ترجمة وتحرير: نون بوست
من بين جميع الجبهات التي تمارس فيها إسرائيل القوة، تُعدّ الضفة الغربية المنطقة الأكثر استثمارًا من قِبل الدولة اليهودية، والأشد سيطرة، والأقل تعرضًا للضغط الأمريكي. وهي أيضًا المكان الذي يعيش فيه أكثر من نصف مليون مواطن إسرائيلي وسط نحو ثلاثة ملايين فلسطيني يخضعون للاحتلال العسكري دون أن يتمتعوا بالجنسية. لم يضع الرئيس ترامب أي قيود أمام التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، أو الضم التدريجي، أو الغارات العسكرية، أو عمليات هدم المنازل الفلسطينية، أو هجمات المستوطنين ــ وكلها وصلت إلى مستويات قياسية في ظل حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
وتُعدّ الضفة الغربية ذات أهمية استراتيجية وأيديولوجية لإسرائيل تفوق بكثير أي حرب تخوضها، وهي المنطقة التي تسعى فيها إسرائيل لتحقيق هدفها الأقدم والأكثر تماسكًا دون منازع: أكبر قدر ممكن من الأراضي لليهود بأقل عدد ممكن من الفلسطينيين. كما أنّ الضفة الغربية هي الساحة الوحيدة التي تعمل فيه مجموعات ميليشيات المستوطنين اليهود كقوة شبه عسكرية لتعزيز أهداف إسرائيل.
هذه الميليشيات ليست كيانات مارقة، كما يزعم القادة الإسرائيليون مرارًا وتكرارًا، بل هي مجموعات منظمة من المدنيين تتألف من مزيج من المستوطنين الإسرائيليين الذين يُنشئون بؤرًا استيطانية جديدة في جميع أنحاء الضفة الغربية، ومستوطنين جرى استدعاؤهم للخدمة الاحتياطية منذ هجمات حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 ليخدموا في وحدات الدفاع الإقليمي، إضافة إلى فرق الاستجابة السريعة وهي فرق طوارئ محلية متطوعة مُكلّفة بتقديم الاستجابة الأولية في مستوطناتهم. تخيل تشكيلًا يشبه “لجان حراسة الأحياء”، ولكن بأسلحة عسكرية واستخدام مفرط للقوة المميتة. وفي يونيو/ حزيران، خلص تقرير للأمم المتحدة إلى أنّ “الدعم المالي والعسكري” من السلطات الإسرائيلية قد “مكّن هجمات المستوطنين”.
في 9 أغسطس/ آب، بدأت إحدى هذه المليشيات في ترويع ثلاث عائلات فلسطينية في قرية قصرة. فقد نصبوا خيمة خارج منزلهم، وقطعوا عنهم إمدادات الكهرباء والمياه وقيّدوا حريتهم في التنقل.
في هذه الحالة، كان أحد تلك المنازل مملوكًا لـ”لؤي أبو ريدة”، وهو فلسطيني يحمل الجنسية الأمريكية من ولاية أوهايو. لقد عاد أبو ريدة إلى قصرة ورفع العلم الأمريكي على سطح منزله. وكانت القوات الإسرائيلية قد أعلنت المنطقة “منطقة عسكرية مغلقة” وأزالت الخيمة التي نصبها المستوطنون، لكنها لم تُعد للسكان الفلسطينيين حرية الدخول والخروج. وظل المستوطنون يتجولون في المكان في انتهاك للقرار، بينما حلّ الجيش الإسرائيلي فعليًا محل المستوطنين في محاصرة المنازل.
