ترجمة وتحرير: نون بوست
يكشف تحقيق استقصائي مشترك وحصري عن لجوء التنظيم إلى طمر أصوله تحت الأرض في صحاري سوريا والعراق، وتتبع مسارات اكتشافها تباعاً.
توصل تحقيق استقصائي مشترك أجرته “وحدة التحقيقات الاستقصائية السورية للمساءلة الصحفية” (سراج) ومجلة “نيولاينز” إلى أنه عندما شعر تنظيم الدولة الإسلامية بقرب نهايته، سارع إلى إخفاء عشرات الملايين من الدولارات في غرف تحت الأرض جيدة التهوية ومثبتة في أنحاء متفرقة من مناطقه في العراق وسوريا. وقد علم التحقيق أن قوات الحكومة المركزية العراقية، وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) بقيادة كردية، والتحالف الدولي قد استرجعت حتى الآن ما لا يقل عن 47 مليون دولار نقداً وعلى شكل ذهب.
حدد فريق التحقيق مواقع المخابئ المسترجعة، والتي تركز معظمها في ممر استراتيجي يمتد من دير الزور إلى محافظة الأنبار العراقية، وهي نفس المنطقة التي طالما استخدمها التنظيم لتهريب أمواله وأسلحته.
وعلى الرغم من أن هذه الجهود تبدو ضئيلة مقارنة بشبكة التنظيم المالية الواسعة العابرة للحدود، إلا أنه ما زال يعتمد على كنزه المدفون بغرض إعادة بناء قدراته العملياتية.
وتستند النتائج التي تكشف تفاصيل هذه الشبكة المالية تحت الأرض بالمعنى الحرفي إلى مجموعة من وثائق تنظيم الدولة الإسلامية المحفوظة على قرص صلب عُثر عليه في أحد مقرات القيادة السابقة والمعروفة للتنظيم؛ وقد تمكّن التحقيق المشترك من التحقق من أصالة هذه المستندات عبر سلسلة مقابلات مع خبراء محليين ودوليين، إلى جانب مقاتلين سابقين بارزين في صفوف التنظيم.
وفي سبتمبر/أيلول 2020، وبينما كان التنظيم يتجرع مرارة فقدان آخر معاقله الرئيسية في سوريا والعراق، صدرت وثيقة داخلية عن “والي الشام” (المشرف على الأراضي السورية التابعة للتنظيم) حملت توجيهاً مقتضباً وصريحاً لكل أمير إقليمي وقائد وحدة ميدانية: “اِدفنوا الأموال”.
يأتي هذا التوجيه متصلاً بجزء من الثروة الطائلة التي جمعها التنظيم على مدار سنوات من سيطرته المطلقة على مساحات شاسعة من سوريا والعراق حيث فرض على مسؤوليه الماليين توزيع الأموال عبر مواقع دفن آمنة متعددة مع ضمان إبقائها قابلة للاسترداد عند الحاجة الملحة.
وتكشف تلك الوثيقة المحورية، إلى جانب أكثر من 200 سجل مالي وأمني حصل عليها فريق التحقيق، أن تنظيم الدولة الإسلامية لم يتعامل قط مع انهيار “خلافته المزعومة” على أنه نهاية لمشروعه، بل اعتبره مجرد مرحلة انتقالية جديدة تتطلب حماية موارده المالية وتشتيتها في مخابئ سرية تتوزع عبر الصحاري والبلدات.
وعلى مدار أكثر من 20 شهراً من العمل الميداني والبحثي، تمكن فريق التحقيق من التوثيق والتحقق من تسع عمليات أمنية كبرى قادها التحالف الدولي، جرى خلالها استعادة أموال نقدية وكميات من الذهب ومعادن ثمينة أخرى أخفاها التنظيم بعناية في سوريا والعراق. كما حلل الفريق وثائق تنظيمية داخلية، وشهادات خبراء، ومعلومات من مصادر أمنية تكشف، لأول مرة علناً، الهيكل الإداري والمالي الدقيق الذي حكم هذه المخابئ والدور الحاسم الذي لعبته في الحفاظ على جزء من القدرة المالية للتنظيم بعد تهاوي سيطرته الميدانية.
وفي صباح الأول من أبريل/نيسان 2023، لم يكن هناك ما يلفت الانتباه إلى المزرعة المهجورة الواقعة جنوب الرقة؛ فهي مجرد أرض قاحلة تتناثر فيها أشجار مبعثرة، وبقايا هيكل من اللبن (الطوب الطيني) أكلته سنوات الحرب، لتبدو تماماً مثل عشرات المواقع المنسية المنتشرة في عمق البادية السورية.
