• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

إسرائيل في البيت الأبيض: حليف محصّن بالقانون والمال

مصطفى علي٢٨ سبتمبر ٢٠٢٦

“يقدّم إلينا أصدقاؤنا الأميركيون المال والأسلحة والنصح. ونحن نأخذ المال، ونأخذ الأسلحة، لكننا نرفض النصح” — موشي دايان، نقلًا عن آفي شلايم في “الجدار الحديدي”.

“سرّي للغاية”. كُتبت هاتان الكلمتان بالروسية على مظروف خُتم بالشمع الأحمر، وكان مقدّرًا أن تُوزَّع منه سبع نسخ فقط، تُرسل إلى قادة ألبانيا وبلغاريا وتشيكوسلوفاكيا وألمانيا الشرقية والمجر وبولندا ورومانيا، وكان يتعيّن إبقاء الخطاب في نطاق ضيق جدًا، بحيث يسمح كل زعيم للحزب لمجموعة صغيرة من نوابه بقراءته من دون استنساخه.

كان ذلك خطاب نيكيتا خروتشوف الذي حطّم فيه عبادة ستالين داخل الحزب الشيوعي، وعدّد جرائمه، وتناول للمرة الأولى عهد الإرهاب الأحمر. في تلك الأثناء، وبأوامر من الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور، خصّص آلان دالاس، رئيس وكالة الاستخبارات المركزية، مليون دولار للحصول على نص الخطاب، لكن محاولات عملاء الغرب السريين في العواصم الأوروبية باءت بالفشل.

لحسن حظ الأميركيين، أغضب الخطاب إدوارد أوشاب، رئيس الحزب الشيوعي البولندي، الذي صدمته الطريقة اللاذعة التي انتُقد بها الرفيق ستالين. وشعر بحاجة إلى البوح بما في نفسه، فدعا عددًا قليلًا من مساعديه إلى قراءة النص، وسرعان ما انتشر في أروقة السياسة في وارسو خبر وجود وثيقة مهمة تستحق القراءة.

على هامش تلك الأحداث الكبرى، كان شاب يهودي يُدعى فيكتور غرايفسكي قد سمع بالخطاب، وكان على علاقة بامرأة تشغل منصبًا رفيعًا في الجهاز البيروقراطي الضخم لأمانة الحزب الشيوعي البولندي. أقنعها غرايفسكي بأن يستعير من مكتبها النص المكتوب بلغته الروسية الأصلية. لم يكن يعلم بأمر المليون دولار، وكان في الوقت نفسه مفعمًا بحماسة صهيونية تجاه الدولة الوليدة، إسرائيل، فقرّر تقديم الوثيقة إليها هدية.

نيكيتا خروتشوف خلال المرحلة التي أعقبت خطاب إدانة جرائم ستالين، 1956.

في غضون أيام، وجد عاموس مانور، مدير جهاز الأمن العام “الشاباك”، خطاب خروتشوف على مكتبه. كان مانور مهمومًا على الدوام بإقناع الولايات المتحدة بأن إسرائيل جزء لا يتجزأ من العالم الحر، وليست مرتعًا للجواسيس السوفييت. وبلغ الشك الأميركي فيه حدّ أن منعه جاي إدغار هوفر من دخول الولايات المتحدة عام 1952، للاشتباه في كونه عميلًا شيوعيًا، وفي أبريل 1956، وجد على مكتبه وثيقة تثبت براءته وولاءه، فانطلق بها إلى منزل بن غوريون.

رأى بن غوريون في الوثيقة فرصة لتعزيز اتفاقية التعاون الاستخباراتي التي أبرمها مع واشنطن قبل خمس سنوات. كان يعلم أن كثيرًا من المسؤولين الأميركيين يشككون في جدوى التعاون مع دولة اشتراكية صغيرة، تعجّ بالوافدين الجدد المشتبه فيهم. وسرعان ما وصل الخطاب إلى مكتب الرئيس أيزنهاور، ورأى مساعدوه أن حصول إسرائيل عليه إنجاز رفيع تستحق الثناء عليه.

أمر أيزنهاور بتسريب النص إلى عدد من الصحف ووكالات الأنباء الأميركية، وبُثّت كلماته العشرون ألفًا كاملة عبر إذاعتي “أوروبا الحرة” و”الحرية”. وعلى مدى عشرين عامًا، ظل العالم يجهل أن أحد أكبر الإحراجات في زمن الحرب الباردة كان خدمة إسرائيلية قُدّمت إلى الولايات المتحدة أملًا في توطيد العلاقات بين البلدين، وقد تحقق ذلك بالفعل، إذ تعمّقت علاقة الموساد بوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية.

رهان ترومان

بعد هذا الحادث، بدا أن رهان ترومان كان صائبًا، حتى ذلك الوقت على الأقل. وبحلول عام 1958، كان البلدان قد تبادلا قدرًا كبيرًا من المعلومات الاستخباراتية. وفي خطوة غير مألوفة، سمحت إسرائيل للولايات المتحدة بفحص منظومات أسلحة سوفييتية استولت عليها، والاطلاع على تقارير قدّمها مهاجرون من دول الكتلة السوفييتية.

وكما يجادل المؤرخ مايكل كوهين في كتابه “فلسطين والقوى العظمى 1945-1948″، تأثر دعم ترومان لإسرائيل بتعاطفه مع ضحايا النازية، وتوسلات أصدقائه ومستشاريه اليهود، وتقديره لأهمية أصوات الناخبين اليهود والتمويل السياسي. وإلى جانب هذه العوامل، برز اعتقاد أهم لدى مستشاري البيت الأبيض، وهو أن إسرائيل ستكون رصيدًا استراتيجيًا للغرب في صراعه مع الكتلة الشرقية خلال الحرب الباردة.

