ترجمة وتحرير: نون بوست
صرح الزعيم الصيني الراحل دينغ شياو بينغ في عام 1992 أن: “الشرق الأوسط يمتلك النفط، أما الصين فتمتلك العناصر الأرضية النادرة”. وقد تكرر ترديد هذه المقولة كثيراً في الآونة الأخيرة مع استخدام بكين لاحتكارها شبه التام لصناعة العناصر النادرة للتصدي بفاعلية لأحدث حرب تجارية شنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وغالباً ما يُستشهد بها كدليل على أن تصريح دينغ كان ينطوي ضمناً على تهديد قسري: فتماماً كما استخدمت دول النفط العربية صادراتها البترولية سلاحاً في عام 1973، بقطع الإمدادات عن الغرب لمعاقبته على دعمه لإسرائيل في حرب أكتوبر/ تشرين الأول، فإن الصين ستفعل الشيء نفسه يوماً ما مع العناصر النادرة.
ولم تزدد أحداث العام الماضي إلا ترسيخاً لتلك القناعة. فعلى سبيل المثال، في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، وبعد أن أعلنت الصين عن نظام التراخيص الخاص بصادرات العناصر النادرة، قالت لجنة النواب الأمريكية الخاصة المعنية بالصين إن الزعيم الصيني شي جين بينغ “يُجسد رؤية دينغ على أرض الواقع”.
ونشر الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، على وسائل التواصل الاجتماعي ما نصه أن “من الواضح أنه خطة دبرتها [الصين] قبل سنوات”. وكتب ميلز يو، الذي شغل منصب كبير مستشاري سياسة الصين لوزير الخارجية مايك بومبيو خلال إدارة ترامب الأولى: “إن احتكار بكين للعناصر النادرة ليس مصادفة جيولوجية، بل هو نتاج استراتيجية متعمدة ومتواصلة منذ عقود للسيطرة على استخراج وتكرير العناصر التي يُبنى عليها العالم الحديث”
ولا شك اليوم في أن سيطرة الصين على العناصر النادرة تُمثل سلاحاً قوياً، سلاحاً أثار قلقاً عالمياً وسباقاً لتأمين بدائل لها. فالصين لا تمتلك فقط أكبر احتياطي معروف في العالم من العناصر الأرضية النادرة، بل تهيمن أيضاً على نحو 85 بالمئة من عمليات المعالجة العالمية. وعلى الرغم من كونها صناعة صغيرة الحجم، إلا أن دور العناصر النادرة في التقنيات الحديثة هائل. ونظراً لأن هذه العناصر الـ 17، لا سيما العناصر الأرضية النادرة الثقيلة الأكثر ندرة- تُعد ضرورية لإنتاج أشباه الموصلات، وتقنيات الدفاع، والسيارات، والطاقة النظيفة، فإن دور الصين في سلاسل التوريد الخاصة بها يمثل نقطة اختناق بالغة الأهمية في الاقتصاد العالمي.
ولكن على الرغم من سعي الصين للاستفادة من موقعها، فإن هيمنتها ليست نتيجة لمخطط كبير وبعيد المدى لجعل العالم رهينة له. في الواقع، إنها نتيجة لمزيج فريد ومتطور من المصالح المحلية في مواجهة خلفية أوسع من التغيرات الاقتصادية والتكنولوجية العالمية. فعندما تحدث دينغ، على سبيل المثال، كانت الولايات المتحدة للتو قد أنهت حرب الخليج الأولى. ومن منظور بكين، كانت الحملة التي قادتها الولايات المتحدة تذكيراً صارخاً بنقاط ضعف الصين، سواء في إدارة الحروب الحديثة أو في الدور الذي يمكن أن تلعبه الموارد الأساسية في إشعال الصراعات. وكما أشار دينغ في ذلك الوقت تقريباً: “لم نولي القدر الكافي من الاهتمام لكيفية استغلال هذا الكنز. يجب علينا حماية موارد العناصر النادرة”.
وكان القول أسهل من الفعل. فقد بدأت الجهود المبكرة لترسيخ مكانة الصين في السوق كمحاولة لكبح المنافسة المحلية الجامحة التي أبقت الأسعار منخفضة وهددت باستنزاف الموارد الصينية. ولم تنشأ تلك الجهود من مسعى استراتيجي لتسليح سلاسل التوريد في صراع جيوسياسي. وفي الواقع، ظل قطاع العناصر النادرة في الصين فضفاضاً وعشوائياً لدرجة أنه ليس من الواضح حتى ما إذا كانت بكين تتمتع بالسيطرة الكاملة عليه بعد 20 عاماً، خلال حادثة عام 2010 الشهيرة بشأن سلسلة الجزر المعروفة باسم “دياويو” في الصين و”سينكاكو” في اليابان.
فبعد المناوشات التي وقعت بين الصين واليابان حول الجزر المتنازع عليها، قُيدت صادرات العناصر النادرة إلى اليابان مؤقتاً بشكل فوري، مما جعل مقولة دينغ تنتشر على نطاق واسع للمرة الأولى، إلا أن الأبحاث تشير إلى أنها ربما لم تكن خطة مصممة بعناية لمعاقبة اليابان. وكما هو الحال مع العديد من السياسات الصينية، غالباً ما توجد فجوة كبيرة بين الأقوال والأفعال، وتكشف دراسة تاريخ الصين مع العناصر النادرة عن مزيج من الأولويات المتنافسة التي شكلت سياستها.
