ترجمة وتحرير: نون بوست
اعتادت الولايات المتحدة صناعة أعداء مدى الحياة، وغالبًا ما يناقش المحللون “الحروب الأبدية”، لكنهم قليلًا ما يتحدثون عن “الأعداء الأبديين”، أي تلك الدول التي تبقى أسيرة الصورة التي رسمتها واشنطن عنها في اللحظة التي أصبحت فيها خصمًا لها. فالثورة أو أزمة الرهائن أو الحرب أو الهجوم تتحول إلى عدسة دائمة يُنظر من خلالها إلى تلك الدولة، فتختزل مجتمعات معقدة ومتغيرة، وتحول المظالم القديمة إلى سياسات أمريكية مستدامة، تستند إلى العاطفة أكثر مما تستند إلى الاستراتيجية.
وقد احتلت دول عديدة مكانًا على قائمة خصوم أمريكا، وكانت كوبا عضوًا شبه دائم فيها، استنادًا إلى أحداث مضى عليها الآن أكثر من ستة عقود. وظلت ليبيا على القائمة لعقود في عهد معمر القذافي، وكذلك العراق في عهد صدام حسين. وحتى بعد سقوط صدام، لم يتمكن العراق من التخلص بالكامل من تلك الوصمة بسبب علاقته بإيران.
ولا توجد دولة تجسد نزعة الولايات المتحدة إلى تجميد فهمها لخصمها عند لحظة واحدة، ومن ثم تحويله إلى عدو أبدي، أكثر من إيران.
يشعر الكثير من صانعي السياسات الأمريكيين أنّ أزمة الرهائن عام 1979 قد وقعت بالأمس، وبالنسبة إلى الأمريكيين في ذلك الوقت، لم تكن صور الطلاب الإيرانيين وهم يقتادون دبلوماسيين أمريكيين معصوبي الأعين عبر مجمع السفارة، الذي يمثل أرضًا دبلوماسية أمريكية ذات سيادة، مجرد عمل من أعمال الحرب، بل إهانة وطنية عميقة لا يزال أثرها قائمًا حتى اليوم.
وقد ترسخت تلك الصورة جراء تفجير حزب الله لثكنات مشاة البحرية الأمريكية في بيروت عام 1983، الذي أودى بحياة 241 من أفراد القوات المسلحة الأمريكية؛ واختطاف مواطنين أمريكيين في لبنان؛ واغتيال رئيس مكتب وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في بيروت، ويليام باكلي، عام 1985؛ وبعد عقود من ذلك، سنوات من القتال ضد الميليشيات المدعومة من إيران في العراق.
وأضحت إيران مرادفًا للأنظمة المعادية في أذهان الأمريكيين عوامهم وقادتهم على حد سواء، فقد أدرجها الرئيس بيل كلينتون ضمن “الدول المارقة” في العالم، ما ساعد على تمهيد الطريق أمام الرئيس جورج دبليو بوش لوضعها، إلى جانب العراق وكوريا الشمالية، ضمن “محور الشر” في خطابه عن حالة الاتحاد عام 2002.
لكن كثيرًا من هذه المظالم الأساسية عفا عليها الزمن الآن، ولدى إيران مظالمها الخاصة التي سبقت الصراع الحالي، مثل إسقاط طائرة “إيران إير” الرحلة 655 عام 1988، الذي أسفر عن مقتل جميع الركاب البالغ عددهم 290 الذين كانوا على متنها. ومن تلك المظالم أيضًا دعم واشنطن لصدام حسين خلال الحرب الوحشية بين إيران والعراق في ثمانينيات القرن الماضي، ونظام العقوبات الخانق الذي لا يميز غالبًا بين قادة البلاد ومدنييها. وكانت النتيجة دورة صراع لا نهاية لها، أدّت داخل واشنطن إلى تكوين فهم جامد لإيران باعتبارها “نظام الملالي”، بدلًا من كونها الدولة الهجينة التي تجمع بين الحكم الديني والأمني؛ إذ يمتلك الحرس الثوري الإسلامي والمؤسسات التكنوقراطية قدرًا من السلطة يوازي أو يفوق ما يمتلكه كثير من رجال الدين الذين يحكمون البلاد اسميًا.
