• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

بنك مصر في مرمى واشنطن.. رسالة أميركية تتجاوز القاهرة وأبوظبي إلى المنطقة

عماد عنان٢٩ أغسطس ٢٠٢٦

يصعب قراءة الاتهامات الأميركية الموجهة إلى فرع بنك مصر في الإمارات بشأن التعامل مع مؤسسات تقول واشنطن إنها واجهات لكيانات إيرانية، باعتبارها إجراءً ماليًا عاديًا أو متوقعًا ضمن سياسة الضغط الاقتصادي التي تتبعها الإدارة الأميركية تجاه طهران، بهدف تقليص قدرتها على الوصول إلى النظام المالي الدولي ودفعها إلى تقديم تنازلات في العديد من الملفات بعد 6 أشهر من الحرب التي عجزت أمريكا عن حسمها عسكريًا.

ورغم تأكيد البنك المركزي المصري أن الإجراءات الأميركية المقترحة تقتصر على معاملات فرع بنك مصر في الإمارات مع البنوك المراسلة بالدولار الأميركي، ولا تمتد إلى بنك مصر داخل مصر أو إلى فروعه الخارجية الأخرى، فإن طبيعة الإجراء وحدوده وتوقيته فتحت نقاشًا أوسع بشأن دلالاته الاقتصادية والسياسية، والرسائل التي تسعى واشنطن إلى توجيهها من خلاله.

ويكتسب الأمر أهمية إضافية بالنظر إلى طبيعة الأطراف المعنية؛ فالبنك المستهدف تابع للدولة المصرية، التي ترتبط بعلاقات استراتيجية ممتدة وقوية ومتشعبة مع الولايات المتحدة، فيما يعمل الفرع داخل الإمارات، الشريك الاقتصادي والدفاعي المحوري في الشرق الأوسط بالنسبة للإدارة الأمريكية الحالية، وهو ما يطرح تساؤلات أوسع حول استعداد واشنطن نقل كلفة التعامل مع إيران إلى مؤسسات مالية تعمل داخل دول حليفة.. فما الذي تريده الولايات المتحدة من وراء هذا التحرك؟

تفاصيل الاتهام

على حسابه الشخصي على منصة “إكس” قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، إن وزارته تعهدت «بقطع كل شريان اقتصادي متبق لطهران»، محذرًا من أن الجهات التي تمكّن إيران من مواصلة أنشطتها لا يمكنها الاستمرار في التمتع بالوصول إلى الدولار الأميركي والنظام المالي العالمي، مضيفًا أن بنك مصر في الإمارات «اختار اختبار ذلك بالطريقة الصعبة» على حد تعبيره، وأن الخطوة الأميركية الحالية تمثل بداية لمحاسبته على ما وصفه بدعمه للنظام الإيراني.

وبحسب وزارة الخزانة الأميركية، عالجت فروع بنك مصر في الإمارات معاملات تقدر بنحو 1.8 مليار دولار خلال الفترة من يناير/كانون الثاني 2024 إلى يونيو/حزيران 2026، لصالح 103 شركات قالت واشنطن إنها قد تكون مرتبطة بشبكات «الصيرفة الظلية» الإيرانية، ولا يعني ذلك بالضرورة أن كامل هذه المبالغ أموال إيرانية أو أن جميع المعاملات غير مشروعة، وإنما يعكس حجم العمليات التي ربطت شبكة مكافحة الجرائم المالية الأميركية بين أصحابها وشبكات مالية يشتبه في ارتباطها بإيران.

ومن بين الأمثلة التي أوردتها واشنطن، معاملات تجاوزت 32 مليون دولار لصالح شركة «ألبا تريدنج» خلال عامي 2024 و2025، ونحو 29 مليون دولار لصالح شركة «نابا الزاكي» بين مارس/آذار ويوليو/تموز 2025، إضافة إلى نحو مليون دولار لصالح شركة «ميداس أويل تريدنج» في يناير/كانون الثاني 2025.

وانطلاقًا من هذه الاتهامات، اقترحت شبكة مكافحة الجرائم المالية التابعة لوزارة الخزانة الأميركية قطع علاقات المراسلة بالدولار مع عمليات بنك مصر في الإمارات، باعتبار أن الفرع مثّل، وفق التقدير الأميركي، قناة مهمة لوصول شبكات إيرانية إلى النظام المالي الدولي ومحاولة تجاوز العقوبات المفروضة على طهران.

ومع ذلك، لا يزال الإجراء في طور الاقتراح ولم يتحول إلى قرار نهائي، إذ يخضع لفترة تعليقات تمتد 30 يومًا بعد نشره في السجل الفيدرالي،  وهو ما يفتح نافذة أمام الجانب المصري لمراجعة الملف مع واشنطن، في وقت أعلن فيه البنك المركزي المصري بدء اتصالات مع السلطات الأميركية ووزارة الخزانة لبحث القرار وتقديم ما لديه من توضيحات ودفوع بشأن الاتهامات الموجهة إلى الفرع.