لقاء هاري ترومان مع دافيد بن غوريون 1948

جاء قرار الاعتراف الأميركي بإسرائيل، كما أشرنا في المقالة الافتتاحية لهذا الملف، ثمرة صدام مباشر بين الرئيس هاري ترومان ووزير خارجيته جورج مارشال، فقد رأى مارشال أن الاعتراف يضر بمصالح واشنطن النفطية والدبلوماسية في العالم العربي، وقاد، بالتعاون مع مستشار وزارة الخارجية جورج كينان، حملة قوية لثني ترومان عن دعم قيام إسرائيل، لكنها باءت بالفشل.

بمرور الوقت، اتخذت العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل شكلًا يتجاوز التحالف التقليدي بين دولتين تتقاطع مصالحهما بين حين وآخر. فقد تحولت إلى عنصر بنيوي في الوجود الأميركي في الشرق الأوسط، تُصاغ في ضوئه حسابات واشنطن الاستراتيجية في المنطقة برمتها.

وفي نظر بعض المراقبين، بدا الخوض في تلك العلاقة كفتح صندوق باندورا، لما اجتمع فيها من خطايا البشر وشرورهم. وعلى أي حال، كانت رابطة وثيقة قد نشأت بالفعل، وظل يغذيها نفوذ جماعات ضغط مثل “إيباك”، التي يفوق تأثيرها تأثير جماعات الضغط الموازية في السياسة الأميركية. وعزّزتها أيضًا مظلة سياسية ودينية أوسع، تتمثل في الفكر المسيحي الصهيوني.

جعلت هذه المعطيات العلاقة بين البلدين أشبه بـ”علاقات خطرة”، بتعبير الأديب الفرنسي دي لاكلو، إذ يتداخل فيها الشخصي والموضوعي، وقد يرتبطان على نحو يصعب معه الفصل بينهما في كثير من الأحيان.

ومن هنا تبرز أسئلة جوهرية يسعى هذا الملف إلى تناولها. هل بات القرار السياسي الأميركي رهينة لازدواجية المعايير تجاه تل أبيب، حتى عندما يتعارض ذلك مع مصالح واشنطن المباشرة؟ وهل شهدت هذه العلاقة لحظات تصدت فيها الإدارات الأميركية لإسرائيل انتصارًا لاعتبارات أكبر؟ وهل يحكمها الطابع الشخصي المتبدل بتبدل ساكن البيت الأبيض، أم أنها رقم ثابت في المعادلة يتجاوز الأشخاص؟ وهل كانت هذه العلاقة، منذ البداية، قدرًا محتومًا؟

قبل أن يستحيل الإعجاب.. دينًا

في كتابه “سؤالي عن إسرائيل، إعادة صياغة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني”، يتناول الصحفي الأسترالي أنتوني لونشتاين أثر حرب الـ67 في العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، فقد تقبّلت إدارة ليندون جونسون توسع إسرائيل من دون معارضة تُذكر داخلها.

أدركت الإدارة الأميركية الأهمية الاستراتيجية لإسرائيل في خدمة طموحات واشنطن الإقليمية، وكتب المعلق الأميركي نورمان بودهوريتز أن إسرائيل باتت، بعد حرب عام 1967، “دين اليهود الأميركيين”. وأثار استعراض إسرائيل لقوتها إعجاب الولايات المتحدة، التي رأت فيها حليفًا استراتيجيًا قادرًا على موازنة الوجود السوفييتي في المنطقة، فقدّمت إليها الدعم المالي والعسكري والسياسي. وروّج يهود أميركيون لفكرة أنهم باتوا يدافعون عن الولايات المتحدة في مواجهة ما وصفوه بـ”الغزوات العربية الشريرة”، وأن إسرائيل تمثل جبهة هذا النضال.

ورغم ما حققه تسريب خطاب خروتشوف، كما استعرضنا سابقًا، ظلت العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل محاطة بمحاذير عدة. وبلغ الأمر بالرئيس أيزنهاور، خلال العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، أن أجبر بن غوريون على الانسحاب الكامل من سيناء، بعدما هدد بالفعل بقطع المساعدات الأميركية عن إسرائيل، والبالغة قيمتها مئة مليون دولار.

عكس تعامل أيزنهاور مع الأزمة المنهج الذي سيتبعه كل رئيس أميركي يقرر التصادم مع المشروع الإسرائيلي، وعلى خلاف ما قد يوحي به لفظ الصدام، تكتسب المواجهة بين الرئيس الأميركي وإسرائيل طابعًا خاصًا، فهي لا تشبه مواجهة بين أنداد أو حربًا بين خصوم، بقدر ما تشبه تسلطًا أبويًا يمارسه الرئيس الأميركي على ابن متمرد.

في خضم الأزمة، اتخذ أيزنهاور موقفه حفاظًا على مكانة الولايات المتحدة والنظام الدولي الذي أسهمت واشنطن في تأسيسه تحت مظلة الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، وتقاسمت النفوذ فيه مع السوفييت.

