• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

تركيا ليست إيران.. كيف تفرض أنقرة حدودًا على التصعيد الإسرائيلي؟

خالد أصلان٣ سبتمبر ٢٠٢٦

عناصر من القوات التركية والأمريكية خلال دورية مشتركة في شمال شرق سوريا عام 2019، في المنطقة التي باتت اليوم من أبرز ساحات التماس المحتمل مع "إسرائيل"

كلما تصاعد الاحتكاك بين تركيا و”إسرائيل”، ظهر عامل يحد من انتقال التوتر إلى حرب مباشرة، يتمثل في حجم الكلفة التي يستطيع كل طرف فرضها على الآخر.

تمتلك دولة الاحتلال تفوقًا واضحًا في القوة الجوية والاستخبارات والضربات الدقيقة، لكن تركيا تملك جيشًا نظاميًا كبيرًا وعمقًا جغرافيًا وصناعيًا وقدرة على الاستمرار في مواجهة ممتدة، فضلًا عن عضويتها في حلف شمال الأطلسي “الناتو” وعلاقاتها العسكرية الواسعة مع الولايات المتحدة وأوروبا.

هذه المعادلة تجعل تركيا حالة مختلفة عن إيران في الحسابات الإسرائيلية، فقد بنت “تل أبيب” خلال السنوات الأخيرة نموذجًا هجوميًا ضد طهران يقوم على الوصول إلى العمق الإيراني وقمع الدفاعات الجوية وضرب مراكز القيادة والمنشآت الاستراتيجية.

أما مواجهة تركيا فتفتح منذ الضربة الأولى أسئلة أوسع تتعلق بقدرة أنقرة على الرد والاستمرار، وباتساع مسرح الحرب إلى سوريا وشرق المتوسط، وبموقف الولايات المتحدة والناتو إذا خرج التصعيد عن السيطرة.

وقدمت سوريا خلال 2025 و2026 أول اختبار عملي لهذه الحدود، فقد استهدف جيش الاحتلال قواعد سورية كانت تركيا تدرس استخدامها، ثم دخل الطرفان في محادثات لمنع التصادم.

وفي أغسطس/آب 2026، أعادت ضربة قاعدة أبو الظهور الخطر نفسه إلى الواجهة، بعدما قال توم باراك، السفير الأمريكي لدى تركيا والمبعوث الإقليمي للرئيس دونالد ترامب، إن أنقرة رصدت الطائرات الإسرائيلية وهي تتجه شمالًا من دون إنذار مسبق وكان استعدادها للرد احتمالًا معقولًا.

انتهى الحادث بتحرك أمريكي لتعزيز آلية فض الاشتباك، في نموذج لطبيعة الردع القائم، إذ تستطيع دولة الاحتلال استخدام القوة، لكن الخطوة التالية قد تفتح مواجهة يصعب التحكم في مسارها.

تركيا ليست إيران.. كيف يختلف نوع التهديد؟

بنت المؤسسة العسكرية والأمنية في دولة الاحتلال خلال سنوات تصورًا عملياتيًا واضحًا للتعامل مع إيران، إذ تركز التهديد الإيراني في البرنامج النووي والصواريخ بعيدة المدى ومراكز القيادة والبنية العسكرية وشبكة القوى المسلحة المرتبطة بطهران، وجرى تطوير القدرة على اختراق العمق الإيراني وضرب هذه العناصر ثم التعامل مع موجات الرد الصاروخي.

وفي تحليل نشره مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية “CSIS”، في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، خلص باحثوه إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي حقق تفوقًا جويًا فوق إيران خلال أقل من أربعة أيام من حرب يونيو/حزيران من العام نفسه.

واعتمدت الموجة الأولى من الحرب الأمريكية الإسرائيلية الجديدة التي بدأت في 28 فبراير/شباط 2026، على المفاجأة والذخائر بعيدة المدى، بينها صواريخ إسرائيلية بالستية تطلق من الجو وصواريخ توماهوك أمريكية. ورسمت هذه الحملات نموذجًا هجوميًا يبدأ بالمفاجأة والتفوق الاستخباري وقمع الدفاعات، ثم يتوسع إلى حملة داخل أراضي الخصم.