قال السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، في بيان على منصة إكس: “إنّ أفعال أولئك الذين نفذوا هذا العمل الإرهابي المروع الذي يهدف إلى ترهيب هذه العائلة ومضايقتها هي أعمال مقيتة”. كما أدان نتنياهو والرئيس إسحاق هرتسوغ هذه الهجمات أيضًا. لكن ميليشيات المستوطنين التي تروع قصرة وغيرها من القرى في مختلف أنحاء الضفة الغربية لم تكن لتستمر في تصرفاتها الحالية لولا الغطاء الرسمي والعسكري. فهؤلاء ليسوا متطرفين أو مثيري شغب منعزلين، كما زعم هاكابي ونتنياهو وغيرهما من القادة.
ولا يقتصر الأمر ببساطة على عنف المستوطنين. ففي الضفة الغربية، يعيش الفلسطينيون في خوف يومي على حياتهم. وأبو ريدة ليس صاحب المنزل الوحيد المعرض للخطر؛ فحتى في الوقت الذي كان فيه العلم الأمريكي يرفرف فوق منزله، وقع هجوم استيطاني آخر ضد منزل فلسطيني مختلف في قصرة في 29 أغسطس/ آب. فقد وصل المستوطنون الإسرائيليون في شاحنات نقل بيضاء، وهم ملثمون وقاموا برشق الحجارة. ورغم إصدار نتنياهو بيانًا يدين فيه هذه الأفعال ويؤكد أن السلطات ستتخذ الإجراءات اللازمة، لم يُسجّل سوى اعتقال واحد مرتبط بالهجمات التي وقعت في قصرة وعدد ضئيل من الاعتقالات المرتبطة بأعمال عنف أخرى ارتكبها المستوطنين في المنطقة. وقد لا تسفر هذه الإجراءات عن نتائج تذكر: فحتى عندما تُنفذ الاعتقالات، لا يتم إدانة سوى 3 بالمائة من المستوطنين.
بعبارة أخرى، ما حدث في قصرة هو سمة عامة وليست خللًا في السياسة الإسرائيلية، التي قامت بتوسيع وتعميق سيطرتها على الأراضي المحتلة خلال السنوات الأربع الماضية. وقد تحقق ذلك من خلال تشديد الخناق الاقتصادي، والقيود المفروضة على حرية الحركة، ونقل صلاحيات الحكم من الإدارة العسكرية إلى المدنية، والأكثر فظاعة من ذلك، تشجيع ميليشيات المستوطنين. وكانت مثل هذه المجموعات موجودة بالفعل عندما تشكلت الحكومة الحالية في أواخر عام 2022، ولكن في السنوات الثلاث الماضية، مُنحت هذه الميليشيات الحرية التامة إلى حد كبير لترهيب ومضايقة وجعل الحياة الفلسطينية في الضفة الغربية لا تطاق. ومنذ عام 2023، نزح آلاف الفلسطينيين جراء مزيج من هجمات المستوطنين والعمليات العسكرية والقيود المفروضة على الوصول والحركة. وفي 2 سبتمبر/ أيلول، هدمت القوات الإسرائيلية منازل ومنشآت في قرية خربة التبان الفلسطينية جنوب الضفة الغربية، ما أسفر عن تشريد 70 نسمة من سكان القرية.
لقد أدى هجوم حماس في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، وهو الهجوم الأكثر دموية ضد الإسرائيليين في تاريخ البلاد، إلى تسريع وتيرة العنف عمومًا، وميليشيات المستوطنين بشكل خاص، في ظل الحكومة الأكثر تأييدًا للمستوطنين والأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل. وتحت مظلة هذه الحكومة، سرّع وزير المالية بتسلئيل سموتريتش عمليات هدم المنازل الفلسطينية بينما سهّل بناء المنازل الإسرائيلية، في حين قام وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بتوزيع الأسلحة على الإسرائيليين من خلال تخفيف شروط تراخيصها، ما زود المستوطنين بحوالي 7,000 قطعة سلاح ناري. وقد أسهم ذلك في طمس الخط الفاصل بين المدني والجندي بشكل أكبر، ومكن المستوطنين المسلحين من التصرف بشعور من السلطة سواء كانوا يرتدون الزي العسكري أم لا، إذ يعمل معظمهم دون أي هيكل قيادي وبشعور عارم بالاستحقاق ــ والإفلات من العقاب.