وحين نهر أيزنهاور بن غوريون، حملت كلماته نبرة خاصة، إذ قال “لست بحاجة إلى تأكيد اهتمام الولايات المتحدة العميق ببلدكم، ولا إلى التذكير بمختلف جوانب سياستنا الداعمة لإسرائيل بشتى الطرق. لذا أحثكم على الامتثال لقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة المتعلقة بالأزمة الراهنة، وإعلان قراركم فورًا. وسيكون من دواعي أسف جميع أبناء وطني أن تؤثر السياسة الإسرائيلية، في مسألة بالغة الأهمية للعالم، بأي شكل من الأشكال، في التعاون الودي بين بلدينا”.

تكشف هذه الكلمات أن قدرًا من التباين ظل قائمًا بين المصالح الإسرائيلية والأميركية، فقد كانت الولايات المتحدة تتحرك وفق مصالحها في وقت بقيت فيه وجهة مصر الناصرية بين المعسكرين غامضة.

وبرزت إحدى نقاط التباين بين مصالح البلدين في عهد الرئيس جون كينيدي، خليفة أيزنهاور، وفي هذه المسألة تجسّد أثر الطابع الشخصي للرئيس الأميركي، الذي قد يؤدي أحيانًا دورًا حاسمًا في تحديد سياسة واشنطن تجاه إسرائيل.

وكما تكشف وثائق أُفرج عنها عام 2016، انخرط كينيدي شخصيًا في قضية البرنامج النووي الإسرائيلي أكثر من أي رئيس أميركي آخر. فقد كان مدافعًا صادقًا عن منع الانتشار النووي، الذي مثّل هاجسه الأكبر، ولا سيما بعدما تجسّد خطره في أزمة الصواريخ الكوبية مع الاتحاد السوفييتي.

لقاء كينيدي وبن غوريون عام 1961

بناءً على شكوك تنامت لدى أجهزة الاستخبارات الأميركية في أن إسرائيل تخفي أهدافًا عسكرية وراء مفاعل ديمونا، أعرب كينيدي عن قلقه، وسعى إلى توسيع نطاق عمليات التفتيش الأميركية على المنشأة وإضفاء طابع مؤسسي عليها. وحين التقى بن غوريون في مانهاتن عام 1961، كان البرنامج النووي الإسرائيلي محور اجتماعهما، وأصر بن غوريون على أن البرنامج مخصص لأغراض تنموية وسلمية فحسب.

لم تنطلِ على كينيدي محاولات التهدئة تلك، فقرر التصعيد لاحقًا، وبعث برسائل صارمة إلى بن غوريون ثم إلى خليفته ليفي أشكول، مطالبًا بإجراء عمليات تفتيش مرتين سنويًا وفق المعايير الدولية. وحذّر في رسائله من أن التزام حكومته تجاه إسرائيل ودعمها سيتعرضان لخطر جسيم إذا عجزت الولايات المتحدة عن تبديد مخاوفها من طموحات إسرائيل النووية.

استجابت إسرائيل لقرصة الأذن، لكن بحذر ودهاء. ويذكر جون ميرشايمر في كتابه “اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأميركية” أن أشكول أبلغ زملاءه بقوله “سيأتي رجله، وسيقال له، في واقع الأمر، إن في إمكانه زيارة ديمونا والذهاب إلى أي مكان يريده.

إلا أنه عندما يريد فتح أحد الأبواب في مكان ما، سيقال له، لا، ليس هذا الباب”. واتبعت إسرائيل هذا النهج بالفعل مع فرق التفتيش. ولم يمهل القدر كينيدي لاختبار مدى عزيمته والحد الأبعد الذي كان مستعدًا لبلوغه، إذ اغتيل أواخر عام 1963.

وعلى أي حال، يرى ميرشايمر أن كينيدي وخليفته جونسون لم يكونا مستعدين لحجب الدعم الأميركي في حال رفض إسرائيل الاستجابة لمطالبهما. ولذلك تمكّن الإسرائيليون من التحكم في قواعد زيارات التفتيش، واختارت إدارة جونسون تجنب مواجهتهم في هذه المسألة. وبدلًا من إجراء تفتيش كل ستة أشهر، اكتفت بزيارة سريعة مرة كل عام تقريبًا.

إدارة جونسون.. الكثير من الشخصنة 

حين أبلغ ريتشارد هيلمز، مدير وكالة الاستخبارات المركزية، الرئيس الأميركي عام 1968 بأن إسرائيل امتلكت قدرة نووية فعلية، طلب منه جونسون ألا يطلع أحدًا آخر على الدليل، بمن في ذلك وزير الخارجية دين راسك ووزير الدفاع روبرت مكنمارا.

وفي كتابه “خيار شمشون” عن المشروع النووي الإسرائيلي، يفسر الصحفي الاستقصائي سيمور هيرش موقف الرئيس بقوله “كان هدف جونسون من إبعاد هيلمز ووكالة الاستخبارات واضحًا. فقد تجنب معرفة ما تحاول الوكالة إخباره به، لأنه ما إن يقبل هذه المعلومة حتى يصبح لزامًا عليه التحرك حيالها”.

وهنا يعود العامل الشخصي ليترك أثره في العلاقة، فقد كان ليندون جونسون الرجل الذي أعاد رسمها. وحين كان زعيمًا للأغلبية في مجلس الشيوخ عام 1956، عارض ضغط أيزنهاور على إسرائيل للانسحاب من سيناء وقطاع غزة، وكما يصفه رشيد خالدي في كتابه “حرب المئة عام على فلسطين”، كان افتقار جونسون إلى المعرفة بوقائع الشرق الأوسط وسائر القضايا الدولية سمة بارزة في شخصيته.