لم تعترف بكين بالعناصر الأرضية النادرة كسلاح جيو اقتصادي إلا منذ عام 2010، وفي أثناء ذلك، تعلمت كيفية استخدام مثل هذا الترسانة من العقوبات وضوابط التصدير التي فرضتها الولايات المتحدة. إن المواجهة الحالية بشأن العناصر الأرضية النادرة وتسليح سلاسل التوريد بشكل متواصل يشكلان بالفعل تهديدًا خطيرًا للاستقرار والازدهار العالميين. لكن هذا الأمر لا يمثل خطة صينية كبرى تؤتي ثمارها بقدر ما هو نتيجة لدوامة من الفعل ورد الفعل بين قوتين لم تكن أي منهما تنوي بدءها، ولا تسيطر أي منهما فيها بشكل كامل.
إن تصحيح هذه الرواية وفهم الكيفية التي هيمنت بها الصين على سوق العناصر النادرة أمر بالغ الأهمية لأنه يساعد في تسليط الضوء على المعضلة الأمنية القائمة بين بكين واشنطن: فعندما تتخذ إحدى الدولتين إجراءات لتعزيز أمنها، تشعر الدولة الأخرى بالتهديد، مما يدفعها لاتخاذ إجراءات مضادة ويعزز دوامة التصعيد. ولكن في الوقت الذي تتسابق فيه الصين والولايات المتحدة الآن لكسب نفوذ مستقبلي على حساب الأخرى، فإن المخاطر لا تقتصر على الحرب الاقتصادية وحدها.
لقد غذت المخاوف من تسليح الاقتصاد وسلاسل التوريد مستقبلاً حالة متزايدة من القطيعة بين البلدين، مما أجج عداءً أوسع نطاقاً يمنح الأصوات الأكثر عدوانية نفوذاً أكبر على جانبي المحيط الهادئ. ولن يكون كبح هذه الدوامة وتثبيتها أمراً سهلاً، لكنه سيساعد كلا البلدين، والعالم بأسره، على تجنب مصير أسوأ بكثير.
رخيصة وقذرة
لقد شكل منجم بايان أوبو في منغوليا الداخلية ركيزة أساسية لصناعة العناصر النادرة في الصين منذ أواخر خمسينيات القرن العشرين، ولا يزال يضم أكبر احتياطي في العالم. وفي ستينيات القرن العشرين، اكتشفت مقاطعتا جيانغشي وغوانغدونغ في جنوب الصين الاحتياطيات الخاصة بهما، لتبرز لاحقاً كمركز رئيسي لتعدين ومعالجة العناصر الأرضية النادرة الثقيلة. ولكن لم تحقق الصين إنتاجاً عالي الجودة على نطاق واسع إلا في أوائل الثمانينيات، بعد أن طور الكيميائي شو غوانغشيان طريقة جديدة وأرخص لفصل العناصر النادرة بعضها عن بعض. وتزامن اكتشاف شو مع النمو السريع لصناعة أشباه الموصلات العالمية، مما أدى إلى ارتفاع حاد في الطلب المحلي والخارجي على العناصر النادرة.
بدأ القادة الصينيون ينظرون إلى العناصر النادرة باعتبارها مورداً طبيعياً لا تستطيع البلاد تحمل إهداره. وفي وقت مبكر يعود إلى عام 1982، أصدر دينغ ونائب رئيس الوزراء فانغ يي أوامر بـ “زيادة إنتاج المعادن الأرضية النادرة والمعادن النادرة”. ولكن طوال حقبة الثمانينيات، كانت الأولوية الأولى للحكومة المركزية هي تجميع المزيد من احتياطيات النقد الأجنبي، لذا فقد تساهلت مع مجموعة من الضوابط المرنة نسبياً في قطاع العناصر النادرة لتشجيع الصادرات. وأصبحت عبارة “رخيصة وقذرة” السمة المميزة لعمليات التعدين المدمرة صغيرة النطاق، حيث ذهبت معظم الصادرات إلى اليابان والولايات المتحدة وأوروبا. وقد قفز إنتاج الصين ليتجاوز عشرة أضعاف مستواه لعام 1978 بحلول عام 1986، وتجاوزت الصين الولايات المتحدة لتصبح أكبر منتج للعناصر النادرة في العالم بحلول أوائل تسعينيات القرن العشرين.
وقد رحبت الولايات المتحدة وأوروبا بهذا التطور. فالعناصر النادرة ليست نادرة في الواقع حيث يعود هذا الخطأ في التسمية التاريخية إلى عدم الإلمام بها وقت اكتشافها. ولكن من غير المعتاد نسبياً العثور على عناصر نادرة بتركيزات تجعل التعدين مجدياً، كما أن معالجتها تتطلب تقنيات متقدمة وتُتسبب تلوثاً هائلاً. فعلى سبيل المثال، يتطلب تنقية الخام تصريف مياه ملوثة بمواد مشعة، مما يثير مشاكل صحية للعمال والسكان المحليين. ومن منظور غربي، أدى نقل عمليات استخراج ومعالجة العناصر النادرة إلى الصين إلى خفض الأسعار ونقل التلوث إلى مكان آخر.