وتحت لهيب الشمس الحارقة، بدأ أعضاء من قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، بدعم مباشر من التحالف الدولي ضد داعش بقيادة الولايات المتحدة، في أعمال الحفر بالقرب من حافة المزرعة. لم يكن واضحاً ما الذي يبحثون عنه في البداية، إلى أن تغير لون التربة في إحدى الزوايا، واتضح جلياً أن الأرض قد أُغلقت وعُولجت بعناية فائقة قبل سنوات طويلة. ومع إزالة المزيد من طبقات الأتربة، بدأت حواف براميل معدنية مدفونة تحت السطح في الظهور تدريجياً.
وكانت المفاجأة الصادمة كبيرة: أربعة براميل كاملة مخفية بإحكام داخل حفرة سرية تم تمويهها بدقة شديدة، إلى جانب أكياس محكمة الإغلاق تحوي ما يقرب من مليون دولار نقداً.
وعندما فُتح البرميل الأول، تلألأت قطعه وسبائكه الذهبية تحت ضوء الشمس لأول مرة منذ سنوات إذ حُفظت بعناية فائقة ضمن طبقات عازلة حمتها تماماً من الرطوبة والغبار.
ولم تكن هذه الاكتشافات مجرد حادثة معزولة، بل شكلت نافذة واضحة على شبكة مترامية الأطراف من المخابئ والمستودعات السرية المنتشرة في صحاري سوريا والعراق، والتي لا تزال خلايا معينة تابعة للتنظيم تعتمد عليها اعتماداً أساسياً في التمويل والبقاء.
وقد شكلت خسارة التنظيم لمدينة الموصل العراقية في يوليو/تموز 2017 نقطة التحول الكبرى وبداية الانهيار الفعلي لسيطرته الإقليمية في كلا البلدين. وبحلول يناير/كانون الثاني 2025، وثق فريق التحقيق تسع عمليات كبرى عُثر خلالها على مخابئ حصينة تحتوي على أموال نقدية وذهب ومعادن ثمينة كان التنظيم قد حرص على إخفائها قُبيل انهيار سنوات سيطرته الأخيرة.
ووفقاً للنتائج الموثقة للتحقيق، تجاوزت قيمة الأموال النقدية المكشوفة وحدها 5.6 مليون دولار. وإلى جانب ذلك، بلغت قيمة أربعة براميل أخرى مملوءة بالذهب بالكامل، ونحو 200 سبيكة ذهبية، إلى جانب عملات متنوعة ومعادن ثمينة أخرى، ما لا يقل عن 31 مليون دولار.
تنوعت الجهات التي نجحت في العثور على هذه المخابئ السرية لتشمل: التحالف الدولي، والأجهزة الأمنية العراقية، وقوات سوريا الديمقراطية، والقوات التابعة لنظام بشار الأسد، وقوات الحرس الثوري الإيراني، والفصائل السورية المعارضة، إضافة إلى مدنيين محليين كانوا يبحثون عن الكنوز في المناطق المهجورة.
وعلى الرغم من ضخامة ما تم الكشف عنه للضوء، تشير الأدلة التي جمعها فريق التحقيق إلى أن معظم هذه الاكتشافات تمت بمحض الصدفة، سواء أثناء المداهمات والتفتيشات الأمنية المعتادة أو بناءً على معلومات أدلى بها أعضاء سابقون ومعتقلون من تنظيم الدولة الإسلامية. ورغم ذلك، يُرجح أن الجزء الأكبر من هذه الثروة لا يزال مخفياً في مواقع ربما طواها النسيان، مع بقاء الاعتقاد بأن بعضها يمثل مورداً مالياً حيوياً للخلايا النائمة والمجموعات التابعة في مناطق متفرقة من سوريا والعراق.
وفي مقابلات خاصة أجراها الفريق مع ثلاثة مسؤولين أمنيين كانوا يراقبون نشاط التنظيم وطلبوا عدم الكشف عن هوياتهم، فضلاً عن خمسة أعضاء سابقين في صفوفه، أكد الجميع أن الكنوز التي ما زالت مدفونة ليست مجرد أساطير أو شائعات، بل هي جزء حقيقي وفعال من البنية المالية للتنظيم التي صمدت لسنوات طويلة بعد سقوط “خلافته”.
ولا تزال هذه الأموال والكميات المخفية من الذهب تمثل شريان حياة حقيقياً للتنظيم حيث تُستغل الأصول لاستعادة القدرات العملياتية عبر شراء الأسلحة وإعادة بناء شبكات المقاتلين والحلفاء على الأرض، وهي جهود تخضع للمتابعة والرصد المستمرين.
