• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

فنزويلا تلوّح بمغادرة “أوبك”.. هل تتغير خريطة النفط العالمية؟

عماد عنان٣١ أغسطس ٢٠٢٦

في الثامن والعشرين من أغسطس/آب 2026، نقلت شبكة “بلومبرغ” أن فنزويلا تدرس خيار الانسحاب من منظمة الدول المصدرة للنفط “أوبك”، من دون أن تكون قد اتخذت قرارًا نهائيًا حتى الآن، ووفق ما أوردته الشبكة، فإن هذا الاحتمال جرى بحثه أيضًا مع مسؤولين أمريكيين، بما يوحي بأن الأمر يتجاوز مجرد فكرة عابرة، ويدخل في إطار نقاش سياسي واقتصادي واسع.

تزامن ذلك مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التوصل إلى اتفاق مع فنزويلا يمنح أمريكا وشركاتها دورًا واسعًا في تطوير واستغلال الاحتياطيات النفطية الفنزويلية الضخمة، مما يعزز الانطباع بأن مسار إعادة دمج النفط الفنزويلي في المنظومة الأمريكية والغربية يتحرك بوتيرة متسارعة، وهو المسار الذي بدأت إرهاصاته تتضح عقب اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في يناير/كانون الثاني الماضي.

وفي ضوء هذين التطورين، عاد الحديث بقوة عن احتمال انسحاب فنزويلا رسميًا من “أوبك”، بعد نحو ثلاثة أشهر من الخطوة الإماراتية، ورغم عدم وجود مؤشرات حاسمة حتى الآن على وجود رابط مباشر بين الحالتين، فإن تتابع مثل هذه التحركات يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع بشأن مستقبل المنظمة وتماسكها.. فماذا يعني خروج فنزويلا إذا تم؟ وما حجم تأثيره على “أوبك” وتوازناتها؟ وإلى أي مدى تلعب الولايات المتحدة دورًا في دفع هذا المسار؟ وهل نشهد بالفعل بداية إعادة تشكيل لخريطة النفط العالمية؟

خطوة استثنائية

لا يمكن التعامل مع تلويح فنزويلا بالانسحاب من منظمة “أوبك” باعتباره خطوة عادية أو تقليدية، فكاراكاس ليست عضوًا هامشيًا داخل المنظمة، بل واحدة من الدول الخمس المؤسسة لها عام 1960 إلى جانب السعودية وإيران والعراق والكويت، ومن ثم، فإن انسحابها -إذا تم- سيحمل دلالة رمزية وسياسية استثنائية باعتباره أول خروج لدولة مؤسسة من المنظمة، بما يمنحه وزنًا مختلفًا تمامًا عن الانسحاب الإماراتي في أبريل/نيسان الماضي.

وفنزويلا ليست أول دولة عضو تفكر في مغادرة “أوبك” أو الابتعاد عن إطارها التنظيمي، فقد سبقتها قطر في 2019، والإكوادور في 2020، وأنغولا في 2024، إلى جانب حالات تعليق عضوية سابقة لإندونيسيا، قبل أن تأتي الإمارات باعتبارها أحدث حلقات هذه السلسلة، ما يكشف عن تصاعد وحجم الضغوط داخل المنظمة، وتباينات الأعضاء بشأن أولويات السياسة النفطية والعلاقة مع التحولات الجديدة في سوق الطاقة.

أما عامل التوقيت، فيمنح التلويح الفنزويلي بعدًا أكثر حساسية، إذ يأتي في لحظة تشهد فيها أسواق الطاقة اضطرابات حادة مرتبطة بمضيق هرمز وحركة الملاحة الدولية، وما ترتب على ذلك من ضغوط على الإمدادات والأسعار، وفي مثل هذا المشهد الهش، فإن مجرد احتمال خروج دولة بحجم ورمزية فنزويلا من “أوبك” يضيف عنصرًا جديدًا من عدم اليقين، ويفتح الباب أمام تساؤلات أوسع بشأن قدرة المنظمة على الحفاظ على تماسكها ونفوذها في سوق نفط تتغير موازينها بسرعة.

