ترجمة وتحرير: نون بوست
نادرًا ما توجد أجهزة أمنية حول العالم تضاهي القوات الإسرائيلية في شدة بطشها وفتكها إذ تمتلك أجهزتها العسكرية والاستخباراتية قدرة عالية على إصابة أهدافها بدقة متناهية، حتى عبر أبعاد شاسعة. وخلال العامين الماضيين فقط، اغتالت إسرائيل العشرات من الأشخاص داخل إيران، بالإضافة إلى قادة الميليشيات الوكيلة في لبنان واليمن. وقد جعلت هذه القدرات القتالية الإسرائيلية أعداءها الألداء ينظرون إليها بعين الاعتبار والترقب.
ومع ذلك، يبدو أن هذا التفوق يفقد الكثير من قيمته ووزنه عندما يتعلق الأمر بالداخل وما يجري عن قرب. فتلك القوات ذاتها تتحمل مسؤولية فشل ذريع وكارثي في الضفة الغربية المحتلة، حيث دأب المستوطنون الإسرائيليون العنيفون على مهاجمة السكان الفلسطينيين بوحشية متزايدة ووتيرة متصاعدة. ويهدف هؤلاء المستوطنون بوضوح إلى إجبار الفلسطينيين على ترك أراضيهم وتهجيرهم منها للاستيلاء عليها وضمها لأنفسهم.
ولا يمكن إرجاع الفشل الإسرائيلي في الضفة الغربية إلى نقص في الموارد بأي حال من الأحوال. فالجيش الإسرائيلي ينشر خمساً وعشرين كتيبة قتالية هناك، في حين يمتلك جهاز الأمن العام (الشاباك)، وهو وكالة الأمن القوية، شبكات واسعة ومعقدة من العملاء والمخبرين المتغلغلين في كافة أرجاء الضفة. غير أن هذه الموارد والشبكات تُسخر في المقام الأول لحماية نحو نصف مليون مستوطن إسرائيلي، ولدرء خطر الهجمات ضدهم، وليس لتقديم أي عون أو حماية لأكثر من ثلاثة ملايين فلسطيني يعيشون في تلك الأراضي. والواقع أن هذا هو الحال السائد والمستمر إلى حد كبير منذ أن احتلت إسرائيل الضفة الغربية وحلت محل الأردن في عام 1967.
لكن ما تغير جذرياً اليوم هو سلوك العديد من المستوطنين الخارجين عن القانون إذ لم يسبق لهم قط أن تصرفوا بهذه الدرجة من العنف والهمجية التي نشهدها في الوقت الراهن. والأهم من ذلك، أنهم لم يتمتعوا يوماً بمثل هذه الحصانة والإفلات المطلق من العقاب الذي تمنحهم إياه الحكومة الحالية.
فمنذ هجوم حركة حماس في أكتوبر/تشرين الأول 2023، والذي أشعل فتيل الحرب في قطاع غزة، قُتل أكثر من ألف ومئة فلسطيني في الضفة الغربية. وفي خضم كل هذا، نادراً جداً ما يتدخل الجيش الإسرائيلي لكبح جماح المستوطنين. ففي بلدة قصرة، على سبيل المثال، نُشرت مؤخراً كتيبة كاملة لمواجهة أولئك الذين كانوا يقتحمون منازل الفلسطينيين ويغزونها. إلا أن الجنود وجدوا أنفسهم يطاردون شباناً صغاراً عبر التلال بلا أي طائل أو نتيجة تُذكر. وفي مشهد يعكس حجم التواطؤ، انضمت قوات من وحدة عسكرية أخرى إلى المستوطنين لأداء الصلوات معهم، ولم تُنفذ أي اعتقالات على الإطلاق.
