حصل “نون بوست” على وثائق حصرية تضم سجلات توريد وجداول تتبع حركة الحديد والنحاس في سوريا، وتكشف مسار كميات من الخردة المستخرجة من مناطق مدمرة، وأسماء مورديه، وصولًا إلى معامل مرتبطة برجل الأعمال السوري المقرب من النظام البائد محمد حمشو.
وتأتي هذه الوثائق لتضيف تفاصيل جديدة إلى ملف تجارة الخردة المرتبطة بحمشو، الذي ظهر في تقارير صحفية منذ عام 2019 تناولت عمليات استخراج الأبواب والنوافذ وقضبان الحديد من الأبنية المدمرة في مناطق استعادت قوات النظام السابق السيطرة عليها، بينها حلب الشرقية وداريا ومخيم اليرموك والغوطة الشرقية.
وتحدثت تلك التقارير، استنادًا إلى مصادر محلية، عن بيع كميات من الخردة لصالح شركة “حمشو الدولية”، ونقلها بشاحنات إلى معمل الحديد التابع للشركة في عدرا الصناعية.
كما ركزت تقارير أخرى على داريا، إذ تحدثت عن دخول آليات لاستخراج المعادن من أنقاض المدينة بعد سيطرة قوات النظام السابق عليها عام 2016، في سياق ما وصفته تقارير بحثية وصحفية بشبكات منظمة لتجارة الخردة مرتبطة بالفرقة الرابعة التابعة لماهر الأسد.
وعاد ملف تجارة الخردة المرتبطة بحمشو إلى الواجهة بعد سقوط النظام في يناير/كانون الأول 2024، ولا سيما مع الجدل حول تسويته مع الحكومة السورية الجديدة، ثم نشر الناشط والمخرج حسان عقاد في أغسطس/آب 2026 مجموعة من الوثائق التي قال إنها تُنشر للمرة الأولى، وتسلط الضوء على نشاط شركات مرتبطة بحمشو في جمع ونقل وصهر كميات كبيرة من خردة الحديد خلال سنوات الحرب.
وتتضمن الوثائق التي نشرها عقاد، وفق ما أوردته وسائل إعلام، مراسلات صادرة عن شركة “حديد” بشأن مشروع لجمع واستخراج ونقل الخردة خلال عامي 2013 و2014، وتشير إلى استلام أكثر من 16 ألف طن من خردة الحديد من مشروع داريا، ونحو 75 ألف طن من موردين في مناطق أخرى، إلى جانب إنتاج تجاوز 91 ألف طن من مادة البيليت خلال الفترة نفسها.
كما تتضمن الوثائق دفعة بقيمة مليون دولار مرتبطة بخردة نُقلت من مشروع داريا، ودفعة أخرى بقيمة 600 ألف دولار، إضافة إلى مبالغ بالليرة السورية مرتبطة بالعمولات والمشتريات وتكاليف النقل.
بدورها، تتيح الوثائق التي حصل عليها “نون بوست” تتبع حركة الحديد والنحاس بين عامي 2019 و2024، من أسماء الموردين والكميات والتواريخ، وتكشف المناطق التي جاءت منها الكميات الأكبر قبل وصولها إلى معامل الصهر.
خردة الحديد
تظهر جداول المهمات المتاحة في الفترة ما بين 29 سبتمبر/أيلول و8 نوفمبر/تشرين الأول من عام 2019، أن خردة الحديد انتقلت لصالح معمل حديد حمشو في عدرا الصناعية عبر سيارات تحمل 23 رقمًا مختلفًا في 36 مهمة مختلفة.
ولا تتضمن جداول المهمات لعام 2019 بيانات عن وزن خردة الحديد الموردة، لكنها توثق 50 حركة سيارة مرتبطة بنقل الحديد، يظهر فيها اسم “أحمد الطويل” كمورد، وكانت الشحنات متجهة إلى معمل حمشو.
ولا تمثل هذه الحركات إجمالي ما كان يصل إلى المعمل، مع اعتماده على أكثر من مورد للخردة، ما يجعل العدد الموثق لـ”أحمد الطويل” جزءًا من حركة توريد أوسع خلال الفترة نفسها، كما أن محدودية الفترة التي تغطيها السجلات تحول دون اعتبار هذه البيانات حصرًا كاملًا للكميات التي استقبلها المعمل.
وعلى المستوى الجغرافي، تتركز عمليات التوريد الأكبر، بحسب المصادر المسجلة، من مدينة داريا بـ16 سيارة، تليها بلدة المنصورة في الغوطة الشرقية بستة، ثم يلدا في ريف دمشق الجنوبي بأربعة، ثم مدينة نوى في محافظة درعا بثلاث سيارات.