العناصر الأرضية النادرة ليست متجددة فمخزون أي دولة منها قابل للنفاد
طوال حقبة التسعينيات، كان يُنظر إلى صناعة العناصر الأرضية النادرة الناشئة في الصين على أنها مكسب لتنمية البلاد. فبعد أن أعلنت الصين أن العناصر الأرضية النادرة “معادن محمية واستراتيجية” في عام 1990، شرعت في تقييد الاستثمار الأجنبي في مجالي التنقيب والمعالجة. لقد لبت هذه الصناعة رغبة بكين في تحقيق نمو مدفوع بالصادرات، وسارعت الحكومات المحلية إلى توسيع نطاق الإنتاج تلبية لضرورات التنمية وزيادة الإيرادات الضريبية. ولكن في ظل ضعف الرقابة وإنفاذ القوانين التنظيمية، أصبحت صناعة العناصر الأرضية النادرة في الصين تشبه “الغرب المتوحش” مع مطلع الألفية؛ إذ أدى فرط الإنتاج الجامح إلى حروب أسعار محلية وتراجع أسعار التصدير.
علاوة على ذلك، خلفت الآثار البيئية والصحية العامة خسائر فادحة؛ فقد تحول سد مخلفات التعدين في “باوغونغ”، والذي يقع شمال النهر الأصفر مباشرة، إلى “أكبر بحيرة للعناصر الأرضية النادرة في العالم” باحتوائه على 200 مليون طن من الملوثات. كما سجلت مدينة “غانتشو” في مقاطعة جيانغشي، التي تشهد تعديناً مكثفاً للعناصر الأرضية النادرة، معدل تكرار للأمطار الحمضية تجاوز 90 بالمئة.
يجادل العديد من المحللين اليوم بأن الصين خفضت أسعار العناصر الأرضية النادرة عمداً للتغلب على المنافسة الأجنبية. لكن المسؤولين الصينيين كانوا ينظرون في الواقع إلى انخفاض أسعار العناصر الأرضية النادرة على أنها مشكلة يجب حلها. ففي الصين، كان يُقال إن العناصر الأرضية النادرة تُباع بـ “سعر الملفوف أو التراب”، وهو ما كان يُعتبر علامة ضعف. وفي هذا السياق، كانت الدول المتقدمة تستغل الصين من أجل الحصول على مواردها الخام الرخيصة، بينما تحتفظ بمواردها الخاصة.
وبحلول عام 2002، قررت بكين كبح جماح المنافسة العشوائية. فشنت الحكومة المركزية حملة صارمة ضد عمليات التعدين غير المرخصة والممارسات الملوثة، مما ساعدها على اكتساب نفوذ في مفاوضات تسعير السوق العالمية. ثم أقدمت بكين في عام 2005 على إلغاء حوافز استرداد ضرائب التصدير الخاصة بالعناصر الأرضية النادرة، وفرضت رسمياً في عام 2007 تعريفة جمركية بنسبة 10 بالمئة على تصدير جميع خامات هذه العناصر وأكاسيدها ومركباتها.
وقد انعكست هذه الإجراءات في تحول استراتيجي لدى بكين، انتقلت فيه من التركيز على تعزيز الإنتاج والصادرات إلى جهود حثيثة لمعالجة الطاقة الإنتاجية المفرطة وضمان المرونة. فالعناصر الأرضية النادرة، بعد كل شيء، ليست متجددة، ومخزون أي دولة منها عرضة للنفاد، وكانت بكين تدرك بشكل متزايد أهمية هذه العناصر في دعم قطاعات الصناعة المحلية في الصين.
وكانت السلطات تخشى استنزاف مخزون الصين والاعتماد يوماً ما على الواردات الخارجية، تماماً كما تفعل البلاد في قطاع النفط والغاز. وعلاوة على حصص التصدير التي تم فرضها عام 1999، وضعت السلطات مجموعة من حصص الإنتاج في عام 2006 لتقليص حجم العناصر الأرضية النادرة المُصدّرة خارج البلاد. وبحلول منتصف عام 2010، وحتى قبل اندلاع الأزمة مع اليابان، كانت الصادرات الصينية المُعلنة قد انخفضت بنسبة تزيد على 50 بالمئة مقارنة بمستويات عام 2005.
الأزمة والارتباك
ومع ذلك، طوال هذه العملية، قاومت الحكومات المحلية في الصين المبادرات المركزية نظراً لأنها غالباً ما كانت تنقص من عائداتها الضريبية. وحتى عام 2010، تجاوز الإنتاج الإجمالي حصص الإنتاج بأكثر من 35 بالمئة، في ظل انتشار العمليات غير القانونية في جنوب الصين التي كانت تلبي نصف الاستهلاك العالمي من العناصر الأرضية النادرة الثقيلة. وقد أدت هذه المقاومة التي استمرت لعقود والتنفيذ الانتقائي إلى استنتاج أحد التقارير الغربية بأن المنافسين الحقيقيين الوحيدين للصين هم “عصابات الجريمة داخل حدود البلاد”.
ولم يؤد الخلاف الذي حدث في وقت لاحق من ذلك العام مع اليابان إلا إلى زيادة الشكوك حول سيطرة بكين على هذه الصناعة. فعندما اصطدمت سفينة صيد صينية بدورية تابعة لخفر السواحل الياباني بالقرب من جزر دياويو/ سينكاكو المتنازع عليهما، احتجزت اليابان القبطان وقدمته للمحاكمة. وقد شعرت بكين بغضب شديد لدرجة أنها تغاضت عن موجة من الاحتجاجات المناهضة لليابان، على أمل استغلال الحماسة القومية، وفي الوقت نفسه تقريباً، أشارت تقارير واسعة النطاق إلى أنها حظرت صادرات العناصر الأرضية النادرة إلى اليابان كعقاب ورد فوري على هذه الحادثة.