ويمكن تفسير هذا الرد العاجز وغير الفعال من خلال تسليط الضوء على الموقف الرسمي للحكومة الإسرائيلية. فالجيش الإسرائيلي يدرك تماماً أن رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، يصطف بشكل قاطع وصريح إلى جانب غلاة المستوطنين وأكثرهم تطرفاً. ويبدو جلياً أن الجيش الإسرائيلي لم يُرسل إلى بلدة قصرة أصلاً إلا بعد ممارسة ضغوط دبلوماسية أمريكية مكثفة، وهي ضغوط نبعت بالأساس من حقيقة أن مواطناً أمريكياً يمتلك منزلاً في تلك البلدة.
لقد عمد نتنياهو إلى تعيين مستوطنين متطرفين، ممن يدعمون صراحة ممارسات التطهير العرقي، في مناصب وزارية حساسة ومفصلية. وفي الحالات النادرة التي حاول فيها الجيش الإسرائيلي كبح جماح المستوطنين العنيفين، سارع وزير الدفاع، يسرائيل كاتس، إلى توبيخ جنرالاته وتقريعهم علناً.
وعلاوة على ذلك، منحت الحكومة تراخيص قانونية لنحو مئتي بؤرة استيطانية خلال أقل من أربع سنوات، وهو ما لم يزد المستوطنين إلا شراهة وتعطشاً لالتهام المزيد من الأراضي وتوسيع نفوذهم بقوة السلاح والتخويف.
وخلال الأشهر التي تسبق الانتخابات الإسرائيلية المقررة في السابع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول، قد تنزلق الأوضاع لتصبح أكثر سوءاً وقتامة. فمن المرجح أن يُكثف المستوطنون محاولاتهم للاستيلاء على مزيد من الأراضي، مدفوعين بمخاوفهم من أن تُسفر صناديق الاقتراع عن تشكيل حكومة جديدة قد تعمل على تحجيم عدوانهم وفرض قيود عليهم.
وفي غضون ذلك، أصبح التحالف مع اليمين المتطرف بمثابة طوق النجاة ومفتاح البقاء في السلطة بالنسبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي الذي قضى أطول فترة في منصبه. ولذلك، سيواصل نتنياهو تمكين المستوطنين وإطلاق يدهم، ما لم يُجبر قسراً على التراجع.
ومع تنامي القناعة لدى الفلسطينيين بأنهم يواجهون تهجيراً وإخلاءً حتمياً، يتعاظم خطر اندلاع حريق هائل يلتهم الضفة الغربية، بل وربما يؤدي إلى تفجر انتفاضة جديدة. ولا شك أن انتفاضة كهذه ستكون بمثابة كارثة محققة تعصف بالإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء. ورغم فداحة هذه العواقب، يبدو أن نتنياهو مستعد تماماً لخوض هذه المخاطرة والمجازفة، طالما أنها تخدم مصالحه وتعزز فرصه في البقاء السياسي.
وينسجم هذا السلوك المتهور تماماً مع النمط الذي اعتمده نتنياهو في سياساته. فقد رفض مؤخراً الاتفاق الأخير الذي توسطت فيه أمريكا لنزع سلاح حركة حماس وانسحاب إسرائيل من قطاع غزة، خشية أن يثير ذلك غضب حلفائه في اليمين المتطرف. كما واصل إصدار الأوامر بشن غارات جوية في لبنان وسوريا، متجاهلاً الفرص السانحة للتوصل إلى اتفاقيات تضمن حدوداً أكثر أمناً واستقراراً.
وفي ظل تراجعه المستمر في استطلاعات الرأي، يعمد نتنياهو إلى مضاعفة وعوده الفارغة بسحق أعداء إسرائيل للتشبث بقاعدته الانتخابية. ولعل الضغط المباشر من دونالد ترامب هو وحده ما قد يدفعه إلى التخفيف من حدة هذا الاندفاع الأرعن. فرغم أن هذه الحكومة الإسرائيلية قد تكون تعيش أشهرها الأخيرة، إلا أن قدرتها على إحداث دمار هائل وخراب واسع لا تزال قائمة وتشكل خطراً محدقاً.
المصدر: الإيكونوميست