وعلى النقيض منه، امتلك سلفه جون كينيدي معرفة واسعة بالسياسة العالمية، وبالشرق الأوسط على وجه الخصوص. فقد زار فلسطين عام 1939، وكتب إلى والده رسالة أظهر فيها إلمامًا جيدًا بالوقائع، ونظرة نقدية واعية إلى الحجج الرئيسية لدى طرفي النزاع آنذاك.

وأحاط جونسون نفسه بدائرة واسعة من المؤيدين لإسرائيل، ضمت آبي فورتاس، وآرثر غولدبرغ، وماكجورج بندي، وكلارك كليفورد، والأخوين والت ويوجين روستو. وانضم إلى هذه الدائرة ممولون بارزون للحزب الديمقراطي، منهم أبراهام فاينبرغ وآرثر كريم وزوجته ماتيلد كريم. وبلغ حماس ماتيلد للصهيونية حدّ أنها شاركت في تهريب الأسلحة عبر الحدود الفرنسية السويسرية لمصلحة تنظيم “الإرغون” الصهيوني المسلح خلال صراعه ضد البريطانيين في فلسطين.

وكان عهد جونسون، وفق خالدي، خروجًا عن النهج الذي حافظت عليه إدارات ترومان وأيزنهاور وكينيدي. فقد جمعت تلك الإدارات بين توثيق العلاقات مع إسرائيل وزيادة المساعدات الاقتصادية المقدمة إليها، مع إبقائها خارج مركز السياسة الأميركية في المنطقة. ومع تجاوز جونسون ذلك النهج، بدأت مرحلة جديدة من إعادة ضبط العلاقات، أرست الصيغة الكلاسيكية للتحالف بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وامتدت من حرب عام 1967 حتى نهاية الحرب الباردة.

الرئيس جونسون برفقة رئيس الوزراء الإسرائيلي ليفي إشيكول 1968

إعادة ضبط 

لقد كانت حرب 1967، كما ذكرنا، بمثابة إعادة ضبط. ففي التفسير البراغماتي للعلاقة الأميركية الإسرائيلية، يرى كثيرون، ومن ضمنهم الباحث في العلاقات الدولية وشؤون الشرق الأوسط ستيفن زونس، أنه لو كانت المصالح الأمنية الإسرائيلية هي الأهم في نظر صانعي السياسة الأميركيين، لبلغت المساعدات الأميركية لإسرائيل ذروتها في السنوات الأولى من وجود الدولة اليهودية، حين كانت مؤسساتها الديمقراطية في أوج قوتها، ووضعها الاستراتيجي في أشد حالاته هشاشة. وبناءً عليه، كان يُفترض أن تتراجع تلك المساعدات مع ازدياد قوة إسرائيل العسكرية والاستراتيجية. لكن ما حدث كان العكس.

وكما يذكر زونس، بدأ التدفق الكبير للمساعدات العسكرية والاقتصادية الأميركية بعد حرب 1967، وظل في تصاعد مستمر. فمباشرة بعد انتصار إسرائيل الصاعق في الحرب، ارتفعت المساعدات الأميركية بنسبة 450 في المئة، في زيادة فُسّر جزء منها بأنه ثمن لتزويد الولايات المتحدة بنماذج من الأسلحة السوفييتية الجديدة التي استولت عليها إسرائيل خلال الحرب.

وبعد الدور الذي لعبته إسرائيل في أحداث أيلول الأسود عام 1970، وما أظهرته حينها من قدرة على كبح الحركات الثورية الفلسطينية خارج حدودها، زادت المساعدات الأميركية سبعة أضعاف أخرى، ثم جاءت حرب عام 1973، فزادت المساعدات العسكرية بنسبة 800 في المئة، قبل أن ترتفع مرة أخرى بعد اتفاق كامب ديفيد مع مصر وسقوط نظام الشاه في إيران. ومع تعاقب الأحداث، من حرب لبنان إلى حرب الخليج، ثم هجمات 11 سبتمبر وعالم الحرب على الإرهاب، أصبحت إسرائيل، ولا تزال، أكبر متلقٍ تراكمي للمساعدات الأميركية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

ويفسر زونس، مثلما يفعل لونشتاين في كتابه “مختبر فلسطين”، هذه المفارقة بأن الدعم الأميركي لإسرائيل ازداد كلما ازدادت قوتها، لما تمثله من مختبر لتجربة الأسلحة الأميركية الرائدة، ولمساهمتها في كشف تقنيات السلاح السوفييتي الذي استولت عليه في حروبها. كذلك، كانت إسرائيل تؤدي “العمل القذر” نيابة عن الولايات المتحدة، عبر التعامل مع أنظمة وحركات لا تحظى بشعبية داخل أميركا، إلى درجة تمنع واشنطن من تقديم المساعدات العسكرية إليها علنًا.

وقد أدت إسرائيل هذا الدور للولايات المتحدة في قضية “إيران كونترا”. ففي وقت لم يكن المجتمع الأميركي قد تعافى فيه بعد من أزمة الرهائن، كانت إسرائيل وسيطًا في توريد السلاح الأميركي إلى نظام الملالي في إيران، فيما حُوّل جزء من عائدات الصفقة إلى دعم قوات الكونترا في نيكاراغوا. كما كان لإسرائيل دور في دعم نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، والتعامل مع النظامين العسكريين في غواتيمالا والسلفادور خلال الثمانينيات، ومع قوات الاحتلال الأجنبية في ناميبيا والصحراء الغربية.

