وهنا يبرز سؤال مهم: ما الذي يجعل بعض الأحداث المحدودة تتضخّم وتأخذ أكبر من حجمها الحقيقي وتتحول إلى “ترندات”؟ وهل يكمن مصدر التضخيم في الحدث نفسه، أم في الطريقة التي يستقبل بها المجتمع الخبر ويُفسره ويتفاعل معه؟
التضخيم: ظاهرة قديمة تغذيها وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة
يُعَدّ تضخيم الأحداث ظاهرةً قديمة نسبيًا في المجال العام، وقد تناولها الباحثون منذ عدّة عقود لفهم آلياتها والعوامل المؤثرة فيها. ففي عام 1988، قدّم روجر كاسبرسون وزملائه نظرية “التضخيم الاجتماعي للمخاطر”، وترى هذه النظرية أن الاستجابة المجتمعية للحدث لا تتحدد بحجمه الفعلي فقط، بل تتحدد أيضاً بكيفية انتقاله عبر ما يمكن تسميته بـ “محطات التضخيم”، مثل وسائل الإعلام أو تداولها بين الناس في أحاديثهم؛ حيث لا تكتفي هذه المحطات بنقل الخبر، بل تضيف إليه تفسيرات أو مخاوف جديدة تضخّمه وتحوّله إلى “ترند”.
ومع بداية الألفية الجديدة، أحدث ظهور وسائل التواصل الاجتماعي تحولاً في النظرية، ولا سيّما في آليات تضخيم الأحداث والأخبار والمخاطر؛ حيث أصبح كل مستخدم محطة تضخيم محتملة بفعل سهولة الوصول وسرعة الانتشار وتداول الآراء والمعلومات من دون تدقيق.
ولم تعد الأخبار تمرّ عبر عددٍ محدودٍ من الوسائل التي يمكن مساءلتها، كما كانت سابقاً في الإعلام التقليدي، بل عبر آلاف وربما عشرات آلاف الحسابات الحقيقية وربّما الوهمية، حوّالةً حدثاً محدوداً إلى “ترند” وقضية رأي عام خلال ساعات.
عاملا مهمّان مؤثران في مستوى التضخيم وتحول الأحداث إلى أزمات رأي عام
في الحالة السورية الانتقالية، يبرز عاملان أساسيان يفسّران تحوّل بعض الأحداث إلى أزمات رأي عام:
العامل الأول: مستوى الثقة بين المجتمع والحكومة
يُعدّ مستوى الثقة بين فئات المجتمع المختلفة فيما بينها وكذلك مستوى الثقة بين المجتمع ومؤسسات الحكومة، من أكثر العوامل تأثيراً في مستوى تضخيم الأحداث. فعندما تكون الثقة مرتفعة، يتعامل الناس مع الأخبار بحذر، ويميلون إلى التحقق من المعلومات وانتظار التوضيح الرسمي، ولا يتبنون الروايات غير الرسمية بسهولة، ولا سيما في القضايا الحساسة.
أما عندما تكون الثقة ضعيفة، تصبح الأخبار غير الدقيقة والروايات السلبية أكثر قابلية للانتشار والتصديق، خصوصاً إذا تأخر التوضيح الحكومي أو لم يكن مقنعاً.
العامل الثاني: مرتبط بفاعلين رافضين للحكم الجديد في سوريا:
ويتمثل في وجود فواعل سياسية وإعلامية رافضة للسلطة الجديدة، وتعمل على تضخيم الأحداث واستثمارها في تقويض الثقة المجتمعية بالحكومة الجديدة.
وتعمل هذه الفواعل على استغلال أي خطأ حكومي وتضخيمه وربطه بسياقات سياسية أو مناطقية أو طائفية، ثم نشره في فضاء الرأي العام السوري عبر منصاتها المعروفة، أو حتى من خلال حسابات وهمية؛ في محاولة منها للتشكيك في نوايا وقدرة الحكومة على إدارة البلاد، وخلق فجوة بينها وبين المجتمع.