وشعرت صناعات الإلكترونيات في اليابان بوطأة هذه الإجراءات على الفور، وتقدمت كل من اليابان والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بشكوى مشتركة إلى منظمة التجارة العالمية. وفي مؤتمر صحفي مع نظيرها الياباني، وصفت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون قيود التصدير التي فرضتها الصين بأنها “جرس إنذار” للعالم. وقالت: “نظراً لأهمية هذه المعادن النادرة، أعتقد أننا نحن والوزير ندرك أن دولنا وغيرها سيتعين عليها البحث عن مصادر إمداد إضافية”.
ومع ذلك، تظل أسباب هذا القرار بتقييد صادرات العناصر الأرضية النادرة غير واضحة. فلم يصدر إعلان رسمي أبداً عن الحظر من بكين، وتشير الأبحاث التي أجرتها الباحثة الجغرافية جولي كلينغر إلى أن الحظر ربما لم ينجم عن توجيه مركزي. ووفقاً لمقابلاتها، فإن عمال موانئ غاضبين وعسكريين ومسؤولي جمارك محليين في مدينة ساحلية تقع شمال نانجينغ اعتبروا أنفسهم يقفون في وجه “مظهر معاصر للعدوان الياباني”. وقرروا من تلقاء أنفسهم حجب شحنات العناصر الأرضية النادرة. ولم تدرك السلطات في بكين ما كان يحدث إلا بعد أن قدمت سلطات الجمارك اليابانية استفساراً، وفقاً لهذه الرواية للحادث. وطوال هذه الفترة، نفت بكين وقوع هذا الأمر.
وبغض النظر عن تورط بكين الأولي، فقد دفعت الأزمة الحكومة المركزية إلى التفكير في هذا الشكل الجديد من النفوذ واتخاذ إجراءات أكثر صرامة للسيطرة على قطاع عناصر الأرض النادرة لديها، بما في ذلك الحد من الأنشطة الصناعية غير القانونية. فالسوق العالمية، بعد كل شيء، كانت قد أرسلت مؤشرات واضحة على أن أي اضطراب على نطاق ضيق في صادرات العناصر الأرضية النادرة يمكن أن يكون له آثار جسيمة: فقد ارتفع سعر النيوديميوم، وهو عنصر أساسي للعديد من المغناطيسات القوية، بنحو ستة أضعاف بحلول منتصف عام 2011.
بدأت الدعوات لفرض قيود على تصدير العناصر الأرضية النادرة تنتشر في وسائل الإعلام الصينية. وفي حين أشار البعض إلى الإمكانيات الجيوسياسية، شددت أصوات شعبوية أخرى بشكل أكبر على المخاوف الحمائية. وحثّ مقال أعيد نشره على نطاق واسع الصين على “الدفاع” عن مواردها من العناصر الأرضية النادرة من خلال “الحظر الفوري الصادرات، والاقتصار على حجم الإنتاج اللازم للإنتاج المحلي والبحث والتطوير، أو ببساطة الشراء من الخارج.”
مع ذلك، ظلت بكين حذرة. فقد حذر هونغ فنغ، المدير السابق لإدارة العناصر الأرضية النادرة التابعة لـ “لجنة التخطيط الحكومية”، من استخدام العناصر الأرضية النادرة كـ “ورقة ضغط سياسية”. وقد أظهر اللجوء المتكرر من جانب روسيا لتسليح الغاز الطبيعي كيف أن الإكراه سيحفز الدول المستهدفة على تنويع مصادرها على المدى الطويل. كما كانت الصين نفسها تعتمد بشكل كبير على واردات النفط والحديد والنحاس، وهي مواد يمكن استخدامها للرد عليها، وأكد هونغ على أن “الطابع الاستراتيجي لموارد العناصر الأرضية النادرة يكمن في تطبيقاتها، وهو ما يتطلب بحثاً وتطويراً مشتركين في جميع أنحاء العالم”. بعبارة أخرى، إذا توقفت الصين عن بيع العناصر الأرضية النادرة للعالم، فقد يؤدي ذلك إلى رد فعل عكسي من شأنه أن يعطل وصول الصين إلى الموارد الأجنبية.
كما كانت صناعة العناصر الأرضية النادرة في الصين لا تزال تفتقر إلى هيكل موحد لتنفيذ مثل هذه الخطوات بفعالية. ولم تبدأ بكين في فرض رقابة مركزية إلا في عام 2012؛ فقد خزنت احتياطياً استراتيجياً من العناصر الأرضية النادرة، على سبيل المثال، لحماية الاحتياجات المحلية.
وفي عام 2014، بدأت وزارة الصناعة وتكنولوجيا المعلومات عملية إعادة هيكلة ناجحة للصناعة لتنقسم إلى ست مجموعات خاضعة لسيطرة الدولة، تمهيداً لاندماجها النهائي في عام 2025 في شركتين وطنيتين رائدتين. وفي عام 2015، امتثلت الصين أيضاً لحكم منظمة التجارة العالمية الصادر ضد قيود التصدير التي فرضتها على العناصر الأرضية النادرة، وألغت نظام حصص التصدير الخاص بها، وبدلاً من ذلك، تحولت الصين إلى متطلبات تتبع المصدر والاستثمار في مشاريع التعدين الخارجية لإدارة الطلب المحلي المتزايد والتنويع العالمي.