وتفرض تركيا على المخطط العسكري الإسرائيلي مجموعة حسابات إضافية منذ المرحلة الأولى، بفعل وجود جيش تقليدي قادر على تشغيل الطيران والبحرية والصواريخ والمسيّرات والدفاعات الجوية معًا، وارتباط هذه القوة ببنية أمنية أطلسية وأمريكية واسعة.

وتعطي الجغرافيا السورية الخطر التركي بُعدًا مباشرًا في رؤية “تل أبيب”، إذ تستطيع أنقرة نقل رادارات ودفاعات جوية وطائرات ومسيّرات ومدربين إلى مسرح قريب من المجال الذي ينشط فيه جيش الاحتلال، ولهذا تركز دراسات إسرائيلية حديثة على احتمال نشوء وجود عسكري تركي دائم في سوريا.

ويحذر معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي من أن إدخال منظومات دفاع جوي تركية متقدمة إلى سوريا قد يقيد حرية حركة طيران دولة الاحتلال. وظهر هذا الحساب ميدانيًا خلال 2025، عندما استهدف جيش الاحتلال قواعد سورية كانت فرق تركية قد عاينتها ضمن خطط انتشار محتملة.

قوات تركية قرب الحدود السورية، حيث تتركز أكثر نقاط الاحتكاك العسكري حساسية بين أنقرة و”تل أبيب”

وبحسب تحليل للباحث التركي عمر أوزكيزيلجيك نشره مركز ستيمسون الأمريكي للأبحاث في يناير/كانون الثاني 2026، توقفت خطة تركية كانت تشمل ثلاث قواعد وسط سوريا، بعدما وقعت الضربات قبل استقرار قوات تركية فيها، ثم بدأت محادثات في أذربيجان لمنع الاحتكاك.

داخل المؤسسة الإسرائيلية ظهرت مدرستان في قراءة هذا التطور، فقد حذرت لجنة ناغل التي عينتها حكومة الاحتلال لدراسة احتياجات بناء القوة العسكرية مطلع 2025 من سيناريو يصبح فيه النفوذ التركي في سوريا مصدر تهديد متقدم، ودعت إلى الاستعداد لاحتمال مواجهة مستقبلية.

ويعكس التقرير تيارًا يدفع نحو إدخال تركيا مبكرًا في تخطيط بناء القوة العسكرية قبل اكتمال قدراتها أو تحول التوتر السياسي إلى مواجهة مباشرة.

وقدمت غاليا ليندنشتراوس، الباحثة البارزة والمتخصصة في تركيا في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، قراءة مختلفة في دراسة نشرتها في 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 بعنوان “تركيا ليست إيران، لكنها تهديد”.

ربطت ليندنشتراوس خصوصية الحالة التركية بعضويتها في الناتو وعلاقتها بالولايات المتحدة، ورأت أن واشنطن تمتلك مصلحة وقدرة على خفض الاحتكاك ومنع تحوله إلى مواجهة عسكرية.

واتجه مايكل ميلشتاين، الباحث البارز في مركز موشيه ديان بجامعة “تل أبيب”، إلى تقدير قريب في صيف 2026، فقد ركز على خطورة نقل تركيا من خانة “التحدي الاستراتيجي” إلى خانة العدو الذي تستعد “إسرائيل” لحرب شاملة معه، مشيرًا إلى أن أي تخطيط من هذا النوع سيجد أمامه واحدًا من أكبر جيوش الناتو ودولة ترتبط بعلاقات عسكرية عميقة مع واشنطن.

كما ركز وزير جيش الاحتلال يسرائيل كاتس في النقاش نفسه على سوريا بوصفها مساحة الاحتكاك الأقرب، وخصوصًا احتمال إقامة قواعد تركية أو إدخال منظومات تقيد حرية العمليات الجوية الإسرائيلية.

