• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

“إحنا في سجن منزلي”.. المستوطنون يحاصرون عائلات قصرة ويعزلونها عن العالم

سندس بعيرات٢٨ أغسطس ٢٠٢٦

جنود الاحتلال الإسرائيلي يتجمعون قرب مستوطنين أمام منازل فلسطينية في بلدة قصرة بالضفة الغربية المحتلة، الأربعاء. [زين جعفر/وكالة الصحافة الفرنسية]

في جبل رأس العين ببلدة قصرة، تستطيع كِندا وحور أن تريا من نافذة المنزل جدتهما وعمتهما، على بعد عشرين مترًا فقط، لكنهما لا تستطيعان الوصول إليهما. تسأل الطفلتان والدتهما رقية: “تيتا هون، يلا نروح؟”، فلا تملك سوى أن تخبرهما بأن جنود الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين يمنعونهما من ذلك.

على الجهة الأخرى، تجلس عائشة مع والدتها، ولا تريان بقية أفراد العائلة إلا عبر النوافذ، بعدما أصبحت بضعة أمتار تفصل بين بيوت العائلة مسافة يستحيل عبورها.

منذ أسبوعين، تعيش ثلاث عائلات في جبل رأس العين تحت حصار يفرضه المستوطنون وجيش الاحتلال الإسرائيلي. تحوّل أحد البيوت إلى ثكنة عسكرية، وبات إدخال الطعام والدواء مرهونًا بالانتظار والموافقة، فيما أصبحت الطفلتان تخافان حتى من الطريق المؤدي إلى منزلهما.

تتمسك العائلات بالبقاء، لكن خوفًا أكبر يلاحقها، أن يتكرر في رأس العين ما حدث قبل أقل من شهر لعائلة الطوباسي في جالود، وأن ينتهي الحصار بإجبارها على ترك بيوتها للمستوطنين.

البيت صار ثكنة

لم تعد رقية سميح صالح حسان، من بلدة قصرة، قادرة على الخروج من منزلها كما يفعل الناس عادة، فأخذ طفلتها المريضة إلى الطبيب، أو زيارة أهلها، أو الوصول إلى أفراد عائلة زوجها، الذين لا يفصلها عنهم سوى عشرين مترًا، بات يحتاج إلى تنسيق مسبق وانتظار موافقة من جيش الاحتلال. وبكلمات قليلة، تختصر رقية حياتها اليوم: “إحنا محبوسين حبسة كاملة”.

بدأت معاناتها في 21 كانون الثاني/يناير 2026، عندما نصب المستوطنون خيمة على رأس الجبل، على بعد نحو 500 متر من منزلها. ومنذ ذلك الحين، لم يتوقفوا عن اقتحام المنطقة والاعتداء على العائلة. تروي رقية: “من وقتها إلى اليوم، كانوا يظلهم ييجوا علينا. هجمات بالتراكتورون، رايحين جايين أكثر من مرة”.

ولم تقتصر الاعتداءات على محيط المنزل، إذ أدخل المستوطنون أكثر من مئة رأس من الأغنام إلى أرض العائلة، بين الأشجار والمزروعات، ما دمّر جزءًا من مصدر رزقها. تقول رقية: “كان فيه برقوق، وزيتون، وعنب، وميرمية، كله راح”.

لكن الحصار اشتد قبل نحو أسبوعين من إجراء المقابلة، حين نقل المستوطنون خيمتهم إلى موقع لا يبعد سوى عشرين مترًا عن المنزل. ومع اقترابهم، انقطعت الكهرباء، واستمر انقطاع المياه لأكثر من شهر، وأُغلق الطريق الوحيد المؤدي إلى البيت بالحجارة، فيما تكررت الهجمات على مدار اليوم. وتصف رقية ما بات يحدث حول منزلها: “صاروا ينزلوا كل ساعة، كل ساعتين، يهجموا على البيت، يرجموا حجار، يصيحوا علينا ويسبّوا”.