من التهديد للتنفيذ الفعلي.. رسالة ترهيب مباشرة

تحمل هذه الخطوة جملة من الدلالات التي تتجاوز حدودها المصرفية المباشرة، وفي مقدمتها التحول الواضح في طبيعة السياسة العقابية الأميركية تجاه إيران، فبعد عقود تركزت خلالها العقوبات بصورة أساسية على الشركات والكيانات الإيرانية ذاتها، تتجه واشنطن اليوم نحو ملاحقة البنية التحتية المالية الوسيطة التي تتيح لطهران مواصلة نشاطها الاقتصادي، واستهداف القنوات والمنافذ التي تعتمد عليها في الوصول إلى الأسواق والنظام المالي العالمي.

مثل هذا التحول يعكس انتقالًا من سياسة تستهدف المركز إلى سياسة تطوق الأطراف المحيطة به، بصرف النظر عن مقارباتها مع واشنطن،  بما يجعل العقوبات أكثر اتساعًا وتأثيرًا، ويحمّل الوسطاء والمؤسسات المتعاملة مع إيران جزءًا متزايدًا من كلفة الضغط الأميركي عليها.

كما تحمل هذه المقاربة رسالة تحذير مباشرة إلى الشركات والمؤسسات والدول التي تواصل تعاملاتها مع طهران، مفادها أن كلفة الحفاظ على تلك العلاقات قد تصبح أعلى من كلفة تقليصها أو إنهائها، وهنا تنتقل العقوبات من مجرد أداة لردع إيران إلى وسيلة لإعادة تشكيل حسابات الأطراف الثالثة نفسها، عبر وضعها أمام مفاضلة واضحة بين استمرار التعامل مع السوق الإيرانية من جهة، والحفاظ على الوصول إلى الدولار والنظام المالي الأميركي من جهة أخرى.

ومن ثم، فإن ما يجري لا يبدو مجرد تشديد فني للعقوبات، بقدر ما يعكس محاولة أميركية لتوسيع دائرة العزل الاقتصادي حول إيران، بحيث لا تقتصر الضغوط على طهران وحدها، وإنما تمتد إلى كل من يوفر لها قنوات تمويل أو تجارة أو تسوية مالية خارج الحدود.

الحلفاء قبل الخصوم.. كارت سياسي للجميع

حين تستهدف واشنطن بنكًا تابعًا لدولة حليفة مثل مصر، ويعمل داخل دولة ترتبط معها بشراكة دفاعية واقتصادية وثيقة مثل الإمارات، فإن الرسالة تتجاوز حدود المؤسسة المصرفية نفسها، فالتحرك الأميركي يحمل إنذارًا سياسيًا وماليًا واضحًا مفاده أن صفة «الحليف» أو «الشريك» لا توفر حصانة من الإجراءات العقابية إذا رأت واشنطن أن مؤسسات داخل هذه الدول تسهّل حركة الأموال الإيرانية أو تمنح طهران منافذ إلى النظام المالي الدولي.

ومن هذا المنظور، لا تبدو الرسالة موجهة إلى بنك مصر في الإمارات وحده، وإنما إلى مجمل البنوك والمؤسسات المالية والشركات العاملة في المنطقة، سواء كانت مملوكة لدول حليفة أو غير ذلك، فالمعيار الذي تحاول واشنطن تكريسه هو طبيعة المعاملة ومدى ارتباطها بالشبكات الإيرانية، وليس هوية الدولة التي تنتمي إليها المؤسسة، وقد يترك هذا التوجه أثرًا أوسع على منظومة الصيرفة الإقليمية، إذ من المرجح أن يدفع البنوك إلى تشديد إجراءات الامتثال والتحقق من المستفيد الحقيقي، ومراجعة الحسابات والتحويلات المرتبطة بالتجارة مع إيران، خشية التعرض لعقوبات أو قيود قد تمس قدرتها على الوصول إلى الدولار وشبكات المراسلة المصرفية الأميركية.

وعليه، يمثل التحرك اختبارًا حساسًا للعلاقات المالية مع الولايات المتحدة، فمن الجانب المصري، يُتوقع أن يدفع الملف إلى مزيد من التدقيق في تعاملات البنوك المصرية مع الشركات الإيرانية أو الكيانات التي قد تُصنف باعتبارها واجهات لها، وهو ما يفسر تحرك القاهرة سريعًا لفتح قنوات اتصال مع واشنطن ووزارة الخزانة الأميركية لتقديم التوضيحات والدفاع عن موقف البنك.

أما على الجانب الإماراتي، فتبدو الرسالة أوسع نطاقًا، بالنظر إلى الدور الذي لعبته الإمارات لسنوات بوصفها إحدى أهم النوافذ التجارية والمالية لإيران على العالم الخارجي، ومن ثم، قد يدفع التحرك الأميركي البنوك الإماراتية، وكذلك المؤسسات الأجنبية العاملة داخل الدولة، إلى رفع مستوى الحذر تجاه الحسابات والمعاملات المرتبطة بالتجارة الإيرانية، بما قد يزيد من كلفة التمويل والتسويات ويضيّق تدريجيًا هامش الحركة أمام الشبكات المالية المرتبطة بطهران.