دبابات إسرائيلية في صحراء سيناء خلال حرب الأيام الستة 1967

لحظات من الكدر ودفع الأثمان

من الخطأ التغافل عما شهدته تلك الفترة، التي سمّيناها مرحلة إعادة الضبط، من صدامات بين الولايات المتحدة وإسرائيل. فلكل ازدواجية ثمن واجب الدفع.

وكما تعودنا، وُجدت أطر محددة للاشتباك، لكنها كانت كاشفة أيضًا عن السمات التي تميز تلك العلاقة، إذ اضطرت الولايات المتحدة في أحيان كثيرة إلى التستر على غسيل إسرائيل القذر، أو اللجوء إلى سياسة العصا والجزرة.

والأزمات قديمة قدم العلاقة الحميمية التي نشأت عام 1967، فخلال حرب الأيام الستة، هاجمت الطائرات وزوارق الطوربيد الإسرائيلية سفينة الاستخبارات الأميركية “يو إس إس ليبرتي” في المياه الدولية قبالة سيناء، ما أسفر عن مقتل 34 أميركيًا وإصابة 171 آخرين.

ورغم خطورة الحادث، تبنت التحقيقات الرسمية رواية الخطأ في تحديد الهوية، ولم يشكل الكونغرس الأميركي قط لجنة تحقيق مستقلة في الواقعة. وقد أبقى ذلك القضية حية حتى اللحظة، إذ قدّم النائب توماس ماسي، ونحن في عام 2026، مشروع قرار يدعو إلى رفع السرية عن جميع الوثائق المتعلقة بالهجوم ونشرها.

ولقد تسبب الدعم الأميركي لإسرائيل في حرب أكتوبر 1973 في فرض الحظر النفطي وما أعقبه من أزمة يعتقد كثيرون أنها غيرت مسار التاريخ الأميركي المعاصر. فقد تركت آثارًا بنيوية طويلة الأمد على سياسة الطاقة الأميركية تجاه الشرق الأوسط، وامتدت تداعياتها إلى الداخل، حيث أنهكت مقدرات كثير من الأسر الأميركية، وأسهمت في انكماش الطبقة الوسطى، وظلت بندًا حاضرًا على جدول المرشحين للرئاسة حتى نهاية الثمانينيات.

وبينما بقي كثير من الأحداث طي الكتمان، برز بعضها على السطح، مثل قضية الجاسوس الإسرائيلي جوناثان بولارد، محلل الاستخبارات في البحرية الأميركية الذي تجسس بين عامي 1984 و1985 لصالح الاستخبارات الإسرائيلية. وقد نجح في تسريب نحو 1500 برقية من ملخصات الاستخبارات الجارية، إضافة إلى أكثر من 800 وثيقة سرية أخرى، تضمنت معلومات عن مقر منظمة التحرير الفلسطينية في تونس وقدرات الدفاع الجوي التونسية والليبية، وساعدت إسرائيل في عملياتها ضد المنظمة هناك.

لقد كان الإحراج بالغًا، إلى الدرجة التي دفعت تل أبيب إلى التنصل من مسؤوليتها في البداية، وتقديم العملية باعتبارها مبادرة مارقة نفذتها مجموعة من المتحمسين لا تمثل الدولة، لكنها اضطرت، تحت الضغط الأميركي، إلى التعاون جزئيًا مع التحقيق وإعادة بعض الوثائق، قبل أن تعترف رسميًا عام 1998 بأن بولارد كان عميلًا لها. وقد أثرت الحادثة لفترة في تبادل المعلومات الاستخباراتية بين البلدين.

كذلك، كانت محاولات التسوية في المنطقة دائمًا نقطة تماس بين أولويات الأمن القومي لدى البلدين، ففي الثمانينيات تجدد الصدام مرة أخرى. وخلال حرب لبنان، وعلى إثر المشاهد الصادمة للقصف الجوي لبيروت، اتصل الرئيس ريغان برئيس الوزراء مناحيم بيغن، ودوّن في مذكراته أنه أخبره، “كل هذا يجب أن يتوقف، وإلا فإن علاقتنا المستقبلية بأكملها ستكون في خطر. لقد استخدمت أمامه كلمة هولوكوست عمدًا، وقلت إن رمز حربه أصبح صورة طفل عمره سبعة أشهر بُترت ذراعاه”.

وتكشف وثائق وزارة الخارجية الأميركية أن واشنطن رأت في الغزو الإسرائيلي تهديدًا مباشرًا لاستقرار المنطقة، الذي كانت تحاول حمايته في أعقاب كامب ديفيد. ونتيجة للغزو، أوقفت إدارة ريغان شحنات القذائف العنقودية إلى إسرائيل.

كما امتنعت في مناسبات عدة عن تعطيل قرارات أممية تنتقد إسرائيل، حتى بلغ عدد القرارات التي مرت خلال عهد ريغان وأدانت السلوك الإسرائيلي بصورة مباشرة أو غير مباشرة 21 قرارًا. وفي كل الأحوال، كانت نتائج حرب لبنان كارثية على صورة إسرائيل في الغرب والولايات المتحدة، وكارثية كذلك على خطة التسوية الأميركية، إذ سقط لبنان في النهاية تحت هيمنة النظام البعثي في سوريا.

وعلينا الآن أن نعود عقدًا إلى الوراء، لذكر حادثة أخرى ذات دلالة على وجه مختلف من وجوه العلاقة بين البلدين، ففي منتصف السبعينيات، وخلال حملته التي عُرفت بالدبلوماسية المكوكية، حاول كيسنجر الدفع نحو تسوية للصراع العربي الإسرائيلي، لكنه اصطدم برئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين، الذي رفض التنازل عن ممرات استراتيجية وحقول نفطية كانت تزود إسرائيل بنحو 60 في المئة من احتياجاتها النفطية.