جنود من جيش الاحتلال الإسرائيلي يقفون قرب منزل فلسطيني حاصره مستوطنون في بلدة قصرة بالضفة الغربية المحتلة، 13 آب/أغسطس 2026. [علي صوافطة/رويترز]

وسط هذا الواقع، مرضت ابنتها حور، البالغة من العمر عامين ونصف، فتحوّل الوصول إلى الطبيب من أمر يومي بسيط إلى رحلة تحتاج إلى تنسيق وموافقة. تقول: “بنتي مرضت، وما قدرت بكل بساطة أركبها السيارة وآخذها على الدكتور ونعالجها وأرجع فيها”.

حاولت رقية الحصول على تنسيق للخروج، لكن محاولتها الأولى لم تنجح، وتعرّضت سيارة الإسعاف للاعتداء، بحسب روايتها. وفي اليوم التالي، تمكنت أخيرًا من نقل طفلتها إلى الطبيب، وبقيت معها في البلدة يومين لتلقي العلاج، قبل أن تطلب تنسيقًا جديدًا للعودة.

لكنها حين عادت لم تجد منزلها كما تركته، فقد استولى عليه جنود الاحتلال الإسرائيلي وحوّلوه إلى ثكنة عسكرية. وفي الوقت نفسه، أصبح منزل شقيق زوجها المجاور، حيث تقيم والدته وشقيقته، داخل منطقة الحصار أيضًا.

لم تجد رقية وطفلتاها مكانًا للإقامة سوى فيلا قريبة يملكها لؤي أبو ريدي. ومن هناك، تستطعن رؤية أفراد العائلة في المنزل الآخر، إذ لا تفصل بينهم سوى عشرين مترًا، لكنها مسافة لا يسمح لهن الجنود بعبورها. تقول رقية: “ما في بيننا وبينهم إلا عشرين متر فقط، ومع هيك ممنوعين نوصل لبعض”.

ولا يملك المحاصرون في المنزل الآخر ثلاجة أو غازًا أو غسالة، لذلك يعتمدون على المعلبات والخبز. وحين حاولت العائلة إعداد الطعام في الفيلا وإيصاله إليهم، منعها الجنود، لتصبح أبسط الاحتياجات اليومية مرهونة بموافقتهم.

ترك هذا الحصار أثره الأشد في طفلتي رقية، اللتين لا تفهمان لماذا لا تستطيعان الوصول إلى جدتهما وعمتهما رغم أنهما تريانهما من النافذة. تقول رقية: “بناتي صغار، بشتاقوا يشوفوا ستهم، وبشتاقوا يشوفوا عمتهم”.

وحين ترى إحدى الطفلتين جدتها، تسأل والدتها: “تيتا هون، يلا نروح ننزل؟”، فلا تملك رقية سوى إخبارها بأن ذلك غير ممكن، لأن الجنود يراقبون المكان ويمنعونهن من الوصول إليها.

ومع استمرار الحصار، بدأ الخوف يتسلل إلى تفاصيل حياة الطفلتين. تقول رقية إنهما أصبحتا تعانيان من التبول اللاإرادي ليلًا ونهارًا، وتخافان من النوم وحدهما، بعدما كانتا معتادتين على ذلك.

توضح: “أنا كنت معوديتهم يناموا في غرفة لحالهم بشكل كامل. هسا صاروا يخافوا يناموا لوحدهم، حتى وأنا موجودة بدهم أظل نايمة حدهم وملزقة فيهم”.

ولا يتوقف أثر الخوف عند النوم، فقد أصبحت الطفلتان، بحسب والدتهما، أكثر عصبية وبكاءً، وترفضان التعلم أو الاستجابة إلى التعليمات. تقول رقية: “وضعهم جدًا سيئ، عصبية وعياط طول الوقت، بيرفضوا بشكل كامل إنهم يقعدوا يتعلموا، ما بيستقبلوا أوامر ولا حتى تعليمات”، قبل أن تضيف: “تقريبًا أنا فقدت السيطرة عليهم”.