في عام 1979، كان يُنظر إلى إيران باعتبارها نظامًا متشددًا ومجنونًا يقوده شخص وصفه مقال افتتاحي في مجلة “نيويوركر” في نوفمبر/ تشرين الثاني 1979 بأنه “رجل دين عنيف وزعيم سياسي رجعي”. ومنذ ذلك الحين، اتخذ النظام الإيراني موقفًا أكثر اعتدالًا تجاه بعض القضايا الاجتماعية، بينما ظل متشددًا في قضايا أخرى، ولا سيما حرية التعبير. كما ركز على النفوذ الإقليمي، وتدخل في دول تضم أعدادًا كبيرة من السكان الشيعة، وهو ما عزز بدوره نفوذ الحرس الثوري في عملية صنع القرار. ولا يقلل أي من ذلك من طبيعة النظام القمعية أو المستبدة، لكن السياسة الأمريكية أخفقت في فهم هذه التغيرات، أو في التعامل مع الدولة الإيرانية بطرق كان من الممكن أن تكون مثمرة.
وربما أسهم سوء التقدير هذا في ترسيخ الاعتقاد بأنّ اغتيال المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي سيؤدي إلى قطع رأس النظام نفسه، وليس القيادة فحسب. وتواصل الولايات المتحدة صياغة سياساتها من خلال منظور المظالم التاريخية وسوء الفهم الراهن، وهي في المراحل الأولى من تكرار الخطأ نفسه مع أفغانستان.
كانت أفغانستان ذات يوم عنصرًا ثابتًا في الإحاطة اليومية للرئيس الأمريكي، ووفرت عددًا لا يحصى من الوظائف في الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية والمنظمات غير الحكومية، وكانت بمثابة منجم ذهب للمتعاقدين الذين تعاونوا مع الوكالة أو وزارة الدفاع الأمريكية. كما احتلت مكانة بارزة في مراكز الأبحاث والمؤسسات المعنية ببناء الديمقراطية، وأسهمت في بناء مسيرات مهنية في مجالي الصحافة والسياسة على حد سواء. أما اليوم، فإذا أردت العمل في الشأن الأفغاني داخل واشنطن، فثمة ثلاثة خيارات حقيقية: وزارة الخارجية التي جُردت من نفوذها، والعمل المهم لكن المنصبّ على الماضي الذي تقوم به لجنة حرب أفغانستان، وأي عمل أكثر هدوءًا تؤديه أجهزة الاستخبارات. أما الصحفيون الذين لا يزالون يغطون أخبار البلاد، فيبذلون قصارى جهدهم، لكن معظمهم يغطون المنطقة بأكملها بمفردهم ويزورون البلاد متى سمح الوقت والتأشيرات بذلك.
وإذا كان تصور واشنطن لإيران قد ترسخ بفعل فئات من الجالية الإيرانية المغتربة الناقمة، التي تتعامل مع النظام وقاعدته الداعمة باعتبارهما نقيضًا للمجتمع الإيراني، بدلًا من النظر إليهما باعتبارهما شريحة من مجتمع معقد أحسنت استغلال أخطاء أسلافها، فإن الولايات المتحدة مارست في أفغانستان نوعًا من الاستشراق التكفيري؛ حيث تصورت طالبان باعتبارها تلوثًا أجنبيًا، والمجتمع الأفغاني باعتباره شيئًا ينتظر أن يُعاد تشكيله في صورة أقرب إلى قيمنا، وربما أقرب إلى قيم كثير من الأفغان الأكثر تقدمية.
وقد تطلب هذا التصور من واشنطن ألا تكتفي بلعب دور “صانع الملوك” السياسيين، بل أن تتصرف أيضاً كوصيّ على البلاد. وعندما ثبت قصور هذا الفهم عن أفغانستان، وأصيبت الولايات المتحدة بالإرهاق، تفاوضت على الانسحاب مع طالبان نفسها، ثم غادرت، بينما هرع شركاؤها الأوروبيون المذعورون إلى الخروج خلفها.
ترفض واشنطن تمامًا التعامل مع الحكومة التي سبق أن تفاوضت معها بشأن انسحابها. وبدلًا من ذلك، أبقت أفغانستان معلقة على أجهزة الإنعاش، وقررت عامًا بعد عام مقدار الأكسجين الذي تمنحه لاقتصادها: مساعدات وإعفاءات من العقوبات تكفي فقط لمنع الفئات الأكثر احتياجًا من الموت جوعًا، لكنها لا تصل إلى حد المخاطرة بتحقيق تنمية حقيقية قد تُثري حكام البلاد.