وكما أشار تقرير حديث لمؤسسة راند، فإن هدف بكين الشامل فيما يتعلق بالعناصر الأرضية النادرة خلال العقد الثاني من الألفية كان السعي وراء مبدأ “المرونة قبل التسليح”. ففي الوثائق الحكومية الصينية والنقاشات العامة، أعرب العديد من المسؤولين عن مخاوفهم بشأن ندرة هذه الموارد في المستقبل. ورغم أن هذا الخوف كان مبالغاً فيه على الأرجح، إلا أنه كان هناك شعور بأن الصين قد تفرّط في فرصتها إن لم تكن حذرة.
وحذرت يانغ دانهوي، الأستاذة في الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية والمستشارة لوزارة التجارة، في كتاب صدر عام 2015 من أنه إذا استمر الاستخراج بالمعدل المسجل في عام 2008، “فإن منجم بايان أوبو في باوتو سينفد في غضون 25 عاماً. (وإذا حدث ذلك، فسيتعين على الصين استيراد العناصر الأرضية النادرة من الخارج بأسعار مرتفعة للغاية).”
عودة قوية
شكلت أزمة جزر دياويو/سينكاكو نقطة تحول حاسمة بالنسبة للعالم أيضاً، حيث كشفت بوضوح لأول مرة عن النفوذ الاقتصادي المتنامي للصين في مجال الجغرافية السياسية. وقبل عقد من الزمن من دخول مصطلحات مثل “فك الارتباط” و”تقليل المخاطر” إلى القاموس السياسي، سارعت اليابان إلى بذل المزيد من الجهود الرامية لبناء مصادر بديلة؛ فهي لا تستورد اليوم سوى 60 بالمئة من عناصرها النادرة من الصين، بعد أن كانت تستورد 90 بالمئة في عام 2010. وإلى جانب اللجوء إلى نظام تسوية المنازعات في منظمة التجارة العالمية، بدأت واشنطن أيضاً في إعادة التفكير في مخاطر الاعتماد المفرط على واردات العناصر النادرة.
وعلى الرغم من ذلك، استمرت الاستثمارات المحلية، بما في ذلك منجم “ماونتن باس” في كاليفورنيا، في التعثر بسبب شح الأرباح، وتقلب الأسعار، والتحديات التكنولوجية. وما زالت القيمة السنوية للتجارة في العناصر الأرضية النادرة، التي بلغت 4.2 مليار دولار في عام 2011، أقل من متوسط قيمة التجارة العالمية في النفط في اليوم الواحد. وبحلول عام 2014، انخفضت القيمة العالمية لتجارة العناصر الأرضية النادرة إلى 1.2 مليار دولار، مما زاد من تعقيد تحديات التنويع بقيادة القطاع الخاص.
وهكذا، تراجع الاهتمام بملف العناصر النادرة في كواليس العلاقات الأمريكية الصينية، ليعود إلى الواجهة مجدداً مع أواخر العقد، عندما بدأت واشنطن في فرض ضغط اقتصادي كبير على الصين. وقد أدى تشديد بكين سيطرتها على القطاع الخاص وسلوكها القسري المتزايد في النزاعات الدولية إلى تعزيز الشكوك الأمريكية حول نوايا الصين.
وفي عام 2019، شنت إدارة ترامب حملة ضد شركة “هواوي”، إحدى أكبر شركات الاتصالات العملاقة في الصين، بوضعها على قائمة الحظر الخاصة بالتصدير، مما أدى فعلياً إلى حظر الشركات الأمريكية من التعامل معها. كما ضغطت الإدارة على الحلفاء لاستبعاد “هواوي” من شبكات الجيل الخامس (5 جي) الخاصة بهم، بدعوى أن الشركة تشكل تهديداً للأمن القومي نظراً لأن معداتها قد تمنح بكين وصولاً خفياً إلى البنية التحتية الحيوية للاتصالات.
وقد اعتبرت القيود المفروضة على شركة “هواوي” تصعيداً كبيراً وكانت بمثابة جرس إنذار لبكين. وأشارت وسائل الإعلام الرسمية الصينية إلى إمكانية استغلال العناصر الأرضية النادرة وسيلة للرد، لكن بكين امتنعت عن ذلك حتى الآن. وبدلاً من ذلك، اختارت فرض رسوم جمركية على صادرات مختارة بعناية، مثل فول الصويا والطاقة، القادمة من الدوائر الانتخابية المؤيدة للحزب الجمهوري.
لقد كشفت حادثة “هواوي” عن نقطة الضعف في النظام الصناعي الصيني نفسه، وهي حاجته للوصول إلى أشباه الموصلات المتطورة، وبدا أن بكين تدرك أن استخدم ورقة العناصر النادرة في وقت مبكر جداً قد يأتي بنتائج عكسية. وكما لاحظ تشانغ أنوين، نائب الأمين العام للجمعية الصينية للعناصر الأرضية النادرة، في يونيو/ حزيران 2019 قائلا: “فقط من خلال تطوير التكنولوجيا المتقدمة وتوطين منتجات العناصر النادرة والمعادن الحيوية عالية الجودة تدريجياً، يمكننا تقليص هذا الاعتماد [على المنتجات الأجنبية عالية القيمة] وتعظيم الاستفادة من العناصر الأرضية النادرة لأقصى حد.”