ومع اقتراب موعد دخول ابنتها كِندا إلى الروضة، تخشى رقية أن يحرمها الحصار من بدء تعليمها. تقول: “مش عارفة هالفكرة راح تظل قائمة ولا راح تلغيها الظروف. إذا لا سمح الله ظل الوضع هيك، كيف بدي أوديها؟”.

ولم يتولد هذا الخوف من الحصار وحده، بل من تجارب عاشتها الطفلتان مع المستوطنين. ففي إحدى المرات، كانت رقية تزور أهلها في البلدة، وحين خرجت مع ابنتيها للعودة إلى المنزل، لم تنتبه إلى أن المستوطنين كانوا يراقبونهن.

تروي: “بالصدفة كانوا المستوطنين مراقبينا وإحنا مش منتبهين، فلحقونا بالتراكتورون”.

قصرة بالضفة الغربية المحتلة، 19 آب/أغسطس 2026. [موسى قواسمة/رويترز]

اضطرت رقية إلى الهرب بابنتيها والعودة إلى البلدة. وحين حاولت الوصول إلى المنزل مرة أخرى، دخلت الطفلتان في نوبة بكاء، وراحتا ترددان: “ماما، إحنا ما بدنا نطلع على البيت، التراكتورون بيرجع يلحقنا”.

تركت رقية ابنتيها عند جدتهما عدة أيام، قبل أن تتمكن من إقناعهما بالعودة، لكن الخوف رافقهما طوال الطريق. وظلتا ترددان: “ماما، هسا بيلحقنا، هسا بيلحقنا”. وحين وصلتا إلى المنزل، قالت إحداهما: “ماما، إحنا ما بنريد نطلع من البيت، خلينا خلاص جوا البيت”.

وكما توقفت حياة الطفلتين عند حدود المنزل، توقفت حياة رقية أيضًا. مرّت أسابيع لم ترَ خلالها أهلها، وأصبحت أبسط احتياجاتها اليومية تحتاج إلى تنسيق وموافقة. وأحيانًا، تنظر عبر هاتفها إلى حياة الآخرين، فتشاهد ما بات بالنسبة إليها حياة عادية بعيدة المنال: “هاي رايحة زيارة صاحبتها، هاي رايحة هناك، هاي رايحة تشتري. أنا محرومة من كل هذا الإشي، لأني محبوسة حبسة كاملة”.

حتى إدخال الطعام أصبح مرتبطًا بالموافقة والانتظار. تقول رقية: “الأكل بده تنسيق”، موضحة أن توفير أي احتياج ناقص قد يستغرق يومًا أو يومين، ما يدفعها إلى تقليل استهلاك ما لديها.

وتزداد صعوبة الأمر مع رفض طفلتيها تناول الطعام. تقول: “عندي بنت عمرها أربع سنوات وبنت عمرها سنتين ونص. أحيانًا البنت بتاكل نص كماجة، أغلب أكلهم عايشات على المي”.

في نهاية حديثها، لا تطلب رقية أكثر من استعادة بيتها وحياتها، وأن تعود طفلتَاها إلى ما كانتا تعرفانه قبل أن يصبح الخوف جزءًا من يومهما.

تقول: “بدي الجيش يطلع من بيتنا ونرجع عليه نعيش فيه، والمستوطنين يبعدوا عنا، وترجع حياتنا الطبيعية العادية، أو أقل من العادية كانت. نرجع نزور أهلنا، وأهلنا يجوا يزورونا”.

ثم تختصر كل ما تريده بجملة واحدة: “أنا بس بدي هذا الإشي”.

خوف لا يتوقف عند باب المنزل

لم يعزل الحصار رقية عن العالم الخارجي فحسب، فقد فصلها أيضًا عن عائلة زوجها التي لا تبعد عنها سوى أمتار، ففي منزل يقع على بعد نحو عشرين مترًا منها ومن طفلتيها، تعيش عائشة حسان مع والدتها. وهكذا، تحولت المسافة القصيرة بين أفراد العائلة الواحدة إلى حاجز لا تستطيع أي من العائلتين عبوره.

