ذلك إلى التحالف مع القوة العسكرية للنظام القديم، كما حدث في الحالة المصرية.

وبالنسبة إليهم، تستطيع جميع الأحزاب السياسية أن تغيّر برامجها، لكن الإسلاميين لا يستطيعون ذلك، إذ يُنظر إليهم إما بوصفهم “فاشيين سُنّة”، أو ببساطة جهاديين، ولا يفهمونهم إلا باعتبارهم تلامذة لمفكري أوائل القرن العشرين، مثل سيد قطب وأبي الأعلى المودودي.

ثانيًا، لا تولي النماذج الفلسفية التي يعتمدون عليها اهتمامًا كافيًا بالإسهامات القادمة من العلوم الاجتماعية.

ثالثًا، يعكس أسلوب الكتابة لدى الليبراليين الرمزيين درجة عالية من اليقين، غالبًا ما تكون مشبعة بشحنة عاطفية ومرتبطة بمنطق سياسات الهوية القائم على بناء جماعة داخلية تُعرّف نفسها من خلال إقصاء الجماعة الخارجية. هذا اليقين الأيديولوجي يسعى إلى إلغاء الخصوم أكثر مما يسعى إلى التحاور معهم، وكل هذا يحدث ونحن لا نزال في مرحلة انتقالية، في وقت يرسل فيه سلوك النظام السوري الجديد إشارات متباينة.

رابعًا، اختلاق خصم، غالبًا من بين المتطرفين. خذوا، مثلًا، قصة بتول علوش، الشابة السورية العلوية البالغة من العمر واحدًا وعشرين عامًا، التي تديّنت وتركت أهلها. يرى الليبراليون الرمزيون أن المناخ الديني المحيط بالقضية يحمل عناصر تحريض واضحة، مستشهدين بما قاله الشيخ السلفي الدمشقي عبد الرزاق المهدي، حين أصدر في 10 أيار “فتوى” اعتبر فيها أنه لا يجوز إعادة بتول إلى أهلها، بحجة أنهم يضطهدونها بسبب خياراتها الدينية.

غير أن العبارة الأكثر دلالة في كلامه كانت استخدامه تعبير “بعد إسلامها”، وهو تعبير ينطوي، بصورة غير مباشرة، على نزع الشرعية الدينية عن أهلها. وأضع كلمة “فتوى” بين علامتي تنصيص لأن معناها السوسيولوجي اليوم أضعف بكثير مما يتصوره البعض، فقد تراجعت سلطة الفتوى لدى الأجيال الجديدة بصورة هائلة، ولم تمنع فتاوى تحريم الخروج على الحاكم الثورات العربية، كما لم تنجح حتى الدعوات المتكررة لأبي عبيدة في دفع الجماهير العربية والإسلامية إلى انتفاضة شاملة نصرةً للمقاومة الفلسطينية، رغم ما تحمله تلك الدعوات من رمزية عاطفية ودينية هائلة.

كما أن هذه التصريحات لا تمثل المؤسسة الدينية الرسمية في سوريا، التي يمثلها مفتي الجمهورية الشيخ أسامة الرفاعي. ومن المنظور الليبرالي، من حق الوعاظ أن يخاطبوا المؤمنين بلغة دينية، حتى وإن تعارضت هذه اللغة مع بعض الأعراف المدنية السائدة، أي حجج العقل العمومي، ما داموا لا يدعون إلى كراهية الآخر أو إلى العنف، كما جاء في أحد بيانات وزارة الأوقاف.

كيف تقرأ أحداث الساحل والسويداء؟ هل تصنفها أفعالًا انتقامية ردًا على ما تعرضت له الأكثرية السنية طوال ستين عامًا، أم أنها أعقد من ذلك؟

أنا أميز بوضوح بين موقفي المعياري النابع من نشاطي في مجال حقوق الإنسان، والذي يدين بشدة مجازر الساحل والسويداء، وبين تحليلي السوسيولوجي الذي يحاول أن يفهم لماذا حدثت هذه المجازر.

