ترجمة وتحرير: نون بوست
في 10 سبتمبر/ أيلول 2001، دخلت في جدال مع أحد أصدقائي بشأن رحلتنا التي كنا نخطط للقيام بها في اليوم التالي إلى مركز التجارة العالمي؛ فقد أخبرني بأنّه لا يريد الاستيقاظ مبكرًا، وجادلته بأنّ علينا الوصول إلى هناك في أقرب وقت ممكن، حتى نتمكن من تحقيق أقصى استفادة من وقتنا سواء في أعلى البرجين أو في وسط مانهاتن.
ربح هو الجدال. وفي اليوم التالي وقفنا على جبل غاريت في كليفتون بولاية نيوجيرسي وشاهدنا البرجين وهما ينهاران بدلًا من أن نكون في وسط مانهاتن.
وكحال ملايين الأمريكيين، عانيت في محاولة استيعاب صدمة ما رأيته، وانضممت إلى آلاف الأشخاص الذين التحقوا بالجيش بدافع الواجب. كما شعرت بقدر هائل من الكراهية في داخلي، كرهت أسامة بن لادن، والإرهابيين، والأشخاص الذين برروا ما حدث، وأولئك الذين رأوا أنه ما كان ينبغي لنا أن نندفع بتهور إلى ما أسميناه “الحرب المتوسعة على الإرهاب”.
قلتُ لنفسي إنّ الذهاب إلى العراق، حيث خدمتُ كجندي في مشاة البحرية، كان خطأً، لكن الهدف الأكبر المتمثل في مكافحة الإرهاب يبرر توسيع عملياتنا العسكرية في أنحاء العالم. ويا له من توسع شهدته هذه الحرب؛ إذ شملت قائمة طويلة من الدول التي تعرضت للقصف، وأُنفق عليها تريليونات الدولارات.
لكننا حققنا أهدافنا، أليس كذلك؟ حسنًا، بعد مرور 25 عامًا، أصبح من الواضح أنّنا لم نهزم الإرهاب. فالعالم أصبح أقل أمنًا رغم كل ما قمنا به، وحقق بن لادن أحد أهدافه الرئيسية: استنزاف أمريكا وإجبار اقتصادها على الانهيار.
وعلى الرغم من أنه أراد في البداية أن تسحب الولايات المتحدة قواتها ونفوذها من الشرق الأوسط، إلا أنه سرعان ما أدرك أن الولايات المتحدة ارتكبت خطأً فادحًا عندما وسعت الحرب إلى العراق. وفي عام 2004، أصدر تسجيلًا مصورًا بدا آنذاك وكأنه مجرد رجل مجنون يصرخ بكلام عبثي على قارعة الطريق. والحقيقة أن كلامه كان قريبًا جدًا من واقعنا آنذاك، لكن غرورنا منعنا من الاعتراف بذلك. أما في عام 2026، فقد أصبحت أقوال ذلك الإرهابي الراحل مدعومة الآن بالحقائق والأرقام.
قال بن لادن في التسجيل المصور الذي نشره عام 2004: “نحن ماضون في هذه السياسة في استنزاف أميركا إلى درجة الإفلاس“. وشبّه الحربين في أفغانستان والعراق بالغزو السوفيتي لأفغانستان الذي استمر طوال ثمانينيات القرن الماضي.
لقد درس بن لادن تجربة الولايات المتحدة وأفعالها في فيتنام؛ حيث حاولت واشنطن الاعتماد على الإنفاق العسكري والتركيز على أعداد القتلى، ومواجهة صعوبات التعامل مع جماعات التمرد. ولم يكن بوسع السياسيين الأمريكيين تحمل الظهور بمظهر الضعيف في مواجهة الإرهاب، ولذلك وسعوا العمليات في أنحاء الشرق الأوسط والعالم.
ولم يكن الأمر مقتصرًا على حزب سياسي واحد؛ فقد هاجم كثير من الديمقراطيين غزو الرئيس جورج بوش للعراق، وكذلك الإخفاق الذي سمح لبن لادن بالفرار من معركة “تورا بورا”، لكنهم عادوا إلى تقديم الأعذار عندما قرر الرئيس باراك أوباما أن تصبح الضربات بطائرات مسيّرة هي القاعدة الجديدة، وأنه يتعين علينا إبقاء القوات في أفغانستان بعد مقتل بن لادن عام 2011.
باختصار، كان بن لادن يعلم في عام 2004 أننا سنواصل الحرب حتى بعد إلقاء جثته في أعماق المحيط.