وكادت هذه النقطة أن تُفشل المفاوضات مع مصر، حتى قال له كيسنجر، “أنت لا تفهم، أنا أحاول إنقاذك، وأنت تجعلني، وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية، أتجول في الشرق الأوسط كتاجر سجاد من بلاد الشام. هل فقدت عقلك؟”.

ولم يقف الأمر عند تقريع كيسنجر، إذ أرسل الرئيس جيرالد فورد رسالة إلى رابين أبلغه فيها، “لقد أصدرت تعليمات بإعادة تقييم سياسة الولايات المتحدة في المنطقة، بما في ذلك علاقتنا مع إسرائيل”. وعنى ذلك فعليًا أن الولايات المتحدة جمدت بحث طلب إسرائيلي لشراء طائرات مقاتلة من طراز “إف-15″، وأبطأت شحنات الأسلحة المقررة.

رجل عادي في مواجهة ألف لوبي

لم تصمد سياسة “إعادة التقييم” التي أعلنها فورد أمام معارضة مجلس الشيوخ، ولا سيما بعد الرسالة التي وقّعها 76 سيناتورًا وطالبوا فيها بالحفاظ على الدعم العسكري والاقتصادي لإسرائيل، لذلك لجأ الرئيس إلى أداة أخرى، واستخدم الحوافز لدفع إسرائيل إلى الانسحاب من ممري متلا والجدي في سيناء، فقدم إليها حزمة مساعدات اقتصادية وعسكرية تراوحت قيمتها بين ملياري دولار و2.3 مليار.

وأدت معارضة مجلس الشيوخ دورًا كبيرًا في رسم حدود قدرة أي رئيس أميركي، أيًا كانت شخصيته، على الضغط على إسرائيل.

وكما يرى الباحثان جون ميرشايمر وستيفن والت، يحضر اللوبي المؤيد لإسرائيل، وفي مقدمته “إيباك”، في السياسة الأميركية قوة ضغط منظمة. ويعمل هذا اللوبي من خلال تحالف فضفاض من الأفراد والمنظمات على توجيه السياسة الخارجية الأميركية لمصلحة إسرائيل، وقد يأتي ذلك أحيانًا، وفق طرح الباحثين، على حساب المصلحة الأميركية الأوسع.

وفي موازاة هذا اللوبي، برزت جماعات ضغط مؤيدة للعرب ومرتبطة بالمصالح النفطية، وتركت أثرها في قضايا عدة.

وفي واحدة من أبرز تلك اللحظات، وجدت المصالح النفطية والعلاقات الأميركية مع الدول العربية سندًا قويًا في وزير خارجية جورج بوش الأب، جيمس بيكر. فقد اشتبك بيكر وبوش مع رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق شامير، وأصرا على ربط ضمانات قروض بقيمة عشرة مليارات دولار بوقف التوسع الاستيطاني.

وأسهمت المواجهة في إضعاف شامير، قبل أن يخسر الانتخابات أمام إسحاق رابين، الذي عُدّ من الحمائم وفق التصنيف الأميركي للسياسة الإسرائيلية. وقد انعقد مؤتمر مدريد عام 1991 في عهد شامير، ثم اكتسبت المفاوضات المنبثقة عنه زخمًا أكبر بعد انتخاب رابين، بالتوازي مع القناة السرية التي انتهت إلى اتفاق أوسلو عام 1993.

وفي خضم تلك المعركة، أطلق بوش الأب تصريحًا أصبح من أشهر ما قيل عن نفوذ اللوبي المؤيد لإسرائيل. فقد قال في مؤتمر صحفي متلفز “سمعت اليوم أن نحو ألف من جماعات الضغط يعملون في الكابيتول لصالح الطرف الآخر من المسألة، بينما لا يوجد هنا سوى رجل وحيد يتولى الأمر”.

جورج بوش الأب في مؤتمر صحفي عام 1991

حقق لوبي المصالح النفطية بدوره انتصارًا في معركة طائرات “أواكس”. ففي عام 1981، خاضت إدارة رونالد ريغان مواجهة سياسية ضارية مع “إيباك” والحكومة الإسرائيلية، بعدما سعت إلى تمرير صفقة أسلحة للسعودية شملت طائرات الإنذار المبكر “أواكس”. ومنحت الصفقة الرياض قدرة نوعية جديدة أثارت مخاوف إسرائيل من تآكل تفوقها العسكري. ولم تمر الصفقة إلا بعدما وظّف ريغان كامل ثقله السياسي في مواجهة اللوبي.

وعلى هامش تلك القضية، قدّم وزير الخارجية ألكسندر هيغ إفادة إلى لجنة فرعية تابعة للجنة المخصصات في مجلس النواب. وقد تضمّنت الإفادة تصريحًا صريحًا أسهم في ترسيخ مبدأ أفاد إسرائيل لاحقًا أكثر مما أضرّتها الصفقة. فقد أعلن هيغ أن ضمان التفوق العسكري النوعي لإسرائيل يمثل ركيزة أساسية في السياسة الأميركية منذ حرب أكتوبر 1973.

