• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

كيف بدأت حكايتنا مع أمريكا؟

مصطفى علي١٣ سبتمبر ٢٠٢٦

Also available in English

“أكبر وأشهر خطأ في التاريخ البشري وهو وصول كريستوفر كولومبس إلى أمريكا. خرج من برشلونة باحثًا عن الهند، فعثر على أمريكا، وعثرت أمريكا عليّنا”.. خطبة الهندي الأحمر ما قبل الأخيرة، محمود درويش.

في الذكرى الـ 250 على تأسيس الولايّات المتحدة الأمريكيّة، التي تجيء في غمرة حرب تشنها على إيران، نجد أننا في أشد الحاجة لنمتثل مقولة الشاعر الفلسطيني محمود درويش، التي صدّرنا بها، وقدم بها قصيدته “خطبة الهندي الأحمر ما قبل الأخيرة”، فإذا كان لربع ألفيّة من الوجود الأمريكي في العالم أن يلقي بثقله على تاريخٍ ما، فلا شك أن للشرق الأوسط النصيب الأكبر، سلبيًّا، من هذا الوجود.

كانت الولايّات المتحدة بطلًا على الدوام في السرديّة الأوروبيّة، بينما جأر الكثير من جيرانها في أمريكا الجنوبية من تعاملها معهم كحدائق خلفية للنفوذ الأمريكي الإمبريّالي، ولكنهم تعلموا في مرحلة ما العيّش معها، بل والتمرد عليّها كذلك.

وقد تحضر الولايّات المتحدة بقناع ذو وجهيّن في سرديّة اليابان، نصفه الأول وحشيّ، والآخر حارسٌ من الابتلاع الصيني، إلا أن منطقة واحدة في العالم، هي التي بدأت علاقتها بالولايّات المتحدة كعلاقة يسودها التفاؤل بل والاستظهار بها على النفوذ البريطاني والفرنسي، وانتهت إلى مأساة متكاملة لا نهاية لها، هي منطقتنا.

من المستقر تاريخيًّا، أن الحديث عن علاقة الشرق الأوسط بالولايّات المتحدة، قد خضع لتغطية كبرى في أدبيات مختلفة، منذ أن بدأت تلك العلاقة تقريبًا، وإلى اللحظة التي تُكتب فيها هذه السطور، لابد وأن سطورًا تتناول تلك العلاقة تُكتب كذلك في مكان آخر، لذلك، لا يبدو المسعى السردي الكرونولوجي (سرد الأحداث زمنيًا) هو الاختيار الأفضل لتغطية تلك العلاقة في الذكرى 250، نظرًا لتقليديّته ووفرة ما كُتب عنه، وأيضًا، نظرًا لصعوبة تغطية تلك العلاقة لكثافة أحداثها.

لذلك نسعى في هذا الملف الذي أسميناه “نحن وأمريكا” ويتناول محطات عدة في سلسلة تقارير ينشرها نون بوست، محاولين العبور من المحطات الكلاسيكية المعروفة، إلى زوايا ظلت على هامش التغطية في تاريخ تلك العلاقة، رغم أثرها العميق والجليّ على صفحاتها على مدى قرن ونيّف. ومن هذا، ينطلق ذلك الملف من الحضور الثقافي والإنساني المبكر للولايات المتحدة في المنطقة، قبل أن يتقاطع مع تعقيدات النفط، وعقيدة السلاح، والارتباط البنيّويّ بالقرار الإسرائيلي، وصولًا إلى فحص مأزق الوحل الأمريكي الراهن في الشرق الأوسط.

