• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

تسليم المطلوبين وتفكيك الخلايا.. كيف تبدّلت قواعد الأمن بين دمشق وبيروت؟

خالد أصلان٧ سبتمبر ٢٠٢٦

الرئيس السوري أحمد الشرع يلتقي نظيره اللبناني جوزيف عون على هامش القمة العربية الإسلامية الطارئة في الدوحة 15 سبتمبر/أيلول 2025

أعاد سقوط نظام بشار الأسد رسم واحدة من أكثر العلاقات الأمنية اختلالًا في المشرق، بعدما انتقلت سوريا خلال أقل من عامين من دولة كانت أجهزتها تتحرك داخل لبنان وتؤثر في مؤسساته وتتعامل مع أمنه بوصفه جزءًا من مجالها المباشر، إلى دولة تمر طلباتها ومعلوماتها عبر قنوات رسمية لبنانية ويخضع تنفيذها لقرار الأجهزة والقضاء في بيروت.

بقيت الجغرافيا نفسها وبقي معها عبء الحدود والسلاح وشبكات التهريب وضباط النظام السابق وشبكاته، لكن طريقة إدارة هذه الملفات بدأت تتغير مع انهيار البنية التي حكمت العلاقة لعقود.

وخلال صيف 2026 ظهر هذا التحول بصورة أكثر وضوحًا، إذ تحدث وزير الداخلية اللبناني أحمد الحجار عن تواصل أمني يومي وتبادل للمعلومات بين الأجهزة في البلدين، ثم اتفق مع وفد سوري في أغسطس/آب على تنظيم قنوات الاتصال وعقد اجتماعات دورية وتحديد مسؤوليات الطرفين.

وبعد أسابيع، كشفت عملية أمنية في لبنان استهدفت شبكة مرتبطة برجال من النظام السابق كيف انتقل هذا التنسيق من الاجتماعات وتبادل المعلومات إلى إجراءات ميدانية وقضائية.

تكشف هذه الوقائع حجم تقاطع المصالح الأمنية بين البلدين، إذ تحتاج سوريا إلى تعاون يمنع أراضي لبنان من التحول إلى قاعدة لضباط الأسد وشبكات التمويل والتسليح، فيما تحتاج بيروت إلى سلطة سورية قادرة على ضبط المعابر وطرق التهريب التي غذّت لعقود تجارة السلاح والمخدرات والبشر وشكّلت لسنوات ممرًا لوجستيًا وعسكريًا لـ”حزب الله” عبر الأراضي السورية.

كيف تبدّل ميزان العلاقة بين دمشق وبيروت؟

قبل انسحاب الجيش السوري من لبنان عام 2005، كانت دمشق جزءًا فعليًا من بنية القوة داخل البلاد، فقد وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش، في مايو/أيار 1997 اعتقالات نفذتها استخبارات دمشق على الأراضي اللبنانية ونقل أشخاص إلى سوريا، ووصفت الوضع بالقول إن الحكومة اللبنانية “تنازلت عن بعض صلاحيات الشرطة” للأجهزة السورية العاملة داخل البلاد.

في تلك المرحلة امتلك ضابط الأمن السوري قدرة على التعامل مع ملفات لبنانية من داخل لبنان نفسه، بينما خضعت مساحات واسعة من القرار السياسي والأمني لموازين تديرها سوريا أو تؤثر فيها بصورة مباشرة. وغيّر الانسحاب السوري في أبريل/نيسان 2005 أدوات هذا النفوذ، فانتقلت دمشق بدرجة أكبر إلى العمل عبر حلفاء وشبكات ووسطاء محليين.

وكشفت قضية الوزير اللبناني السابق ميشال سماحة عام 2012 جانبًا من هذه المرحلة، بعدما اتهمه القضاء اللبناني بنقل متفجرات من سوريا ضمن مخطط مرتبط بمسؤولين أمنيين سوريين لإشعال أعمال عنف داخل لبنان، قبل أن تصدر بحقه إدانة قضائية.