ففي أبريل/نيسان 2021، تمكنت الشرطة العراقية من ضبط مخبأ تزيد قيمته على 1.5 مليون دولار داخل منزل قديم في حي الموصل القديم، إلى جانب 17 مليون دينار عراقي، و15 كيلوغراماً من الفضة، ونحو نصف كيلوغرام من الذهب. وقد تبين أن هذا المنزل كان يُستخدم في السابق كَمقر مالي يُعرف بـ “بيت مال المسلمين”، وهو مصطلح تاريخي يعكس نموذج الخزانة العامة المستمد من عهد الخلافة الأولى.
وفي هذا السياق، يوضح أيمن الدسوقي، الباحث المتخصص في اقتصاد سوريا والإدارة المحلية، لفريق التحقيق قائلاً: “بعد تآكل السلطة المركزية للتنظيم في سوريا، اضطر للتحول إلى نموذج لامركزي يعتمد على خلايا صغيرة ومكتفية ذاتياً. وهذا يفسر اللجوء إلى التمويه والدفن كتكتيك رئيسي لحماية القدرة العملياتية وتقليل مخاطر الاختراق والملاحقة الأمنية”.
ولطالما اعتمد التنظيم في مرحلة صعوده الأولى على تخزين أمواله وذهبه في مواقع مركزية آمنة، مثل خزائن البنوك المركزية في مدينتي الرقة والموصل حينما كانتا تحت سيطرته المطلقة.
غير أن ظاهرة العثور على المخابئ غير المُكتشفة استمرت طوال عام 2025 فقد تم العثور على ثلاثة ملايين دولار مدفوعة في بلدة الباعج العراقية، وأكثر من 1.5 مليون دولار في الموصل، فضلاً عن مخبأ ضخم للذهب والعملات الأجنبية قُدر بنحو 16 مليون دولار بالقرب من بلدة القائم على الحدود السورية العراقية.
ويؤكد الباحث الأردني حسن أبو هنية هذه الاستراتيجية بالقول: “قبيل سقوط الموصل مباشرة، أنشأ تنظيم الدولة الإسلامية لجنة متخصصة لدفن الأموال والذهب، ووضع إستراتيجية كاملة ومحكمة لذلك، إذ كان يدرك تماماً مصيره الحتمي بمجرد تدخل التحالف الدولي”.
ولكشف تفاصيل استخدام التنظيم لهذا التكتيك المعقد للحفاظ على موارده المالية، استند هذا التحقيق إلى تحليل دقيق لوثائق داخلية أصدرها أبرز قادة التنظيم، إلى جانب شهادات الخبراء وسلسلة مقابلات مع مصادر أمنية وسكان محليين. وتكشف الوثائق بوضوح أن التنظيم طوَّر نظاماً إدارياً متكاملاً لإدارة هذه المخابئ السرية، شمل التحديد الدقيق للإحداثيات، وتشفير المعلومات المتعلقة بمواقعها، وتوزيع المسؤوليات الإدارية على مختلف مستويات التنظيم الهرمي.
وعلى الرغم من أن هذه الوثائق تكشف عن جهد مؤسسي ممنهج لدفن الأموال والذهب، إلا أن الحجم الفعلي للدور الذي تلعبه هذه المخابئ في تمويل نشاط التنظيم المعاصر يظل موضع نقاش وجدل واسع بين باحثي الحركات الجهادية.
يعتقد كريغ وايتسايد، أستاذ شؤون الأمن القومي في كلية الدراسات البحرية العليا الأمريكية وأحد أبرز خبراء تنظيم الدولة الإسلامية، أن التنظيم كان يستغل موارده للحفاظ على شبح حضور عملياتي ما.
وقال وايتسايد: “أعلم أن التنظيم اضطر إلى استخدام مبالغ كبيرة من احتياطياته المالية منذ عام 2019 لإعالة أعضائه وعملياته، مهما كانت محدودة”.
يُظهر تحليلنا أن ستة من المخابئ التسعة اكتُشفت في الصحراء أو المناطق النائية، بينما عُثر على الباقي داخل منازل أو مزارع خاصة، مما يشير إلى أن التنظيم اعتمد على مواقع يصعب الوصول إليها بدلاً من المنشآت العسكرية التقليدية.
على الرغم من خسارة معظم أراضيه في سوريا والعراق، لم يختفِ تنظيم الدولة الإسلامية. وفي خضم الفراغ الأمني الذي رافق سقوط نظام الأسد، كثف التنظيم نشاطه مجدداً في أجزاء مختلفة من سوريا.