“نحن وأمريكا”.. مقدمة الملف

تتمثّل فرضية هذا الملف في إثبات مدى تاريخانيّة العلاقات الأمريكية الشرق أوسطية، بمعنى أنها لم تتشكل على مر العقود كمؤامرة إمبريّاليّة محبوكة الخيّوط، بل أحداثًا تطورت بمقتضى تفاعل ظروف جيوسياسيّة عدة، مع أطماع وأهداف لأنظمة وإدارات مختلفة، أمريكية وشرق أوسطيّة، وهو ما يجعل هذا الملف حافل بأمثلة على قرارات خاطئة وكان لها أبعاد كارثيّة للوجود الأمريكي في المنطقة، بل وفي بعض الأحيّان، نرى أن الولايات المتحدة قد صنعت أعدائها، ظنًا منها أنها تحمي مصالحها.

هكذا، على عكس ما يُصور دائمًا كمؤامرة أريق الكثير من الحبر في تناولها كجزء من تنويعات عدة لتناول تاريخنا معهم، سنجد أن كثير من الأحداث كانت ناتجة عن الخطأ في التقدير لا المؤامرة، وإن كان هناك هدفًا من وراء إثبات ذلك، فليس أكثر من أن تُذكرنا ذكرى ربع الألفيّة هذه، بالمعنى الذي تمثله الولايات المتحدة في عالم السياسة منذ صعودها كقوة عظمى، فهي، ليست مطلقة التجلي والحضور ومتحققة الإرادة كما تُصور، بل لاعب سياسي قوي، لكنه خاضع للإبتزاز وقابل للهزيمة، إذا تحلى أنداده بالشجاعة الكافية.

في هذا الملف أيضًا، لا شك أننا ساعون إلى الخروج من القوالب التاريخية لتفسير تلك العلاقة، فمع تأكيدنا على وجود أشياء جوهريّة تحكمها بالفعل مثل النفط و”إسرائيل”، إلا أننا نسلم أيضًا بقدرة أشيّاء أخرى على تحريكها في محطات كثيرة، مثل المعرفة.

ولفك الالتباس الطاغي على تلك الجملة، نقتبس مطولًا من كلمات الباحث والمؤرخ الأمريكي زكاري لوكمان في كتابه “تاريخ الاستشراق وسياساته: الصراع على تفسير الشرق الأوسط” حين يقول: “شكلت الأطر التفسيرية التي يجري إنتاجها وإعادة إنتاجها داخل سياقات سياسية وثقافية معينة، بدرجة كبيرة، فهم صناع السياسة في الغرب تجاه الإسلام والشرق الأوسط…وهذا لا يعني ولو لوهلة القول إن المصالح الاجتماعية لم تلعب دورًا في تحديد السياسة: فمثلًا لو كان الشرق الأوسط يفتقد إلى الاحتياطات البترولية الهائلة لاعُتبرت أهميته الجيوسياسية بلا شك أقل بكثير لصناع السياسة”.

ومع ذلك، فكيفية تحديد المرء لتلك المصالح هو بحد ذاته مسألة تتعلق بإدراكات وبرامج متغايرة، بل ومتصارعة. فمثلًا، ظلت سياسة الولايات المتحدة طويلًا تقوم على استعمال كل الوسائل الضرورية لضمان تدفق بترول رخيص نسبيًا من الخليج العربي، ومع ذلك يمكن القول إن الاعتماد على بترول رخيص أمر ضار في واقع الأمر بالولايات المتحدة اقتصاديًا واجتماعيًا وبيئيًا، وأن منظومة من السياسات التي ترمي إلى فطام البلد من إدمانه للوقود الحفري ستخدمنا بشكل أفضل بكثير على المدى الطويل، على الأقل بالتخلص من كثير من أسباب الوجود العسكري الأمريكي الهائل في الشرق الأوسط والتدخل المتكرر فيه، فضلًا عن أشياء أخرى.