في السنوات التالية أصبح “حزب الله” أحد أهم جسور الارتباط العسكري بين البلدين، إذ قاتل إلى جانب الأسد خلال سنوات الثورة السورية، فيما شكلت سوريا ممرًا أساسيًا للإمداد الإيراني المتجه إلى الحزب، وهو ما جعل العلاقة الأمنية بين الأخير وبين دمشق القديمة وطهران تتجاوز إطار العلاقات الرسمية بين الدولتين.

بدأ انقلاب المشهد بعد سقوط الأسد خلال أسابيع قليلة، ففي 28 ديسمبر/كانون الأول 2024 قال مسؤول أمني لبناني لوكالة رويترز، إن لبنان أعاد نحو 70 ضابطًا وجنديًا من قوات النظام السابق دخلوا البلاد بطرق غير شرعية بعد انهيار الحكم في دمشق.

بعدها بأسبوعين وصل رئيس الحكومة اللبنانية آنذاك نجيب ميقاتي إلى العاصمة السورية برفقة رئيس الأمن العام ورئيس الاستخبارات العسكرية، والتقى أحمد الشرع قبل أيام من تقلده رئاسة البلاد.

وناقش الطرفان ملفات عدة أبرزها الحدود والتهريب، وقال الشرع خلال اللقاء إن البلدين أمام فرصة لبناء علاقة جديدة ودعا اللبنانيين إلى تجاوز “عقلية العلاقة السورية السابقة”.

مركبات تصطف للدخول إلى لبنان قرب الحدود اللبنانية السورية بعد الإطاحة ببشار الأسد (رويترز)

جاء أول اختبار ميداني كبير في مارس/آذار 2025، حين اندلعت اشتباكات عنيفة على الحدود وتحرك الجيشان على جانبيها قبل الوصول إلى وقف لإطلاق النار عبر اتصالات بين مسؤولي الدفاع.

وفي 27 مارس/آذار اجتمع وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة ونظيره اللبناني ميشال منسى في جدة برعاية سعودية، واتفقا على تعزيز التنسيق وتشكيل لجان قانونية ومتخصصة وإعطاء ترسيم الحدود أولوية، في أول محاولة لترجمة إدارة الأزمة الحدودية إلى آليات رسمية بين الجيشين.

ويرى صهيب جوهر، الباحث اللبناني في شؤون الأمن الإقليمي والزميل في مركز تراينغل للسياسة والمجتمع، أن البيئة التي صنعت الهيمنة السورية القديمة تغيرت، وأن دمشق الجديدة باتت تميل إلى حماية مصالحها عبر التعاون في الحدود والاستخبارات والمؤسسات في وقت تنشغل فيه بإعادة بناء الدولة والاقتصاد والعلاقات الخارجية.

ويضع خضر خضور، الباحث في مركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط والمتخصص في الدولة والأمن في سوريا، سقفًا آخر لهذا التحول. ففي تحليل نشره المركز في 29 يونيو/حزيران 2026، حذر من التعامل مع دمشق الجديدة باعتبارها قوة جاهزة لترتيب التوازن داخل لبنان، لأن سوريا نفسها ما زالت تعيد بناء جيشها ومؤسساتها وتثبيت سلطة الدولة.

ولخص المشكلة بالقول إن الفراغ الذي يتركه ضعف الدولة في لبنان يصعب على سوريا أن تملأه وهي تواجه أزمة بناء الدولة نفسها، ما يجعل تراجع القدرة السورية على فرض النفوذ عاملًا أساسيًا في ميزان العلاقة الجديد.

ورغم الحاجة المتبادلة إلى التعاون، تبقى ذاكرة الوصاية حاضرة في لبنان، فيما تفتقر سوريا الجديدة إلى فائض القوة الذي سمح لها سابقًا بفرض نفوذ مباشر داخل البلاد.