وقد استعدت بكين على جميع الجبهات. ففي مايو/أيار 2020، أطلقت استراتيجية “الدورة المزدوجة” لتقليص اعتمادها على التكنولوجيا الأجنبية من خلال بناء صناعاتها المحلية الخاصة – بدءاً من أشباه الموصلات. وفي أواخر عام 2020، اعتمدت قانون مراقبة الصادرات لإيجاد غطاء قانوني محلي لتقييد المبيعات الخارجية. وفي ديسمبر/ كانون الأول 2021، وجهت بتشكيل “مجموعة العناصر الأرضية النادرة الصينية”، التي سيشرف مجلس الدولة -وهو مجلس الوزراء الصيني- من خلالها على صناعة العناصر الأرضية النادرة.
لا توجد طريقة للتخلص من المخاطر المرتبطة بكل عنصر من العناصر الأرضية النادرة.
غير أن بكين لم تقرر أخيرًا الرد باستخدام المعادن الحيوية إلا بعد أن كشفت واشنطن عن مجموعة من ضوابط التصدير عابرة الحدود، والتي حرمت الصين لأول مرة من الوصول إلى الرقائق المتقدمة ومعدات تصنيعها. فبعد أن طرحت إدارة بايدن فكرة توسيع ضوابط التصدير التي فرضتها في أكتوبر/ تشرين الأول 2022 لتشمل رقائق “إيه 800” من شركة “إنفيديا” في أواخر يونيو/ حزيران 2023، أعلنت الصين في يوليو/ تموز أن مُصدّري الغاليوم والجرمانيوم -وهما معدنان أساسيان لصناعة الرقائق- سيحتاجون إلى تقديم طلبات للحصول على تراخيص والإفصاح عن معلومات الاستخدام النهائي. ورغم أن هذه الخطوة لم تكن حظراً تاماً، إلا أنها أطلقت جرس الإنذار في الأسواق، ولأسباب وجيهة. فوفقاً لتقديرات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، لو قررت الصين تطبيق حظر شامل على هذين المعدنين، لربما أدى ذلك إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي بمقدار 3.4 مليار دولار.
وبعد ستة أشهر، أصدرت اللجنة الخاصة المعنية بالصين التابعة لمجلس النواب الأمريكي تقريراً يدعو إلى توفير حوافز ضريبية لإعادة بناء القدرات المحلية لتصنيع المغناطيسيات المصنوعة من العناصر الأرضية النادرة. وبعد أسبوع واحد فقط من صدور التقرير، في 21 ديسمبر/ كانون الأول 2023، أعلنت الصين حظراً على تكنولوجيا معالجة العناصر الأرضية النادرة، مما من شأنه إبطاء جهود الحد من المخاطر في سلسلة التوريد العالمية. وبعد عام كامل، أصدرت الصين أول قاعدة تنص صراحة على استهداف الولايات المتحدة بحظر التصدير؛ إذ بات على المُصدّرين الصينيين الذين يحاولون بيع الغاليوم لمستخدمين نهائيين أمريكيين افتراض أن تراخيصهم ستُرفض.
وقد تصاعدت ديناميكية الرد القائمة على مبدأ “العين بالعين” بشكل حاد خلال إدارة ترامب الثانية. فبعد الإعلان عن رسوم ترامب الجمركية بمناسبة “يوم التحرير” في 2 أبريل/ نيسان 2025، ردت بكين بعد يومين بإضافة سبعة عناصر من المعادن النادرة، فضلاً عن المغناطيسات الدائمة المصنوعة منها، إلى قائمة الرقابة على الصادرات الخاصة بالسلع ذات الاستخدام المزدوج – تلك التي تهم كل من القطاعين العسكري والتجاري. وحين تدفقت عشرات الآلاف من طلبات الحصول على التراخيص لأول مرة، لم يكن مكتب مراقبة الصادرات الصيني يضم سوى 30 موظفاً.
وأدى تراكم الطلبات الناتج عن ذلك إلى تأخيرات كبيرة في الموافقة عليها، حيث انخفضت الصادرات الصينية من مغناطيسات العناصر الأرضية النادرة بنسبة 74 بالمئة في مايو/ أيار مقارنة بالعام السابق. ورداً على ذلك، فرضت واشنطن قيوداً جديدة على محركات الطائرات النفاثة وبرمجيات تصميم أشباه الموصلات. ولم توافق الصين على استئناف تصدير العناصر الأرضية النادرة والمغناطيسات إلا عندما تراجعت الولايات المتحدة عن تلك الإجراءات ووافقت على إجراء المزيد من المحادثات في شهر يونيو/ حزيران.
وفي 29 سبتمبر/ أيلول، وسعت إدارة ترامب قائمة “الشركات التابعة” للصين الخاضعة لضوابط التصدير الأمريكية. وبموجب هذه الخطوة، ستُدرج أي جهة مملوكة بنسبة 50 بالمئة على الأقل لشركة أجنبية مدرجة في قائمة الكيانات على القائمة في القائمة السوداء. وردت الصين بعد عشرة أيام فقط بنظامها الخاص لضوابط التصدير خارج الحدود الإقليمية. فلأول مرة، أكدت الصين حقها في ترخيص أي منتج مصنوع في الخارج في أي مكان في العالم إذا كان يحتوي حتى على جزء يسير من العناصر الأرضية النادرة الصينية الخاضعة للرقابة أو تم صنعه باستخدام تكنولوجيا معالجة صينية.