وامتدت جهود التنظيم للحفاظ على موارده المالية إلى ما بعد سوريا والعراق. فقد روى عضو سابق في تنظيم الدولة الإسلامية احتجزته قوات سوريا الديمقراطية في سجن الصناعة بحي الغويريان في الحسكة لفريق التحقيق، أنه قبيل الانهيار الإقليمي للتنظيم مباشرة، انتقل ثلاثة قادة كبار إلى اليمن ومعهم مبالغ ضخمة من النقد والذهب بهدف إعادة بناء خلايا التنظيم. ووفقاً لروايته، سعوا للاستفادة من التضاريس الجبلية الوعرة في اليمن التي تجعل تعقبهم صعباً، فضلاً عن حالة عدم الاستقرار في البلاد.
لكن التنظيم الذي أدار قبل سنوات ما يشبه الدولة، بمؤسساتها الأمنية والعسكرية والمالية، لم يعد يعمل على هذا المستوى. وبحسب بيانات وزارة الداخلية السورية بشأن تفكيك خلايا تنظيم الدولة الإسلامية في عدة محافظات، تعمل معظم الوحدات والخلايا الآن بشكل منفصل، مستخدمة الأسلحة الخفيفة والعبوات الناسفة لتنفيذ هجمات محدودة النطاق.
تكفي الأموال والذهب المُكتشفة لسداد رواتب نحو 10,000 مقاتل لمدة عام كامل، استناداً إلى تقديرات رواتب التنظيم في ذروة نشاطه كما يتجاوز إجمالي المبلغ المُستعاد المُتحقق منه كافة التقديرات الدولية السابقة لما يُحتمل أن التنظيم قد احتفظ به في خزائنه عقب سقوطه.
في أغسطس/آب 2024، نشر مركز مكافحة الإرهاب في ويست بوينت دراسة تُقدر أن تنظيم الدولة الإسلامية، بعد سقوط خلافته، احتفظ باحتياطيات مالية تتراوح بين 10 ملايين و30 مليون دولار، بينما قدرت وزارة الخزانة الأمريكية أن التنظيم لا يزال يحتفظ بما بين 10 ملايين و20 مليون دولار من الأصول السائلة والنقدية داخل سوريا والعراق، بعيداً عن متناول السلطات والأجهزة الأمنية.
لا تكمن قيمة الكنز المدفون في حجمه فحسب، والذي قد لا يكون كبيراً في بعض الأحيان من حيث المبالغ بالدولار، بل في قدرته على توفير مصادر تمويل جاهزة لخلايا مسلحة صغيرة متواجدة في مناطق متباينة، وفقاً للدسوقي.
وقال الدسوقي: “قدرة التنظيم على الاستفادة من هذه المدخرات تعتمد على عدة عوامل، منها: استمرار وجود المدخرات، والخلايا النائمة، والقرار العملياتي”.
ووفقاً لمقابلات أجريت مع العديد من الضباط الأمنيين والمقاتلين السابقين في سوريا والعراق، ظهر على مدار السنوات شبكة غير رسمية من السعاة وباحثين عن الكنوز، بما في ذلك أعضاء سابقون في تنظيم الدولة الإسلامية، مدفوعين بالعثور على المخابئ المدفونة واسترجاعها مقابل الحصول على حصة من العائدات.
تعود ثروة التنظيم إلى سنوات صعوده، عندما سيطر بين عامي 2014 و2017 على مساحات واسعة من سوريا والعراق. وفي يونيو/حزيران 2014، استولى التنظيم على الموصل واستحوذ على مئات الملايين من الدولارات نقداً وذهباً كانت محفوظة في البنوك والمؤسسات الحكومية. كما سيطر على حقول النفط، والمناجم، والمصانع، والأراضي الزراعية، وأنشأ شبكات لبيع النفط والمعادن والآثار في السوق السوداء.
في غضون بضع سنوات، وبفضل مصادر الإيرادات المتنوعة هذه، أصبح التنظيم أحد أغنى المنظمات المسلحة في العالم حيث قدرت بعض الدراسات حجم أصوله وممتلكاته بنحو 6 مليارات دولار بحلول عام 2015.
فقدان الأراضي لم يكن بالضرورة يعني فقدان الثروة.
يُظهر تحليلنا للوثائق المالية أن الخزائن والمخابئ الممتدة على طول الحدود السورية العراقية كانت مصدر تمويل رئيسي بعد الانهيار. وتُظهر البيانات أن الأموال المُحوَّلة من هذه الخزائن شكلت جزءاً كبيراً من ميزانيات تشغيل التنظيم في سوريا اعتباراً من عام 2019 فصاعداً.
ووفقاً للمراسلات الداخلية التي راجعها فريقنا، اعتمد التنظيم أيضاً على الجبايات القسرية، والتحويلات الخارجية، ودعم المتعاطفين، والسطو المسلح، إلى جانب الاستثمارات والأموال المُدارة خارج سوريا والعراق.