بدأ الأمر باعتداءات المستوطنين، ثم دخلت قوات الاحتلال الإسرائيلي إلى المنطقة وحوّلت منزل شقيق عائشة إلى ثكنة عسكرية، لتجد العائلة نفسها محاصرة بين المستوطنين والجنود. تقول عائشة: “صار الحصار من الجهتين، يعني إحنا حاليًا في سجن منزلي”.

ومع تشديد الحصار، لم تعد المشكلة مقتصرة على صعوبة مغادرة المنزل، إذ تقول عائشة إن الجنود يمنعونها ووالدتها حتى من فتح النوافذ المطلة على الجهة التي يتمركزون فيها. كما أصبح الوصول إليهما أو إدخال احتياجاتهما يتطلب تنسيقًا قد يستغرق أربعة أو خمسة أيام.

فلسطينيون ينظرون إلى المنازل التي يحاصرها المستوطنون الإسرائيليون في بلدة قصرة، الأربعاء. [إسماعيل خضر/رويترز]

وخلال أيام الحصار، لم تصل إليهما سوى مساعدات محدودة وأدوية أدخلتها منظمة “اليونيسف”، فيما بقي الحصول على الاحتياجات الأساسية خاضعًا للانتظار والموافقة.

وتعيش عائشة مع والدتها المسنة، التي تحتاج إلى أدوية بصورة مستمرة، وتعاني من آلام في المعدة ومشكلة في ضغط العين. ورغم أن حالتها مستقرة نسبيًا، أصبح الطعام مشكلة يومية، إذ لا يتوفر لهما سوى المعلبات التي تزيد آلام معدتها. تقول عائشة: “الأكل هو بس حاليًا معلبات، صح بتضرب معدتها، بس يعني إيش بنسوي؟”.

ومن نافذتها، ترى عائشة المستوطنين يتحركون بحرية على الجبل، في الوقت الذي تُمنع فيه هي ووالدتها من فتح الباب أو الخروج من المنزل. تقول: “أنا من شوي كنت بتفرج على المستوطنين، هم في الجبل قاعدين بتمختروا ويمشوا براحتهم، بينما إحنا ممنوع نفتح الشباك ولا الباب”.

ويثقل عليها أكثر ما تركه الحصار في طفلتي شقيقها، كِندا وحور، اللتين عاشتا الخوف منذ بداية الاعتداءات. وتستعيد عائشة اللحظة التي شاهدتا فيها أغراضهما تُرمى من نافذة المنزل الذي استولى عليه الجنود: “من يومين شافوا أغراضهم، وهم صغار، بينكبوا من الشباك. أسرّتهم وألعابهم اتكسرت، وملابسهم انكبت من الشباك”.

كانت الأسرّة والألعاب جزءًا من المساحة الصغيرة التي شعرت فيها الطفلتان بالأمان، ومع رؤيتهما أغراضهما مكسرة وملقاة من المنزل، شعرت العائلة بأنها عاجزة عن حمايتهما. تقول عائشة: “إحنا شاعرين بالعجز تجاه الطفلتين ومش عارفين شو نعملهم”.

وتفكر العائلة في اصطحابهما إلى طبيب نفسي بعد انتهاء الحصار، في محاولة لمساعدتهما على تجاوز ما عاشتا، لكن عائشة تدرك أن شراء ألعاب جديدة أو إصلاح ما تحطم لن يمحو بالضرورة ما تركه الخوف داخلهما.

ثم تعود إلى الصورة التي تختصر الحصار كله: أفراد عائلة واحدة يعيشون في منزلين متجاورين، لكنهم لا يستطيعون اللقاء. تقول: “إحنا ساكنين في بيت، وهم في بيت ثاني، بس من الشبابيك منشوفهم، فقط لا غير”.