ومنذ ذلك الوقت، تبلور مفهوم التفوق العسكري النوعي تدريجيًا، حتى أقرّه الكونغرس في قانون صدر عام 2008. ويُلزم القانون الإدارة الأميركية بأن تتضمن أي إحالة لصفقة أسلحة إلى دولة شرق أوسطية، باستثناء إسرائيل، تأكيدًا بأن الصفقة لن تضر بالتفوق العسكري النوعي الإسرائيلي. كما يفرض على الرئيس إجراء تقييم مستمر لهذا التفوق، والاستناد إليه عند مراجعة صفقات السلاح في المنطقة.

وبدا كل انتصار يحققه لوبي المصالح النفطية، أو منطق المصالح الأميركية المباشرة في المنطقة، كأنه يواجه انتصارات أوسع للوبي المؤيد لإسرائيل. وهنا ينبغي التوقف لفهم أن التحالف بين البلدين يستند إلى قواسم استراتيجية، وترفده أيضًا دعامة قيمية حقيقية تجمع بين أهداف أخلاقية مشتركة، وفق تعريف أصحابها لها.

أصدقاء إسرائيل وعشاقها

يلفت ستيفن زونس إلى سمة لافتة لدى الساسة الأميركيين، حين يتناول التعلق العاطفي الذي يكنّه كثير من الليبراليين لإسرائيل، ولا سيما المنتمين إلى جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية ممن شغلوا مواقع قيادية في الحكومة والإعلام.

ويتعلق كثير من الأميركيين بالصورة التي يحملونها عن الديمقراطية الداخلية لإسرائيل بالنسبة إلى مواطنيها اليهود، ومؤسساتها الاجتماعية التقدمية مثل الكيبوتسات، ومستويات المساواة الاجتماعية المرتفعة نسبيًا، ودورها ملاذًا آمنًا لأقلية مضطهدة أمضت قرونًا في الشتات.

ويُضاف إلى ذلك مزيج من الشعور بالذنب تجاه معاداة السامية الغربية، والصداقات الشخصية مع أميركيين يهود شديدي التعاطف مع إسرائيل، والخشية من أن يؤدي انتقادها، من دون قصد، إلى تشجيع معاداة السامية. وقد خلقت هذه العوامل ترددًا كبيرًا في الإقرار بخطورة الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الإنسان والقانون الدولي.

ويتحدث زونس أيضًا عن أسباب براغماتية ترتبط بصناعة السلاح، التي تنفق على الحملات الانتخابية وجهود الضغط في الكونغرس خمسة أضعاف ما تنفقه “إيباك” وسائر جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل. ولهذه الصناعة مصلحة مباشرة في استمرار شحنات الأسلحة الضخمة إلى إسرائيل.

ووفق المثال الذي يورده زونس، يسهل على عضو في الكونغرس الاعتراض على صفقة أسلحة لإندونيسيا بقيمة ستين مليون دولار أكثر من اعتراضه على صفقة لإسرائيل تتجاوز قيمتها ملياري دولار، إذ تضم دوائر انتخابية كثيرة مصانع تنتج هذه المعدات العسكرية.

ويبرز عامل آخر داخل الولايات المتحدة، يتمثل في نحو 44 مليون أميركي يعرّفون أنفسهم بأنهم بروتستانت إنجيليون بيض. وهم يشكلون كتلة سكانية وانتخابية واسعة، تضيف ثقلها الشعبي إلى نفوذ جماعات الضغط السياسية التقليدية، وتدعم إسرائيل استنادًا إلى تفسيرات لاهوتية للنبوءات التوراتية. وتشير استطلاعات سابقة جمعها مركز بيو للأبحاث إلى أن 82 في المئة من البروتستانت الإنجيليين البيض يعتقدون أن الله وهب الأرض لليهود، وهي نسبة تقترب من 81 في المئة لدى اليهود الحريديم.

ويجد هذا التشابك الأيديولوجي والانتخابي والمالي أحد أوضح تعبيراته الحديثة في القوة التي توظفها “إيباك” داخل الانتخابات. ففي دورة عام 2024، تجاوز إنفاق المنظمة وأذرعها السياسية مئة مليون دولار، وذهب جانب كبير منه إلى سباقات تمهيدية ديمقراطية بهدف إسقاط نواب تقدميين انتقدوا الحرب على غزة.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتحدث في مؤتمر السياسات للجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) في واشنطن- AP

ويشير تقرير صدر مطلع عام 2025 إلى أن 349 عضوًا في الكونغرس، أي نحو 65 في المئة من مجموع أعضائه، تلقوا دعمًا انتخابيًا من “إيباك” وأذرعها السياسية خلال دورة انتخابات 2024 وحدها، وكان من بينهم قادة في الحزبين الديمقراطي والجمهوري. وتمنح هذه المعطيات الارتباط الذي نعرضه بُعدًا مؤسسيًا، كما تقدم جوابًا عن سؤال شخصنة العلاقة. فمن الواضح أن هذا الارتباط يتجاوز أي إدارة رئاسية بعينها، ويطال البنية التشريعية نفسها.

ويكشف التاريخ الأميركي أن إسرائيل استطاعت في مناسبات عدة تجاهل توجيهات الرئيس الأميركي بجرأة، ففي عام 2003، أعلنت إدارة جورج بوش معارضتها بناء الجدار الفاصل، الذي نُظر إليه على نطاق واسع على أنه محاولة إسرائيلية لفرض وقائع على الأرض تعوق أي تسوية مستقبلية. وأعرب بوش في مؤتمر صحفي عن استيائه قائلًا “أعتقد أن الجدار مشكلة، وقد ناقشت هذا الأمر مع شارون. ويصعب كثيرًا بناء الثقة بين الفلسطينيين وإسرائيل في ظل جدار يتلوى عبر الضفة الغربية”.