لذلك، تعد كيفية تعريفنا لمصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، قضية مثيرة للنزاع بحد ذاتها، تستتبع اعتبارات تتعلق بخدمة تحديد أو آخر للمصالح القومية لمصالح طرف ما، مثل مصالح شركات الطاقة العابرة للقومية، أو ما أسماه الرئيس إيزنهاور “المجمع العسكري-الصناعي” المكون من النخب القوية في البلاد التي تنتج وتستهلك البترول، أم مصالح قطاعات أخرى من السكان، وهكذا- الأمر الذي يُعيدنا إلى قضية سياسة المعرفة.

الآن، وفي خط زمني مُنتقى من الأحداث التي رأيناها فارقة في مسار تلك العلاقة، رغم قلة تغطيّتها، سنسعى عبر استحضارها وتفسيرها في هذا الملف لفهم ربع ألفيّة من الوجود الأمريكي في العالم، وانعكاساته على منطقتنا، وسنبدأ من القرن التاسع عشر، لنرى كيف دُشّنت تلك العلاقة في إطار مختلف عن طبيعتها الحاليّة، لفهم كيف أصبحت على ما هي عليّه الآن.

قساوسة حالمون.. الخروج من العزلة

قبل أن تحركهم المطامع الجيوسياسية، خرج الأمريكيون من عزلتهم وراء الأطلنطي، بغرض التبشير بنسختهم من المسيحية، ففي مطلع القرن التاسع عشر تقريبًا، بدأت الإرساليّات البروتستانتية الأمريكية، وعلى رأسها البورد الأمريكي للمفوضين للإرساليات الأجنبية، الذي تأسس في العام 1810، وكان المبشران ليفي بارسونز وبليني فيسك حاملا اللواء التبشيري اللذان سبقا إرساليّات مئوية الأفراد فيما بعد، حينما خرجا في العام 1919 إلى الشرق الأوسط بغرض التبشير وسط المسيحيين الشرقيين، والمسلمين على استحيّاء.

بعد أن استقر فيسك في بيروت وصار يجيد العربية واليونانيّة، وكان قد فقد صديقه بارسونز عند وفاته في الإسكندرية عام 1922، قرر أن يكتب لجريدة ميشنيري هيرالد، كما يذكر الكاتب مايكل أورين في كتابه “القوة والإيمان والخيال: أمريكا في الشرق الأوسط منذ 1776 حتى اليوم”، متسائلًا عما يمكن فعله وتحقيقه وبأي الوسائل؟ فإذا لم يتمكن المبشر من تحويل شعوب الشرق الأوسط، فعلى الأقل يمكنه تعليم أطفالهم، حسب الطرق الأمريكية، لتفتيح أذهانهم لاحتمال الخلاص عن طريق المسيح. ولذا، فتحت مدرسة فيسك أبواب القبول باعتبارها المدرسة الأمريكية الأولى المؤسسة، عام 1823.

أعضاء البورد الأمريكي للمفوضين للإرساليات الأجنبية 1910

لقد كانت مهمة التبشير على مر عقود فاشلة، بل وحتى مأساوية على المستوى الفردي، كما ظهر في حالة أسعد الشدياق، الذي تحول من المارونية إلى البروتستانتية، وعُذب بأمر البطريرك الماروني إلى أن مات، ليصبح شهيدًا ورمزًا للبروتستانتية في الشام والشرق الأوسط.

ومع ذلك تركت آثارها بشكل واضح في تأسيس الحضور الأمريكي في المنطقة، من خلال التعليم والطب، لتصبح الإرساليّات الأمريكية شيئًا فشيئًا جزءًا من نسيج الحياة المحلية بدل أن تبقى غريبة عنها.

ما لم يُخطط له

أنتج التحول من التبشير إلى التعليم مؤسسات لا تزال قائمة حتى اليوم، على رأسها الجامعة الأمريكية في بيروت، والتي تأسست باسم الكلية السورية البروتستانتية عام 1866، وتخرج فيها لاحقًا أربعة رؤساء للوزارة في لبنان، وارتبط بها اسم مؤسسا أبرز مجلتين عربيتين في ما يُعرف بعصر النهضة، هما “المقتطف” لصاحبها يعقوب صروف و”الهلال” لجرجي زيدان، وهنا تكمن المفارقة الجوهرية في البدايات الأمريكية في المنطقة، حيث تحولت من مشروع ديني الأصل، إلى أحد أهم قنوات الحداثة العلمانية في المشرق العربي.