وحذر ريان جينجيراس، أستاذ الدراسات الإقليمية والدولية في كلية الدراسات العليا البحرية التابعة للبحرية الأمريكية، في مايو/أيار 2026 من المبالغة في تحويل مشروعات التسلح التركية المستقبلية إلى قدرات مكتملة حاليًا.

وأشار إلى استمرار تطوير مقاتلة “قآن” والطائرة القتالية غير المأهولة “قزل إلما” وعدد من منظومات الصواريخ، وإلى تواصل الفجوات في الدفاع الجوي. وفي الوقت نفسه رأى أن إعادة توجيه التحديث العسكري التركي نحو سيناريو مواجهة مع دولة الاحتلال يمكن أن تغذي سباق تسلح يرفع خطر الاحتكاك مع مرور الوقت.

وتمنح علاقة تركيا بالغرب هذه الخصوصية وزنًا إضافيًا، فقد تجاوزت صادرات صناعاتها الدفاعية 10 مليارات دولار خلال 2025، وبلغت الصادرات المتجهة إلى أوروبا والولايات المتحدة نحو 5.6 مليارات دولار. ويتزامن ذلك مع توسع الشركات التركية في السوق الدفاعية الأوروبية واستمرار ارتباط بعض البرامج المتقدمة بمحركات ومكونات وتقنيات غربية، ما يضيف إلى حسابات الحرب شبكة واسعة من علاقات التسليح والتوريد.

وخلصت أصلي أيدنطاشباش، مديرة مشروع تركيا في مؤسسة بروكينغز الأمريكية للأبحاث والسياسات العامة، في دراسة نشرتها في 16 يونيو/حزيران 2026 واستندت إلى مقابلات مع مسؤولين ودبلوماسيين أتراك كبار إلى أن واشنطن ما تزال تنظر إلى أنقرة باعتبارها قوة إقليمية مهمة ينبغي إبقاؤها راسخة داخل الناتو، وأن إدارة المنافسة التركية الإسرائيلية أصبحت مصلحة أمريكية قبل انتقالها إلى المستوى العسكري.

من هنا يظهر الفارق الأساسي مع إيران، إذ تستطيع “تل أبيب” التعامل مع طهران من خلال نموذج هجومي اختبرته ميدانيًا داخل الأراضي الإيرانية ويقوم على تدمير قدرات استراتيجية وفرض حرية جوية واسعة.

أما تركيا فتدفع الحساب الإسرائيلي نحو منع تشكل وجود عسكري متقدم في سوريا، وضرب المواقع قبل تمركز القوات التركية، وفرض خطوط حمراء مع إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، ليصبح منع المواجهة في هذه الحالة جزءًا من إدارة الخطر نفسه.

قوة بلا نصر سريع.. لماذا يصعب حسم المواجهة؟

يحتفظ جيش الاحتلال بتفوق نوعي واضح في أكثر عناصر الحرب الجوية حساسية، فقد أظهرت تجربة إيران خلال 2025 و2026 قدرة عالية على دمج الطائرات الشبحية والاستخبارات والذخائر بعيدة المدى والحرب الإلكترونية وقمع الدفاعات الجوية ضمن حملة واحدة.

كما تعمل “تل أبيب” على توسيع أسطولها من مقاتلات “إف-35″ و”إف-15” وزيادة إنتاج الذخائر محليًا للحفاظ على هذه الأفضلية خلال السنوات المقبلة.

وتستمد تركيا قوة الردع من عناصر مختلفة، إذ تمتد الدولة على مساحة واسعة وتملك عددًا كبيرًا من المنشآت والقواعد وقاعدة صناعية تنتج المسيّرات والذخائر والمركبات والرادارات والسفن وأنظمة الحرب الإلكترونية.