وشهدنا مقاتلي تنظيم القاعدة وإسلاميين آخرين ينشقون عنه ويشكلون جماعات أخرى لكل منها أهدافها الخاصة، فقد نشأ تنظيم الدولة الإسلامية من تنظيم القاعدة في العراق، وسرعان ما استغل الحرب الأهلية السورية. وراقبت إيران التحركات الأمريكية وعززت عملياتها وإنفاقها على حماس وحزب الله والحوثيين والميليشيات الشيعية في العراق، كما شهدنا خلايا إسلامية تنفذ هجمات في كينيا ونيجيريا والهند وفرنسا وعشرات الدول الأخرى.
وكلما نمت هذه الجماعات، ازداد إنفاقنا لمواجهة كل تهديد حقيقي أو متصور. ففي عام 2004، بلغ الدين الوطني 7 تريليونات دولار، ومنذ عام 2001، أضاف الإنفاق العسكري 8 تريليونات دولار إلى ديننا الوطني، الذي يبلغ الآن 40 تريليون دولار. ويبلغ الإنفاق العسكري منذ هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 18 تريليون دولار الآن، وهذا لا يشمل حتى الأموال التي ننفقها في الداخل؛ فقد كلفتنا وزارة الأمن الداخلي وحدها 1.2 تريليون دولار. ويبلغ حجم الفوائد على الاقتراض 1.1 تريليون دولار، أي أكثر من ضعف ما يُنفق على جميع النفقات الطبية ونفقات الإعاقات التابعة لوزارة شؤون المحاربين القدامى، والتي تضاعفت ثلاث مرات بسبب هذه الحروب.
يُقال لنا الآن إنّنا بحاجة إلى إنفاق 1.5 تريليون دولار سنويًا للحفاظ على أمننا، كما أننا نعاني نقصًا خطيرًا في الصواريخ بسبب الحرب مع إيران، وننفق مليارات الدولارات على متعاقدين عسكريين لا يزودوننا بالأسلحة اللازمة للحفاظ على أمننا. وخضنا حروبًا واختبارات عسكرية مع أوكرانيا لمعرفة ما إذا كنا قادرين على التعامل مع الحرب الحديثة، واتضح أنّنا غير قادرين على ذلك. كما نرسل القوات مرارًا وتكرارًا إلى الخارج إلى درجة أن جنودنا لا ينهارون فقط عندما يعودون إلى الوطن، بل وهم لا يزالون في مهام الانتشار العسكري.
هاجم بن لادن بوش ذات مرة بسبب جشعه للنفط ومحاباته للشركات الكبرى. ففي نهاية المطاف، حققت شركات مثل “هاليبرتون” أرباحًا طائلة، بينما لم يحقق بلدنا ذلك. وقال بن لادن: “لقد حجب سواد الذهب الأسود (النفط) عنه الرؤية والبصيرة، فقدم المصالح الخاصة على مصلحة أمريكا العامة”
ويمكن استخدام الجملة نفسها الآن لوصف ما يحدث مع إيران. ففي بداية الصراع، كنا ننفق ملايين الدولارات لمواجهة طائرات مسيّرة إيرانية تبلغ تكلفة الواحدة منها آلاف الدولارات، وكان هذا أمرًا تفاخر به بن لادن في عام 2004. وقال: “كل دولار من القاعدة هزم مليون دولار (أنفقته أمريكا)”.
وزعم جون كيرياكو، العميل السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، مؤخرًا أنه إذا توقفت الولايات المتحدة عن خوض الحروب، فسندخل في حالة ركود اقتصادي. وربما يكون هذا الطرح مبالغًا فيه، لكن تنامي الميزانية الدفاعية والدين الوطني باستمرار ينبغي أن يدفعانا إلى التساؤل عما إذا كنا نسير في المسار الصحيح.
فهل ينبغي لنا أن نرفع الراية البيضاء عندما يتعلق الأمر بالإرهاب؟ بالتأكيد لا. لكننا نحتاج حقًا إلى تقييم خسائرنا في الأرواح، والتريليونات التي أنفقناها، والحريات التي تخلينا عنها في الحرب على الإرهاب، وأن ندرك أنّ أفعالنا تؤدي بالضبط إلى ما أراده بن لادن.
وبصفتي أحد المحاربين القدامى الذين خدموا في العراق، وشاهدت بعينيّ انهيار برجي مركز التجارة العالمي، أعتقد أنّ الوقت قد حان للعودة إلى نقطة البداية وإعادة النظر في حربنا على الإرهاب. لأنه في هذه المرحلة، يبدو أن بن لادن قد انتصر.
المصدر: ذا هيل