• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

بشار عوّاد معروف.. حارس ذاكرة التراث وأحد أعلام التحقيق

مروان الجبوري٦ سبتمبر ٢٠٢٦

على مدى عقود، لم يعتد الجمهور العربي على مشاهدة عالم حديث حليق اللحية يرتدي زيا إفرنجيا أنيقا بربطة عنق فاخرة، إلا أن الدكتور بشار عواد معروف كسر هذه الصورة النمطية خلال بضع سنوات، أصبح خلالها حديث مجالس المهتمين بتحقيق كتب التاريخ والتراث وعلم الحديث والجرح والتعديل، عبر حضور طاغ في القنوات الفضائية والمنصات الرقمية، محدثا بذلك تأثيرا كبيرا في العديد من الأوساط، وخلال وقت وجيز.

لم يظهر الدكتور بشار عواد معروف من فراغ، فقد عُرف منذ عقود في أوساط المهتمين بتحقيق النصوص التاريخية وعلم الحديث بمؤلفاته الغزيرة والمهمة، ومشاركاته في عشرات المؤتمرات العلمية المختصة بالتراث والعلوم الشرعية على امتداد العالمين العربي والإسلامي، إلا أن احتلال العراق وأجواء الصراع السياسي والمذهبي فيه حجبا جانبا كبيرا من عطاءاته ونتاجاته، كغيره من علماء العراق في مختلف المجالات، في سنوات انشغل فيها العراقيون بأنفسهم وأزماتهم، وغابوا عن الساحتين العربية والإسلامية، تاركين خلفهم فراغا كبيرا كانوا يشغلونه في الماضي.

ورغم مظهره العصري الذي لا يشبه الهيئة التقليدية لشيوخ الدين والفقهاء والمحدثين، إلا أن الدكتور بشار عواد معروف يحظى بقبول واسع واحترام مشهود، حتى داخل الأوساط والتيارات السلفية والتقليدية المهتمة بعلوم الحديث، وذلك بفضل رصانة خدمته العلمية لدواوين السنة، ودقة تحقيقه لأمهات كتب الرجال والأسانيد، التي تُعد العصب الأساسي للخطاب السلفي والحديثي.

وقد أثمرت مسيرته الممتدة لعقود طويلة عن إخراج وتوثيق مئات المجلدات، التي أصبحت جزءا أساسيا من المكتبة التراثية والتاريخية العربية، من خلال تجربة تتسم بالجمع بين التحقيق الفني للنصوص وتقديم أطروحات نقدية في قضايا إسنادية وفكرية شائكة، مما جعله محط اهتمام ونقاش مستمرين في الأوساط الأكاديمية والدينية على حد سواء.

النشأة في مدينة النعمان

ولد بشار عواد معروف العبيدي في مدينة الأعظمية ببغداد عام 1940، ونشأ في أسرة محافظة عُرفت باهتمامها بالعلم والمعرفة، وهو ينتمي إلى قبيلة العبيد الزبيدية، التي أوكل إليها العثمانيون مهمة حماية مرقد الإمام أبي حنيفة النعمان من هجمات الإيرانيين على مدى قرون.

وقد قدمت أسرته العديد من الأسماء اللامعة في مختلف المجالات، كان من أبرزهم عمه المؤرخ الدكتور ناجي معروف، صاحب كتاب “عروبة العلماء المنسوبين إلى البلدان الأعجمية”، والشاعر الإسلامي المعروف وليد الأعظمي.

التحق الشاب بشار عواد معروف بكلية الآداب في جامعة بغداد، ونال شهادة البكالوريوس في التاريخ بدرجة امتياز عام 1964، وواصل دراساته العليا في الجامعة ذاتها، فنال درجة الماجستير عام 1967، ثم درجة الدكتوراه عام 1976 عن أطروحته “الذهبي ومنهجه في كتابه تاريخ الإسلام”.

وقد تلقى علومه على يد قامات من الرعيل الأول للمؤرخين العراقيين والأساتذة البارزين، مثل عمه الدكتور ناجي معروف، والدكتور عبد العزيز الدوري، والدكتور صالح أحمد العلي، والشيخ العلامة جلال الدين الحنفي، حيث ساهم هذا التكوين المبكر في تعميق صلته بمصادر التاريخ العربي الإسلامي، وبث روح النقد المنهجي في قراءته للمرويات.