وأحيانًا ينقطع حتى هذا التواصل المحدود، حين تحلق طائرة مسيّرة بين المنزلين. ورغم كل ما يحدث، تختصر عائشة مطلبها في إنهاء حياة تحولت إلى خوف وانتظار دائمين: “إحنا بس بدنا نعيش في سلام، ونرجع ننام في هدوء، فقط لا غير”.

“الأكل بده تنسيق”.. الحياة معلّقة بموافقة الاحتلال

في المنازل المحاصرة بجبل رأس العين، تعيش ثلاث عائلات في عزلة متواصلة، بعدما أُغلق الطريق الذي يصلها ببلدة قصرة، وأصبح حصولها على الغذاء والدواء والماء مرهونًا بما يُسمح بإدخاله إليها. وتحاول البلدية توفير الاحتياجات الأساسية بالتعاون مع جهات إنسانية، لكن ما يصل إلى العائلات يبقى محدودًا أمام حصار تزداد قسوته يومًا بعد آخر.

ويقول رئيس بلدية قصرة عبد العظيم وادي إن البلدية لم تتمكن طوال فترة الحصار من إدخال المساعدات إلا بكميات قليلة، بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف”، التي ساعدت في إيصال بعض الأدوية والمواد الغذائية.

وتضم العائلات المحاصرة يوسف عبد الكريم حسان وزوجته وبناته، ولؤي أبو ريدي وشقيقه قصي ونجله أحمد، ورزق عبد الكريم ووالدته وشقيقته.

ولا تقتصر معاناتهم على نقص الطعام والدواء، فقد أصبحت استعادة الماء والكهرباء جزءًا من معركة البقاء اليومية. ويوضح وادي أن طواقم البلدية تمكنت، في اليوم السابع من الحصار، من إعادة التيار الكهربائي إلى المنازل بعد انقطاعه عدة أيام، ثم أعادت في اليوم التالي خط المياه إلى المنازل الثلاثة، رغم تعرض فريق المياه لاعتداء أثناء عمله.

مستوطنون إسرائيليون يتجمعون أمام منازل فلسطينية في بلدة قصرة، جنوب نابلس بالضفة الغربية المحتلة، في 12 آب/أغسطس 2026. [زين جعفر/وكالة الصحافة الفرنسية]

ومن بين المحاصرين نعيمة محمود يوسف حسن، البالغة من العمر 61 عامًا، والتي تحتاج إلى أدوية بصورة مستمرة. ولم يصل إليها من الطعام سوى كميات محدودة من المعلبات والخبز، مع حليب و”سيريلاك” للأطفال. لكن هذه المواد لا تناسب حالتها الصحية، إذ اعتادت تناول الطعام المطهو والشوربات، فيما يسبب لها الاعتماد على المعلبات مشكلات في المعدة.

وامتدت آثار الحصار إلى مصادر رزق السكان أيضًا. فقد استولى جنود الاحتلال الإسرائيلي على منزل يوسف عبد الكريم حسان وحوّلوه إلى ثكنة عسكرية، وأُغلق مصنع قريب يعمل فيه نحو 13 عاملًا في صناعة التحف والنوافير، بعدما مُنع العمال من الوصول إليه.

ويعيد وادي بداية ما يجري إلى صعود المستوطنين إلى الجبل ونصبهم خيامًا فيه، قبل أن تتكرر اعتداءاتهم على المنازل والمنشآت. ويقول إنهم قطعوا شبكتي المياه والكهرباء مرات عدة، وأطلقوا أغنامهم في الأراضي، ورشقوا المنازل بالحجارة وأطلقوا الرصاص. كما امتدت اعتداءاتهم إلى نبع رأس العين، الذي يصفه وادي بأنه مصدر المياه الرئيسي للبلدة.