ومع ذلك، يوجد شيء استثنائي في إنفاق الولايات المتحدة وحلفائها المقربين مليارات الدولارات لتلبية الاحتياجات الأساسية لبلد يحكمه الآن نفس الأشخاص الذين أمضوا 20 عامًا في قتالهم، وهو أمر لا يقل غرابة عن قيام إدارة ريغان ببيع أسلحة لإيران خلال حربها مع العراق، واستخدام عائداتها لتمويل متمردي الكونترا في نيكاراغوا.
على سبيل المقارنة، لم تقدم واشنطن للحكومة الشيوعية الجديدة في فيتنام أي مساعدات ثنائية مباشرة لمدة تقارب العقدين تقريبًا بعد سقوط سايغون، في حين ظلت هانوي خاضعة لحظر اقتصادي أمريكي واسع النطاق. جعلت نهاية الحرب الباردة فيتنام أقل تهديدًا، في حين أن فقدان هانوي لراعيها السوفيتي، بالتزامن مع بدء ظهور ثمار إصلاحاتها الاقتصادية، فتح مجالًا استراتيجيًا للمصالحة. كما ساعد تعاون فيتنام في تحديد مصير أفراد القوات الأمريكية المفقودين على تخفيف إحدى أكثر العقبات حساسية من الناحية السياسية. لكن العنصر الإنساني المباشر ظل ضروريًا.
وتعاون عضوا مجلس الشيوخ جون كيري وجون ماكين، وكلاهما من قدامى المحاربين في فيتنام، حيث تحمل ماكين سنوات من التعذيب كأسير حرب، للدعوة إلى تطبيع العلاقات. وفي 23 مايو/ أيار 1995، التقيا كلينتون في المكتب البيضاوي وحثاه على المضي قدمًا رغم المعارضة الشديدة، بما في ذلك من زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ بوب دول. وقال ماكين لكلينتون: “لقد سئمت من النظر إلى الماضي بغضب. المهم هو أن نمضي قدمًا الآن”. وتم تطبيع العلاقات في ذلك الصيف.
وبعد عامين، أصبح دوغلاس بيترسون، الذي قضى أيضًا أكثر من ست سنوات أسير حرب في فيتنام الشمالية، أول سفير أمريكي لدى فيتنام بعد الحرب، وقال لاحقًا: “عندما غادرت فيتنام [كأسير حرب أُطلق سراحه]، تركت الكراهية عند البوابة”. ولم يخلُ أي من ذلك من إثارة الجدل؛ ففي كتابه “لا شيء مستحيل”، استذكر السفير الأمريكي السابق لدى فيتنام تيد أوسيوس أن ماكين “كان محل غضب كثير من المحاربين القدامى”، وأنه تعرض للسخرية ووُصف بـ”الطائر المغرد” و”المرشح العميل” بسبب التزامه بتطبيع العلاقات. واليوم، تعد فيتنام واحدة من أكثر دول آسيا تأييدًا لأمريكا.
لا تزال أفغانستان جرحًا مفتوحًا، ويعد الانسحاب منها إهانة يجب إما التكفير عنها أو إحالتُها إلى عالم الفضول التاريخي إذا تعذر ذلك. وفي 15 أغسطس/ آب 2021، عندما دخلت طالبان كابول، تساءلت روبن رايت من مجلة “نيويوركر” عما إذا كانت تلك اللحظة تمثل “نهاية العصر الأمريكي”. وفي اليوم نفسه، غرد مذيع شبكة “سي إن إن” جيم سيوتو قائلًا: “لقد جاءت لحظة سايغون”، بينما نشر عالم السياسة إيان بريمر صورتين متجاورتين لعمليات إجلاء أمريكية بالمروحيات من كابول وفيتنام. وبالمثل، أشار فيليب كينيكوت، الناقد الثقافي الحائز على جائزة بوليتزر في صحيفة “واشنطن بوست”، إلى أن “الأمر بالنسبة إلينا ينتهي تمامًا كما حدث في فيتنام”، وخلص إلى أنّ “الأمر الآن يتعلق بفهم التاريخ”.