وتجاوزت المواجهة حدود التصريحات، إذ لوّحت مستشارة الأمن القومي كونداليزا رايس بخصم كلفة الجدار من حزمة ضمانات القروض البالغة تسعة مليارات دولار. وفي نوفمبر من العام نفسه، أعلنت واشنطن خصم 289.5 مليون دولار من الدفعة الأولى، بسبب الإنفاق الإسرائيلي على الاستيطان وأجزاء من الجدار.

واستنفر مؤيدو إسرائيل في الكونغرس، وحذّروا البيت الأبيض من أن الكونغرس سيبذل كل ما في وسعه لمنع تعطيل ضمانات القروض إذا حاول الرئيس معاقبة إسرائيل بدعوى دفاعها عن نفسها. وعبّر مسؤول إسرائيلي رفيع عن محدودية أثر هذا الضغط قائلًا “نحن لا نخضع لأي ضغط. فالولايات المتحدة ديمقراطية شديدة الحيوية، وهذه إدارة شديدة التأثر بالحسابات السياسية. والواقع تصنعه أحيانًا القيود السياسية”.

وبالفعل، ظلت العقوبة محدودة الأثر، ولم توقف بناء الجدار أو التوسع الاستيطاني. وبعد أشهر، خرجت إسرائيل بمكسب سياسي أوسع، حين أعلن بوش أن العودة الكاملة إلى خطوط الهدنة لعام 1949 لم تعد واقعية في ضوء ما وصفه بالوقائع الجديدة على الأرض، وأن تسوية قضية اللاجئين الفلسطينيين ينبغي أن تتم من خلال توطينهم في دولة فلسطينية جديدة، لا داخل إسرائيل. وفي الوقت نفسه، واصلت إسرائيل توسيع المستوطنات وبناء الجدار.

اللحظة الحالية 

قد يذهب الظن إلى أن تداعيات السابع من أكتوبر 2023 أعادت صياغة العلاقة الأميركية الإسرائيلية، لكن الحكم على ذلك يبقى سابقًا لأوانه، فقد بدأت تتشكل داخل الحزبين الديمقراطي والجمهوري تيارات أكثر وعيًا بما تسببه سياسات إسرائيل من أضرار استراتيجية للمصالح الأميركية.

وتتجلى في شخصية الرئيس الحالي، دونالد ترامب، إحدى سمات هذه العلاقة، التي رأينا كيف تؤدي فيها الشخصنة دورًا كبيرًا، ولا سيما حين يكون الرئيس الأميركي متحمسًا للصهيونية.

وشهد مسار الحرب ومفاوضات التسوية، على مدى ثلاثة أعوام، وقائع لا تبدو غريبة عن طبيعة العلاقة بين البلدين، التي يسودها التوتر أحيانًا، لذلك يقتضي استشراف مستقبلها النظر في معطى آخر.

تجلّى الأثر الأعمق للحرب على غزة في اتساع ميل الديمقراطيين الأميركيين نحو التعاطف مع الفلسطينيين أكثر من الإسرائيليين. وبحلول فبراير 2026، أظهرت استطلاعات مؤسسة غالوب أن تعاطف الأميركيين عمومًا مع الفلسطينيين تجاوز، للمرة الأولى، تعاطفهم مع الإسرائيليين.

وظهر هذا التحول أيضًا في صعود تاكر كارلسن داخل حركة “ماغا”، وما يمثله من اتجاه يضع المصالح الأميركية في صدارة رؤيته، إلى جانب فوز زهران ممداني بمنصب عمدة نيويورك، بعدما تحدى نفوذ اللوبي الصهيوني وواجه عداءً صريحًا من الرئيس الأميركي.

يكشف هذا الاستعراض التاريخي المطول أن العلاقة الأميركية الإسرائيلية جمعت بين التأثر بالأشخاص وتفضيلاتهم الأخلاقية والدينية، والقدرة على تجاوز أمزجتهم السياسية العابرة. وقد حافظت على حضورها ما دام السياق الذي يغذيها قائمًا.

وحافظت العلاقة عبر العقود على استمراريتها الاستراتيجية رغم حدة المواجهات بين البلدين. فالتفوق العسكري النوعي لإسرائيل مكرّس في القانون الأميركي، فيما يظل نفوذ جماعات الضغط المالي والانتخابي راسخًا حتى مع تراجع التعاطف الشعبي.

وفي ظل التفاعل بين القانون والمال من جهة، والرأي العام المتحول من جهة أخرى، سيتحدد المدى الذي تستطيع أي إدارة أميركية بلوغه في مواجهة حليفها الأصعب مستقبلًا.

علاماتالسياسة الأمريكية ، السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط ، العلاقات الأمريكية الإسرائيلية
مواضيعالاحتلال الإسرائيلي ، السياسة الأمريكية ، العلاقات الأمريكية العربية ، نحن وأمريكا

قد يعجبك ايضا

سياسة

من الضفة إلى جنوب سوريا: كيف اتسع التهديد الإسرائيلي في الحسابات الأردنية؟

عماد عنان٢٨ سبتمبر ٢٠٢٦
سياسة

خلف أستار القانون: كيف يحسم “جيش المستوطنين” ضم الضفة على الأرض؟

عاموس بريسون٢٨ سبتمبر ٢٠٢٦
سياسة

دول الخليج والحرب الإيرانية: موازنة صعبة وثمن باهظ

شون هوارد٢٨ سبتمبر ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