كيف انتقل التنسيق من الاتصال إلى التنفيذ؟

ظهرت أولى ملامح آلية العمل الجديدة بوضوح في أواخر 2025، ففي 18 ديسمبر/كانون الأول وصل مساعد قائد الأمن الداخلي في محافظة اللاذقية العميد السوري عبد الرحمن الدباغ إلى بيروت والتقى رئيس الاستخبارات العسكرية اللبنانية طوني قهوجي والمدير العام للأمن العام حسن شقير، حاملًا ملفًا يضم أكثر من مئتي ضابط وشخصية من حقبة الأسد تريد دمشق معرفة أماكنهم وأوضاعهم، وفق ما نقلت رويترز عن مسؤولين.

وصف الجانب السوري ما جرى يومها بأنه اتصال مباشر بين الأجهزة لجمع المعلومات، فيما قال مسؤول قضائي لبناني في يناير/كانون الثاني 2026 إن إجراءات التسليم تحتاج إلى مستندات ومسار رسمي يمر عبر المؤسسات المختصة.

خلال الأيام الأولى من يناير/كانون الثاني انتقلت بعض الملفات إلى التحقيق والمداهمة، فقد أوقفت الأجهزة اللبنانية 38 سوريًا في الشمال والشرق في قضايا شملت السلاح والمخدرات والدخول غير المشروع، بينما بقي أشخاص آخرون خارج التوقيف لغياب أوامر قضائية بحقهم.

وفي 16 يناير/كانون الثاني، اعتقلت السلطات أحمد دنيا، الذي ساعد في تمرير أموال إلى شبكة مرتبطة برجال من النظام السابق لتمويل أو تجنيد مقاتلين في لبنان وسوريا، فيما ذكرت مصادر أن التحقيقات تشير إلى وجود وسطاء ماليين آخرين يعملون داخل البلاد.

اتسع التعاون في 6 فبراير/شباط إلى ملف السجون، عندما وقع البلدان اتفاقًا لنقل أكثر من 300 سجين سوري من السجون اللبنانية لاستكمال عقوباتهم في سوريا.

نائب رئيس الحكومة اللبنانية ووزير العدل السوري يتبادلان وثائق اتفاق نقل السجناء السوريين من لبنان إلى سوريا، بيروت، 6 فبراير/شباط 2026 (AP)

وقال طارق متري نائب رئيس الحكومة اللبنانية إن الاتفاق يمثل “خطوة أولى” نحو معالجة أوسع لملف يضم نحو 2500 سوري كانوا موجودين في السجون ومراكز الاحتجاز اللبنانية، وبينهم أشخاص تعود قضاياهم إلى سنوات المواجهة بين نظام الأسد ومعارضيه.

وبحلول يوليو/تموز أصبح الاتصال أكثر انتظامًا، إذ أعلن أحمد الحجار أن الأجهزة اللبنانية والسورية تتبادل المعلومات في ملفات الأمن والتهديدات العابرة للحدود، ثم جاء اجتماع 5 أغسطس/آب في وزارة الداخلية اللبنانية ليمنح هذا التواصل إطارًا أكثر تنظيمًا.

اتفق الحجار ومعاون وزير الداخلية السوري للشؤون الأمنية ملهم الشنتوت على تفعيل الاتصال المباشر وتبادل المعلومات وعقد اجتماعات متابعة وتحديد مسؤولية كل جهة.

ثم اتسعت الدائرة في 12 و13 أغسطس/آب خلال مشاورات لإدارة الحدود شارك فيها من الجانب السوري حرس الحدود ووزارة الداخلية والهيئة العامة للمنافذ والجمارك، ومن الجانب اللبناني الجيش والأمن العام والجمارك وجهات حكومية أخرى، وناقشت تعزيز مكاتب الارتباط والاتصال بين المنافذ والتحقق من الوثائق والربط الإلكتروني بين الجمارك.