وقال عمار فرهود، الباحث المقيم في إسطنبول والمتخصص في الجهات الفاعلة من غير الدول، إن الخطط المالية للتنظيم تتجاوز مجرد تخزين أصوله. وكانت هذه خطوات اتخذها قادة إقليميون ميؤوس منهم بدلاً من أن تمثل استراتيجية شاملة لتنظيم الدولة الإسلامية.
وأضاف: “الحلول المالية الاستراتيجية لتنظيم الدولة الإسلامية تقوم على استثمار الأموال وتدويرها، أكثر من دفنها وتجميدها”.
تواصل فرق التحقيق مع وزارة الداخلية السورية، وقوات سوريا الديمقراطية، وقيادة التحالف الدولي للاستفسار عن تقديراتهم لحجم المخابئ التي لا تزال غير مكتشفة وآليات التعامل معها، غير أنه لم يتلقَ أي رد حتى لحظة النشر.
وعلى الرغم من الأهمية الاستراتيجية لهذه المخابئ، يشير الخبراء إلى أن الغالبية العظمى من عمليات التنظيم تعتمد بشكل أساسي على مصادر التمويل المحلية، كالابتزاز، وطلب الفديات، وشبكات التهريب، في حين تظل الأموال الاحتياطية مصدراً رديفاً للدعم، أو مخصصاً لتمويل تأسيس معاقل جديدة أو توسيع القائمة منها.
وفي السياق ذاته، يرى كريغ وايتسايد أن الاحتياطيات المالية المخفية كانت تمثل حلاً منطقياً لتنظيم فقد موارده المرتبطة بالهيمنة على الأراضي، لكنه يقر بأن مصادر التمويل الحالية القائمة على الابتزاز، والشبكات المالية المعقدة، والأنشطة الاقتصادية غير المشروعة أصبحت أشد أهمية بكثير من الأموال المدفونة ذاتها.
وقال وايتسايد في هذا الصدد: “أتوقع أن تكون مصادر التمويل الأخرى ذات أهمية أكبر اليوم مقارنة بالاحتياطيات النقدية أو الأصول المخفية”. وأضاف مشدداً على أن تتبع ملكية هذه الأموال وتحديد مواقعها يمثلان أحد أبرز التحديات التي تواجه الأجهزة الأمنية، لافتاً إلى أن جزءاً معتبراً من هذه الثروة ربما كان عرضة للفساد والاختلاس داخل هيكل التنظيم نفسه، استناداً إلى حالات موثقة سابقة لمسؤولين في تنظيم الدولة الإسلامية فروا إلى دول أخرى بعد الاستيلاء على مبالغ طائلة.
ومن بين الوثائق الحصرية التي حصل عليها الفريق، يبرز مستند واحد بوضوح استثنائي ليقدم دليلاً دامغاً على أن دفن الأموال والذهب لم يكن حدثاً عرضياً، بل سياسة مؤسسية مُتبعة. وتحمل الوثيقة الصادرة عن والي الشام بتاريخ 14 مايو/أيار 2021 أمراً ملزماً لجميع الأمراء الإقليميين وقادة الوحدات بتوزيع الأموال عبر مواقع دفن آمنة متعددة واسترجاعها عند الحاجة التشغيلية الملحة.
وجاء في التوجيه الصريح الذي يحمل توقيع أبو الحارث: “نُوجهكم بالطاعة لأمرائكم و بدفن الأموال التي بين أيديكم وتوزيعها على عدة أماكن آمنة، والاستخراج منها بحسب حاجتكم، كما يفعل إخوانكم في العراق”.
وتكشف الوثيقة بوضوح أن قيادة التنظيم اعتبرت عملية الدفن إجراءً احترازياً وقائياً يهدف إلى حماية الأموال، والأسلحة، والأسرار التنظيمية الحساسة من المصادرة أو الوقوع في أيدي الخصوم. كما توضح جلياً أن هذه السياسة جرى تطبيقها مسبقاً في العراق، ويتم تعميمها منهجياً على كافة مناطق تواجد تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا، سواء كانت مناطق نشاط مباشر أو مساحات تنشط فيها خلايا نائمة.
ولا تقتصر دلالات الوثيقة على ذلك، بل تعكس نهجاً مؤسسياً منظماً لإدارة الأصول، قائماً على تشتيت الثروة وتقليل مخاطر ضياعها تماماً في حال سقوط القادة أو تفكك الهياكل الإدارية؛ لتؤكد أن هذه المخابئ لم تكن مستودعات مؤقتة للطوارئ، بل جزءاً من استراتيجية أمدها طويل تضمن الحد الأدنى من القدرة المالية حتى في أوقات التراجع العسكري والأمني الحاد.