لم يكتف معروف بالتكوين المحلي، بل سعى للتعرف على أدوات البحث الاستشراقي في التعامل مع المخطوطات والتحقيق التجريبي، فسافر إلى ألمانيا بعدما حصل على منحة من جامعة هامبورغ لتعلم اللغة الألمانية عام 1965، ثم أصبح معلما للغة العربية في الجامعة، وتتلمذ على يد المستشرق الألماني برتولد شبولر.

وفي ألمانيا أتيحت له فرصة الاطلاع المباشر على المخطوطات العربية المحفوظة في المكتبات والجامعات الألمانية، والتواصل مع بيئات الاستشراق المتخصصة.

وهناك، تأثر بالأدوات المنهجية التي طورها المستشرقون الألمان في مجالات ببليوغرافيا المخطوطات، وصناعة الفهارس التحليلية، ونقد النصوص المكتوبة، ودراسة تطور الخطوط العربية.

كما استفاد من المقاربة الألمانية الصارمة التي تعتمد على تتبع شجرات النسخ الخطية، والمقابلة الدقيقة بين الأصول، مع تجريد النص من حواشي المتأخرين للوصول إلى النواة الأولى للنسخ الأم.

ومع استفادته المباشرة من هذه المناهج الغربية في ضبط النصوص وتصنيفها، حافظ معروف على استقلاله الفكري في القضايا العقائدية والحديثية، مستخدما أدوات النقد الاستشراقي لخدمة النص العربي وتوثيقه، دون التبني الكامل لتلك القراءات للتاريخ والتراث الإسلامي.

سيرة ممتدة داخل العراق وخارجه

تتوزع السيرة المهنية والأكاديمية للدكتور بشار عواد معروف بين محطتين رئيسيتين، بدأت بالمجال الأكاديمي داخل العراق، ثم النشاط البحثي والإشرافي في الخارج.

ففي الساحة العراقية، عين معيدا ثم مدرسا في قسم التاريخ بكلية الآداب بجامعة بغداد عقب حصوله على الماجستير عام 1967، وتدرج في الرتب الأكاديمية حتى نال مرتبة الأستاذية “بروفيسور” عام 1981، ثم اختير خبيرا في المجمع العلمي العراقي عام 1981م، وانتخب عضوا عاملا فيه عام 1986، وشارك في لجان عديدة لإعادة كتابة التراث والتاريخ العراقي والإسلامي، كما انتخب عضوا في مجمع اللغة العربية بالأردن عام 1988.

وبين عامي 1989 و1992، تولى رئاسة جامعة صدام للعلوم الإسلامية “الجامعة العراقية حاليا”، وعُهد إليه بوضع مناهجها الدراسية وتأسيس أقسامها العلمية والهيكلية.

أما مسيرته في الخارج، فقد غادر العراق عام 1992 في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية عقب حرب الخليج الثانية، وانتقل للعمل والإقامة في عمان بشكل أساسي، وحصل لاحقا على الجنسية الأردنية.

وفي الأردن عمل أستاذا للحديث والتفسير في جامعة عمان الأهلية بين عامي 1992 و1994، ثم انضم إلى جامعة البلقاء التطبيقية أستاذا للحديث والتاريخ الإسلامي ابتداء من العام 2004.

كما تولى في العام 2001 الإشراف العلمي العام على مشروع “التفسير الكبير” التابع لمؤسسة آل البيت للفكر الإسلامي في عمان، وعمل مستشارا للأمير علي بن نايف بن عبد الله الهاشمي، واختير عضوا في مجلس حكماء المسلمين، والمجلس الأعلى العالمي للمساجد بمكة المكرمة عام 1989، ومجمع اللغة العربية بدمشق عام 2002.

نتاج عملي ضخم واستثنائي

يتجلى النتاج العلمي للدكتور بشار عواد معروف في ضخامة حجمه وعمق محتواه، إذ يتجاوز نتاجه 350 كتابا تنوعت بين تحقيق المخطوطات والتأليف المباشر والأعمال الموسوعية المشتركة، فضلا عن عشرات البحوث والمقالات المحكمة.