المستفيد الأكبر

يصعب فصل التفكير الفنزويلي في الانسحاب من “أوبك” عن التحولات الكبيرة التي شهدتها علاقة كاراكاس بواشنطن خلال الفترة الأخيرة، ولا سيما بعد سقوط نظام مادورو وصعود سلطة أكثر انبطاحا أمام ترامب وإدارته،  ومن هنا يمكن القول إن أمريكا هي اللاعب الرئيسي الأبرز في إعادة ترتيب قطاع النفط الفنزويلي، سواء عبر شركاتها أو من خلال توسيع نفوذها في مسارات الإنتاج والتصدير والاستثمار.

وتعكس الأرقام حجم هذا التحول؛ ففي يوليو/تموز الماضي ارتفعت الشحنات النفطية الفنزويلية المتجهة إلى الولايات المتحدة من نحو 284 ألف برميل يوميًا في يناير/كانون الثاني، خلال أواخر عهد مادورو، إلى قرابة 786  ألف برميل يوميًا، وهو أعلى مستوى منذ أوائل عام 2019،  ما يشير إلى تسارع واضح في إعادة توجيه جزء كبير من النفط الفنزويلي نحو السوق الأمريكية.

وبالتوازي مع ذلك، منحت إدارة ترامب شركات النفط الأمريكية، وفي مقدمتها “شيفرون”، مساحة أوسع لتعزيز حضورها في قطاع الطاقة الفنزويلي، قبل أن يعلن ترامب لاحقًا عن اتفاق يمنح بلاده وشركاتها دورًا واسعًا في تطوير الاحتياطيات النفطية الفنزويلية وإدارة جانب مهم من إنتاجها وتصديرها، وهو ما يعزز الانطباع بأن واشنطن تسعى إلى إعادة دمج فنزويلا بصورة أعمق داخل منظومة الطاقة الغربية.

وتحاول الولايات المتحدة، من خلال هذا النفوذ المتزايد، تحقيق جملة من الأهداف؛ في مقدمتها زيادة المعروض النفطي بما يساعد على كبح الأسعار العالمية، خصوصًا في ظل الاضطرابات المرتبطة بمضيق هرمز، إلى جانب تقليص النفوذ الروسي والصيني داخل فنزويلا، صاحبة أحد أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم، وتحويل هذه الاحتياطيات تدريجيًا إلى رصيد استراتيجي يخدم المصالح الأمريكية والغربية على المدى الطويل.

وبناءً على هذه المعطيات، تبدو واشنطن المستفيد الأبرز من أي انسحاب فنزويلي محتمل من “أوبك”، إذ سيمنح كاراكاس هامشًا أوسع للتحرك خارج قيود وتفاهمات المنظمة، بما يتوافق مع المصالح الأمريكية في زيادة الإنتاج وإعادة توجيه الصادرات، ويعزز هذا الاحتمال ما أوردته “بلومبرغ” بشأن مناقشة خيار الانسحاب بالفعل مع مسؤولين أمريكيين، ما يوحي بأن الخطوة، وإن لم تُحسم بعد، باتت جزءًا من حسابات سياسية واقتصادية أوسع.

سياسي أكبر منه اقتصادي.. حجم التأثير المتوقع

رغم أن فنزويلا تمتلك نحو 303 مليارات برميل من الاحتياطيات النفطية المؤكدة، فإن هذه الثروة الهائلة لا تنعكس تلقائيًا على قدرتها الفعلية في التأثير بأسواق النفط، فجزء كبير من إنتاجها يتكون من الخام الثقيل وفائق الثقل، وهو ما يتطلب استثمارات ضخمة، وتقنيات متقدمة، ومواد تخفيف، وبنية تحتية قوية في مجالات الاستخراج والنقل والتكرير والتصدير، ومع تراجع كفاءة الموانئ والمنشآت وشبكات الإنتاج خلال السنوات الماضية، تقلصت القدرة التصديرية لفنزويلا بصورة كبيرة مقارنة بما كانت عليه تاريخيًا.

ومن هذا المنطلق، فإن انسحاب فنزويلا من “أوبك” -إذا تم- لن يشكل بالضرورة صدمة فورية لأسعار النفط، لأن الوزن الحقيقي لأي دولة داخل السوق لا يقاس بحجم الاحتياطي فقط، وإنما بقدرتها على تحويل هذا الاحتياطي إلى إنتاج إضافي قابل للتصدير،  لكن المعادلة قد تتغير إذا تدفقت استثمارات كبيرة لتحديث البنية التحتية، ورفع كفاءة الحقول، وتحسين عمليات المعالجة والنقل، بما يسمح بزيادة مستدامة في الطاقة الإنتاجية خلال السنوات المقبلة. عندها فقط يمكن للنفط الفنزويلي أن يستعيد ثقله الفعلي في موازين العرض العالمي.