ومع اقتراب خيام المستوطنين من المنازل، تراجع تواصل العائلات مع بقية سكان قصرة، ثم دخلت قوات الاحتلال المنطقة وأقامت نقاطًا على الطريق المؤدي إلى الجبل، قبل أن تستولي على منزل يوسف حسان وتحوله إلى ثكنة عسكرية. ويختصر وادي المشهد بالقول: “حصار المستوطنين وحصار الجيش”.

يصف وادي ما يجري بأنه غير مسبوق، إذ تُمنع ثلاث عائلات من الوصول إلى قصرة والتواصل مع أهلها، رغم أنها محاصرة داخل أراضي البلدة نفسها. ويرى أن إدخال المساعدات، على ضرورته، لا يمكن أن يصبح حلًا دائمًا، فالعائلات تحتاج إلى طريق مفتوح وحياة آمنة، لا إلى طرود غذائية تصل إليها بين حين وآخر.

يقول: “الأصل إنه الحصار لازم ينكسر في 11 دقيقة، مش في 11 يوم”.

ويخشى رئيس البلدية أن يتحول رأس العين إلى نموذج يتكرر في مناطق أخرى، وأن يصبح الحصار والضغط المتواصل وسيلة لدفع السكان إلى مغادرة أراضيهم، لذلك يطالب المؤسسات المحلية والدولية والقانونية والإنسانية بالتحرك لإنهائه، مؤكدًا أن هذه العائلات “من حقها تعيش في منازلها كباقي أسر العالم”، وأن النساء والأطفال المحاصرين يتعرضون للعنف داخل بيوتهم.

أما العائلات، فقد ذكّرها وادي منذ اليوم الأول بما حدث عام 1948، حين قيل لأهالي حيفا ويافا: “اطلعوا، كلها أيام قليلة وبترجعوا”، فتحول الرحيل المؤقت إلى غياب امتد عقودًا. وحين وجدت هذه العائلات نفسها أمام الصبر أو مغادرة المكان، اختارت البقاء والتمسك بمنازلها.

ويؤكد وادي أن قصرة ستواصل العمل من أجل كسر الحصار، وألا يتكرر في رأس العين ما جرى لعائلة الطوباسي وغيرها من العائلات التي أُجبرت على الرحيل عن بيوتها.

من البؤرة إلى البيت.. كيف يُصنع التهجير خطوةً خطوة؟

يرى الباحث في قضايا البيئة والاستيطان رائد موقدي أن الحصار يبدأ قبل إغلاق أبواب المنازل بوقت طويل؛ منذ اللحظة التي تتمدد فيها البؤرة الاستيطانية، ويُغلق الطريق، وتُعزل الأرض عن أصحابها، إلى أن يصل التضييق تدريجيًا إلى البيت نفسه.

وفي هذا السياق، يضع موقدي ما يحدث في رأس العين ضمن مسار أوسع تشهده بلدتا قصرة وجالود، جنوب شرقي نابلس، فعلى مدى سنوات، تمددت المستوطنات والبؤر الاستيطانية في محيط البلدتين، وشُقت الطرق وأُنشئت البنية التحتية لربطها ببعضها. وتحيط بقصرة مستوطنتا “عادي عاد” و”مجدولين”، وثلاث بؤر استيطانية، فيما تحيط بجالود مستوطنتا “ييش كوديش” و”إحيا”، فضلًا عن بؤر أخرى أُنشئت حديثًا.

ومع شق الطرق بين هذه المستوطنات والبؤر، عُزلت مساحات واسعة من أراضي القريتين عن أصحابها. ويقدّر موقدي أن المستوطنين باتوا يسيطرون على أكثر من 70% من أراضي جالود، وأكثر من 42% من أراضي قصرة.

لقطات من كاميرات المراقبة تُظهر مستوطنين إسرائيليين في بلدة قصرة.