في ما يتعلق بمجازر الساحل، وكما لا يمكن فهم أحداث السابع من أكتوبر في غزة من دون الرجوع إلى تاريخ الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي، لا يمكن فصل أحداث الساحل عن التاريخ الدموي في سوريا، وعن التأخر في إطلاق مسار العدالة الانتقالية، وعن هشاشة تكوين الجيش السوري وحداثته.

أما في ما يتعلق بمجزرة السويداء، فلا يزال بعض الليبراليين الرمزيين يحللون ما حدث باعتباره مجرد دينامية طائفية تقوم على مواجهة بين السنة والدروز، لكن هذه القراءة الاختزالية تتجاهل أعمال باحثين سوريين بارزين في شؤون البدو في المنطقة، مثل حيان دخان ودون شطي، اللذين شبّها ما حدث في السويداء بالديناميات التي شهدتها دارفور، أي صراع الرعاة والمزارعين.

وقد شددا على ضرورة أخذ تاريخ التحريض الخارجي في الاعتبار، إلى جانب الأزمة الاقتصادية الراهنة وتداعيات التغير المناخي والانحباس الحراري، لفهم التوترات بين الجماعات. إن تفسير مثل هذه النزاعات أساسًا من خلال عدسة طائفية أو إثنية لا يؤدي إلا إلى تفاقمها. والليبراليون الرمزيون، في رأيي، لا يبدون اهتمامًا كافيًا بعدم التوافق بين نماذجهم التفسيرية والوقائع الاجتماعية المستجدة.

لكن الإدارة الجديدة استفادت من أخطائها الجسيمة في كلتا المجزرتين، ونجحت في حل مشكلة قسد، واتخذت خطوات أراها إيجابية، شبيهة بما ينادي به الليبراليون الجماعاتيون لناحية احترام خصوصية الجماعات الإثنية. وهنا أتحدث عن الأكراد الذين تعرضوا فعلًا لظلم تاريخي في سوريا وفي المنطقة كلها. وقد سررت كثيرًا بعملية اندماج الأكراد وعناصر قسد في الجيش السوري ومؤسسات الدولة، وآمل أن تكتمل هذه العملية لاحقًا.

هل تحمل التحولات الاقتصادية الجارية في سوريا مؤشرات جدية على ولادة أوليغارشية جديدة تجمع بين النفوذ السياسي والثروة؟ يشتكي الناس من الغلاء، ومن مشاريع استثمارية تحمل بصمات الرأسمالية في بلد دُمّر أكثر من نصفه. كيف يمكن إعادة بناء الطبقة الوسطى في سوريا؟

في الحقيقة، لم تتضح معالم الاقتصاد السوري حتى الآن. وما يخيفني هو أن غياب الشفافية قد يؤدي إلى ولادة أوليغارشية جديدة شبيهة بعصابة الأسد الفاسدة. فعندما يتسيد مبدأ الولاء على حساب الكفاءة، تصبح البيئة مهيأة لظهور جماعات تجمع بين النفوذ السياسي والثروة. والأمر الذي يقلقني أكثر هو أن النظام الجديد لا يبدو، حتى الآن، أنه يمتلك مخيالًا واضحًا بشأن اقتصاد السوق الاجتماعي، أي اقتصاد السوق المناهض للنيوليبرالية، ولا حتى تصورًا من نوع “اشتراكية الإسلام” التي دعا إليها الراحل مصطفى السباعي.

ولا أرى أيضًا اهتمامًا جديًا بمفهوم التعاونيات. وتعرفون أنه يمكن للدولة أن تطور تعاونيات في مجالات عديدة، بما فيها الكهرباء، فبدلًا من أن تقوم شركة أجنبية باستثمار شبه كامل في هذا القطاع وتفرض أسعارًا مرتفعة على المواطنين، يمكن إنشاء شركة مساهمة أو تعاونية يشارك فيها السوريون في الداخل والشتات. وهنا يصبح المواطن شريكًا في القرار، وفي نجاح الشركة واستدامتها وربحيتها، وفي الوقت نفسه لا تتحول الشركة إلى مؤسسة تستغل المستهلكين بأسعار مرتفعة، بل يمكن للمستهلكين أنفسهم أن يكونوا مساهمين في تعاونية الكهرباء.