ففي جانب تحقيق المخطوطات، أخرج معروف أكثر من 250 مجلدا توزعت على نحو 40 عنوانا، من أبرزها كتاب “تهذيب الكمال في أسماء الرجال” للحافظ المزي في 35 مجلدا، و”تاريخ بغداد” للخطيب البغدادي في 16 مجلدا، وأتبعه بـ”ذيل تاريخ مدينة السلام بغداد” لابن الدبيثي في 5 مجلدات، وشارك ضمن فريق عمل في تحقيق “سير أعلام النبلاء” للذهبي، بالإضافة إلى إخراج طبعات محققة للكتب الستة ومسند الإمام أحمد.

أما في جانب التأليف والبحوث، فقد أصدر أكثر من 30 كتابا ودراسة، منها “الذهبي ومنهجه في كتابه تاريخ الإسلام”، و”أثر الحديث في نشأة التاريخ عند المسلمين”، و”ضبط النص والتعليق عليه”، و”تواريخ بغداد التراجمية”.

أضف إلى ذلك مشاركته في إنجاز معاجم وأعمال كبرى تتجاوز 70 مجلدا، مثل “المسند الجامع” في 20 مجلدا، وكتاب “تحرير تقريب التهذيب” للحافظ ابن حجر العسقلاني بالاشتراك مع الشيخ شعيب الأرناؤوط في 4 مجلدات، وتحقيق “معجم الشيوخ” لتاج الدين السبكي، بالاشتراك مع رائد يوسف العنبكي ومصطفى إسماعيل الأعظمي.

وقد أسهمت هذه الأعمال الغزيرة في ترسيخ نمط من التحقيق يعتمد على المؤسسية والدقة التنظيمية للنصوص الموسوعية والضخمة، وارتكز أداؤه العلمي على وضع قواعد صارمة لضبط الألفاظ، ومقابلة النسخ الخطية، وتتبع أسانيد المؤلفين والتثبت منها، مستفيدا من الجمع بين أدوات المحدثين التراثية ومناهج الفهرسة والضبط الألمانية الأكاديمية.

كما أشرف على عشرات رسائل الماجستير والدكتوراه وشارك في مناقشتها بجامعات عربية متعددة، تاركا بصمة منهجية في تدريب جيل من المحققين والباحثين الجدد.

وامتد تأثير الدكتور بشار عواد معروف إلى الربط بين البحث التاريخي وعلم الحديث، إذ اعتمد في دراساته التاريخية على أدوات المحدثين في نقد الأسانيد، وفي الوقت ذاته أدخل البعد التاريخي والظروف الاجتماعية عند قراءة النصوص والرجال والتراجم.

جدل حول “المهدي المنتظر”

لم يقتصر نشاط الدكتور بشار عواد على إخراج النصوص وتوثيقها، بل امتد إلى إبداء مواقف نقدية تجاه بعض الآراء والسائد الحديثي، وكان من أبرز القضايا التي أثارت جدلا محتدا موقفه المباشر من أحاديث “المهدي”، وميله إلى إنكار صحتها.

ويعتقد معروف في طرحه المستند إلى قراءته لعلل الأسانيد وتاريخ التدوين، بضعف المرويات المرفوعة للنبي صلى الله عليه وسلم الواردة في ذكر المهدي، ويرى أن هذه المرويات لا تصح وفق قواعد النقد الإسنادي الصارمة، بسبب تطرق العلل والاضطراب إليها، وأنها لا تصلح لتأسيس عقيدة حتمية مستقبلية.

ويتكئ في استدلاله على عدم تصريح صحيحي البخاري ومسلم بشخصية المهدي بالاسم أو الصفات التفصيلية الشائعة عند المتأخرين، مؤكدا أن ما ورد فيهما يقتصر على أشراط الساعة ونزول عيسى بن مريم عليه السلام.

كما يرجح في قراءته للسياق التاريخي والسياسي للمسألة، أن عددا من هذه المرويات تأثر بالصراعات المذهبية والسياسية التي شهدتها القرون الهجرية الأولى، مما أفسح المجال لوضع الروايات أو اضطرابها.

وقد أحدث هذا الموقف الحديثي ردود أفعال متباينة في الوسط الأكاديمي والشرعي، حيث شدد محدثون وفقهاء معارضون لرأيه على أن أحاديث المهدي تلقتها الأمة بالقبول، وأن كثرة طرقها وأسانيدها ترتقي بها إلى حد التواتر المعنوي أو التصحيح بمجموع الشواهد، كما قرر كبار الحفاظ كابن حجر والشوكاني.