وبات واضحاً أن كثيراً من هذه الفواعل يحظى بدعم من جهات متعددة، من بينها شخصيات مرتبطة بالنظام السابق، أو جماعات ذات طابع طائفي، أو أطراف إقليمية. وقد أسهم هذا الدعم، في الآونة الأخيرة، في تعزيز قدرتها على استغلال الأخطاء الحكومية وتضخيمها، حتى لو كانت صغيرة أو متوسطة الحجم، والمساهمة في تحويلها إلى قضايا رأي عام.
ما الذي يفعله استمرار التضخيم المجتمعي للمخاطر والترندات؟
يعتبر استنزاف الرصيد المجتمعي للمؤسسات الحكومية أول نتائج استمرار هذه الظاهرة، حيث لا تكمن خطورة تضخيم الأحداث فيما تحدثه من توتر اجتماعي آني وحسب، بل في الأثر السلبي التراكمي الذي يخلّفه هذا التضخيم في ثقة مكوّنات المجتمع فيما بينها، وفي ثقة المجتمع بالحكومة ومؤسساتها.
إذ تؤدي أزمات الرأي العام المتكررة المرتبطة بالمؤسسات إلى تراكم سلبٍ يؤثر على صورة مؤسسات الحكومة مع كلّ أزمة رأي عام جديدة، ومع تراجع صورة المؤسسة اجتماعياً وانخفاض ثقة الناس بها، يصبح تصديق أي إشاعة موجّهة ضدها أكثر سهولة، وتتزايد بالتالي قابلية تضخيم الأحداث المرتبطة بها.
أما النتيجة الثانية، فهي أنّ المؤسسة قد تجد نفسها تحت ضغط أزمة متصاعدة، فتتجه إلى اتخاذ قرارات سريعة هدفها تهدئة الرأي العام واحتواء الأزمة، وهنا ربما تتحول الاستجابة من معالجة المشكلة بشكل سليم إلى إخمادها مؤقتاً، وقد ينتج عن هذا قرارات تخلق مشكلات جديدة وتزيد من تعقيد الأزمة الأصلية بدل حلّها.
كيف نتعامل مع ظاهرة التضخيم والترند؟
بدايةً، من المهم القول إنّ ظاهرة التضخيم والترندات، هي أشبه بالأمراض العضال التي لا يمكن الشفاء منها بشكلٍ كامل، ولهذا تعمل الدول على إدارتها والحد من آثارها السلبية قدر الإمكان عبر عدة مسارات، من أبرزها في واقعنا السوري:
-
العمل على تعزيز الثقة بين الحكومة والمجتمع، ويرتبط هذا بدرجة كبيرة بتحسين الظروف الاقتصادية والمعيشية التي بات واضحاً أنها من أهم العوامل المؤثرة في مؤشر الثقة بالأداء الحكومي، فكلما زادت الضغوط المعيشية، أصبح الناس أكثر استياءً وتراجعت ثقتهم بالحكومة، وبالتالي أصبحوا أكثر ميلاً إلى ربط مختلف المشكلات بأداء الحكومة وقدرتها على إدارة البلاد.
-
تعزيز التواصل الحكومي مع المجتمع، من خلال الشرح والتفسير وتقديم المعلومات والتوضيحات اللازمة، لأنّ المستوى الجيد من التواصل يجعل المجتمع أكثر فهماً وقبولاً لسياسات الحكومة، كما أنه يقلّل المساحات المعرفية الفارغة التي يمكن أن تستغلها الفواعل الرافضة للحكم الجديد لإعادة تفسير الأحداث وتقديمها في سرديات سلبية تزيد الفجوة بين المجتمع والحكومة.
الخلاصة، وصولُ ظاهرةِ تضخيم الأحداث و”الترند” في الحالة السورية إلى هذا المستوى المرتفع يتطلّب من الحكومة اعتمادَ مقاربةٍ جديدة تُمكنها من فهمٍ أعمق للمجتمع وتفاعلاته ورسائله والفاعلين المؤثرين فيه، ووضعِ خططٍ تعالج المشكلات من جذورها، بدل الاكتفاء بردود الأفعال ومحاولة احتواء كل أزمة بعد وقوعها.
وتبدأ هذه المقاربة بتعزيز ثقة المجتمع بالحكومة، وترسيخ الشفافية والمُساءلة، وتحسين التواصل مع الناس، إلى جانب الاهتمام بشكل أكبر بـإدارة الرأي العام.