وتظهر أيضًا مناطق مخيم اليرموك والحجر الأسود في العاصمة دمشق، وصحنايا ونجها وجديدة عرطوز في ريف دمشق بسيارتين، ثم خان أرنبة في محافظة القنيطرة وطفس ونوى في درعا، وخان شيخون في إدلب بسيارة واحدة.
أحمد الطويل.. مورد رئيسي
ولا يقتصر ظهور اسم المورد “أحمد الطويل” على سجلات عام 2019، إذ يتكرر اسمه، وأحيانًا بصيغة “أحمد محمد سعيد الطويل”، في مجموعات مختلفة من الوثائق تمتد من سبتمبر/أيلول 2019 حتى نوفمبر/تشرين الثاني 2024.
وفي عام 2021، يظهر الاسم بصيغة موسعة وهي “أحمد محمد سعيد الطويل” في 15 طلب/أمر شراء داخلي لخردة النحاس تحمل شعار “الاتحاد للكابلات”، والغاية توريد “سكراب نحاس”، وكثير منها يذكر طريقة الدفع نقدي خلال عشرة أيام ومدة التوريد فوري.
ثم يعود الاسم المختصر “أحمد الطويل” ليظهر في كشوف تسليم السكراب لعامي 2022 و2024، كما يظهر بصورة متكررة في كشوف 2023.
خردة النحاس
في عام 2021، بلغ مجموع الكميات المعتمدة في أوامر الشراء المرتبطة بالاسم الكامل نحو 123 طنًا من خردة النحاس بقيمة إجمالية اسمية قدرها ملياران و750 مليون و71 ألفًا و450 ليرة سورية (نحو 800 ألف دولار).
وفي 2022 بلغ الوزن المسجل في كشوف التسليم باسم أحمد الطويل نحو 118 طنًا، لكن السجلات لا تقتصر على سكراب النحاس فقط، إذ تظهر أوزانًا تحت وصف “كابلات” وأخرى تحت وصف “عزلة”، ما يشير إلى أن المورد كان مرتبطًا بمواد مختلفة ضمن سلسلة الكابلات، وليس بنوع واحد من الخردة.
وتظهر وثائق عام 2023 كشوفات تسليم سكراب خارجي (سكراب نحاس) لصالح “الاتحاد للكابلات”، والمورد “أحمد الطويل” والوزن المورد نحو 220 طنًا.
ويتكرر اسم “أحمد الطويل” في وثائق 2024، التي يبلغ وزن سكراب النحاس فيها نحو 248 طنًا.
وتظهر الوثائق أن الانتقال من جداول مهمات الحديد في 2019 إلى أوامر شراء النحاس في 2021، ثم كشوف تسليم النحاس في الأعوام 2022 و2023 و2024، إلى جانب عمليات التوريد الكبيرة والمتكررة المسجلة في كشوف 2022 و2024، يعكس نشاط توريد متواصلًا على مدى سنوات، وليس عملية توريد عرضية.
لكن هذا التسلسل لا يثبت بمفرده أن المواد في كل سنة جاءت من المصدر نفسه، أو أن علاقة تعاقدية واحدة استمرت بلا انقطاع.
ولم يتسن لـ”نون بوست” التأكد ما إذا كان “أحمد الطويل” هو نفسه “أحمد محمد سعيد الطويل”، لكن الوثائق تظهر أن السجلات تتعامل غالبًا مع المورد نفسه بسبب تطابق الاسم الأساسي، واستمرارية دوره كمورد خردة إلى منظومة الكابلات والحديد عبر سنوات متتالية.
كما لا يوجد في السجلات ما يظهر ارتباط شحنات “أحمد الطويل” لعام 2024 بالعنفات أو المحولات أو وزارة الدفاع أو الصواريخ أو الدبابات.
مسارا توريد متوازيان داخل الشبكة نفسها
ولا تقتصر عمليات نقل سكراب الحديد والنحاس على مورد واحد، إذ تظهر الوثائق وجود مورد آخر باسم “فادي بطرس” يظهر في 15 حركة سيارة، بين 29 سبتمبر/أيلول و4 نوفمبر/تشرين الأول عام 2019.
ويتركز مسار “فادي بطرس” الجغرافي في دير الزور والميادين والبوكمال ومعبر بقرص (معبر نهري رئيسي على نهر الفرات بريط بين بلدة بقرص في ريف دير الزور الشرقي وبلدة الشحيل)، ويتقاطع عمله مع “أحمد الطويل” في منظومة الوجهة نفسها وهي عدرا الصناعية، شركة حديد، وللعميل نفسه “معمل حمشو- حديد”.