وعليه، قد يكون الأثر الأكثر وضوحًا في المدى القريب سياسيًا ورمزيًا أكثر منه سعريًا؛ فخروج دولة مؤسسة مثل فنزويلا سيشكل ضربة لصورة “أوبك” وتماسكها المؤسسي، حتى لو ظل تأثيره المباشر على الإمدادات محدودًا، كما قد يثير تساؤلات داخل المنظمة بشأن قابلية انتقال العدوى إلى دول أخرى، خصوصًا الأعضاء الذين يواجهون ضغوطًا داخلية أو خلافات مرتبطة بحصص الإنتاج ومصالحهم الوطنية.

إعادة تشكيل خارطة النفط

من غير الموضوعي القفز إلى استنتاجات تتحدث عن انهيار منظمة “أوبك” في حال انسحاب فنزويلا، فمثل هذا الخطاب تكرر تقريبًا مع كل خروج سابق من المنظمة من دون أن يؤدي إلى تفككها، إذ لا تزال السعودية تمتلك الثقل الأكبر من حيث القدرة الإنتاجية الفائضة داخل “أوبك”، فيما تحافظ دول رئيسية مثل العراق والكويت والجزائر، إلى جانب إطار “أوبك+”، على قدرة معتبرة في التأثير في توقعات السوق وتوجيه مسارات العرض والأسعار.

لكن ذلك لا يعني أن موجة الانسحابات المتتالية تمر من دون كلفة سياسية ومؤسسية، فحتى إذا ظل أثرها المباشر على الأسعار والإنتاج محدودًا، فإن تكرار خروج أعضاء من المنظمة قد يفرض على “أوبك” مراجعة آلياتها الداخلية وسياساتها ونظام الحصص، وربما إعادة تقييم طبيعة العلاقة بين مصالح المنظمة الجماعية والمصالح الوطنية لكل دولة، بهدف الحفاظ على تماسك الكتلة ومنع اتساع دائرة الراغبين في التحرك خارجها.

وفي المحصلة، تعكس التطورات الأخيرة تحولًا أوسع في خريطة القوة النفطية العالمية، التي لم تعد تتمحور حول مركز ثقل واحد في الخليج كما كان الحال تاريخيًا، فهناك مركز متصاعد في الأمريكيتين، تقوده الولايات المتحدة وكندا والبرازيل، وقد تنضم إليه فنزويلا بصورة أكثر فاعلية، في مقابل مركز أوراسي وآسيوي تلعب فيه روسيا والصين أدوارًا محورية في الإنتاج والطلب والتكرير والتجارة، بما يعيد توزيع النفوذ داخل سوق الطاقة العالمية.

ومن هنا، فإن التحدي الذي قد تواجهه “أوبك” مستقبلًا لن يقتصر على تحديد مستويات الإنتاج أو الدفاع عن نطاق سعري معين، بل سيكون أكثر عمقًا: هل تستطيع المنظمة إقناع كبار المنتجين بأن مصالحهم الاستراتيجية ما زالت تتحقق بصورة أفضل من خلال البقاء داخل منظومة الحصص والتنسيق الجماعي، أم أن التحولات الجديدة في سوق الطاقة ستدفع مزيدًا منهم إلى تفضيل حرية الحركة والعمل المنفرد خارجها؟

مواضيعأسعار النفط ، صراع الطاقة ، مصادر الطاقة ، مضيق هرمز

قد يعجبك ايضا

اقتصاد

بنك مصر في مرمى واشنطن.. رسالة أميركية تتجاوز القاهرة وأبوظبي إلى المنطقة

عماد عنان٢٩ أغسطس ٢٠٢٦
اقتصاد

سوريا بوابة الخليج إلى أوروبا.. هل تولد خريطة تجارية جديدة عبر دمشق؟

نون إنسايت٢٧ أغسطس ٢٠٢٦
اقتصاد

محور نفطي خليجي–متوسطي جديد.. ماذا تريد الإمارات من بوابة العلمين؟

فريق التحرير٢٥ أغسطس ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