تمنح هذه البنية القوات التركية خيارات واسعة لنقل الوحدات وإصلاح المنشآت وتعويض جانب من الخسائر وإدامة العمليات بعد الأيام الأولى من الحرب، كما يمنحها الانتشار في شمال سوريا مجالًا متقدمًا لنشر جزء من هذه القوة على مقربة من المجال الذي ينشط فيه جيش الاحتلال.

ولخص كان قصاب أوغلو، الباحث المتخصص في الشؤون الدفاعية بمعهد هدسون الأمريكي، أهمية هذه القاعدة الصناعية بالقول إن الحروب الحديثة أثبتت أهمية “العمق الصناعي والاستدامة” إلى جانب جودة المنصات العسكرية.

وفي مايو/أيار 2026، كانت أحواض بناء السفن التركية تعمل على أكثر من أربعين قطعة بحرية، فيما سرعت “أسيلسان”، أكبر شركة تركية متخصصة في الإلكترونيات الدفاعية، إنتاج الرادارات ومنظومات الحرب الإلكترونية ومكونات مشروع “القبة الفولاذية” للدفاع الجوي.

وتحدد الفجوات الحالية سقف جانب من القدرة التركية، إذ تعمل أنقرة على استكمال دفاع جوي وطني متعدد الطبقات، وتواصل تطوير مقاتلة “قآن” والطائرات القتالية غير المأهولة، مع استمرار حاجتها إلى تقنيات ومحركات ومقاتلات غربية في عدة مجالات.

مقاتلة “إف-16” تابعة لسلاح الجو التركي، الذي يمثل أحد أبرز عناصر القوة التقليدية التي ترفع كلفة أي مواجهة مباشرة مع “إسرائيل”

وأظهرت المواجهة مع إيران خلال 2026 أهمية البنية الأطلسية للدفاع الجوي التركي عندما دخلت صواريخ إيرانية المجال الجوي للبلاد. وتستطيع تركيا بهذا المستوى من القوة رفع كلفة العمليات الإسرائيلية ونشر رادارات ودفاعات وطائرات ومسيّرات في مسارح قريبة، فيما يحتفظ جيش الاحتلال بأفضلية في الضرب الدقيق والاختراق الجوي خلال المراحل الأولى.

أما قدرة دولة الاحتلال على مواصلة حرب طويلة فترتبط بدرجة كبيرة بالإمداد والتعاون العسكري الأمريكي، ففي يناير/كانون الثاني 2025، وقعت وزارة جيش الاحتلال عقودًا مع شركة “إلبيت سيستمز” الإسرائيلية، لتوسيع إنتاج القنابل الثقيلة والمواد الخام محليًا، ضمن مساعي تقليل أثر الاعتماد على الواردات في زمن الحرب.

في الوقت نفسه تعتمد القوة الجوية الأساسية على مقاتلات أمريكية وقطع غيار وذخائر ومنظومات اعتراض تأتي عبر شبكة التعاون العسكري مع واشنطن. وأظهرت الحروب مع إيران حجم هذا العامل، إذ خلص مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية خلال 2026 إلى أن الاستخدام المكثف لاعتراضات منظومة “ثاد” الأمريكية وصواريخ الهجوم البعيد وضع أجزاء من المخزون الأمريكي تحت ضغط، وقد يحتاج تعويض بعض الفئات إلى سنوات.

كما أشار المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية إلى الحاجة الأمريكية والإسرائيلية لإعادة ملء مخزونات الدفاع الصاروخي بعد استخدام أعداد كبيرة من الاعتراضات.

تجعل هذه التجربة مدة الحرب عنصرًا رئيسيًا في أي حساب متعلق بتركيا، لأن استمرار حملة واسعة يحتاج إلى تدفق متواصل للذخائر والاعتراضات وقطع الغيار.

هنا يظهر جوهر الردع، إذ يستطيع جيش الاحتلال الوصول إلى أهداف تركية وإلحاق خسائر نوعية، بينما تجعل مساحة تركيا وتعدد منشآتها وقاعدتها الصناعية تحويل هذه الضربات إلى إنهاء سريع لقدرتها على القتال أمرًا بالغ الكلفة.