وبهذا أصبح التنسيق موزعًا بين المؤسسات وفق اختصاصها، إذ تتعامل وزارتا الداخلية والأجهزة التابعة لهما مع الإرهاب والجريمة والمطلوبين، ويتولى الجيشان وحرس الحدود الملفات الميدانية، فيما يحضر الأمن العام في حركة الأشخاص وإجراءات التسليم، وتعمل الجمارك على تبادل المعلومات المتعلقة بالمنافذ والبضائع، تحت مظلة أوسع توفرها اللجنة العليا السورية اللبنانية التي بدأت عملها خلال 2026.

وقدمت قضية اللواء السوري السابق عادل عيسى في أغسطس/آب المثال الأوضح، فقد حضر إلى السفارة السورية في بيروت لإنجاز معاملات، فأبلغت الأخيرة النيابة العامة اللبنانية بأنه مطلوب في سوريا، ثم أرسلت النيابة فريقًا من المباحث الجنائية المركزية لتوقيفه ونقله إلى قصر العدل.

أرسلت دمشق بعد ذلك ملف الاتهامات وخضع الرجل للاستجواب أمام القضاء اللبناني، قبل صدور قرار بتسليمه وتولي الأمن العام نقله إلى الحدود في 19 أغسطس/آب، فيما قالت السلطات السورية إن مذكرة توقيفه تشمل اتهامات بالقتل العمد والتعذيب المفضي إلى الموت.

واستند المسار إلى الاتفاقية القضائية السورية اللبنانية الموقعة عام 1951، التي تنظم تسليم المطلوبين وتنفيذ الأحكام الجزائية وفق شروط قانونية محددة.

وتشرح دراسة لمبادرة الإصلاح العربي، وهي مركز أبحاث إقليمي معني بالإصلاح السياسي والمؤسسي، أن التسليم يرتبط بوجود ملاحقة أو اتهام أو حكم يستوفي الشروط الواردة في الاتفاقية، ما يمنح القضاء اللبناني دورًا في فحص الملف قبل التنفيذ.

وفي مطلع سبتمبر/أيلول انتقل التعاون إلى شبكة عابرة للحدود مرتبطة برجال من النظام السابق، إذ قالت الوكالة الوطنية للإعلام إن شعبة المعلومات أوقفت خمسة لبنانيين وسوريين متورطين في إدخال أفراد من سوريا عبر الحدود الشمالية ونقلهم إلى البقاع للتدريب، وإن التحقيق توسع إلى مشتبه بهم آخرين.

فيما قال مصدر قضائي لبناني لفرانس برس إن المجموعة تضم لبنانيين وثلاثة سوريين بينهم عقيد سابق في الاستخبارات، وإن ضابطًا سابقًا برتبة لواء يقيم في موسكو وقريبًا من الأسد يدير الشبكة.

وتحدث المصدر عن شبهات تتعلق بالإعداد لهجمات ضد قوات الحكومة السورية في الساحل، كما تناول التحقيق شبهات بشأن تلقي بعض أفراد المجموعة تدريبًا على أيدي مقاتلين من حزب الله في شرق لبنان، وهو ما نفاه الحزب.

ما حدود التقارب الأمني بين البلدين؟

تظهر حدود التقارب بين دمشق وبيروت بوضوح في ملف ضباط النظام السابق وشبكاتهم المالية والأمنية داخل لبنان، حيث تتقاطع رغبة دمشق في ملاحقتهم مع تمسك بيروت بأن تمر عمليات التوقيف والتسليم عبر القضاء والإجراءات القانونية اللبنانية.