الكلية السورية البروتستانتية (الجامعة الأمريكية فيما بعد) في رأس بيروت حوالي سنة 1910 (جرى تحسين الصورة بالذكاء الاصطناعي)

على أن هناك ملاحظات يجب أن تُذكر في تلك المفارقة، فما فيها، وكما سيبرز في محطات أخرى، قد جاء على عكس الإرادة الأمريكية، فكما يذكر المؤرخ والباحث أسامة مقدسي في كتابه “مدفعية السماء: الإرساليات الأمريكية والتحول الفاشل في الشرق الأوسط”، لم تكن الإرسالية راغبة في هدر مواردها الثمينة في إنتاج أفراد معلمنين لا يطورون هدفها الديني المحدد بدقة. لذلك، أمر روفس أندرسن وزير الشؤون الدينية الأمريكية بتدريس العربية فقط في مدارس الإرسالية وتقليص التعليم بالإنجليزية، بحيث يسبق التحول إلى المسيحية التحول إلى المدنية، على الرغم من إدراك المبشرين أن التعليم العلماني واللغات الأجنبية كانت المطلب الملح للطلبة في سوريا.

لقد كرهت الإرساليات التعليمية أشخاصًا من نوعية بطرس البستاني، أحد أهم رواد عصر النهضة العربية، الذي نشأ في رحابها، ورأى فيها وسيلة ساهمت في توسعة آفاقهم ومداركهم، ولم تصنع تناقضًا بالضرورة بين تعلم الإنكليزية واحتقار ثقافتهم العربية، بينما أراد أندرسن تحرير البستاني وأمثاله “من الوهم”، كي يدركوا أن المجلس الأمريكي يتطلع ببساطة إلى رواة وإخباريين ومساعدين من السكان الأصليين يعبدون الطريق أمام كنيسة بروتستانتية للسكان الأصليين.

متى أصبحنا الشرق الأوسط؟

لم يكن الوجود الأمريكي في الخليج العربي، وجودًا يتعلق بالنفط في بدايته، بل عن طريق الإرساليات التبشيرية ذاتها، والتي كان لها شهرة عظيمة في البحرين، بالتحديد، كما تذكر الكاتبة بينيلوب توسن في كتابها “الدخول في اللعبة: قصة النساء الغربيات في الجزيرة العربية”، حيث تأسست الإرساليّة العربية عام 1891 بغرض أن يكون محلها مدينة البصرة في العراق، ساعية إلى تأسيس مدرسة لتعليم البنات، ومستشفى، لكنها لاقت معارضة شديدة وتضييق من جانب السلطات العثمانية، ما جعلها تحاول توسعة نفوذها في أماكن أخرى، فخرجت للبحث في مناطق مثل الكويت والأحساء والبحرين، إلى أن استقرت على مدينة المنامة لتفتتح فرعًا لها عام 1892، كان له أن يفشل في التبشير أيضًا، ولكن، أن يُشكل كذلك محطة فارقة في التاريخ الثقافي للمنطقة.

في تلك الفترة من نهايات القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، انتعش الاهتمام الأمريكي بمنطقة الخليج العربي، حتى أن رحلة حوله أسست مفهمة جديدة للعالم والتاريخ. فلقد ظهر مصطلح الشرق الأوسط ذاته، أول مرة في طبعة سبتمبر عام 1902 من مجلة ناشيونال ريفيو في مقال عنوانه “الخليج الفارسي في العلاقات الدولية” لكاتبه ألفريد ثاير ماهان، الضابط الأمريكي -وأبو الفكر الاستراتيجي الأمريكي البحري فيما بعد- الذي أبحر حول شبه الجزيرة العربية وبهرته استراتيجية المنطقة بصفتها ملتقى بين ثلاث قارات.