وكما هو مصمم، ستؤثر هذه السلسلة من القواعد على مجموعة واسعة من القطاعات النهائية، بما فيها الدفاع، وقطاع الطيران والفضاء، وأشباه الموصلات، ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي. وقد قدرت وكالة الطاقة الدولية أنه لو نفذت الصين القيود الجديدة بالكامل، فإن الصناعات خارج الصين ستخسر 6.5 تريليون دولار.
وعند تلك النقطة، بلغت الحرب الاقتصادية الأمريكية الصينية ذروتها؛ إذ فضّل الطرفان تقليصاً متبادلاً للدمار الذي كان سيحدث لو استمرت دوامة التصعيد. وفي قمة التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ، والذي انعقد في بوسان في أواخر ذلك الشهر، وافقت بكين على تعليق ضوابط التصدير خارج الحدود لمدة عام واحد، بالتزامن مع تعليق واشنطن بالمثل لقاعدة الشركات التابعة.
حدود النفوذ
بعد أن واجه كل من بكين وواشنطن خطر الانهيار في عام 2025، تراجعتا، على الأقل، في الوقت الراهن. لكن المتشددين من كلا الجانبين ينظرون إلى هذا الهدوء كفرصة سانحة للبلدين لصقل قدراتهما استعدادًا للمواجهة القادمة. وكما كتب ويس ميتشل في هذه الصفحات: “إذا ركزت الولايات المتحدة على توحيد [قدرات إنتاج المعادن الحيوية وإعادة توطين سلاسل التوريد]، فستكون أمامها فرصة تاريخية لاستعادة مكانتها كقوة عظمى والانتصار في منافسة مستمرة مع الصين، الخصم الأقوى في تاريخ الولايات المتحدة”. في الصين، حثّ قوميون اقتصاديون بارزون، مثل دي دونغشنغ من جامعة رنمين، الحكومة الصينية على “أخذ زمام المبادرة” وتسريع الجهود الرامية إلى تقليص الهيمنة الأمريكية على سلاسل التوريد الصينية. وفي الوقت نفسه، وسّعت الحكومتان استثماراتهما المحلية والعالمية في العناصر الأرضية النادرة لحماية اقتصاداتهما من أي ضغوط مستقبلية.
بالنسبة للولايات المتحدة، يُعدّ هذا التنويع في سلاسل توريد المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة ضروريًا. وتُعدّ الاستثمارات الدفاعية التي بدأت في عهد إدارة بايدن واستمرت في عهد إدارة ترامب الثانية بالغة الأهمية لتعزيز القدرة على الصمود. فإذا تكللت هذه الجهود بالنجاح، فإنها ستُقلّل من مواطن الضعف الحادة، وتُخفّف من دوافع الصين لاستغلال هذه النقاط الحرجة.
لكنها لن تقضي على الترابط المتبادل، ولا توجد حاجة لأن تفعل ذلك. فقليل من التنويع يحقق نتائج بعيدة المدى، كما أن البديل الموثوق يمكن أن يحد من قدرة الصين على ممارسة نفوذها في السوق أو نفوذها الجيوسياسي. وفي بعض الحالات، يرى محللون مرتبطون بالحكومة الأمريكية أن تأمين ما لا يقل عن ثلث الإمدادات الأمريكية من العناصر الأرضية النادرة من مصادر غير الصين قد يكون كافياً لتخفيف الضغط الذي تمارسه بكين.
مع ذلك، لا توجد طريقة لتقليل المخاطر عن جميع العناصر الأرضية النادرة. فعلى سبيل المثال، وصف بعض المحللين عنصر الإيتريوم – وهو مادة بالغة الأهمية في صناعة الرقائق الإلكترونية ومحركات الطائرات والتوربينات – بأنه “نقطة الضعف الاستراتيجي” لأن الاستثمارات في تنويع مصادره قد تستغرق سنوات لتحقيق ثمارها. مع ذلك، ينطوي احتكار الصين على قيدٍ هام ينبغي على الولايات المتحدة مراعاته عند التخطيط للمستقبل: لا تزال الصين متأخرة عن كلٍ من اليابان والولايات المتحدة في أجزاء من سلسلة قيمة العناصر الأرضية النادرة، بما في ذلك تقنيات إعادة التدوير. حتى الصين نفسها تدرك أن نفوذها محدود.
وبهذه الطريقة، يشبه سوق العناصر الأرضية النادرة نقطة ضعف أخرى، مثل النظام المالي القائم على الدولار والذي تسيطر عليه الولايات المتحدة، وسوق المكونات الصيدلانية التي تسيطر عليها الصين. ورغم أن هذه المجالات تبدو وكأنها تخلق نفوذاً، إلا أنه من الصعب تسليحها على المدى الطويل. فلا تستطيع الولايات المتحدة إقصاء دولة بحجم الصين الاقتصادي من النظام المالي العالمي دون إلحاق ضرر اقتصادي جسيم بنفسها. كما لا تستطيع الصين بسهولة قطع وصول الولايات المتحدة إلى المكونات الدوائية التي تسيطر عليها دون تعريض قطاع التكنولوجيا الحيوية الخاص بها لمخاطر كبيرة، نظراً لاعتماده على الوصول إلى التكنولوجيا والأسواق الأمريكية.