وتستطيع أنقرة توسيع مجال المواجهة إلى سوريا وشرق المتوسط واستخدام قدراتها الجوية والبحرية والصاروخية والمسيّرة، فيما يمنح التفوق الجوي والاستخباري الإسرائيلي جيش الاحتلال أفضلية في المبادرة والضرب خلال المراحل الأولى.

ويقلص غياب الحدود البرية المشتركة خيارات الحسم المباشر، فتتركز سيناريوهات المواجهة التي تناقشها الدراسات على الضربات الجوية والصاروخية والحرب الإلكترونية والدفاعات الجوية والاشتباكات البحرية وسوريا.

وتمتلك هذه الأدوات قدرة كبيرة على إيقاع الخسائر، فيما يتطلب تحويلها إلى نتيجة سياسية حاسمة حربًا أطول وأكثر استنزافًا، وهو ما يفسر تركيز الدراسات الإسرائيلية على الردع وفض الاشتباك وإدارة الاحتكاك.

وتقدم تجربة إيران نفسها تحذيرًا من قياس الحسم بالتفوق الجوي وحده، فقد استمرت المواجهة حتى مطلع سبتمبر/أيلول 2026 رغم حجم الضربات الأمريكية والإسرائيلية، ورافقتها كلفة مرتفعة في الذخائر والاعتراضات.

وتكتسب هذه التجربة دلالة إضافية في الحالة التركية، حيث يجتمع العمق الجغرافي مع قاعدة صناعية أكبر وارتباط مؤسسي بالناتو وبالاقتصادات الدفاعية الغربية.

ما الذي يبقي المواجهة تحت سقف الحرب؟

تضيف عضوية تركيا في “الناتو” كلفة سياسية واستراتيجية إلى أي مواجهة مع الاحتلال، لكن أثرها يتوقف على مكان الاشتباك وطبيعته، إذ تنص المادة الخامسة من المعاهدة على اعتبار الهجوم المسلح على أحد الأعضاء هجومًا على الجميع، بينما يقرر كل عضو شكل المساعدة التي يراها ضرورية.

أما المادة السادسة فتحدد النطاق الجغرافي الذي يشمله الالتزام، ومنه الأراضي التركية والبحر المتوسط ضمن الشروط المنصوص عليها في المعاهدة، ولذلك لا تعني العضوية أن أي اشتباك مع قوات تركية سيفتح تلقائيًا حربًا بين “إسرائيل” والحلف.

تظهر أهمية هذا التفصيل في سوريا، وهي الساحة الأقرب للاحتكاك، فالقوات التركية الموجودة هناك تعمل خارج الأراضي التركية وخارج المجال الجغرافي المباشر الذي تحدده المادة السادسة.

فإذا قُتل جنود أتراك في غارة إسرائيلية داخل سوريا، تستطيع أنقرة طلب مشاورات في الحلف بموجب المادة الرابعة وممارسة الضغط السياسي واتخاذ رد بقرار وطني، بينما يبقى الحادث خارج التطبيق المباشر للمادة الخامسة. ومع ذلك، يرفع سقوط عسكريين أتراك كلفة احتواء التصعيد ويضع أنقرة أمام حسابات ترتبط بردع الدولة ومصداقية جيشها.

تتغير الحساسية إذا انتقل الاشتباك إلى البحر المتوسط أو الأراضي التركية، إذ يشمل نص المادة السادسة السفن والطائرات التابعة لدول الحلف في المتوسط، فيما تقع الأراضي التركية بوضوح ضمن المجال الأطلسي. وحتى في هذه الحالات، يظل شكل التعامل مع الحادث قرارًا سياسيًا داخل الحلف ولكل دولة عضو، لكن الأزمة ستنتقل إلى مستوى أطلسي أوسع وتزيد احتمالات انخراط واشنطن والعواصم الأوروبية في جهود احتوائها.