غلاف كتاب اختراع الشرق الأوسط

كما يشير الكاتب غوليميت كروزيه في كتابه “اختراع الشرق الأوسط”، إلى أن الحاجة للمصطلح ظهرت بعد أن كان يُشار للمنطقة ما بين فارس وكابول وبغداد وبلجراد باسم المشرق، وفي هذا الوقت، بانفتاح اليابان والصين على الغرب، وتصاعد الصراعات الاستعمارية في آسيا والمحيط الهادي، كانت قد ظهرت الحاجة إلى التفرقة بين الشرق الأدنى والشرق الأقصى من ناحية، وبين الشرق الأدنى وبلغاريا والبلقان ومناطق شبه الجزيرة العربية وفارس والخليج العربي من ناحية أخرى، ومن هنا، اكتسب مصطلح “الشرق الأوسط” الذي أطلقه ألفريد ماهان أهميّته، واستمراريّته حتى اليوم.

وبينما كانت العلاقة الأمريكية الشرق أوسطية، تدور في فلك التبشير والثقافة، كانت أمريكا السياسية مُقيّدة بقيود مبدأ مونرو 1823، الذي نص على منع الاستعمار الأوروبي في الأمريكتييّن، مقابل ألا تتدخل الولايّات المتحدة في الشؤون الأوروبية والمصالح الأوروبي، وكان معنى العمل بهذا المبدأ أن يؤسس فصلًا بين العالم الجديد والعالم القديم، الذي عزل أمريكا ومصالحها وراء المحيط الأطلنطي، إلى أن جاءت اللحظة التي أسست العلاقة السياسية بين الولايات المتحدة، وبيننا.

لحظة ويلسون.. ميلاد سوبرمان الأمريكي

لو كان لشخص أن يُغيّر في مسار التاريخ في القرن العشرين دون أن يُذكر كثيرًا، فسيكون ذلك الشخص بالتأكيد هو الرئيس وودرو ويلسون، ومبادئه الأربعة عشر، التي نصت على حق الأمم في تقرير مصيرها بنهاية الحرب العالمية الأولى.

يُمكننا أن نجد صدى نداء ويلسون في الأرشيف المصور لثورة 1919، التي قام بها المصريون ضد الاحتلال البريطاني، من خلال صورة لواحد من طبقة الأفنديّة، وقد رفع العلم الأمريكي. لم تكن تلك حالة استثناء، بل حالة عامة انتابت الإنتلجنسيّا في الشرق الأوسط التي تأثرت بالنموذج الأمريكي، وقد انعكست تجسيداتها في أماكن عدة من مصر إلى تركيا، وتُلخصها كلمات الأديب السياسي اللبناني أمين الريحاني حينما تأمل تمثال الحرية في مرفأ نيويّورك، كاتبًا: “متى تُحوِّلين وجهكِ نحو الشَّرق، أيتها الحرية؟ متى يمتزجُ نورُكِ بنورِ هذا البدر الباهر، فيدورُ معه حول الأرض، ويضيء ظلمات كل شعب مظلوم؟ أيتأتَّى أن يرى المستقبل تمثالًا للحرية بجانب الأهرام؟”.

ثورة 1919

هناك أيضًا ما يستحق الذكر في هذا الصدد، فمثلما طالب الأمير فيصل بن الحسين الرئيس وودرو ويلسون بانتداب أمريكي على فلسطين، في حال إقرار نظام الانتداب، كان نفس الطلب موجودًا أيضًا، ليس فقط عند أشخاص مغامرون مثل فيصل، بل ورثة إمبراطورية كبرى، فبشإن ملابسات تأسيس الدولة التركية في أعقاب هزيمة العثمانيين في الحرب، وفي كتابه “أتاتورك: السيرة الذاتية لمؤسس تركيا الحديثة”، يُورد الكاتب أندرو مانجو قصة عن الاستنقاذ الأمريكي.