إن استمرار هذا الاعتماد المتبادل هو ما يجعل شروط الاستقرار أكثر دواماً وثباتاً. ففي كلا البلدين، بدأ المحللون يدركون المحدودية في كفاءة ضوابط التصدير. قد تُسبب هذه الإجراءات ألمًا مؤقتًا، لكنها لا تجدي نفعاً على المدى الطويل، خاصة أنها تحفز الجهود الرامية للالتفاف عليها. كما تواجه محاولات بناء سلاسل توريد بديلة حقيقة صعبة تتمثل في أن العديد من الدول التي تمتلك مناجم مجدية للعناصر الأرضية النادرة لا تريد الاختيار بين الصين والولايات المتحدة. وبدلاً من صراع استقطابي بين الكتلتين، من المرجح أن يظل الاعتماد المتبادل المستمر وسلاسل التوريد المتداخلة هو الوضع السائد.
خطأ الـ 13 تريليون دولار
مع ذلك، فإن الإقرار المُتردد بمحدودية جدوى هذه الأدوات الاقتصادية له حدود يقف عندها. ولإبطاء دوامة التشابك المُسَلَّح، يجب على الولايات المتحدة انتهاج مزيج من التهدئة المتبادلة، والردع، والاستثمار في مستقبل ذي محصلة إيجابية. ولردع التصعيد الصيني، يجب أن تكون الولايات المتحدة مستعدة للرد بالمثل؛ ولكن لردع الغطرسة الصينية، يجب عليها أيضاً أن تكون مستعدة للاستثمار في القدرة التنافسية للاقتصاد الأمريكي، والقوى العاملة، والابتكار، وقدرة منظومته للعلوم والتكنولوجيا على الصمود.
يجب أن تقترن الجهود المبذولة لتقليل الاعتمادات الحرجة بخطوات لتشجيع التجارة والاستثمار الثنائي مع الصين. نظرًا لأن الشركات الصينية رائدة في التقنيات الرئيسية، مثل البطاريات، فإن المشاريع المشتركة وترخيص التكنولوجيا ضروريان للشركات الأمريكية للمنافسة عالميًا، بما في ذلك التنافس إلى جانب الصين، وليس فقط ضدها. ويجب موازنة المعاملة بالمثل السلبية – أي التوسع المتبادل في قائمة الكيانات الخاضعة للعقوبات – بالمعاملة بالمثل الإيجابية. إذا أُديرت بعناية، فإنّ الترابط الأكثر مرونة وتنوعًا يصبح مصدرًا لضبط النفس المتبادل والحرص على الاستقرار، بدلًا من كونه نقطة ضعف.
والبديل خطير ومكلف على حد سواء. فوفقاً لتحليل اقتصادي نشرته صحيفة “فايننشال تايمز”، فإن الاستبعاد الكامل للصين من سلاسل التوريد في مجالي التكنولوجيا والتصنيع الأمريكي سيكلف 13 تريليون دولار خلال السنوات الـ 25 القادمة. وحتى لو قيّدت هذه الحقيقة الجهود الرامية إلى فك الارتباط، فإن الاعتقاد بضرورته يضعف نفوذ واشنطن – بما في ذلك قدرتها على ردع أي عدوان صيني محتمل ضد تايوان. وكما أشار عالم السياسة توماس كريستنسن: “سيُفقد النفوذ الدبلوماسي القسري إذا تزايد الشعور في الصين بأن الأسواق والمدخلات الأمريكية قد تُقطع عنها بشكل غير مشروط”. وعليه، يجب على الولايات المتحدة الموازنة بحذر بين الحاجة إلى الحد من المخاطر والحاجة إلى ردع العدوان.
سيكون تحقيق ذلك أمراً معقداً، لكن أفضل طريقة لتعزيز الاستقرار تتمثل في زيادة المكاسب -لا مجرد التخفيف من الأضرار- الناتجة عن العلاقات التي تجمع بين هذين العملاقين الاقتصاديين. إن محاولة بناء أمن اقتصادي من دون فوائد مشتركة ستخاطر بخلق سلام بارد لا يمكن لأي من المجتمعين فيه أن يزدهر أو ينجح في مواجهة التحديات المشتركة.
وبدلاً من ذلك، ينبغي على الجانبين قبول حقيقة أن قدراً معيناً من المرونة والتنويع سيكون ضرورياً لاستمرار التجارة والاستثمار الثنائيين. وإلا فإنهم يخاطرون بالدخول في سباق لجمع أوراق النفوذ التي يمكن لكل طرف استخدامها لخنق الآخر، مما يلحق الضرر بالمواطنين العاديين ويزيد من احتمالية نشوب صراع ساخن. وتتمثل الخطوة الأولى لتفادي هذه الدوامة نحو الكارثة في أن تضع كل من بكين وواشنطن في الاعتبار أن هذه الأدوات الاقتصادية لم تُصمم لتكون أسلحة؛ وهو ما يمنح البلدين الفرصة والالتزام لضمان ألا تُستخدم لتلك الغاية أبداً.
المصدر: فورين أفيرز