ويعلق “خالد”، وهو اسم مستعار لمصدر أمني يعمل في شمال غرب سوريا ويتابع عن قرب حركة خلايا تنظيم الدولة الإسلامية في حلب، قائلاً: “هذا الأمر الواضح الصادر عن أعلى سلطة في التنظيم بسوريا يؤكد أن دفن الأموال كان ركيزة أساسية في استراتيجيته المالية عبر سوريا والعراق. لقد ساهم ذلك بفاعلية في تشتيت الثروة وتقليص فرص وصول الأطراف المحلية أو التحالف الدولي إليها. ويعكس هذا أيضاً صلابة تصميم التنظيم على إبقاء عملياته المالية مستمرة رغم قسوة الظروف، مما يبرز قدرته الفائقة وعزيمته على التكيف والبقاء”.
كما أن الإشارة الصريحة في التوجيه إلى أن الدفن يأتي اقتداءً بما يفعله التنظيم في العراق وهو ما يعكس وجود عقيدة عمل موحدة عبر مختلف الرتب، ويؤكد أن هذه الاستراتيجية دُرست بعناية فائقة وطُبقت بحذافيرها في كافة المناطق الخاضعة لسيطرة التنظيم، مسلطة الضوء على الأولوية القصوى التي أولاها للحفاظ على شريان عملياته المالية وسط تقلبات المشهد الأمني.
ومع أن التعليمات الواردة في الوثيقة لم تحدد معايير جغرافية ثابتة لمواقع دفن الأموال والذهب، وهو ما يؤكده الخبراء والباحثون المطلعون على تكتيكات التنظيم، إلا أن التحليل المعمق للوثائق يدل على أن المخابئ الأكبر حجماً تركزت في الصحاري والأراضي القاحلة المحيطة بالمراكز السكانية الكبرى، وتحديداً حول معاقل نفوذه التاريخية إبان فترة حكمه.
وفي المقابل، تُظهر مجموعة البيانات الموثقة لاكتشافات المخابئ في سوريا والعراق حتى نهاية عام 2025، والمُمثلة في الخريطة أدناه، انتشار مخابئ أصغر حجماً توزعت داخل البلدات والمدن والمناطق المأهولة، بل وحتى في نطاقات جغرافية لم تكن تخضع لسيطرة التنظيم بشكل مباشر.
تشير الوثائق الداخلية إلى وجود تسلسل هرمي دقيق ومنظم لإدارة هذه الأصول، حيث تُقسم المخابئ إلى ثلاثة أنواع رئيسية وفقاً لحجم القيمة المخزنة والجهة المسؤولة عنها ضمن الهيكل التنظيمي للتنظيم.
ولم يكتفِ تنظيم الدولة الإسلامية بذلك، بل نجح في تهريب جزء من أمواله الطائلة إلى خارج حدود سوريا والعراق، مستثمراً بعضها في أنشطة تجارية مشروعة كالعقارات وتجارة السيارات. وتشير التقديرات الأمنية إلى أن جانباً مهماً من هذه الأصول نُقل عبر شبكات مالية عابرة للحدود.
وتكشف الوثائق التي حصل عليها فريق التحقيق أن أعلى مستوى من مخابئ التنظيم سُمي بـ “المخابئ المركزية”، وهي منشآت هندسية أُعدت خصيصاً للاحتفاظ بكميات ضخمة من الأموال والذهب بمعزل عن أين الخصوم.
وتتكون هذه المخابئ عادة من غرفة واحدة أو أكثر تحت الأرض، بُنيت وفق تصميم هندسي يضمن استمراريتها على المدى الطويل، وهي مجهزة بأسقف خرسانية، وجدران إسمنتية متينة، وأنابيب تهوية دقيقة لمنع تراكم الرطوبة وتسرب مياه الأمطار.
وعلى عكس المخابئ الأصغر حجماً، لم تُخصص هذه المواقع لتخزين الأسلحة والذخائر، بل جرى حصرها كلياً للاحتفاظ بالذهب والعملات الصعبة؛ ولم يكن تشييدها إجراء طوارئ فرضته الظروف العسكرية الطارئة، بل ثمرة تخطيط مالي مسبق أشرفت عليه أعلى مستويات القيادة العليا في التنظيم.
ووفقاً للوثائق، كانت هذه المخابئ تقع تحت السلطة المباشرة لأشخاص يحملون رتبة “والي” أو “خليفة”، بينما خضعت حركة الأموال صعوداً وهبوطاً فيها لإشراف صارم ورفع تقارير دورية تفصيلية بشأن حجم الحيازات والتدفقات النقدية.