في اسطنبول تأسست جمعية عُرفت باسم جمعية ويلسون في ديسمبر 1918، مستندة إلى مبادئ الرئيس الأمريكي القائمة على حق تقرير المصير، في ظل سيطرة تنازعتها بريطانيا وفرنسا وإيطاليا على الأراضي التركية في أعقاب هزيمة الدولة العثمانية في الحرب، حيث استهوت فكرة الانتداب الأمريكي الجناح الليبرالي لجمعية الاتحاد والترقي والوطنيين العثمانيين والقوميين الأتراك والانتلجنسيا كالكاتبة النسوية خالدة أديب (أديوار)، كبديل عن التبعة للأوروبيين، واعتقادًا أن تركيا لا تستطيع البقاء من دون دعم قوة عظمى، وفي تلك الحالة، شكلت الولايات المتحدة قوة عظمى دون أطماع في نظرهم.

بل حتى مصطفى كمال أتاتورك في فترة ما قد لان تحت ضغوط المقترحات بانتداب أمريكي، وقال بشكل حذر دون أن يُعلن موافقة أو معارضة: “نحن على ثقة بأن أمريكا هي البلد الوحيد القادر على مساعدتنا بعد التجارب التي مررنا بها”.

ولكن عدم تصديق مجلس الشيوخ الأمريكي على عضوية الولايات المتحدة في عصبة الأمم، كان قد أسقط أي واقعية لذلك النقاش، وهو ما سنعود إليه لاحقًا.

ميلاد ولع متبادل

في كتابه “إيمان في غير محله: الوعد المكسور للعلاقات الأمريكية العربية 1820-2001″، يوثق لنا المؤرخ أسامة مقدسي، كيف أن غياب الأطماع الاستعمارية التقليدية للولايات المتحدة عن المنطقة، مقارنًة ببريطانيا وفرنسا، صنع في العقود الأولى من القرن العشرين صورة ذهنية إيجابية عن واشنطن لدى النخب العربية بوصفها قوة غير ملوثة بإرث الاستعمار المباشر، وكان تجسد هذا في اللهفة التي استقبلت بها المنطقة وعود ويلسون الأربعة عشر، التي أعلنها عام 1918 بنهاية الحرب العالمية الأولى، ما استعرضناه آنفًا، وأمثلة أوسع لا يتسع لها المجال.

لهذه الدرجة، كانت الولايّات المتحدة تُشكل نموذجًا مُلهمًا، بل ومنقذًا.

ولكن، وبالرغم من رفض الكونغرس الانخراط في العالم الدبلوماسي لما بعد الحرب العالمية الأولى من خلال عصبة الأمم، كانت نهاية الحرب قد جلبت معها للكثير من الأمريكيين مفهومًا أكثر راديكالية للنظام العالمي الجديد، وشعورًا بدورهم المحوري الجديد في العالم العربي، إلى درجة أن هوارد بليست رئيس الكلية السورية البروتستانتية، كان هو من ألقى كلمة مؤتمر فرساي نيابة عن القوميين العرب.