فقد كشف تحقيق لرويترز في ديسمبر/كانون الأول 2025، استند إلى مقابلات ووثائق ومصادر أمنية، عن محاولات شارك فيها رجال من الحلقة المحيطة بالأسد، بينهم رجل الأعمال رامي مخلوف واللواء السابق كمال حسن، لتوفير المال وبناء شبكات مسلحة تستهدف السلطة السورية الجديدة، مع وجود وسطاء واتصالات في لبنان.

ودعا طارق متري في يناير/كانون الثاني 2026 الأجهزة اللبنانية إلى التحقق من هذه الشبكات ومنع أي نشاط ينطلق من الأراضي اللبنانية ويهدد وحدة سوريا وأمنها، بينما أظهرت التحقيقات في الوقت نفسه أن توقيف الأشخاص يحتاج إلى أساس قانوني لبناني أو ملف قضائي صالح للتنفيذ.

ويمتد التحدي إلى الحدود، حيث راكم ضعف الضبط وترابط البلدات والعائلات على جانبيها اقتصادًا واسعًا للتهريب، عبرت خلاله لسنوات شحنات الوقود والبضائع والسلاح والمخدرات والأشخاص. وخلال عهد الأسد استفادت من هذه المسارات شبكات ارتبط بعضها بالفرقة الرابعة بقيادة ماهر الأسد، فيما استخدمت طرق أخرى ضمن منظومة إمداد حزب الله عبر الأراضي السورية.

ويشرح الباحث السوري جوزيف ضاهر، المتخصص في الاقتصاد السياسي السوري، في تحليله للاشتباكات الحدودية عام 2025 أن بعض الشبكات والعشائر العاملة على جانبي الحدود تستند إلى علاقات حماية سياسية وصلات بـ”حزب الله”، في وقت تحاول السلطات السورية الجديدة فرض سيطرتها على طرق عملت لسنوات داخل اقتصاد الحرب.

وتزيد مشكلة ترسيم الحدود من تعقيد ضبط هذه المساحة، إذ بقيت قرى ومزارع وممرات بحاجة إلى حسم قانوني وتقني يحدد الولاية عند مطاردة مهربين أو التعامل مع إطلاق نار وتحركات مسلحة.

ووضعت اتفاقات جدة في مارس/آذار 2025 الترسيم ضمن الأولويات وشكلت لجانًا متخصصة، بعدما أظهرت الاشتباكات كيف يمكن لحادثة محلية مرتبطة بعشائر أو مجموعات مسلحة أن تتوسع سريعًا وتستدعي انتشار الجيشين.

ويبقى “حزب الله” واحدًا من أكثر الملفات حساسية في هذه العلاقة، إذ أسقط انهيار نظام الأسد جزءًا أساسيًا من الطريق الذي ربط الحزب بإيران عبر سوريا، وأصبحت الحكومة السورية الجديدة معنية بضبط تهريب السلاح والجماعات التي ارتبطت بالمحور الإيراني، بينما يظل التعامل مع سلاح الحزب وتركيبته السياسية والعسكرية مرتبطًا بالتوازن الداخلي اللبناني.

ويرى صهيب جوهر أن القيادة السورية تميل إلى العمل عبر مؤسسات الدولة اللبنانية وأمن الحدود، لأن فتح مواجهة مباشرة داخل لبنان سيحمل على دمشق كلفة سياسية وأمنية كبيرة.

ويعزز هذا التقدير أندرو تابلر، الباحث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى والمتخصص في الشأن السوري، الذي يرى أن دمشق تملك مجالًا للتعاون عندما تتطابق المصالح، خصوصًا في أمن الحدود ومكافحة الإرهاب والاستقرار، فيما تجعل أوضاع سوريا الداخلية والتوازنات الإقليمية أي تدخل عسكري خارج حدودها عالي الكلفة.