شركات حمشو
وتكشف الوثائق، إلى جانب أسماء الموردين وكميات الشحنات ومصادرها، عن منشأتين تابعتين لحمشو ارتبطتا بحركة الحديد والنحاس، بوصفهما وجهتان للشحنات، وهما “معمل حديد حمشو” و”شركة الاتحاد للكابلات”.
معمل حديد حمشو (HADEED MMC)
وبحسب المعلومات المنشورة على حساب شركة “HADEED MMC” على منصة “LinkedIn”، تأسست شركة حديد حمشو عام 2012، ويقع موقعها الرئيسي في المدينة الصناعية بعدرا، فيما تصنّف نشاطها ضمن قطاع الهندسة الميكانيكية أو الصناعية.
وتعرّف الشركة نفسها بأنها تعمل في مجال إنتاج الحديد والصلب، وصهر ودرفلة المعادن، إلى جانب تقديم حلول هندسية صناعية، وتقول إن نشاطها يشمل صهر خردة المعادن وإنتاج مربعات الصلب (Billets) وفقًا للمعايير الدولية، والتي تستخدم في إنتاج قضبان حديد التسليح المخصصة لمختلف أعمال الإنشاءات.
“الاتحاد للكابلات”
وتعرّف “مجموعة الاتحاد للكهرباء” نفسها، بحسب المعلومات المنشورة على حسابها في “LinkedIn”، بأنها مجموعة متخصصة في الصناعات الكهربائية، تضم خمسة مصانع يقع مقرها الرئيسي في المدينة الصناعية بعدرا، تأسست عام 2016.
وتشمل أنشطتها إنتاج كابلات الطاقة بمختلف مستويات الجهد، وكابلات التحكم، وأسلاك اللف، ومحولات التوزيع، إضافة إلى قضبان النحاس وكابلات النحاس والألمنيوم ومواد PVC.
وتقول المجموعة إن طاقتها الإنتاجية تصل إلى نحو ألف و500 طن من كابلات النحاس والألمنيوم شهريًا، ما يوضح ارتباط نشاطها الصناعي باستخدام النحاس.
حمشو.. رجل أعمال في دائرة النظام
برز محمد صابر حمشو، الذي بدأ نشاطه الاقتصادي في تسعينيات القرن الماضي، كأحد رجال الأعمال المرتبطين بالنظام السوري البائد، وتوسعت أعماله خلال السنوات التالية لتشمل قطاعات متعددة.
وتولى حمشو رئاسة مجلس إدارة “مجموعة حمشو الدولية”، كما شغل مناصب في عدد من المؤسسات الاقتصادية، بينها مجلس رجال الأعمال السوري-الصيني واتحاد غرف التجارة السورية.
وتوسعت شبكة أعمال حمشو لتشمل شركات ومشاريع تنشط في قطاعات متعددة، من بينها الصناعات المعدنية والكهربائية، والمقاولات ومستلزمات البناء، والاتصالات والتقنيات، والعقارات والسياحة والفنادق والمنتجعات، إلى جانب الصناعات الغذائية والخدمات.
وارتبط اسم حمشو خلال سنوات النظام السابق بعلاقات وثيقة مع دوائر السلطة، ولا سيما ماهر الأسد، شقيق الرئيس المخلوع بشار الأسد وقائد الفرقة الرابعة آنذاك.
وأدرجت الولايات المتحدة حمشو على قائمة العقوبات في أغسطس/آب 2011، ثم شملته عقوبات مرتبطة بقانون قيصر في يونيو/حزيران 2020، إلى جانب زوجته رانيا الدباس وأبنائه، كما أدرجت العقوبات الأميركية الفرقة الرابعة ضمن الجهات المستهدفة في القائمة نفسها.
وبعد زوال النظام البائد، عاد اسم حمشو إلى الواجهة في يناير/كانون الثاني 2026، عندما أعلنت اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع إنجاز تسوية معه ضمن برنامج الإفصاح الطوعي، بعد تحقيقات قالت اللجنة إنها شملت فحص أصوله وإقراراته المالية.
وأوضحت اللجنة أن التسويات تهدف إلى استرداد المال العام وإعادة الأموال الناتجة عن الكسب غير المشروع إلى الدورة الاقتصادية النظامية، لكن البيان الرسمي لم يعلن قيمة المبلغ الذي حصلت عليه الخزينة من التسوية مع حمشو.