وقد لخص الباحث السياسي الأمريكي روبرت كابلان تلك النظرة والمشاعر الأمريكية بأثر رجعي فيما بعد حين كتب: “عندما كان البريطانيون والفرنسيون يرسمون الخطوط على الخرائط، ويتبادلون الحكام فيما بينهم كحجارة شطرنج، كان الأمريكيون البروتستانت يعانون الأمريّن بسبب ضحايا المجاعات والمذابح، اللتين كانتا من العواقب الوخيمة الدنيوية الرئيسية للحرب العالمية الأولى. وعندما كان بريطانيون مثل: لورنس، وفيلبي، والآنسة بيل يقعون في حب العرب، كان المبشرون يتعلمون أكثر من أي وقت سابق، كيف يكون شعور الشخص لكونه عربيًا. بمعنى أنه عندما كان البريطانيون يعيشون في خيم الملوك ومراكز القوة، كان الأمريكيون يعملون في الحانات ومطابخ الحساء. ومنهم من كان يتعامل على سبيل المثال، مع عواقب المجاعة في سوريا بين 300 ألف شخص حاصرتهم القوات التركية، وهم أيضًا أول من نقل للعالم أخبار المذابح الأرمنية، في ظل العمل في ظروف مليئة بالعدوانية، وكانوا يتعاطفون مع رغبة العرب في تقرير مصيرهم، ولم يثنهم عن القيام بمهامهم أي مؤسسة إمبريالية ذات دوافع مستترة في المنطقة”.

بذور الخذلان في تقرير مُهمل

لا يمكن التعرض لعالم ما بعد الحرب، دون التعرض لسايّكس-بيكو، ولا يمكن التعرض لسايّكس-بيكو، دون الإتيان على وعد بلفور الذي شكل إرهاصات الشعور الصهيّوني، وفي ظل وجود رئيس لديه التزام صهيوني مثل وودرو ويلسون، كان الموقف الأمريكي يستحق النظر في كيف سيتعامل مع تلك المُعضلة.

في كتابه “سايكس-بيكو-بلفور: ما وراء الخرائط”، يشرح المؤرخ اللبناني فواز طرابلسي الموقف الأمريكي من الحرب بوصفه شريك لا حليف، حيث رفضت الولايات المتحدة من البداية التزام أيّ من الاتفاقات السرية التي عقدها الحلفاء، بل وعارض إدوارد هاوس مستشار الرئيس ويلسون للشؤون الخارجية علانيّة اتفاقية سايّكس-بيكو واصفًا إياها بالاتفاقية السيّئة.

تجسد الشعور الأمريكي بالمسؤولية تجاه قضية العرب في الاستقلال، في يونيو/حزيران 1919، حين أوفد الرئيس ويلسون لجنة تحقيق أمريكية إلى سوريا وفلسطين، عُرفت تاريخيًا باسم لجنة “كينغ-كراين”، نسبة إلى رئيسيّها هنري كينغ ورجل الأعمال تشارلز كرايّن.

أعضاء لجنة كينغ-كراين

كان آرثر بلفور صاحب الوعد الشهير مستاءً من اقتراح الرئيس الأمريكي لجنة للاستفتاء في المنطقة لأنها تزيد من تعقيد الوضع، وطالب باستثناء فلسطين من الاستفتاء ومن حق تقرير المصير. وكما يذكر فواز طرابلسي، كان الرئيس ويلسون وبعد إلحاح من مستشاريه الصهاينة، اتخذ موقفًا أخيرًا من إعلان بلفور، وأعطى موافقة لـ كيان سياسي مجمع ذي حكم ذاتي في فلسطين. لكنه تسائل أيضًا في أحد الجلسات الجانبية: “لماذا يجب لرغبات أقلية من اليهود أن تتغلب على رغبات عدد أوسع وأكبر من العرب؟” وقد أجابه بلفور، أنه من الخطأ اعتماد حق تقرير المصير العددي في حالة فلسطين.

لذلك بينما كان الغرض الأمريكي من وراء تلك اللجنة، استطلاع رغبات سكان المنطقة بعد سقوط الدولة العثمانية، وقد جالت اللجنة المنطقة بالفعل بين 10 يونيو/حزيران و21 يوليو/تموز 1919 المنطقة، وتلقت نحو 1875 عريضة شعبية، انتهت بتحليلها أن 72% منها، كانت معارضة صراحًة للمشروع الصهيوني في فلسطين.