وأوضح هذا الفريق أن خلو الصحيحين لا يعني النفي، لأن البخاري ومسلما لم يستوعبا جميع الصحيح، مع إبداء البعض تحفظه على خوض المحقق النصي في الترجيح الفقهي والحديثي الدقيق.

وعلى الجانب الآخر، رأى باحثون ومفكرون آخرون أن فتح باب المراجعة الإسنادية للمرويات يعد امتدادا مشروعا لعملية تنقية التراث، وأن رأي معروف يلتقي مع توجهات تاريخية لعدد من العلماء والمفكرين، الذين ناقشوا ثبوت هذه الأخبار من زوايا تاريخية أو نقدية حديثية، خصوصا وأن القضية لا تعد من أصول الدين ولا مما أجمع عليه المسلمون.

ذاكرة حديدية وتجربة غنية

تميز الدكتور بشار عواد معروف بذاكرة “حديدية” استثنائية، صقلتها عقود من الغوص في أمهات كتب التراث ومخطوطات الحديث والرجال.

ولم تكن ذاكرته مجرد مستودع للحفظ، بل أداة نقدية واعية، مكنته من استحضار آلاف الأسانيد والمرويات بدقة متناهية، والربط الذكي بين ثنايا المخطوطات المبعثرة في شرق الأرض وغربها.

وتتضح تجليات هذه الذاكرة في مواقف علمية مشهودة، فخلال تحقيقه لكتابي “تهذيب الكمال للمزي” و”تاريخ مدينة السلام للخطيب البغدادي”، كان يستحضر أمام محدثين وعلماء أسماء الرواة وأنسابهم ووفياتهم، ويكتشف التصحيف والتحريف في النسخ بمجرد النظر، معتمدا على مخزونه الهائل، وظهر هذا أثناء عدة لقاءات تلفزيونية له.

كما عُرف بقدرته العجيبة في المحاضرات والمجالس العلمية والبرامج التلفزيونية على سرد سلاسل الرواة الطويلة، وتحديد مواضع الأحاديث في الجوامع والمسانيد بدقة مذهلة دون الاستعانة بمرجع، مما جعله موسوعة تراثية حية، ومحط إعجاب كبار علماء العصر.

وفي العام 2018، حصل الدكتور بشار عواد معروف على جائزة الملك فيصل في فرع الدراسات الإسلامية، تقديرا لأعماله وجهوده في تحقيق كتب التراث والتاريخ الإسلامي، وإرسائه قواعد وأصولا دقيقة للتحقيق.

وخلال عقود، مثّل الدكتور بشار عواد معروف تجربة غنية ومؤثرة في حركة تحقيق التراث العربي والإسلامي خلال العصر الحديث.

وسواء اتفق الدارسون مع أطروحاته النقدية في بعض القضايا الحديثية والتاريخية أو خالفوا نتائجها، فإن حصيلته المعرفية وبصماته في مجال التحقيق وعلم الحديث ومشاريعه التوثيقية، تظل رصيدا مرجعيا يستند إليه الباحثون والمهتمون بدراسة النص التاريخي والتراثي، مما بوأه مكانة خاصة ومتميزة في حركة تحقيق التراث الإسلامي والدراسات التاريخية والحديثية، في العالمين العربي والإسلامي.

علاماتاطياف الشعب العراقي ، شخصيات عربية مؤثرة ، شخصيات فكرية
مواضيعأدب وفكر ، العراق ، شخصيات ، مجددون عراقيون

قد يعجبك ايضا

ثقافة

سليمان منصور.. حارس الذاكرة الذي رسم فلسطين وأدخل ترابها إلى لوحاته

خالد أصلان٢٥ أغسطس ٢٠٢٦
ثقافة

عبد الكريم زيدان.. فقيه التقنين وصاحب المدرسة القانونية الإسلامية

مروان الجبوري٢١ أغسطس ٢٠٢٦
ثقافة

عماد الدين خليل ورحلة البحث عن قوانين التاريخ في القرآن

مروان الجبوري١٨ أغسطس ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