وقد حدد التحقيق ثلاثة مخابئ مركزية من هذا الطراز، عملت مجتمعة بمثابة الخزانة الرئيسية أو ما يشبه “البنك المركزي” للتنظيم، ومن خلالها أُدير التكتل الأكبر للأموال وغذت المستويات الدنيا من الشبكة المالية.
وتُظهر خريطة فريق التحقيق للمخابئ المُكتشفة أن غالبيتها تتركز ضمن ممر استراتيجي يمتد من دير الزور وصولاً إلى الأنبار العراقية، وهي ذات المنطقة التي طالما استخدمها التنظيم لتهريب الأموال والعتاد.
وعلى مستوى أدنى من المخابئ المركزية، اعتمد التنظيم على شبكة واسعة من المخابئ الإقليمية ومخابئ الوحدات، وهي مخابئ مالية تتبع البيروقراطيين والمسؤولين الماليين في المقاطعات والتشكيلات الإدارية، إلى جانب الوحدات المتخصصة كوحدات الأمن والتسليح.
كانت هذه المخابئ أصغر حجماً وأقل تعقيداً من المخابئ المركزية، لكنها أكبر عدداً. وغالباً ما تركزت داخل المدن والقرى التي شهدت تواجداً مكثفاً لتنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق، لتؤدي دور المستودعات المالية واللوجستية التي تغذي النشاط اليومي للخلايا المحلية، وكانت تضم أحياناً أسلحة وذخائر إلى جانب الأموال.
وتُظهر الوثائق أن عملية الدفن كانت تخضع لسلسلة إدارية صارمة؛ حيث قام المسؤول المالي بعملية الدفن، بينما احتفظ البيروقراطي بمعلومات الموقع وإحداثياته، قبل أن تنتقل هذه المعلومات تدريجياً صعوداً عبر التسلسل القيادي إلى الوالي، ومنه إلى القيادة العليا.
وبخلاف المخابئ المركزية التي بُنيت خصيصاً لهذا الغرض، كانت هذه المخابئ أبسط حالاً؛ فقد كانت غالباً عبارة عن حفر تحت المنازل، أو صهاريج وحاويات معدنية مدفونة في حدائق بيوت تعود لعائلات مرتبطة بالتنظيم أو موالية له.
وتكشف الوثائق أن هذه المخابئ أدت وظيفة تشبه “البنوك الفرعية” داخل المقاطعات؛ إذ تتلقى الأموال المحولة من المستويات الأعلى، ثم توزعها أو تصرفها وفقاً لتعليمات مكتوبة صادرة عن الولاة والمسؤولين الماليين الكبار.
ولم تقتصر الاحتياطيات والمخابئ المحتفظ بها بعد عام 2019 على دعم خلايا التنظيم في سوريا والعراق فحسب، بل ساعدت أيضاً في تمويل وإنشاء فروع لتنظيم الدولة الإسلامية في إفريقيا وآسيا، من خلال التحويلات وشبكات الدعم المرتبطة بما يُعرف بـ “الإدارة العامة للولايات”.
وقد راجع فريقنا وثيقة تحمل عنوان “المخصصات المالية”، أصدرها والي الشام في 6 مارس/آذار 2020، وموجهة إلى أمير حلب. تُحدد الوثيقة جزءاً من آلية إدارة الأموال داخل التنظيم: حيث كان الأمراء يتلقون المخصصات بشكل دوري، إلى جانب تعليمات تحدد أغراض وآليات الإنفاق مثل التعويضات المدفوعة لزوجات وأرامل وأطفال مقاتلي أو بيروقراطيي تنظيم الدولة الإسلامية مما يعكس نظاماً مالياً وإدارياً استمر في العمل حتى بعد أن فقد التنظيم معظم أراضيه.
لم تقتصر عمليات الدفن على الخزائن المركزية للتنظيم أو مخابئه الإقليمية، بل امتدت لتشمل أفراد تنظيم الدولة الإسلامية أنفسهم ممن تعاملوا مع أموالهم وأسلحتهم ومقتنياتهم الثمينة بالطريقة ذاتها.
وتشير الوثائق والشهادات التي جمعها فريق التحقيق إلى أن الكثيرين عمدوا إلى دفن مدخراتهم الشخصية من الذهب والأموال والأسلحة داخل منازلهم أو في محيطها القريب. وكان بعضهم يشارك إحداثيات هذه المخابئ وعلاماتها التمييزية مع أفراد عائلاتهم المقربين أو مع أعضاء آخرين ضمن النطاق الجغرافي أو الأسري ذاته، تحسباً لاحتمال مقتلهم أو أسرهم.