كنت أظن أن شعبية قسد في أوروبا تعود أساسًا إلى قوة اللوبي الكردي هناك. لكنني اكتشفت أن شعبيتها، خصوصًا لدى اليسار الأوروبي، ترتبط أيضًا بنجاحها في إنشاء تعاونيات زراعية وصناعية وخدمية في الجزيرة، وإن كانت أنشطتها لا تشمل العرب دائمًا.

ويؤسفني أن النظام الجديد لا يبدي اهتمامًا كافيًا بهذه التجربة التعاونية، ولا يتوجه بما يكفي إلى الجمهور السوري، وخصوصًا في الشتات، لتحفيزه على الاستثمار في إعادة بناء بلده. وتعرفون أن الكيان الصهيوني اعتمد، منذ نشأته وحتى منتصف الخمسينيات، بصورة أساسية على سندات إسرائيل (Israel Bonds)، التي اشترى جزءًا كبيرًا منها أفراد من الشتات اليهودي. وقد لعبت هذه السندات دورًا مهمًا في تمويل نهضة الدولة الناشئة. لذلك أستغرب ألا يكون هناك حتى الآن مشروع مماثل في سوريا.

وقد سررت، بطبيعة الحال، عندما قامت الإدارة بحملات تضامنية في بعض المدن، مثل إدلب وحلب، لكن المشكلة أنها بقيت حملات تُنظّم لمرة واحدة، ولم تتحول إلى نظام مؤسسي مستدام.

يعيش الشباب في سوريا اليوم لحظة استثنائية ويتحملون مسؤولية تاريخية. ما توصيتك للشباب الفاعلين في المجتمع في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها البلاد؟

في الحقيقة، يستطيع الشباب أن يفعلوا الكثير لكبح بعض التوجهات الاستبدادية في النظام الجديد، من خلال تطوير المجتمع المدني، وإجبار العناصر المتطرفة داخل النظام على قبول التشاركية واحترام التعددية الثقافية والدينية في المجتمع السوري.

لكنني، شخصيًا، أعوّل على الحركات الاجتماعية والعمل النقابي أكثر مما أعوّل على الحديث العام عن “ناشطية الشباب”. ويسرني أن أرى في سوريا اليوم مظاهرات مطلبية وخدمية، وتحركات للدفاع عن مفاهيم حقوق الإنسان وحقوق المرأة.

كل ذلك يبشر بالخير، رغم حذري الشديد من بعض التوجهات الاستبدادية التي لا يمكن تبريرها بكوننا ما زلنا نعيش مرحلة انتقالية. والتحدي الحقيقي، في رأيي، هو ألا تتحول المرحلة الانتقالية إلى ذريعة لتأجيل الديمقراطية، بل إلى فرصة لبناء مؤسساتها عبر دولة تتسع لتعددية المجتمع، ومجتمع مدني مستقل، وحياة حزبية ونقابية حرة، وعدالة اجتماعية، ومواطنة لا تجعل من الاختلاف الديني أو الإثني أو الثقافي سببًا للتهميش، فالتحرر من الاستبداد لا يكتمل بسقوط الطاغية. إنه يبدأ، في الحقيقة، في اليوم التالي لسقوطه.

علاماتأهداف الثورة السورية ، الحكومة السورية الجديدة ، الشأن السوري ، العدالة في سوريا ، سوريا.. صفحة جديدة
مواضيعالثورة السورية ، الشأن السوري ، حوارات نون بوست ، سوريا حرة

قد يعجبك ايضا

سياسة

كيف تربك الاغتيالات معركة الحكومة اليمنية ضد الحوثيين؟

عميد المهيوبي١ سبتمبر ٢٠٢٦
سياسة

اللعب مع الكبار.. إلى أي مدى تستطيع مصر الموازنة بين الصين وأمريكا؟

خالد أصلان٣١ أغسطس ٢٠٢٦
سياسة

صراع النفوذ بين أنقرة وتل أبيب: توترات متصاعدة تضع استقرار الشرق الأوسط على المحك

بن هوبارد٣١ أغسطس ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