وعلى الرغم من أنّ التراجع عن المشروع الاستيطاني هو السبيل السليم الوحيد سياسيًا وأخلاقيًا، إلا أنه يبدو أمرًا مستبعدًا، حتى لو سقطت حكومة نتنياهو أخيرًا في أكتوبر/ تشرين الأول.
المعسكران المهيمنان داخل المشهد السياسي الإسرائيلي اليوم هما ما يمكن تسميتهما بمعسكر الضم ومعسكر السيطرة. ويمثل سياسيو اليمين المتطرف في ائتلاف نتنياهو معسكر الضم بشكل أساسي. فقد عمل هؤلاء بلا كلل للقضاء على إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. ويفضل معظمهم الضم الرسمي لكامل الضفة الغربية إلى إسرائيل، بينما يهدف الأكثر اعتدالًا في هذه المجموعة، بما في ذلك بعض السياسيين في المعارضة، إلى الضم الرسمي، أو على الأقل الفعلي، لما كان يُعرف بموجب اتفاقيات أوسلو باسم “المنطقة ج” – وهي تمثل 60 بالمائة من الضفة الغربية الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية حيث تتركز المستوطنات الإسرائيلية إلى حد كبير.
أما معسكر السيطرة فيضم جزءًا كبيرًا من المؤسسة الأمنية وقادة التيار الوسطي. وتكمن آمال هذه المجموعة في الإبقاء على السيطرة العسكرية الإسرائيلية على الفلسطينيين والاحتفاظ بالعديد من المستوطنات دون إنشاء مستوطنات جديدة استفزازية، مع التقليل من الاحتكاك مع الفلسطينيين، ويرجع ذلك أساسًا إلى كبح عنف المستوطنين – وهو شكل من أشكال الاحتلال الأكثر هدوءًا. وبالتالي، يُرجح تجنب بؤر التوتر، مثل الموافقة الأخيرة على البناء في المنطقة المعروفة باسم “إي 1” شرق القدس، وهي خطة مثيرة للانقسام من شأنها أن تقسم الفلسطينيين أكثر وتقطع الضفة الغربية إلى نصفين. ومع ذلك، إذا نجحت هذه الحكومة بالفعل في بدء البناء هناك، فمن غير الواضح ما إذا كانت هناك أي حكومة جديدة ستتراجع عن هذه الخطوة.
إنّ ظاهرة التوسع الاستيطاني والإرهاب لم تبدأ مع الحكومة الإسرائيلية الحالية، وعلى الأرجح لن تنتهي معها. ومن الواضح أنّ ميليشيات المستوطنين تتصرف بدعم من الدولة في خدمة مشروع قومي أكبر لا يواجه معارضة تذكر داخل إسرائيل: وهو السيطرة الإسرائيلية الدائمة على معظم الضفة الغربية. وقد أظهر استطلاع للرأي حديث أن 55 بالمائة من اليهود الإسرائيليين يريدون الاحتفاظ بالمستوطنات في أي اتفاق مستقبلي مع الفلسطينيين، بينما يؤيد 38 بالمائة ضم الضفة الغربية.
ورغم أنّ أي تقليص لعنف المستوطنين يُعد خطوة مرحبًا بها وضرورية، إلا أن وضع حد للتدمير المنهجي للحياة الفلسطينية وتسهيل حق تقرير المصير للفلسطينيين بشكل حقيقي، يتطلب ضغطًا خارجيًّا من دول العالم أجمع. أولًا، يجب على المجتمع الدولي الإصرار على أن تضع الحكومة الإسرائيلية القادمة حدًا لميليشيات المستوطنين. ثم عليه بعد ذلك إجبار إسرائيل على تفكيك المشروع الاستيطاني برمته.
المصدر: نيويورك تايمز