ووفقاً لفرهود، فإن جزءاً كبيراً من المخابئ التي يُعثر عليها اليوم يندرج ضمن هذا النوع من المدخرات الفردية، لا ضمن الخزينة الاستراتيجية للتنظيم، وهو ما يعكس قرارات شخصية أو محلية اتخذها المسؤولون والأفراد خلال فترة حكم تنظيم الدولة الإسلامية.
وتكشف إحدى الحوادث التي وثقها الفريق عن مدى الأهمية التي أولاها التنظيم لهذه المخابئ.
ففي 5 يوليو/تموز 2021، احتجز عناصر من تنظيم الدولة الإسلامية صبياً من دير الزور وأخضعوه للتحقيق بعد أن عثر أقاربه، ممن عملوا كعاملين مأجورين في الحفر، على مخبأ للذهب في حديقة منزل أحد الأعضاء الآخرين.
ووفقاً لتسجيلات مصورة ووثائق داخلية حصل عليها الفريق، اتهم التنظيم العائلة بالاستيلاء على الذهب. وبعد أن أنكر أفرادها معرفتهم بمكانه، أُردي شقيق الصبي الأكبر قتيلاً برصاص أحد العناصر أثناء محاولته الفرار من سجن سري تابع لتنظيم الدولة الإسلامية.
ويوضح ذلك أن المخابئ الفردية لم تكن مجرد مدخرات شخصية مخفية تحت الأرض، بل أصولاً حُتمت حمايتها واسترجاعها بأي ثمن، حتى وإن كانت خارج نطاق النظام المالي الرسمي الذي أدارته قيادة التنظيم.
على الرغم من السنوات الطويلة التي مضت منذ انهيار خلافة التنظيم الإقليمية، تواصل مخابئها المالية المخفية مساعدة بعض الخلايا على الصمود والعمل، لا سيما في المناطق الصحراوية الممتدة بين سوريا والعراق.
تشير الوثائق والشهادات التي جمعها الفريق إلى أن هذه الأموال لم تكن مجرد مدخرات طارئة، بل جزءاً من خطة مالية وإدارية تهدف إلى ضمان بقاء التنظيم وإعادة تموضعه إذا ما فقد أراضيه.
مع ذلك، يصعب التأكد من النسبة الدقيقة التي تمثلها المخابئ المدفونة من ميزانية تنظيم الدولة الإسلامية.
اعتبر فرهود وجود الخلايا النائمة في الأراضي المفقودة أمراً طبيعياً، لكنه أشار إلى أن هذه الخلايا لا تعمل حصرياً على إدارة المدخرات، بل تشكل جزءاً من نظام اقتصادي أوسع يشمل التحويلات المالية، والاستثمارات، والتجارة غير المشروعة.
وأضاف أن الأموال المدفونة لم تعد الدعامة الأساسية لاقتصاد تنظيم الدولة الإسلامية، الذي بات يمتلك مصادر تمويل وشبكات مالية في مناطق أخرى، بما في ذلك إفريقيا، لكنها قادرة على تقديم دعم سريع ومحدود للخلايا القادرة على الوصول إليها.
من جهته، اعتبر الدسوقي أن الدفن ليس مجرد وسيلة لإخفاء الأموال فحسب، بل هو جزء من نظام لوجستي متكامل حيث تعتبر تعمل مواقع الدفن أحياناً كمراكز إمداد تحتفظ بالموارد المالية والمؤن والأسلحة، والتي تُوزع بحسب احتياجات مناطق العمليات المختلفة.
بينما تواصل الفرق الأمنية والمدنيون وباحثو الكنوز الحفر في صحاري سوريا والعراق بحثاً عن مخابئ تنظيم الدولة الإسلامية، تشير الوثائق التي حصل عليها الفريق إلى أن جزءاً من ثروة التنظيم لا يزال دون حساب.
لمزيد من التعليقات حول نتائجنا، تواصلنا مع القيادة المركزية الأمريكية، وهي الجهة المسؤولة عن العمليات الأمنية الأمريكية في الشرق الأوسط، بما في ذلك سوريا والعراق والخليج. وتلقينا رداً من هنري-نيكولاس غروسمان، مدير ملف سوريا والعراق في مكتب وكيل وزارة الدفاع الأمريكية للشؤون السياسية (الشرق الأوسط).
وأحالنا غروسمان إلى مسؤولي الشؤون العامة في مكتب وزير الدفاع الأمريكي: باتريشيا كرويتسبيرغر، مسؤولة الشؤون الإعلامية في مكتب الوزير، والمقدم غريس إم. جيجر، المسؤولة عن العلاقات الإعلامية والاتصالات الرسمية المتعلقة بوزارة الدفاع. ولم نتلقَ أي رد.
المصدر: نيولاينز