خلص تقرير اللجنة، إلى توصية صريحة بأن يُعاد النظر جذريًا في البرنامج الصهيوني المتطرف الخاص بفلسطين، وأن يحد من الهجرة اليهودية وأن يتخلى عن مشروع جعل فلسطين دولة يهودية بالكامل، كما يذكر الكاتب جيمس بار في كتابه “خط في الرمال: بريطانيا وفرنسا والصراع الذي شكل الشرق الأوسط”.

ولكن للأسباب التي ذكرناها سابقًا من وقوع الرئيس ويلسون تحت تأثير مستشاريه وتوسلات بلفور، وأيضًا إصابته بجلطة دماغية حادة عام 1919 ترك على إثرها مؤتمر باريس، ثم صدمته في رفض الكونغرس عضوية الولايات المتحدة في عصبة الأمم، ولد تقرير اللجنة ميّتًا، بل ظل حبيس الأدراج، ولم يُعلن للرأيّ العام إلا في ديسمبر/كانون الأول 1922، أي بعد ثلاثة سنوات كاملة من إنجازه، بعد أن كانت الوقائع على الأرض كوعد بلفور والانتداب البريطاني، قد فرضت نفسها بالفعل، ليتحول بذلك من وثيقة كان يمكن أن تغيّر مسار الصراع، إلى مجرد شهادة تاريخية على ما كان ممكنًا ولم يكن، مؤسسًا لتقليد سياسي أمريكي في خذلان العرب، حينما يتعلق الأمر بـ”إسرائيل”.

عند هذه اللحظة، تنتهي مرحلة أولى من العلاقة الأمريكية بالعرب والشرق الأوسط، كانت سمتها في كثير من الأحيان التعاطف والرومانسية، بل ورغبات صادقة، وإيمان عربي، ثبت أنه في غير محله. سيُمثل العقدان اللذان أعقبا الحرب العالمية الأولى منطقة انتقال بين نموذجين للحضور الأمريكي في الشرق الأوسط، فمن فشل نموذج القوة الناعمة القائم على التعليم والطب والدبلوماسية الأخلاقية التي روجها ويلسون عن نفسه وبلده، سيولد نموذج السعيّ وراء النفط بدايًة من الثلاثينيات، لينقل مركز الثقل الأمريكي من بيروت والقاهرة إلى حقول الظهران في دولة آل سعود الوليدة، ويُدخل عنصر الطاقة كمتغيّر حاكم في صياغة السياسة الأمريكية تجاه المنطقة.

وفي ظل فراغ في القوة سيُشكله مرحلة إنهاء الاستعمار بعد الحرب العالمية الثانية، وميلاد “إسرائيل” بالتوازي مع تلك اللحظة، ستكتشف النخب العربية أن الصورة الذهنية الأولى عن القوة الاستعمارية غير الملوثة، لم تكن سوى مرحلة انتقالية سبقت الاستغراق الجيوسياسي الكامل.

علاماتأمريكا والشرق الأوسط ، التاريخ ، التاريخ الأمريكي ، التدخل الأمريكي في الشرق الأوسط ، السياسة الأمريكية
مواضيعالتاريخ ، التاريخ الحديث ، السياسة الأمريكية ، الشأن العربي ، العلاقات الأمريكية العربية

قد يعجبك ايضا

سياسة

عدسات مشوهة: سقوط أخلاقي في تغطية حرب إسرائيل على فلسطين

محمد رضا بهنام١٢ سبتمبر ٢٠٢٦
سياسة

2761 شحنة.. طائرات “يونايتد إيرلاينز” المدنية تنقل عتاد عسكري إلى إسرائيل

نوح هورويتز١٢ سبتمبر ٢٠٢٦
سياسة

بعد 25 عامًا على 11 سبتمبر.. لماذا تعود الإسلاموفوبيا إلى قلب السياسة الأمريكية؟

هبة بعيرات١١ سبتمبر ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