انتشار للجيش السوري على الحدود مع لبنان مطلع 2026، في منطقة بقي فيها ضبط السلاح والتهريب وترسيم الحدود من أكثر الملفات حساسية بين البلدين

وضمن قراءة أوسع للسياسة الخارجية السورية، يرى حايد حايد الباحث في مبادرة الإصلاح العربي، أن القيادة الجديدة تحاول تخفيف مشكلاتها مع الجوار وتقليص انخراطها في محاور المنطقة، ما يجعل العلاقة مع لبنان جزءًا من مسعى تحصين الداخل السوري ومنع ارتداد الصراعات الإقليمية إليه.

ويضع ضعف مؤسسات الدولة اللبنانية سقفًا آخر لهذا التعاون، إذ ترى نيكول الخواجة وريناد منصور، الباحثان في المعهد الملكي للشؤون الدولية “تشاتام هاوس”، في لندن أن تفتت السلطة وضعف احتكار الدولة للسلاح يحدان من قدرتها على فرض قرارات أمنية موحدة على كامل أراضيها، ما يجعل انتظام القنوات بين دمشق وبيروت مرتبطًا أيضًا بقوة المؤسسات التي يفترض أن تنفذ ما يتم الاتفاق عليه.

وتبقى ذاكرة الوجود السوري عاملًا حاضرًا في التعامل اللبناني مع أي توسع في التنسيق الأمني، بعدما تركت ثلاثة عقود من التدخل العسكري والأمني حساسية عميقة تجاه علاقة وثيقة مع دمشق.

ويتقاطع ذلك مع قراءة أوسع قدمها جوليان بارنز-ديسي وإيلي جرانمايه وهيو لوفات في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية في مايو/أيار 2025، إذ رأوا أن تراجع النفوذ الإيراني في المشرق فتح مساحة لإعادة الحكومات المركزية إلى موقع أقوى، فيما اتجهت السعودية وتركيا وقطر إلى ربط مصالحها بدرجة أكبر باستقرار المؤسسات وإعادة الإعمار.

في هذا السياق، أصبح التعاون الرسمي بين بيروت ودمشق يحظى بحوافز إقليمية مختلفة عن البيئة التي سمحت سابقًا بنمو شبكات الوكلاء والنفوذ السوري المباشر داخل لبنان.

وتشير هذه التقديرات إلى أن الوجهة الأرجح في المدى المنظور هي توسيع المأسسة بصورة انتقائية، عبر مزيد من الاتفاقات والقنوات في الأمن والحدود والقضاء والتجارة والنقل، بينما تبقى ملفات مثل سلاح “حزب الله” وعلاقة البلدين بـ”إسرائيل” وموقع إيران خارج أرضية التوافق الكامل.

ويعتقد صهيب جوهر أن الحكم على متانة هذه العلاقة سيأتي عند “الأزمة الأمنية الكبرى التالية”، عندما تتباعد مصالح البلدين ويصبح التنسيق أكثر كلفة على أحدهما، فالاختبار عندها سيكون في قدرة القواعد والمؤسسات التي تشكلت منذ سقوط الأسد على إدارة الخلاف، وفي مدى قبول دمشق بقرار أمني أو قضائي لبناني لا يطابق تقديرها.

علاماتأجهزة المخابرات السورية ، إيران وحزب الله ، الأمن اللبناني ، الإطاحة بالأسد ، الحدود اللبنانية السورية
مواضيعالسياسة السورية ، الشأن السوري ، الشأن اللبناني ، العدالة في سوريا ، العلاقات السورية اللبنانية

قد يعجبك ايضا

سياسة

الأمر لا يقتصر على مستوطني الضفة.. بل يتعلق بإسرائيل نفسها

مايراف زونزين٦ سبتمبر ٢٠٢٦
سياسة

هل يشعل نتنياهو حربًا جديدة لإنقاذ مستقبله السياسي؟

ديفيد إي٦ سبتمبر ٢٠٢٦
سياسة

خلف أستار الحظر التركي: شركات إماراتية وسويسرية تواصل شحن النفط لإسرائيل

كاثرين هيرست٥ سبتمبر ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