انعكست هذه السيطرة مباشرة على الزراعة وحركة السكان، فالطريق الرابط بين جالود وقصرة مغلق بالكامل منذ عام 2023، فيما حُرم المزارعون من الوصول إلى أكثر من 2870 دونمًا مزروعة بأشجار الزيتون الرومي المعمر، وبقيت ثمارها من دون قطاف طوال ثلاثة أعوام. وخلال الفترة نفسها، هُدمت أكثر من 39 غرفة ومنشأة زراعية، ودُمرت مشاريع أخرى، ما قيد النشاط الزراعي وضيّق سبل العيش في البلدتين.

وعلى نطاق جنوب نابلس، يقول موقدي إن توسع البؤر وشبكة الطرق التي تربطها بالمستوطنات عزل أكثر من 2950 دونمًا مزروعة بالزيتون المعمر عن أصحابها منذ عام 2023. وتزامن ذلك مع تدمير الينابيع وتخريب الحقول وحرق أكثر من 1700 شجرة زيتون.

ومع مرور الوقت، ينتقل الضغط من الأرض إلى أصحابها. ويستشهد موقدي بما جرى لعائلة الطوباسي في جالود، حيث استولى المستوطنون على حي كامل وأجبروا العائلة على الرحيل. وفي قصرة، تستمر منذ سنوات محاولات السيطرة على المنازل ودفع سكانها إلى مغادرتها.

ويوضح موقدي أن السيطرة على الأرض لا تتطلب دائمًا قرارًا رسميًا بمصادرتها، فقد تبدأ بإغلاق الطريق المؤدي إليها، ومنع أصحابها من الوصول إليها، ثم تخريبها وملاحقة من يحاول استخدامها. ومع تكرار هذه الممارسات، يتحول المنع المؤقت إلى واقع دائم، وتصبح المستوطنات والبؤر المحيطة هي التي تحدد أين يستطيع الفلسطيني التحرك، وأي أرض يمكنه الوصول إليها.

ثم تمتد الخسارة من الأرض إلى مقومات الحياة كلها. فتقييد الحركة، ومنع الوصول إلى الأراضي، وتراجع النشاط الزراعي، والضغط الاقتصادي والخوف المستمر، تجعل البقاء أكثر صعوبة، وقد تدفع العائلات إلى الرحيل من دون صدور قرار رسمي بتهجيرها.

وسط ذلك كله، تريد رقية أن تعود إلى بيتها، وتريد عائشة أن تجتمع عائلتها وتنام بهدوء. أما كِندا وحور، فلا تريدان سوى الوصول إلى جدتهما من دون أن تخافا من الطريق أو من صوت “التراكتورون” الذي ما زال يلاحقهما حتى داخل المنزل.

لكن العائلات تعرف كيف يمكن أن ينتهي هذا المسار بخيمة تُنصب على رأس الجبل، ثم طريق يُغلق، وأرض يُمنع أصحابها من الوصول إليها، وبيت يُحاصر حتى يصبح البقاء فيه مستحيلًا، لذلك تتمسك ببيوتها رغم الخوف والجوع والانتظار؛ فهي تتمسك بحقها في ألا تغادر على أمل العودة.

علاماتالاحتلال الإسرائيلي ، الاستيطان الإسرائيلي ، الانتهاكات الإسرائيلية ، المستوطنات الإسرائيلية ، مستوطنات داخل الضفة الغربية
مواضيعالاحتلال الإسرائيلي ، الاستيطان ، الضفة الغربية ، القضية الفلسطينية

قد يعجبك ايضا

سياسة

نهاية الإدارة الذاتية.. كيف ترتب دمشق مرحلة ما بعد “قسد”؟

زين العابدين العكيدي٢٨ أغسطس ٢٠٢٦
سياسة

معهد وهمي وملايين الدولارات.. كيف تُدرَّب روبوتات المحادثة على ترديد الرواية الإسرائيلية؟

جيسون ويلسون٢٨ أغسطس ٢٠٢٦
سياسة

تحت مظلة الجيش: الميليشيات الموالية لإسرائيل توسع نفوذها في غزة

يانيف كوبوفيتش٢٧ أغسطس ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