أي تأثير على القطاع المصرفي المصري؟

بداية، لا يزال الإجراء الأميركي في إطار المقترح ولم يرتقِ بعد إلى مستوى القرار النهائي، إذ تخضع التوصية لفترة مراجعة وتعليقات تمتد نحو شهر، ما يفتح المجال أمام القاهرة وبنك مصر لتقديم ما لديهما من توضيحات ودفوع تتعلق بطبيعة المعاملات محل الاتهام، وخلال هذه الفترة، من المرجح أن يسعى الجانب المصري عبر فتح قنوات اتصال مع واشنطن لتسوية الأمر بقدر الإمكان عبر تقديم ضمانات إضافية بشأن تشديد إجراءات الامتثال، ووقف التعامل مع الكيانات محل الاشتباه، بما يقلل فرص انتقال المقترح إلى مرحلة التنفيذ الكامل.

وحتى في حال إقرار الإجراء بصيغته الحالية، والذي سيكون بالتنسيق حتمًا مع الشركاء في القاهرة وأبو ظبي،  فإن تأثيره المباشر سيظل محصورًا في عمليات بنك مصر داخل الإمارات المرتبطة بالدولار الأميركي والوصول إلى شبكة المراسلة المصرفية الأميركية، من دون أن يمتد تلقائيًا إلى المقر الرئيسي للبنك في القاهرة أو إلى بقية فروعه الخارجية، كما يظل بإمكان الفرع، من حيث المبدأ، تنفيذ معاملات بعملات أخرى ما دامت لا تمر عبر مؤسسات مالية أميركية، غير أن المخاطر الحقيقية قد تتجاوز حدود الأثر المباشر للإجراء إلى تداعيات غير مباشرة أكثر حساسية، في مقدمتها التأثير على السمعة المصرفية للبنك إقليميًا ودوليًا، وارتفاع كلفة الامتثال، وتشدد البنوك المراسلة والمؤسسات المالية الأجنبية في مراجعة علاقاتها وتعاملاتها معه.

كما قد تلجأ بعض البنوك الدولية، بدافع التحوط وتجنب المخاطر التنظيمية، إلى تقليص انكشافها على الفرع أو فرض متطلبات أكثر صرامة على التعامل معه، حتى من دون وجود التزام قانوني مباشر بذلك، وهنا تكمن خطورة ما يعرف بسياسة «خفض المخاطر»، إذ قد يتحول الإجراء الأميركي المحدود جغرافيًا إلى ضغوط أوسع على شبكة العلاقات المصرفية للبنك.

ومن ثم، فإن التحدي لا يقتصر على احتمال فقدان قناة محددة للتعامل بالدولار، وإنما يمتد إلى كيفية احتواء التداعيات على الثقة والعلاقات مع البنوك المراسلة، بما يمنع انتقال أثر القضية من فرع بنك مصر في الإمارات إلى نطاق أوسع يمس صورة البنك أو يفرض أعباء إضافية على جزء من القطاع المصرفي المصري.

في المحصلة، تحمل هذه الخطوة الأميركية رسائل سياسية تتجاوز بكثير كونها إجراءً عابرًا ضمن سياسة تطويق إيران اقتصاديًا وعزلها إقليميًا ودوليًا، فهي تعكس مقاربة أوسع تستخدم العقوبات الاقتصادية بوصفها أداة ضغط وابتزاز ذات أبعاد سياسية واستراتيجية ولوجستية، لا تقتصر على استهداف طهران وحدها، ولا حتى مصر أو الإمارات فحسب،  بل تمتد إلى كل طرف يختار الإبقاء على قنوات تعاون معها خارج الإطار الذي ترسمه واشنطن.

وبهذا المعنى، تبدو العقوبات جزءًا من سياسة تهدف إلى رفع كلفة الخروج عن المسار الأميركي، وإجبار الدول والمؤسسات على إعادة حساب مصالحها وتحالفاتها، بما يحد من قدرتها على المناورة خارج المنظومة التي تقودها الولايات المتحدة، في محاولة أوسع لإعادة تشكيل البيئة الإقليمية والدولية وفق موازين نفوذ جديدة، تستخدم فيها واشنطن الدولار والنظام المالي العالمي كأحد أبرز أدوات القوة، ووسيلة لإعادة ضبط سلوك الحلفاء والخصوم على حد سواء.

مواضيعالاقتصاد الإيراني ، الاقتصاد المصري ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، السياسة الأمريكية

قد يعجبك ايضا

اقتصاد

سوريا بوابة الخليج إلى أوروبا.. هل تولد خريطة تجارية جديدة عبر دمشق؟

نون إنسايت٢٧ أغسطس ٢٠٢٦
اقتصاد

محور نفطي خليجي–متوسطي جديد.. ماذا تريد الإمارات من بوابة العلمين؟

فريق التحرير٢٥ أغسطس ٢٠٢٦
اقتصاد

تباطؤ مبيعات الأسلحة لإسرائيل.. المشهد الظاهر يخفي بقية الحقيقة

سحر فاردي٢٤ أغسطس ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