وبعد يومين، قال دونالد ترامب، الذي تفاوضت إدارته الأولى على الاتفاق الذي أطلق عملية الانسحاب، لشون هانيتي: “لا أعتقد أن بلدنا تعرض طوال كل هذه السنوات لإذلال بهذا الحجم”، مشبهًا ذلك بأزمة الرهائن في إيران خلال عهد الرئيس جيمي كارتر. وردد مشرعون جمهوريون تلك اللغة، بينما استخدم بعض الديمقراطيين عبارات أقل حدة، لكنهم غالبًا ما عبروا عن الشعور نفسه بالعار الوطني.
وحتى مجرد التشكيك في المبدأ القائل بضرورة معاملة الخصوم باعتبارهم أعداء أبديين غالبًا ما يُرفض باعتباره استرضاءً أو سذاجة، وهو ما يقيد فرص التواصل. وكما كانت فيتنام خلال سنوات القطيعة العشرين مع الولايات المتحدة، يمكن لأفغانستان أن تكون استعارة أو تحذيرًا أو جرحًا، أو في بعض الأوساط خيالًا نعود فيه ونقوم بالأمر على نحو صحيح هذه المرة. ويمكن أن تكون أي شيء باستثناء كونها بلدًا يبلغ عدد سكانه 40 مليون نسمة، لا خيار أمامهم سوى العيش في ظل الحكام الذين يحكمونهم.
وإذا لم تكن هجمات 11 سبتمبر/ أيلول درسًا كافيًا بشأن مخاطر ترك أفغانستان خارج دائرة الاهتمام والنسيان، فإن الحرب الحالية في إيران ينبغي أن تكشف مخاطر السماح لبلد ما بأن يتحول إلى دولة منبوذة ومعزولة، وحدود قدرة العقوبات والخطاب القاسي على تغيير الحسابات الأساسية لنظام ما، حتى لو كان للتواصل معه حدوده أيضًا.
ولو كانت الولايات المتحدة قد انخرطت بدرجة أكبر مع إيران خلال العقود الخمسة الماضية، حتى لو أعادت فتح سفارتها يومًا واحدًا، لربما فهمت على نحو أفضل مصادر صمود النظام. وربما أدركت أنه رغم أن معظم الإيرانيين يفضلون بديلًا للجمهورية الإسلامية، فإن ذلك لا يُترجم بسهولة إلى انتفاضة ناجحة، في غياب مجموعة من الظروف الأخرى، كما أنه لا يمنح الشرعية لقادة في المنفى، ولا يؤدي إلى ترحيب الناس العاديين بقصف بلدهم. وربما كانت واشنطن ستسفيد من لحظات صعود البراغماتيين الإيرانيين، بدلًا من جعل التواصل نفسه تنازلًا صعبًا من جانب الطرفين.
هناك أمل في أن تقل أهمية أفغانستان، وأنها إذا تُركت وشأنها إما ستتغير نحو الأفضل أو تتلاشى أهميتها، ما يوفر علينا عناء فهمها أو التعامل معها من الأساس، لكن لأفغانستان طريقة خاصة في العودة بقوة إلى دائرة الاهتمام بطرق غير متوقعة وغير مرغوب فيها، والتواصل ليس ضمانة لتحقيق نتائج سريعة، ومثل إيران تمامًا، فإن الغرباء غالبًا ما يُخطئون في فهم أفغانستان.
وأنا لست بمنأى عن ذلك. ففي الأشهر التي أعقبت استيلاء طالبان على السلطة، أخطأت في تقدير مدى إمكانية صعود البراغماتيين داخل الحركة، ومقدار المخاطر التي كانوا مستعدين لتحملها مقابل حافز الحصول على الاعتراف العالمي. لكن من الواضح أن النهج المتبع خلال السنوات الخمس الماضية لم ينجح، ولن ينجح مسار نبذ البلاد وعزلها على نحو أفضل.
أفغانستان وكوبا وإيران وفيتنام دول مختلفة جدًا، لكن كل واحدة منها تشكلت في مراحل مختلفة بفعل صعوبة تجاوز أمريكا للإذلال والمظالم والهزيمة المتصورة. والدرس المستفاد ليس أن المصالحة سهلة، أو أن الخصوم يتحولون دائمًا إلى أصدقاء، وإنما أن الانخراط البراغماتي، مهما كان بطيئًا وغير مثالي، يرجح أن يؤدي إلى نتائج أفضل من تحويل الأعداء المؤقتين إلى أعداء دائمين.
المصدر: فورين بوليسي