وهنا يظهر الدور الأمريكي بصورة أكثر واقعية، فالولايات المتحدة ترتبط بتركيا من خلال الناتو وعلاقات عسكرية ممتدة، وفي الوقت نفسه توفر لدولة الاحتلال تمويلًا وتسليحًا وتعاونًا دفاعيًا واسعًا وتحافظ رسميًا على تفوقها العسكري النوعي.

لذلك تضع المواجهة واشنطن أمام أزمة تمس حليفًا أطلسيًا وشريكًا عسكريًا مركزيًا لها في الشرق الأوسط، وهو ما يفسر مصلحتها المباشرة في احتواء التصعيد قبل اتساعه.

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي “الناتو” مارك روته

من هذه الزاوية كتب ألبر جوشكون، الدبلوماسي التركي السابق والباحث في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، في 8 يوليو/تموز 2025 أن التنافس التركي الإسرائيلي يحتاج إلى إدارة أمريكية تحول دون وصوله إلى مرحلة عسكرية، ووضع سوريا في مقدمة الساحات التي تحتاج إلى ترتيبات لخفض الاحتكاك.

وظهر هذا الدور عمليًا بعد ضربة أبو الظهور في أغسطس/آب 2026، عندما أعلنت واشنطن العمل على آلية أقوى لفض الاشتباك بين تركيا و”إسرائيل” وسوريا عقب اقتراب الحادث من إثارة رد تركي.

وفي 27 أغسطس/آب 2026، أوصى تحليل للباحثتين كارميت فالنسي وأمل حايك في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي بدمج الردع العسكري المحدد مع الحوار وآليات منع التصادم.

يعكس هذا التقدير إدراكًا داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بأن ضرب مصالح تركية في سوريا يصبح أكثر خطورة كلما اقتربت القوات التركية من المواقع المستهدفة، وأن بقاء قناة اتصال مفتوحة يقلل احتمال تفسير ضربة محدودة باعتبارها بداية مواجهة أوسع. وتتركز أخطر عتبات التصعيد في الانتقال من استهداف مواقع قد تستخدمها تركيا إلى استهداف قوات تركية موجودة فعليًا.

في 2025 ثم في أبو الظهور عام 2026، وقعت الغارات قبل استقرار قوات تركية في المواقع، ما أبقى التصعيد تحت سقف محدد، لكن سقوط عسكريين أتراك في غارة، أو إسقاط طائرة أو إصابة سفينة تركية في شرق المتوسط، سيرفع كلفة الرد ويزيد حساسية الموقف داخل الناتو.

أما استهداف الأراضي التركية فيمثل العتبة الأعلى، لأنه ينقل الأزمة إلى مستوى أطلسي أوسع ويضعها على جدول الحلف. ولهذا تكمن الأهمية الردعية للناتو وواشنطن في رفع كلفة الخطوة التالية وفتح قنوات لاحتواء التصعيد، من دون ضمان موقف مسبق للحلف أو أعضائه إذا وقعت المواجهة.

وتبقى سوريا الساحة الأقرب لملامسة هذه الحدود، خصوصًا إذا تحول الانتشار التركي المحتمل إلى وجود فعلي لقوات ومنظومات مأهولة، فعند هذه العتبة تضيق مساحة التراجع التي سمحت حتى الآن لأنقرة و”تل أبيب” بإدارة الاحتكاك من دون الانزلاق إلى الحرب.

علاماتأسلحة الجيش التركي ، الجيش التركي ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، الصناعات العسكرية ، الصناعات العسكرية التركية

قد يعجبك ايضا

سياسة

سدود الهند وشريان باكستان.. هل تندلع حرب المياه؟

أحمد سيف النصر٣ سبتمبر ٢٠٢٦
سياسة

الخليج يعيد توزيع رهاناته.. أميركا لم تعد المظلة الوحيدة

عماد عنان٣ سبتمبر ٢٠٢٦
سياسة

لماذا تخشى عمّان التوسع الإسرائيلي أكثر من التهديد الإيراني؟

شون يوم٣ سبتمبر ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